رحلة المــوت

الكاتب : أديـب الحبشي   المشاهدات : 572   الردود : 5    ‏2003-06-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-05
  1. أديـب الحبشي

    أديـب الحبشي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-06-04
    المشاركات:
    19
    الإعجاب :
    0
    رحلة الموت
    قد يكون من العبث أن أكتب لك هذه الكلمات . . ولكن من العبث أيضا أن أدعها دون توثيق . . بل ومن السخف أن نتلقاها ونمر عليها مرور الكرام دون حتى مجرد التفكير . . ففي النفس حاجة . . وفي القلب وجل . . وقد يكون فيها يأس . . وقد يكون فيها أمل . .

    أذكر حينما وقفت يومها أنظر ذلك المشهد المفزع . . المشهد الأول من مشاهد يوم القيامة . . تلك القبور المتراصة . . أذكر أني سألت نفسي عن أصحابها . . من هو صاحب كل قبر منهم ؟ وما عساه قد فعل ليلقى هذا المصير المحتوم ؟

    كل واحد من هؤلاء كان يكتب مثل ما أكتب الآن . . كل واحد منهم كان يستيقظ في الصباح مثلي ومثلك . . ويغسل وجهه ويتناول فطوره مع من أحب . . وكان منهم من يذهب إلى جامعته . . ومنهم من يذهب إلى عمله ثم يعود إلى منزله . . وكان منهم من يحتفل بعيد ميلاده أو يحتفل بنجاحه . . وربما كان منهم من يقف موقفي هذا ينظر ويتأمل ويتساءل عن ذات السؤال . . وهم عن حقيقة الدنيا غافلون . . فأين ذهب هؤلاء ؟

    كان مشهدا عظيما زاده الصمت خشوعا وإجلالا . . والآن كل واحد منهم يرقد في زاوية من زوايا الأرض نسيهم فيها الناس . . ونسيهم فيها الزمن . .

    إن من ينظر إلى الكون وسعته ومعه حظ يسير من الوعي والتفكير . . يدرك أن الأرض بما فيها لا تعد سوى حبة رمل من رمال الصحراء . . فماذا عساه يكون الإنسان وسط هذا الكم الهائل من النجوم والمجرات التي يمتلئ بها هذا الكون الفسيح . .

    إن نظرة واحدة فقط لشيخ هرم دليل صارخ على فناء الحياة الدنيا . . وعلينا أن نفهم هذه الحقيقة التي يتجاهلها أو بالأحرى يتهرب منها كثير من الناس . . وأنا منهم ، فقد يأتي اليوم الذي أرقد فيه بجوار هؤلاء . . لتبدأ حياة جديدة مع لاه آخر أغرته الدنيا بمفاتنها . . فتُطوى صفحة من صفحاتها . . ويُضاف رقما آخر إلى جوار المنسيين . .

    كل واحد من هؤلاء الذين بلغ بهم المشيب كان مثلي تماما . . كل واحد من هؤلاء قد رسمت الحياة على وجوههم فصولا من التاريخ . . لقد بدؤوا أطفالا يمرحون ويلعبون . . ثم شبابا ينتظرهم الأمل والمستقبل الموعود . . والآن قد تجاوزوا عمر الشباب وعادت بهم الدنيا من جديد إلى سيرتها الأولى ليرى الإنسان بعينيه ضعفه وعجزه وقلة حيلته . . ويرى بعد الناس وتخليهم عنه . . وهذا الدليل يكشف بجلاء حقيقة الحياة الدنيا وزوالها . .

    إن من ينظر إلى تلك الخطوط وتلك المنحنيات والأخاديد والتجاعيد التي حفرت على جبين شيخ هرم . . يدرك تمام الإدراك حقيقة هذه الحياة . . فأين ذهب البريق . . بريق البشرة أيام الصبا . . فكل هذه الخطوط وكل هذه التجاعيد تحكي لك عن ماض قد تلاشى واندثر . . لقد انتهى كل شيء وضاع الأمل .

    أخذت ألملم نفسي . . وأمسح بأطرافي ما تبقى من دموع لم تجف . . وأنا ألقي نظرة وداع على تلك المنازل . . أعزي فيها نفسي وأواسيها فقد يضمني الزمن إلى جوارهم . . نظرت إليهم وكأني لن أكون مثلهم . . بل يستحيل على النفس أن تقف هذا الموقف أو تتخيل هذا المشهد . . لم أتصور أن أكون منهم أبدا . .

    رجعت يومها إلى منزلي كئيبا . . نظرت إلى اخواني الصغار . . وضعت يدي أتحسس بشرتهم أتلمس ذلك البريق وتلك النعومة التي تتصف بها وكأنها الحرير . . ونظرت إلى نفسي في المرآة وكأني أراها لأول مرة . . ولمحت في جبيني شيئا ينذر بالعد العكسي لأستقبل ما تبقى من أيام عمري القادمة . . لتلحق بركاب أيام قد خلت . . فوا أسفاه على كل ما مضى . .

    لقد كنت مثلهم تماما في غابر الزمن . . وهاأنا الآن قد قاربت العقد الثالث من عمري . . وكلها سنوات إن بقي في العمر بقية . . كلها سنوات ويكسوني المشيب . . فأين رحل الشباب ؟ . . لقد ذهب دون رجعة . . كل يوم يذهب فلن يعود . . ولم يبق سوى آهات الندم والحسرة على كل شيء مضى وفات . .

    وتمضي الحياة . . وتنقضي الأيام الحلوة . . تلك الأيام التي لا أظنها تعود . .ويبقى الألم والأسى . . ويبقى الهم والحزن إلى أجل قد لا يكون بعيد . .

    في حياة كل منا قصص وعبر . . وفي حياة كل منا وقفات وابتلاءات . . والبلاء قد يكون فيه الخير . . وقد يكون فيه الشر . . بالخير لمن شكر . . وبالشر لمن صبر . . وكلاهما ظفر . . ولكن ! أين الشاكرون ؟ وأين الصابرون ؟ . . لا أحد منهم ولا أثر . . أتعبتني الحياة كثيرا . . أتعبني الفكر وطول السفر . . فأين المفر ؟ . . ومتى المستقر ؟ . . إلى الله أشكو بثي وحزني . . هو حسبي ونعم الوكيل . .

    هي كلمات . . مجرد كلمات . . إلا أنها كلمات تحمل بين ثناياها الكثير من المشاعر الصادقة . .

    أكتب ما أكتب وكلي ثقة وأمل فيما عند الله . .

    وبعد فهل أقول وداعا . . نعم ولكن ليس قبل أن يكون لي كلمة أخيره . .
    كل هذا من أجل نفسي التي تتخبط يوما بعد يوم في مجاهل الظلمات . . كل هذا من أجل من أحببت . . ومن أجلك ومن أجل البشرية جمعا . . ومن أجل الخير والبشائر والمستقبل . .


    فإن لم تجدي في كلماتي ما يفيد فما عليك إلا أن تحرك بها أصابعك وتلقي بها إلى التراب . . ذلك التراب الذي خلقت منه . . فربما يكون بين حباته ضميرا ما زال ينبض بالحياة . . وإن وجدت فيها ما ينفع فقد يكون فيها تذكير لك . . وقد يكون هذا هو التذكير الأخير . . نعم فقد يكون هذا هو التذكير الأخير . . .
    وداعا .
    .[/QUOTE]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-06-06
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    جزيت خيرا أخي أديب ..

    إن في موضعك موعظة حسنة وتنبيه للغافل ..

    لك الود .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-06-06
  5. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    أسلوب فريد وجميل جدا في الذكرى

    أشهد بإنك قد ذكّرت واحسنت في تذكيرك ...نسأل الله المنفعة بم ذكرت به لنا ولك ولجميع المسلمين

    دمت بألف خير وشكرا لك ..
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-06-06
  7. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    جزاك الله كل خير أخي الكريم

    وعظت فأجدت


    لك كل الود على هذا الموضوع


    وأثابك الله أجره وخيره
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-06-06
  9. ابن الوادي

    ابن الوادي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-27
    المشاركات:
    7,411
    الإعجاب :
    0
    لك الشكر

    وباذن الله خير الجزاء

    ففي التذاكر موعظه

    والغافلون كثيرون

    كل الحب والتقدير
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-06-06
  11. صلاح اليافعي

    صلاح اليافعي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-19
    المشاركات:
    4,198
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله عنا خيرا

    بارك الله فيك اخي اديب الحبشي
    (ذكر فأن الذكرى تنفع المؤمنين)
    ولابد ان نتذكر هذ اليوم وانه اتي لامحاله
    ولك مني عظيم الود..
    صلاح اليافعي
     

مشاركة هذه الصفحة