زيارة عروس

الكاتب : يحي محمد حميد   المشاهدات : 674   الردود : 9    ‏2003-06-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-06
  1. يحي محمد حميد

    يحي محمد حميد عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-17
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    زيارة عروس

    جلست غفران بعد أداء فريضة الصلاة تتلو آيات من القرآن الكريم وكانت تستشعر لعطاء ما تقرأ لذة دونها الشهد وتتجسس لمعاني ما تفهم نشوة روحية ترتفع بأفكارها نحو أجواء القدس وتحلق بآمالها وأمانيها في سماء الحق ، فهي تأخذ من كل آية درساً وتستقي من كل كلمة عبرة تفتح أمامها منافذ من نور لا تعود تبصر الحياة التي حولها إلا من خلالها ، ثم مرت في سياق تلاوتها بالآية المباركة التي تقول : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) وما أن انتهت من القراءة حتى شعرت أن هذه الآية لا تزال تتردد في فكرها وتملي على قلبها مرة بعد مرة ، فتفتح أمامها عالماً من ذكريات وصفحات من تاريخ لعب دور البطولة فيه أفراد بلغ بعضهم الشأو وتراجع البعض في وسط الطريق ، وهنا صدرت عنها آهة تشكو مرارة الذكرى . فإن مما يؤلمها جدا بوادر الخيبة التي تجدها تقطع على بعض المنطلقين خط السير نحو الكمال . وتصاعدت


    سحابة قاتمة تحاول أن ترين على روحها لمرارة الذكريات ولكن كانت هناك مصادر نور تنطلق من تجارب صالحة بدأت الشوط فأتمته بنجاح ، وهنا برزت أمامها صورة صديقتها سعاد . فشعرت نحوها بشوق صادق فهي قد ذهبت منذ أيام مع عريسها ليستهلا حياتهما الجديدة في زيارة لبعض المشاهد المقدسة وكانت هذه الذكرى كفيلة ببعث ملامح نور زاهية في نفس غفران ، وعادت بها الذكرى إلى صديقتها سعاد فتذكرتها في ترقبها وهي فتاة واستعرضت الخطوط التي رسمت أبعاد اختيارها لشريك الحياة . ثم تطلعاتها الخيرة وهي تقف على أبواب الحياة الزوجية وترفعها عن الزخارف التي شوهت مفهوم هذه المرحلة المقدسة التي وجدت لتكون لبنة صالحة في بناء عش مؤمن سعيد تدعمه شركة روحية بين زوجين ويترعرع في جنباته جيل خير من الابناء ، ولم يسعها إلا أن تتوجه إلى الله العلي القدير أن يحرس صديقتها المؤمنة ويحقق لها آمالها الخيرة التي بنتها على هذه الزيجة المنتقاة ، ولم تكد غفران أن تصل في أفكارها عند هذا الحد حتى سمعت رنين جرس الباب فسارعت إليه لتجد إحدى صديقتها وقد جاءت لتخبرها بعودة سعاد ، فغمرتها الفرحة وقالت في لهفة بالغة إذن أنت ذاهبة إليها الآن انتظريني لأصحبك إليها يا أختاه ، قالت هذا ثم توجهت لتأتي بعباءتها ولكن صديقتها أجابت في تردد . ولكن لا . ليس الآن يا غفران ، فاستدارت غفران نحوها في استغراب وقالت ليس الآن ولماذا ؟ قالت يبدو أن

    هناك بعض الموانع ، قالت موانع !! أرجو أن تكون خيراً ؟ فابتسمت صاحبتها ثم أردفت بعد فترة سكوت : لقد قيل أنها لا تزال جديدة عهد في بيتها ولهذا فهي لم تعد العدة لاستقبال الضيوف بعد !! فأطرقت غفران في ألم ثم رفعت رأسها وهي تقول : ولكن لا أظن أن سعاد تقول هذا فهل أنت واثقة مما تتحدثين ؛ قالت أنني واثقة مما نقل إليّ ولكنني مثلك لا أكاد أصدّق أن هذه هي فكرة سعاد أو ليست سعاد هي التي رسمت في خطوط زواجها صوراً من المثالية ترتفع بها عن الاهتمام بأمثال هذه الشكليات ، فأردفت غفران تقول في حيرة وألم : نعم أنني لا أكاد أصدق ولهذا دعينا نذهب يا هناء فلعل في الأمر بعض الالتباس ، قالت صاحبتها ولكن ألا يخطر لك أن هذا العذر يخفي وراءه أعذارا جديدة أخرى ، وعلى فرض وجود ذلك فسوف يكون ذهابنا غير مرغوب فيه ، فسكتت غفران برهة ثم قالت : نعم لعله كذلك فإن سعاد ليست ممن تمتنع عن استقبال زائراتها لقلة في أثاث أو بساطة في بيت ورياش أنها تهتم بالجوهر ولم يسبق لها أن اهتمت بالعرض يوماً ما .
    * * *

    قضت غفران ساعات عصرها ذاك وهي في ألم حزين تضرب للأمر أخماساً بأسداس . ولاحت لها فكرة قاتمة تقول لعل سعاد هي أيضاً ممن لم تتمكن من مسايرة التجربة الخيرة


    حتى النجاح ، ولكنها عادت لتهتف لنفسها قائلة : لا . أن لدى سعاد من الكفاءة ما يمكنها أن تكون وسيلة إيضاح كاملة ولهذا فهي لن تضعف أو تتراجع أمام شيء ، وما كادت الساعة التاسعة تعلن عن انقضائها حتى دق جرس الباب من جديد فاندفعت نحوه غفران على أمل أن تجد خبراً جديداً عن سعاد وما أن فتحت الباب حتى كانت بانتظارها أروع مفاجأة إذا طالعتها من ورائه صورة سعاد .. كادت غفران أن تغالط بصرها لحظة ولكن يد سعاد التي امتدت نحوها لتصافحها بحرارة أثبتت لها الواقع المحسوس فغمرتها الفرحة وطبعت على جبين صديقتها قبلة إيمان صادقة وأسعدها أن تجد أسارير سعاد وهي تنطق عن الراحة والسعادة ثم أخذت بيدها وهي تردد : مبروك يا عزيزتي وألف مبروك . ما أكثر ما أوحشتينا بغيابك يا أختاه . قالت هذا ثم حاولت أن تدعوها إلى داخل الدار فأجابت سعاد : لا يا غفران أن هناك من ينتظرني في الخارج ولكنني افتقدت زيارتك لي عصر هذا اليوم وخمنت أنك لم تعرفي بقدومي بعد ثم لقد كنت في شوق إليك بعد هذه الفترة من البعد ، قالت غفران ولكن ألم تعلني أنت أن موعد استقبالك للزائرات لم يحن بعد ! فرددت سعاد كلمات غفران في استغراب قائلة : موعد زيارتي لم يحن بعد ولكن لماذا ؟ كيف يمكن لي أن أقول هذا وأنا في انتظار أخواتي منذ الساعة الأولى ؟ قالت غفران لأن بيتك لم يعد للاستقبال كما ينبغي ويليق فضحكت سعاد ثم قالت ومتى أصبحت


    استقبل زائراتي على أساس من البيت وزخارفه ؟ ثم كيف أمكنك أنت أن تصدقي ذلك عني يا غفران ؟ وهنا شعرت غفران بموجة من فرح وسعادة تغمرها إذ وجدت أن آمالها وأمانيها لم تخنها في هذه الأخت العزيزة ورددت في شكر صادق : الحمد لله . الحمد لله . شد ما أنا سعيدة بك ومن أجلك يا سعاد ولكن ما هو مصدر ذلك الخبر إذن ؟ قالت أنها إشاعات ، قالت غفران ولكن بعض الاشاعات تحمل معها أعظم الأخطار لأنها ترمز إلى مفهوم مخالف لمفاهيم الاسلام فحاولي يا عزيزتي أن تحولي بينها وبين الانتشار واجعلي من حياتك القادمة وسيلة إيضاح كاملة ، قالت : نعم سوف أحاول ذلك ولن أدع ثغرة تنفذ من خلالها الاشاعات ، فربتت غفران على ظهرها برفق وهي تقول : واعلمي أن أمرك يهمني جدا لأنه الصورة الحية لحياة زوجية قامت على أساس الايمان ووضعت خطوطها على هدى من تعاليم الاسلام وغداً سوف أزورك مع مجموعة من الاخوات أن شاء الله ، فرفعت سعاد رأسها وهي تقول في اعتزاز : نعم وعلى الرحب والسعة تفترشين معي الحصير وتشربين وإياي ماء الغدير فإلى اللقاء يا أختاه .
    * * *

    بدأت غفران في صباح اليوم الثاني تتصل بصديقاتها تخبرهن بعودة سعاد وعزمها على زيارتها عصر ذلك اليوم ، ثم


    خطرت لها ابنة خالتها هيفاء وكانت هذه قد كلفتها أن تخبرها عن موعد زيارتها لسعاد . فاحتارت كيف تبلغها الأمر وهي بعيدة عنها وبينما هي تفتش عن الحل سمعت صوت هيفاء تتحدث مع أمها في ساحة الدار فاتجهت نحوها وهي تجد أن حضور هيفاء وقد سهل لها العديد من المصاعب وبعد أن بادلتها التحية وجلست وإياها فترة قالت لها : كنت أحاول أن أتصل بك لأخبرك بعودة سعاد وبأننا ذاهبتان إليها عصر هذا اليوم فإذا أحببت أن تصحبينا اليها فعلى الرحب والسعة . فضحكت هيفاء وأجابت بأسلوب تهكمي ساخر : شكرا ، شكرا . فاستغربت غفران هذا النوع من رد الفعل الذي بدت بوادره على هيفاء وراجعت نفسها هنيئة ، أتراها أخطأت التعبير أو أساءت التصوير ، ولكنها لم تجد من نفسها ما يؤخذ عليه ولهذا رأت أن عليها أن تسعى إلى توضيح الموقف فأردفت تقول وقد لاح شبح ابتسامة على شفتيها : ولكن ما الذي أثارك على هذا الشكل يا هيفاء ؟ قالت هيفاء أن كلامك واضح التكلف وكأنك ومع هذا الأسلوب من الاخبار تريدين أن تقولي : لا تأتي معنا يا هيفاء ، وهنا شعرت غفران بلذعة الألم لهذا التجني ولكنها تماسكت ولم تمسح عن وجهها ابتسامتها وإن كانت تلك الابتسامة قد اكتست بعض معاني الشحوب وقالت بصوت حاولت أن يكون هادئا : وكيف عرفت ذلك يا هيفاء ، حبذا لو فسرت لي الأسباب التي حدت بك إلى كل هذا التأثر البالغ . قالت هيفاء : وهل أن


    من المعقول أو من المنطقي عقلا وعمليا أن أذهب اليوم عصرا إلى زيارة سعاد وأنا لم أعرف بذلك إلا الساعة ؟ قالت غفران : وماذا في ذلك يا هيفاء ؟ قالت أنك تتجاهلين حقيقة واضحة وهي معدات الذهاب التي تتطلب يومين على أقل تقدير ! وضعت غفران رأسها بين كفيها وأسندت ساعدها إلى حافة الكرسي الذي تجلس عليه وقالت في لهجة حاولت أن تكون طبيعية : وما هي تلك المعدات بالله عليك يا هيفاء حدثيني بها أو ببعضها إذا أردت . فنشطت هيفاء للحديث واعتدلت في جلستها وكأنها في سبيل خوض معركة حياتيه وقالت : ان من تذهب إلى زيارة عروس تتحتم عليها عدة مقدمات :
    أولا : أن تهيّء لها بدلة مناسبة . ثانياً : أن تختار يوماً لا يشغلها فيه شيء لكي تتمكن أن تصفف شعرها بشكل من الأشكال . ثالثاً : أن تكون متمكنة من ذلك من الناحية المالية . فكررت غفران كلماتها الأخيرة وقالت : متمكنة من ذلك من الناحية المالية ؟ وما هو ارتباط الناحية المالية بزيارة العروس ؟ فقهقهت هيفاء بشيء من السخرية وقالت : بالاضافة إلى متطلبات البدلة والحلاقة يبرز موضوع الهدية وما أراك إلا وقد نسيت هذه النقطة الحساسة قالت غفران : وكيف أنساها يا هيفاء وقد أوصانا الاسلام بها وعرفها إلينا على أنها مما يشد أواصر القربى ويؤكد عواطف الإخاء . قالت هيفاء : إذن فكيف تتوقعين مني أن أذهب عصر اليوم إلى


    سعاد ولم أعد الهدية بعد ؟ قالت غفران : وهل أن من شروط الهدية أن تكوني مرهقة مالياً ؟ أن ذلك لا يعود يحمل معنى الهدية بل أنه يكتسي طابع الضريبة وبذلك تفقد الهدية لذيذ عطائها وتخسر الفوائد المتوخاة نتيجة ذلك ، إن الهدية يا هيفاء وضعت لكي تكون وصلة خير بين الأخوة المؤمنين ولكي ترمز إلى دوام تذكر الانسان المهدي للمهدى إليه وتعبر عن الاهتمام بأمره تارة والفرحة من أجله تارة أخرى . ولهذا فهي عندما تكتسي طابع القيم المادية تتحول إلى عبء ثقيل يرهق الانسان روحيا وماديا ، ألم تسمعي أن الرسول (ص) كان يتقبل الهدية ولو كانت قدحا من لبن ؟ قالت هيفاء : ولكن أليس من المخجل أن تذهب واحدة لصديقتها بهدية رخيصة ؟ قالت غفران : أبدا يا هيفاء فإن الهدايا على مقدار مهديها وليست على مقدار من أهديت إليه ، أن الذي يتلقى هدية وهو يعلم أنها لم تثقل على صاحبها في شيء يرتاح لها بشكل صادق لا يتأتى عند الهدايا المتكلفة الأخرى ، فأنت الآن يا هيفاء يمكنك أن تأخذي معك كتابا واحدا كرمز للفرحة بدل أن تتأخري عن زيارتها ، أما موضوع البدلة التي ذكرتها في المرحلة الاولى فأنه يمكنك أن تذهبي إليها اليوم ثم ترسلي إليها بدلتك بعد أن يتم إنجازها . فتفرست هيفاء في وجه غفران وقالت : ما أراك إلا ساخرة بي يا غفران فهل من المعقول أن يقوم أحد بهذا العمل ؟
    قالت غفران : وإلا فما هو المانع الذي يمنعك أن تلبسي


    ما لديك من ثياب وكلها جميلة وأنيقة وما هو الغرض من أن تكون زيارتك للعروس مرهونة بارتداء بذلة جديدة ؟ قالت هيفاء في شيء من التحدي : لكي أبرز بشكل مرضي ولكي أكون جميلة ، قالت غفران : لا شك أن لك تجارب سابقة في خصوص هذا الموضوع وقد سبق أن ارتديت ما يبرزك بشكل مرض فأين هي تلك الملابس يا ترى ؟ هذا إذا كان الهدف الرئيسي هو ما ذكرت أما إذا كانت هناك أسباب أخرى فهي كما أوضحت لك سابقاً أن من الممكن تلافيها بشكل من الأشكال ، ليتك كنت صريحة مع نفسك يا هيفاء لاعترفت بما أقول ولحاولت أن تتغلبي على هذا الطراز من التعايش مع الآخرين ، فهل تعلمين كم يؤثر هذا السلوك على طبيعة العلاقات وكم يتسبب هذا في إبعادك عن المجتمع وتجنبك لصديقاتك يا هيفاء ؟ كوني سهلة وقدمي الأهم على المهم واجعلي من الاهم ذلك الشيء الذي ينسجم مع طاعة الله عز وجل ويتماشى مع روح الانفتاح الخالص على صديقاتك المؤمنات .
    * * *

    بينما كانت غفران تحاول أن تصل في أحاديثها مع هيفاء إلى نتيجة مرضية تمكنها من انطلاقة جديدة لها في الحياة ، كانت سعاد تمر بدور مماثل لها فقد نهضت عند الصباح وبعد انجاز الأعمال البيتية انصرفت لتحضير كعكة من أجل


    الزائرات الغاليات ، وبينما هي مندمجة في عملها مع جد مريح واندفاع صادق ، تصور لها أفكارها طبيعة الجلسة وترسم لها صورة عن أجوائها المحببة ، فهي تكاد مسبقا تلمح رجاء بطرائفها المحببة وإخلاص بأمثالها الحكيمة وآمال بصمتها المعبر وهادية بمثلها التي تتمكن أن تبرزها في كل مجال وتنفذ إليها من خلال كل ثغرة ، بينما هي غارقة في ذكريات سابقة رسمت لها ملامح الساعات القادمة سمعت رنين جرس الباب فسارعت اليه لتجد إحدى قريباتها التي أصبحت جارتها في بيتها الجديد ، فرحبت بقدومها وجلست وإياها للحديث فأخذت تحدثها تلك عن طبيعة المنطقة وأنها ارستقراطية إلى حد بعيد ، فقالت سعاد : أنني لا استشعر أهمية لذلك فإن الانسان المؤمن ليلتزم في حياته بسلوك لا يتغير ولا يتبدل في أي محيط مهما كان ارستقراطيا أو برجوازيا أو شعبيا فأن له خطوطا عريضة يسير عليها مهما كان الوسط الذي يعيشه ، فتململت جارتها لحظة ثم قالت في تردد : ولكن ، لعل هناك بعض النقاط مما يلفت الأنظار الشيء الذي لا أريده لك ولهذا أحببت أن أعرّفك على المستوى الرفيع للمنطقة وأنت جديدة عهد بسكناها . قالت سعاد : أية نقاط هذه التي تعنين ؟ قالت : أعني عدم وجود تلفاز في بيتكم أولا ثم هذا النمط من الحجاب الذي تلتزمين به . قالت سعاد : سوف أكون سعيدة أكثر لو عرفت أن هاتين النقطتين جديرتان لأن تلفتا إليهما الأنظار . فاستغربت جارتها من هذا الرد


    وتساءلت : وكيف ؟ قالت : لأن ذلك يحقق لنا جانبا من جوانب العبادة التي خلقنا من أجلها : ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) ومن أهم نواحي العبادة ناحية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى دين الله ولهذا فأنا إذ أفهم بأن هناك في مظهري الخارجي أو مظهر بيتي ما يلفت الأنظار أكون مرتاحة لأنني في ذلك كله قد حققت دعوة صامتة وأثبت حقيقة مقدسة بأسلوب عملي ، فدعيني أشكرك على بوادر البشارة التي حملتيها إليّ .
    ... كانت صاحبتها تستمع إلى سعاد وهي لا تكاد تصدق ما تسمع وكأنها أرادت أن تتخلص من الاستمرار في حديث لا تتمكن من مجاراته فكريا وعمليا فقالت : يبدو أن عندك ضيوف ؟ عرفت ذلك من رائحة الكيك التي أخذت تتصاعد منذ فترة ، فابتسمت سعاد وقالت : نعم ، لديّ مجموعة من الزائرات . فتلفتت صاحبتها حولها وكأنها تبحث عن شيء ، ثم قالت : فلماذا إذن لم تكملي فرش بيتك قبل استقبال الضيوف ؟ قالت سعاد : ليس لدي ما أضيفه عما هو موجود ... فأبدت تلك بعض علامات الاستغراب مع مسحة من الألم وقالت في صوت حاولت أن يكون حزيناً : أنت ليس عندك سجاد إذن يا سعاد ولكن كان يمكن أن تستعيري ذلك منا ، أرجوك اعتبري بيتي كبيتك تماما ، وحتى الآن يمكن أن أنقل اليك ما تفرشين قبل أن تبدأ الزيارات ويعرف عنك ذلك . فضحكت سعاد وقالت : أنا شاكرة لك

    عواطفك هذه ولكنني أستميحك العذر عن قبولها لأنني لا أحس بالحاجة إلى ذلك أبداً ، فأبدت صاحبتها بعض بوادر الدهشة وقالت : وكيف ، أليس من الجميل أن يزورك الناس فيجدون بيتك كاملا غير ناقص ؟ قالت سعاد : نعم أن ذلك جميل ولكن الكمال الذي أهفو إليه ليس عن طريق أثاثه ورياشه وليس عن طريق وسائل الديكور التي تزين جدرانه .
    ولكنه عن طريق انفتاحه هو ومن فيه لكل قادم وتطبيقه لتعاليم الاسلام في إكرام الضيف وبذل القزى للزائرين .
    * * *

    وعند العصر كان بيت سعاد يضم أروع اضمامة عطرة من الفتيات الصالحات بعد أن اعطين بكل خطوة درسا ورسمن على كل حركة وسيلة إيضاح هادية .
    منقول من كتاب المجموعة القصصية الكاملة للكاتبة الشهبدة بنت الهدى
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-06-06
  3. الفارس الاحمر

    الفارس الاحمر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-03-24
    المشاركات:
    1,042
    الإعجاب :
    0
    شكراُ يا اخ حميد على المجهود.....
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-06-08
  5. وفاء الهاشمي

    وفاء الهاشمي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-12-24
    المشاركات:
    8,130
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرآ عنا وشكرآ لك
    لنقل ماكتبت الشهيدة بنت الهدى
    رحمها الله وأدخلها فسيح جناته
    و الله يجعله هذا في مــــــيزان
    حسناتك ,

    تحية
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-06-08
  7. ابوناصر

    ابوناصر عضو

    التسجيل :
    ‏2003-05-27
    المشاركات:
    50
    الإعجاب :
    0
    ? من هي الشهيدة بنت الهدى
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-06-08
  9. يحي محمد حميد

    يحي محمد حميد عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-17
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    بنت الهدى

    أخواني أخواتي الأعزاء أشكركم على التفاعل والصبر على قرائة المواضيع التي انقلها .
    أما بالنسبة لترجمة الأديبة الشاعرة الشهيدة بنت الهدى فقد قمت بنشرها تحت عنوان بنت الهدى و سوف أواصل نشر بعض من أعمالها الأدبية والشعرية ان شاء الله
    واعذروني على الاسهاب و التقصير
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-06-08
  11. لمياء

    لمياء مشرفة سابقة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-08
    المشاركات:
    2,738
    الإعجاب :
    0
    الف شكر اخي الكريم فعلا توجيهات رائعة في اسلوب قصصي رائع

    بانتظار البقية
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-06-09
  13. Super Linx

    Super Linx عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-02-24
    المشاركات:
    1,880
    الإعجاب :
    0
    مشكور

    مشكور يا اخي وتسلم يدك
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-06-11
  15. يحي محمد حميد

    يحي محمد حميد عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-17
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    صافرة إنذار

    صافرة إنذار

    عاد عبد الحكيم إلى البيت ليجد أن زوجته إقبال لا تزال خارج الدار فجلس ينتظرها وهو يلاعب أطفاله تارة ويقرأ في كتاب تارة أخرى وحوالي الساعة العاشرة عادت إقبال ، فوجدها في أروع حلة وأبرز زينة على عادتها في التزام الأناقة ، ولكنها لم تمهله لكي يمتع نظره بمظهرها الجذاب إذ اتجهت إلى غرفتها وتخلصت هناك من وسائل التصنع فبرزت حقيقتها أقل جمالاً وأكثر نعومة وأنوثة . ولاحظ عبد الحكيم أن إقبال لديها ما تقوله له تتحبب إليه بشكل لا يحدث إلا في الحالات التي تسبق لها طلب أو حاجة ، وبعد أن استسلم الأطفال للنوم قالت إقبال : أنك لم تسألني عن زيارتي عصر هذا اليوم ، فابتسم عبد الحكيم واستعاذ في سره من هذه المقدمة ثم قال أرجوأن تكوني قد حصلت على بعض المتعة والراحة ؟ فاندفعت تقول وكأنها تتحدث عن الفردوس الموعود ، يا لله كم كانت الجلسة رائعة والحديقة واسعة والبيت فخم والتقديم محترم جدا وقد كانت أحدث ( باروكة ) هي باروكة صديقتي حياة وأغلى بدلة هي بدلة أم نعمان زوجة الدكتور عاصم آه كم كانت جميلة ومحترم وكم كانت بارزة مقدرة . نعم جداً جداً فضحك عبد الحكيم في ألم وتساءل من أم نعمان أم البدلة ؟ قالت لا أنها البدلة يا عبد الحكيم ، وقال وأم نعمان ماذا كان دورها يا ترى ؟ قالت وكأنها لا تريد أن تفسح له مجالا للحديث : ولكنني كنت خجلانة جدا بشكل لم أتمكن معه أن استشعر الأنس والسرور . فاستعاذ عبد الحكيم
    بالله من جديد وحدث نفسه قائلا : هذه هي البداية والله يستر من النهاية . وسكت فلم يعقب ، قالت أراك غير مهتم بأمري يا عبد الحكيم أتراني هنت عليك إلى هذا الحد ؟ فها أنت إذا لم تحاول أن تتعرف على أسباب خجلي كأنني غريبة عنك . قالت هذا وكادت أن تستعبر باكية ، فحدث نفسه قائلاً : ان أمري لله الواحد القهار لو تأخرت عن سؤالها لحظة لقامت هنا مناحة . ثم أردف يقول : كيف يخيل إليك هذا يا إقبال ؟ ألست أنت زوجتي وأم أولادي ولكنني غفلت عن السؤال فسامحيني على ذلك والآن أي شيء بعث الخجل في نفسك يا عزيزتي ؟ أرجو أن لا تكون بدلتك الجديدة ؟ قالت : لا فهي وإن كانت أقل من بدلة أم نعمان ولكن يمكن التعويض عنها في المستقبل وإنما الموضوع هو موضوع تجديد اليوم الذي استقبل فيه الزائرات لقد مر زمن طويل دون أن أخصص يوما للاستقبال فماذا عساهن أن يفسرن ذلك إلا العجز المالي والمعنوي نعم أنهن سوف يظنن أن زوجي انسان بخيل غير عارف بقواعد المجتمع وهذا ما يؤلمني جدا ، نعم أنه يؤلمني من أجلك يا عبد الحكيم لأنك انسان ممتاز فإن من المؤسف أن تؤخذ عنك فكرة خاطئة وأنت كما أعرفك أروع زوج وأحسن رب أسرة فابتسم عبد الحكيم وقال : أنا جد شاكر لك عواطفك يا إقبال والآن ؟ قالت والآن أليس اليوم هو الخامس من الشهر ؟ قال : نعم . قالت : إذن فإن في إمكاني تعيين يوم للاستقبال ما دمت تتمكن من ذلك ، ولكن
    وكأنك في حديثك عن اليوم الموعود تتحدثين عن فتح جديد يحتاج إلى اعداد مالي هائل ، فتضاحكت في دلال وقالت : لا أن الأمر ليس كما تظن يا عزيزي ولكنه قد يكلف ، يكلف ، وبقيت حائرة تردد كلمة يكلف . ولا تدري بماذا تعقب فقال لها مشجعاً : عشرة دنانير مثلا ؟ فأعادت كلامه بلهجة استغراب قائلة : عشرة دناينر ! لا أنها قليلة . قال : خمسة عشر ديناراً ؟ أجابت في تردد أو أكثر بقليل . فهز رأسه في ألم وتأفأف قائلا : ولكن كم هو عجيب طلبك هذا يا إقبال كيف سوف نتمكن أن نقضي البقية من الشهر بعد ذلك وقد أخذت من راتبي قسطا وافرا من اليوم الأول من الشهر لأجل أجرة الخياط وشراء الحذاء والجنطة . والآن تريدين أن تستهلكي أكثره في يومك الموعود فكيف سوف أتمكن أن أوفر الحاجيات الأخرى حتى نهاية الشهر ؟ قالت : يمكنك أن تستقرض لذلك من أحد الأصدقاء . قال : ألا يكفيني ما تحملته من ديون حتى أضيف إليها رقما جديداً ؟ ولأجل أي شيء ؟ لأجل أن تحدد زوجتي يوماً لاستقبال الزائرات . قالت : آه ان ظني لم يكذبني إذا . فها أنت ذا أصبحت تهمل أمري بشكل واضح لم يكن ليخطر لي من قبل ، ما أتعسني وما أشقاني إن أصبحت أنا ربيبة الترف والدلال غير قادرة على تعيين موعد للاستقبال ، كيف سوف أتمكن أن أواجه أهلي وعشرتي كيف سوف أتمكن أن أنظر إلى المجتمع بعيني ؟ إن ذلك يعني انعزالي عن المجتمع بشكل نهائي فإن من
    المخجل أن أزور ولا أزار قالت هذا واندفعت تبكي بحرقة وحاول أن يقنعها بمنطق الواقع ولكنها أبت أن تستجيب قالت : إن ذلك يعرضني لأقسى الأمراض لأنني إذا لم أخرج من البيت يومين متتابعين أحس بانهيار عصبي وأفقد القدرة على تناول الطعام وبعد طويل نقاش وجدل خضع عبد الحكيم للأمر الواقع على مضض وتنازل مضطراً لما تمليه عليه زوجته.
    * * *

    واستعداداً لليوم الموعود بدأت إقبال توزع الأعمال بين أخواتها وصديقاتها ولما سألها زوجها عن طبيعة دورها وما تبقى لها من مهام بعد هذه الحملة من توزيع الأشغال على الأخريات ، قالت : أن علي أن أهيء البيت وأصف الكراسي !! وحان موعد الاستقبال وإقبال سادرة في تحقيق رغباتها بأي ثمن حتى ولو كان على حساب أعصاب زوجها وعواطفه تجاهها وكانت لا تنظر إلى ما هو أبعد من هذا اليوم ولا تحس بانعكاساته السيئة في حياتها الزوجية . وعند العصر حاولت أن ترتدي بدلة تزيد من تألقها واستعدت لاستقبال الضيوف وأرسلت بأطفالها إلى أمها وأقصت عبد الحكيم عن البيت قائلة له إياك أن تعود قبل الساعة العاشرة يا عزيزي لكي لا تكدر علينا جلستنا وسهرتنا السعيدة . ثم بدأ توافد الزائرات قبل الغروب بنصف ساعة . وكن جميعهن يتبارين
    بأحدث أساليب الأناقة والمكياج ولم تكن تدخل واحدة منهن إلا وتستعرضها العيون فاحصة مدققة فتقول هذه : إن لون بدلتها غير مناسب . وتعلق تلك قائلة : كان من المفروض أن تكون أطول من هذا . وتتأفأف ثالثة وكأنها وجدت أمامها حالة شاذة وتهز رأسها في قنوط ثم تتمتم قائلة : لكم يزعجني هذا الانحراف بالذوق ! ما أبعد ملاءمة هذه التسريحة لوجهها . أف ، أسفي على الموضة كيف تبدو مشوهة . أنني أتحمل كل شيء ولا أتمكن أن أتحمل منظر تغاير الشكل مع المكياج . وكانت ترتفع من هنا وهناك بعض ضحكات رنانة لم تعرف حتى صاحبتها لماذا أطلقتها على هذا الشكل .
    وفي حوالي الساعة الثامنة اكتمل ، فنشطت إقبال مع بعض صويحباتها لاعداد ما يستلزمه التقديم ، فوزعت الصحون والملاعق والسكاكين بانتظار ما يشغلها من مقليات ومحشيات وفطائر ومعجنات . وفي تلك اللحظة رن جرس التلفون وكانت المطلوبة إحدى الحاضرات ولم يكن في ذلك ما يثير لولا أنها عندما عادت كانت بادية الحيرة والاضطراب وأخذت تسأل عن صاحبة البيت التي كانت لا تزال في المطبخ ثم قالت : يعز عليّ أن أختصر الجلسة ولكن زوجي استدعاني إلى البيت لأنه سمع باحتمال وجود غارة وهمية تستدعي التعتيم ، ولهذا فإن من الراجح أن أعود إلى البيت في أسرع وقت . وما كادت تكمل جملتها حتى هاج جمعهن وماج ونسين في لحظة جميع قواعد الأتكيت في التزامه فلم يعد
    يسمع منهن إلا : أين عباءتي ؟ أين جنطتي ؟ أن طريقي بعيد جداً . لا أدري هل أن أولادي في البيت أو خارجه ؟ الويل لي لو عارضني التعتيم في الطريق . ينبغي أن نذهب بسرعة . وكأنهن في غمرة اضطرابهن نسين صاحبة البيت التي حضرت مسرعة من المطبخ وقد استتفزتها الضجة ؛ فقد كن يتسابقن إلى الخروج تاركات ورائهن الصحون الفارغة تنتظر ، وصاحبة البيت حائرة لا تدري كيف تتصرف وهي تحاول أن تسكن من روعهن وتهدّيء من اندفاعهن ولكن دون جدوى . ولم تمض ربع ساعة حتى كان بيت إقبال خالياً إلا منها !! فاستدارت بعينيها وقد صعقتها الصدمة وأربكتها المفاجأة فلم تجد إلا الصحون الخالية والكراسي المبعثرة ، وتوجهت إلى المطبخ لتجد المآكل التي كلفتها الكثير من المال والعناء وحملتها المزيد من جميل المساعدات ، وجدتها مصفوفة في صحونها دون أن يلقي أحد عليها نظرة ، فهالها الأمر واستعرضت في فكرها جميع ما حملها هذا اليوم من مشاق مالية وروحية ، حتى أنه فتح بينها وبين زوجها فجوة لم تكن لتوجد لولاه . وكم كانت تعقد على يومها هذا من آمال في البروز وحب الظهور أمام المجتمع بالمظهر اللائق ، ولكن آمالها تنهار لمكالمة تلفونية واحدة ولم يسعها عند ذلك إلا أن تجلس فتبكي بمرارة ، ثم تذكرت موضوع الغارة الوهمية والتعتيم وتذكرت أن عبد الحكيم سوف لن يعود قبل العاشرة كما أكدت عليه هي من قبل ، ولهذا فهي سوف تبقى وحدها في البيت وخلال
    العتمة ، وشغلتها فكرة الخوف إلى فترة عن فشل يومها وفكرت ، لعل عبد الحكيم سوف يسمع خبر الغارة فيعجل العودة إلى البيت ، وخرجت إلى الحديقة ولم تتمكن أن تقوم بأي عمل لأن الخوف كان قد استولى على مشاعرها فجلست فوق كرسي هناك تنتظر قدوم عبدالحكيم . وبعد فترة ألقت نظرة على ساعتها فوجدتها تشير إلى التاسعة ! إذن أين الغارة ، وأين التعميم ؟ وحاولت أن تخلع عنها البدلة ولكن الخوف كان يشلها عن كل عمل فلم تبرح مكانها حتى حانت الساعة العاشرة وليس هناك أي غارة أو تعتيم . وبعد الساعة العاشرة بدقائق رن جرس الباب فعرفت أن القادم هو عبد الحكيم فتوجهت لتفتح له الباب وهي لا تعرف كيف تتصرف من بعد هذا الفشل ، وقد ترددت لحظة قبل أن تفتح الباب ثم فتحته ويدها ترتجف فظهر من وراء الباب عبد الحكيم ، فحيته في ابتسامة حزينة فابتدرها قائلاً : هل يمكنني أن أدخل أم أنني جئت مبكراً ؟ فأطرقت برأسها إلى الأرض وقالت : ليتك كنت قد جئت من قبل ؛ تفضل فأنني وحدي هنا . فدخل إلى الحديقة وهو يستغرب من خلاء الدار بهذه السرعة ، ولكنه عندما شاهد الصحون النظيفة الفارغة وقف باهتاً والتفت نحو إقبال في تساؤل دون أن يقول شيئا ، فما كان منها إلا أن تندفع باكية وهي تقول : لا أدري كيف أفسر لك الموقف يا عبد الحكيم ، لقد خرجن قبل بداية التقديم وذلك من أجل الغارة الوهمية والتعتيم . وكانت إقبال تظن أن
    هذا الخبر سوف يثير زوجها ولكنها وجدته على العكس من ذلك ، فقد ظهرت عليه بعض علامات الارتياح ثم قال : لطيف ! لطيف ! ولكن أي غارة وهمية هي هذه وأي تعتيم ؟ قالت : لقد اتصل زوج إحدى الزائرات معها تليفونياً وأخبرها بذلك وقد سبب هذا الخبر إثارة الفزع عند الاخريات . ولهذا ترى أنهن خرجن على هذا الشكل ، فقهقه عبد الحكيم ضاحكاً وهو يقول : ما هي إلا أكذوبة يا إقبال فهل أن من المعقول أن يكون هناك غارة وتعتيم من دون إخبار سابق ؟ والدليل على أنها محض أكذوبة هو عدم حصول أي غارة حتى الآن . فسكتت إقبال لحظة ثم قالت : نعم يبدو أنها كانت أكذوبة ولكن النتيجة كما ترى . قال : أرجو أن تكون النتيجة من صالحك يا إقبال وأتمنى أن يكون هذا اليوم قد أعطاك درساً تستفيدين منه في مستقبل أيامك القادمة . قالت : نعم أنه درس لا ينسى وسوف لن أعود لمثله أبداً ما دمت حية .
    * * *

    وفي صباح اليوم الثاني اتصلت معها صديقتها صاحبة المكالمة التليفونية التي أثارت المشكلة لتعتذر منها قائلة : يبدو أن ابني كان قد سقط من السلم وانكسرت يده نتيجة لذلك فأراد زوجي أن يستدعيني دون أن يثير في نفسي مشاعر القلق فاختلق موضوع الغارة والتعتيم ولكنني جد آسفة لما سببته لك من إزعاج . فأجابتها إقبال : لعل أن الموضوع في بدايته كان
    لا يخلو من إزعاج ولكن نتائجه بالنسبة إليّ صالحة وقد كشفت عن عيني غشاوة كانت تهددني بالخطر .
    وسواء فهمت صاحبتها ما تعنيه إقبال أو لم تفهم ولكنها اعتذرت إليها من جديد وأنهت المكالمة بسلام .
    منقول من كتاب المجموعة القصصية الكاملة للكاتبة الشهبدة بنت الهدى
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-06-13
  17. يحي محمد حميد

    يحي محمد حميد عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-17
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    اختيار الزوجة

    جلس مقداد يتحدث مع أمه في ساعة اختار أن تكون من الساعات التي ترى فيها منشرحة الصدر منبسطة الوجه قال : أن لدي فكرة أرجو أن تدخل على قلبك السرور يا أماه فأجابته باندفاع ولهفة قائلة : وهل أجد منك إلا ما يسعدني يا بني ؟ فما هي فكرتك هذه يا عزيزي ؟ قال : أنني أكملت دراستي كما تعلمين وأصبحت قادرا على فتح بيت وتحمل مسؤولية أسرة ، ولهذا فقد عزمت أن أجد لي شريكة حياة ؛ فأشرق وجه الأم بابتسامة عريضة وقالت : يا لها من فكرة رائعة ويا لها من بشرى سارة لقد كنت أنتظر هذا اليوم يا ولدي وكم تمنيت لك هذه وتلك ممن تزوجن من بنات عشيرتنا والحمدلله الذي جعلك تفكر بالأمر قبل أن يفوت الأوان ، فكرر مقداد الجملة الأخيرة في استغراب قائلا : قبل أن يفوت الأوان ؟ قالت : نعم ، أعني موضوع ابنة عمك حذام فهي مستحقة للزواج ولا يخلو بيتهم دوماً من خاطب ، فسكت مقداد لحظة ثم قال بنغمة حاول أن تكون لينة : إذن فلماذا نزاحم هذه المجموعة من الخطاب ؟ فبهتت
    الأم وقالت في تعجب : ما الذي تعنيه يا مقداد ؟ قال : أقصد أن ابنة عمي لا تلائمني يا أماه ، فشهقت الأم في استغراب وقالت : لا تلائمك ؟ وكيف ؟ من هي أحسن منها ؟ لا لا يا بني أنك غلطان وسوف أذهب منذ الغد لاجراء مراسم الخطبة ، فأجاب مقداد في فزع : إياك أن تقومي بشيء من هذا يا أماه لأنني غير راغب في الموضوع ، قالت : ولكنك إذا علمت أنها أصبحت خطيبتك سوف تبدأ تنسجم معها فدع عنك هذه الأقاويل واعلم انني لا أريد الا مصلحتك وسعادتك فهي جميلة وصاحبة وظيفة محترمة أقصد مثقفة . قال مقداد : لا يا أماه أن هذه الخطوة هي ما يخصني أنا بالذات ولهذا فاتركي أمر التفكير في موضوع حذام ، فسكتت الأم وكأنها تحاول أن تستحضر في ذهنها موضوعاً جديداً ثم قالت : طيب إذن فليس هناك من هي أجدر من ابنة خالك إذا عدونا حذام ؛ فهذه لا تقل عن تلك جمالا وهي وإن كانت غير موظفة ولكن خالك رحمه الله قد أورثها تركة معتد بها مما يمكنك أن ... فقطع مقداد متسلسل حديثها قائلا في نفور : لا لا أرجوك يا أماه فكري معي بشكل موضوعي فأنا أريد شريكة حياة ولا أريد شركة تجارية . فظهر الغضب على الأم وقالت في حدة : وما الذي يعوز ابنة خالك أن تكون لك شريكة حياة أيضاً ؟ قال : أنها يا أماه لا تشاركني أفكاري ومعتقداتي ولهذا فليس في إمكانها أن تكون شريكتي في الحياة ، فضحكت الأم في سخرية وتهكم وقالت : أنك تتكلم وكأنك
    ملاك لا يجد شريكة حياته إلا في حورية ، ألا تترك هذه الكلمات الفارغة يا بني ، أنك شاب مثقف حائز على شهادة راقية فلا يليق بك أن تفكر على هذا الشكل الخيالي يا مقداد ، فقال مقداد : أنني لست ملاكا ولا أحاول أن أفتش عن حورية ولكنني انسان مسلم افتش عن فتاة مسلمة ملتزمة بأحكام الاسلام وآدابه . قالت الأم بلهجة قاطعة : إذن فأنك سوف تبقى بدون زواج لأنك لن تجد فتاة تناسبك مع هذه المواصفات ، فابتسم مقداد في رفق وقال : لو حاولنا لوجدنا يا أماه . قالت : وكيف وجميع البنات اللواتي أعرفهن لا يمثلن فكرتك هذه ؟ قال : ولكنني أعرف من تتمثل بها هذه الشروط ؛ فاستفزها الجواب وقالت في استغراب : أنت تعرف ! من هي مثلا ؟! ومتى أصبحت ممن ينشىء علاقات خاصة مع البنات ؟ فأثارت هذه الكلمة أعصاب مقداد ولكنه تمكن من التحكم بها ولهذا رد عليها قائلا : أنني لا أقصد من معرفتي المعرفة المباشرة ولكنني أعني بها معرفتي بوجود مثل هذه الفتاة . قالت : ما أراك إلا وقد حددت موضوعا خاصا تريد أن تستدرجني إليه فمن هي هذه ( الست المحترمة ) يا سيد مقداد ؟ فابتسم مقداد ابتسامة مرة لهذا التهكم من امه ولهذه البداية المتعبة ثم قال : أرجوك أن تكوني أكثر تفهما لموقفي يا أماه ، وقد كنت أتمنى أن تقفي إلى جانبي في هذا الأمر وتحاولي اقناع والدي في هذا الموضوع فإن عاطفة الأمومة من حقها أن تتغلب على كل المشاعر الأخرى . وكأن
    كلمات مقداد الهادئة وعباراته التحببية جعلتها تركن إلى الليونة نوعا ما فقالت بشيء من الرفق : وحق عينيك يا ابني أنا لا أفكر إلا من زاوية مصلحتك الخاصة . قال مقداد : إذن فأنا أطلب منك أن تسانديني في خصوص هذه الخطوة فأنا أعرف بمصالحي يا أماه . قالت بعد فترة تردد : نعم ما دام في ذلك ما يرضيك مع عدم تحملي لمسؤولية العواقب ، والآن أين الموضوع الذي تريده يا مقداد ، وما هي شمائل تلك الفتاة السعيدة التي نالت رضاك ؟ قال : أنني لا أنظر إليها إلا من الجانب الديني ، فهي كما أعرف عنها فتاة محجبة مؤمنة . قالت : آه ، إذن فهي غير مثقفة ؟ قال : أن لديها بعض الثقافة العامة وهي من الناحية الدينية مثقفة جدا . قالت : مثلا ما هي الشهادة التي حازت عليها ؟ قال : السادس الاعدادي يا أماه وهو قدر يمكنها أن تفهم ما يفيدها في الحياتين .
    قالت : ومن أية أسرة هي يا ترى ؟ قال : أنها ابنة بيت عرف بالأمانة والصلاح وقد أعطى عنه سمعة حسنة خيرة . قالت الأم : آه ، إذن فهي لا تنتمي إلى أسرة محترمة مرموقة ؟ قال : وما هو تأثير الأسرة المرموقة إذا كانت الفتاة ذات أخلاق غير صالحة وذات طابع غير محترم .
    وهنا شاهد مقداد أن وجه أمه أخذ يكتسي طابع الصرامة شيئا فشيئا فاستعاذ بالله في سره من ذلك وأردف يقول في رفق : أن السعادة الزوجية لا تعتمد على المال والجاه
    والمقام يا أماه ولكنها تنطلق من زاوية التقارب الروحي والفهم المشترك لحقيقة الحياة .
    وهنا أجابت الأم بنغمة جافة قائلة : وما هي مهنة أبيها يا ترى ؟ قال : أنه بقال يا أماه . فشهقت الأم وقالت : بقال !!؟ قال : نعم ، ولكنه رجل صالح أنشأ جيلا خيّرا فاضلا من الأبناء وكوّن أسرة مؤمنة سعيدة ، فقطعت الأم كلامه قائلة في توتر واضح : وأنت . أنت ابن الأشراف . ابن المال والثراء وربيب الثقافة والعلم . أنت حامل أعلى شهادة بشبابك وجمالك تريد أن تقرن حياتك مع ابنة بقال ؟ يا للعار ! ثم تريد أن أكون أنا واسطتك في ذلك ؟ قال : ولكن ما هو رأيك لو كنت قد اخترت ابنة بائع مجوهرات ؟ قالت : إن ذلك يعد تاجرا وشتان بين البقال وبائع المجوهرات يا مقداد ! قال مقداد : ان الفرق يبرز من الناحية المالية فقط وإلا فإن هذا يبيع خاتما وذاك يبيع سكرا ، كلاهما عاملان في سبيل الكسب من أجل العيش . قالت : ولكن تصور ردود الفعل لدى أبيك وأخيك . قال : لن تكون أسوأ من ردود الفعل لديّ بالنسبة إلى اختيار أخي لزوجته وموافقتكم على ذلك مع أنها فتاة متحللة غير ملتزمة ، وعلى كل حال فإن هذه هي رغبتي وهو قراري النهائي ، فأما أن تقدمي أنت لأجل انجاز الموضوع أو استقل بنفسي في الأمر . قال مقداد هذا بأسلوب صارم جاد عرفت الأم منه أنه يعني ما يقول ، فضحكت في سخرية وقالت : وهي أن الموضوع يحتاج إلى
    إقدام وإنجاز ؟ إن أقل إشارة منك تجعلهم يقدمون لك ابنتهم بكل سرور . فهز مقداد رأسه في تشكيك وقال : إذن جربي لنرى . قالت : ما أعجب هذا ! أذهب لأخطب لابني ابنة بقال ؟ أي جمال تمتلكه هذه الفتاة جعلك ترغب فيها وتغمض عن كل شيء ؟ قال : اقسم لك يا أماه بأنني ما رأيتها من قبل . قالت : إذن فما يدريك ولعلها قبيحة ؟ قال : لا ، أنا أعلم بأنها ليست هكذا ، ومع وجود الفضائل التي تتحلى بها لا تعود درجة الجمال تهمني يا أماه . قالت : أما والله أن عجبي لا ينقضي منك يا مقداد ! ولكن بأي وجه سوف تقابل أباك وأنت تحمل معك هذا الاقتراح ؟ قال : بالوجه الذي أُقابل به ربي يا أماه ، ولكنني أرجو منك أن لا تقفي ضدي وأن تساعديني ما وسعك ذلك ...
    * * *

    وفي صباح اليوم التالي فاتح مقداد والده في الموضوع ، وصادف من أبيه ثورة صاخبة أيضا ، ولكنه أصر على رأيه وأوضح لهم أن هذا أمر يجب أن يكون وأنه مصمم على إبرامه بأي شكل من الأشكال ، وأنه هو وحده صاحب الأمر فيه لأنه يخصه هو بالذات ، وقد وقفت الأم موقفا حياديا خفف من حدة التوتر ، وأخيرا خضع الأب لما يمليه مقداد على مضض ، فتوجه مقداد نحو أمه يطلب منها أن تذهب لاجراء مراسم الخطوبة وأن تحاول تذليل الأمر بأي صورة ،
    قالت : أنني ذاهبة استجابة لأمرك يا بني ولكنني لا احتمل أن الموضوع يحتاج إلى تذليل وتمهيد ، فمن الذي تتقدم أنت لخطبة ابنته فيمتنع عن إعطائك يا بني ؟.
    وعند العصر استصحبت الأم معها أكبر بناتها وألينهن جانبا وتوجهت إلى بيت العروس ، وفي الطريق استفسرت البنت من أمها عن اسم هذه الفتاة التي هما ذاهبتان لخطبتها فقالت الأم : أنا لم أشأ أن أسأله عن اسمها ، ولكنني أتوقع أن يكون : نهاية ، أو عطية ، فهل هي إلا ابنة بقال ؟ وعندما تقدمتا نحو الباب وطرقتاه كانتا تستشعران حالة ترقب وقلق خفية ، وفتحت الباب لهما فتاة صغيرة السن صبيحة الوجه بادية الجمال بشكل جعلهما تستشعران بمفاجأة غير متوقعة ، ورحبت بهما الفتاة وإن كان الاستغراب قد خالط نظرتها ، ثم قادتهما إلى غرفة الاستقبال وذهبت لاستدعاء امها ، وكانت الأم أمرأة وسط ، لا بالسمينة ، ولا بالضعيفة ، عليها مسحة من ملاحة وطيبة وقد رحبت بالزائرتين وجلست قبالهما وهي تنتظر منها ما يكشف عن طبيعة الزيارة ، وبعد تبادل بعض كلمات شكيلة قالت أم مقداد : ما تكون منك هذه الفتاة التي فتحت لنا الباب ؟ فابتسمت الأم وقالت : أنها ابنتي أفنان ، فرددت الأخت الاسم في نبرة إعجاب قائلة : أفنان ، يا له من اسم بديع ! وأردفت أم مقداد تقول : وهل عندك بنت غيرها ؟ قالت : لا ، فهي وحيدتي . فظهر على وجه أم مقداد وأخته السرور لأنهما عرفتا أن تلك الفتاة الجميلة كانت هي العروس
    المطلوبة . وقبل أن تتحدث أم مقداد بشيء دخلت الفتاة من جديد وهي تحمل بيدها أكواب القهوة ، وبعد أن انتهت من تقديمها جلست فترة قصيرة دارت خلالها بعض الأحاديث بينها وبين الأم والأخت فكان أن انجذبتا نحوها بشكل فريد بعد أن حازت على إعجابهما بشكل كامل ، وبعد أن جمعت أكواب القهوة وغادرت الغرفة تكلمت أم مقداد فقالت : لقد دفعتنا غاية مباركة لزيارتكم اليوم يا أم أفنان ، ثم اندفعت تتحدث عن رغبتهم في المصاهرة وإعجابهم بالفتاة ، وكانت تتحدث بحرارة واندفاع يختلف مع ما كانت عليه قبل أن تدخل البيت وترى أفنان ، وتحدثت عن ابنها بكل إعجاب وذكرت عنه كل ما يميزه في نظرها ، من الشباب والجمال والشهادة والمال ، ولكنها غفلت عن التعرض إلى ناحية واحدة هي أهم ما في الأمر بالنسبة إلى أم أفنان وهي ناحية دينه وإيمانه ، ولهذا فقد فوجئت بما لم تكن تتوقعه من قبل إذ أن الأم أجابتها بلهجة مهذبة قائلة : ولكن مما يؤسفني أن أقول أن هذا الأمر من العسير تحقيقه ولعله في حكم المحال . فرددت الأم كلماتها الأخيرة قائلة : في حكم المحال ، ولماذا ؟ فابتسمت تلك وقالت : ان ابنتي لا تزال صغيرة . قالت أم مقداد : ولكنها ليست صغيرة جدا ، أنها في سن النضوج الكامل . قالت الأم : ولكن هناك عقبات كثيرة ولا حاجة بنا لذكرها في الوقت الحاضر . قالت أم مقداد : ولكن عليك أن تراجعي الأب وتتعرفي على رأي البنت فليس لك أن تبتي
    بهذا الموضوع وحدك يا أم أفنان . قالت : لا أظن أن رأيها سوف يختلف عن رأيي . قالت أم مقداد : إذن ؟ قالت : إذن فأنا أعتذر وأتمنى لابنك أن يجد الفتاة التي تلائمه من جميع الوجوه . فظهر الألم على وجه أم مقداد وقالت : ولكن يبدو أن ابنتكم هي جد ملائمة لابننا وهذا هو الذي دفعنا إلى طلب يدها مع كثرة من حولنا من البنات ، ويا حبذا لو فسرت لنا سبب هذا الرفض البات وبهذه السرعة قبل أن تحاولي الاستفسار عن الولد أو الاستشارة من الآخرين . فتململت الأم ثم قالت : أنني لا أملك إلا بنتاً واحدة ولهذا فإن من واجبي أن أؤمن مستقبلها في حياتها الزوجية . قالت أم مقداد : ولكنني أوضحت لك أن ابننا جدير بإسعاد مستقبل ابنتك فهو متمكن من الناحية المالية بشكل كامل . قالت الأم : ان هذا ليس بالشيء المهم في نظري فإن المال لا يجلب السعادة ولا يطرد الشقاء . قالت : إذن أنها الشهادة وقد أخبرتك أنه يحمل شهادة عالية محترمة ، انه مهندس . نعم مهندس . وقد رددت أم مقداد كلماتها الأخيرة بشيء من الفخر والاعتزاز وكانت تتوقع أن تجد آثارها على وجه أم أفنان ، ولكن راعها أن تجد تلك تهز رأسها في عدم اهتمام ، ثم قالت : وهل أنني سوف أزوج ابنتي من أجل الشهادة ؟ أن الشهادة لا تزيد من الكفاءة الزوجية ولا تنقص منها . فاحتارت أم مقداد وتجردت من جميع أفكارها التي كانت تعيشها من قبل وشعرت أنها صاحبة حاجة ضعيفة أمام
    إنسانة قوية متمكنة من الموقف ، وتساءلت في حيرة : إذن ما هي القواعد التي تؤمّن مستقبل ابنتك في نظرك يا ترى ؟ قالت : أن الأم عندما تتقدم لكي تخطب لابنها لا بد وأن تذكر أهم ما يميزه ولكنك لم تتعرضي لشيء من ذلك ولم تشيري إليه من قريب أو بعيد . قالت أم مقداد في استغراب : ماذا تعنين يا أم أفنان ؟ قالت : إن ابنتي فتاة مؤمنة لا تختار ولا نختار لها إلا الزوج المؤمن الصالح الذي يساعدها على التمسك بآداب الاسلام وأحكامه ، وأنت لم تذكري عن ابنك ما يدل على إيمانه ، ثم أن ابنتي محجبة ولعل ابنكم يريد عروسا تتماشى مع أخواته ومحيطه الخاص . وهنا أطلقت أم مقداد ضحكة عالية وقالت : نعم أنك على حق وقد فاتني أن أتحدث عن هذه الناحية لأنني كنت أتوقعها غير مهمة . قالت الأم : ولكنها بالنسبة لنا مهمة جدا . قالت أم مقداد : إذن فكوني على ثقة أن ابني هو أجدر ما يكون بابنتك لأنه شاب مؤمن صالح يصلي ويصوم ويفتش عن عروس محجبة . وهنا تبدلت تعابير وجه الأم وظهر على نظراتها الاهتمام لأول مرة ثم قالت : إذن لماذا لم تذكري ذلك منذ البداية ؟ قالت : لم يكن يخيل إليّ أن ابني مع جميع ما يميزه يفتقر إلى ذكر هذه الناحية بالذات ، أما الآن وقد عرفت عنه ذلك فماذا ترين ؟ واعلمي بأن وضعي الخارجي ووضع ابنتي لا يمثلان ذوق ابني ولا ينسجمان مع أفكاره وآرائه . قالت الأم في رصانة : إذن تفضلي واذكري الاسم الكامل لكي نحاول أن نسأل عنه بشكل أوسع . قالت أم مقداد : نعم أن لك الحق في ذلك . ثم قدمت لها الاسم والعنوان بشكل مفصل وخرجت على أن تعود بعد اسبوع لتتعرف على قرارهم الأخير .
    * * *

    وفي البيت كانت مشاعر انتظار متناقضة ، مقداد ينتظر في لهفة ، والأب ينتظر في تبرم ، والأخت تنتظر في استخفاف . وما أن دخلت الأم حتى طالعتها نظرات الاستفهام فجلست فترة دون أن تعطي أي إشارة ثم قالت : أما والله أنها لعجيبة ! وسكتت ، فبادرها مقداد في السؤال قائلا : وما هو العجيب يا أماه ؟ هل حدث ما يريب ؟ قالت : لقد حدث ما لم أكن أتوقعه أبدا يا مقداد ! قال : آه أنهم رفضوا الموضوع إذاً يا أماه ...
    وهنا قهقه الأب ضاحكاً في سخرية وقال : لكم أنت بسيط يا مقداد ! ابنة البقال ترفض خطبتك وأنت ابن الحسب والنسب ؟! ولم يكد يكمل جملته حتى استدارت الأم نحوه تقول في أسلوب جاد : ولكنهم بالفعل قد رفضوا ذلك يا أبا مقداد ! ففغر الأب فاه في استغراب وقال : رفضوا ؟ قالت : نعم . وهنا تساءل مقداد في لهفة : وماذا كان السبب ؟ قالت : لأنهم لا يعرفوا شيئا عن إيمانك يا بني وقد حدثتهم بجميع صفاتك وغفلت عن هذا الأمر ؛ ويبدو أنه كان في مظهري ومظهر أختك التي كانت معي ما جعل الأم تزهد بإعطاء ابنتها إلينا ، لأنها على حد تعبيرها مؤمنة ملتزمة .
    وإلى هنا سكتت الأم تنتظر من ابنها الاستزادة فقال مقداد : وأخيراً ؟ قالت : وأخيراً عرفت أسباب الرفض فأفهمتهم بأنك انسان مؤمن وعند ذلك فقط دخلت الأم في مرحلة التفكير بالأمر وقد أعطيتهم الاسم والعنوان من أجل الاستفسار ، ولكن إذا أردت الحقيقة يا بني قد فوجئت بموقفهم هذا ورأيت نفسي منقادة لأن أحترم قوة الايمان الموجودة لديهم بشكل لم تخضعهم لاغراء الأسماء والألقاب والأموال والشهادات . وما كادت الأم تنتهي من كلماتها الأخيرة حتى قال الأب : وهل رأيت الفتاة يا أم مقداد وكيف كانت ؟ فتضاحكت الأم وهي تنظر إلى مقداد بطرف خفي ثم قالت : أما هي فرائعة إلى حد بعيد ، جميلة ، ومهذبة ، ومحبوبة وعلى العموم فأن مقداد كما يبدو يعرف كيف يختار .
    وبعد مضي أسبوع حصلت الموافقة من قبل أهل أفنان وتمّ عقد الزواج في جو هانيء سعيد .
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2003-06-14
  19. وجع الصمت

    وجع الصمت عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-07-14
    المشاركات:
    1,354
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا" أخى حميد

    عدة قصص ذات عبر وحكم و معانى أروع تعبر عن الواقع الحاصل الأن بما فيه من سلبيات وايجابيات

    ورحم الله الشهيدة بنت الهدى فلها طابع خاص المذاق لا يمل ولا يخفى معناه فليرحمها الله بواسع رحمته

    ويجزيك عنها وعنا الف خير
     

مشاركة هذه الصفحة