عقارب خريطة الطريق ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 401   الردود : 0    ‏2003-06-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-04
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    احتلت قضية مكافحة الارهاب المكانة الأبرز علي جدول أعمال قمة شرم الشيخ التي انهت اعمالها امس، وستحتل المكانة نفسها في قمة العقبة الثلاثية التي تبدأ اعمالها اليوم بحضور رئيسي الوزراء الفلسطيني والاسرائيلي ورعاية الاب الروحي لخريطة الطريق الرئيس الامريكي جورج بوش.
    الارهاب حسب المفهوم الامريكي ليس له الا تعريف واحد، وهو الارهاب الذي يمارسه العرب والمسلمون في فلسطين المحتلة والعراق وافغانستان واوروبا وافريقيا. ولذلك لم يكن غريبا ان يصف الرئيس بوش رجالات المقاومة الفلسطينية بانهم قتلة وقلة من الارهابيين لا يجب السماح لهم بتدمير آمال السلام.
    السيد محمود عباس لم يحاول الاعتراض علي هذا التوصيف، او العمل علي تصحيحه، فالرجل يشارك للمرة الاولي، وفي قمة علي هذا المستوي، كزعيم للشعب الفلسطيني، وبضغوط امريكية مباشرة. وهو قطعا سيتفاوض في قمة العقبة الثلاثية علي الخطوات التي سيتبعها نزع سلاح حركتي حماس والجهاد الاسلامي.
    وقالها صراحة في خطابه الذي القاه امام المجلس التشريعي بعد منح الثقة لحكومته، بان السلاح الشرعي الوحيد هو سلاح السلطة.
    المخابرات المركزية الامريكية أرسلت مجموعة من خبرائها لاعداد قوات امن فلسطينية لتولي هذه المسؤولية، والتدريبات تجري علي قدم وساق حاليا في احد معسكرات اريحا.
    الرئيس بوش سيركز ضغوطه علي الفلسطينيين، ويطالبهم بتنفيذ خريطة الطريق حرفيا، وخاصة الفقرة الأولي منها التي تنص صراحة، وبوضوح شديد، علي وقف كل اعمال المقاومة، ونزع اسلحة الجماعات الارهابية. فنجاح السيد ابو مازن في التوصل الي هدنة مع الحركات الاسلامية المعارضة، واقناعها بتجميد العمليات الاستشهادية لن يكون كافيا من وجهتي النظر الاسرائيلية والامريكية.
    النجاح الاكبر الذي تحقق في قمة شرم الشيخ هو اعتماد السيد ابو مازن زعيما جديدا لفلسطين، وموافقة الزعماء المشاركين علي حصر الدعم المالي في السلطة الفلسطينية التي يتزعمها، وتجفيف كل منابع الدعم لحركتي حماس والجهاد الاسلامي.
    رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد بات يملك اهم ورقتين اساسيتين في السلطة، وهما الامن الذي يخضع لحليفه الرئيسي العقيد محمد دحلان وزير الداخلية الفعلي، و المال الذي بات من صلاحيات الوزير سلام فياض الذي كان اول مسؤول فلسطيني يستقبله الرئيس بوش في البيت الابيض. والرجلان ليسا علي ود مع الرئيس الفلسطيني المهمش ياسر عرفات.
    ومن الواضح ان الارهاب بات يتقدم علي ما عداه، ويحتل أولوية لدي الادارة الامريكية الحالية. فلم تعد هذه الادارة تتحدث عن مكافحة الفساد وازاحة الدكتاتوريات، وفرض الديمقراطية في المنطقة. فمعظم الزعماء الذين التقاهم الرئيس بوش في شرم الشيخ يمثلون حكومات فاسدة ودكتاتورية ولا تقيم اي وزن لحقوق الانسان.
    الهدف الامريكي الاساسي من الحرب علي العراق لم يكن ابدا تعميم النموذج الديمقراطي، وتحويل المنطقة الي نقطة مضيئة للحريات، وانما تغيير النظام بما يؤدي الي استعمار المنطقة وتأمين الدولة العبرية ومستوطنيها واستنزاف ثروات العراق.
    امريكا كذبت علي العراقيين عندما اعترفت بانها ليست قوة تحرير وانما قوة احتلال ، وتراجعت عن كل مخططاتها السابقة لعقد المؤتمر الوطني، وانتخاب حكومة عراقية، مثلما كذبت علي العالم بأسره عندما استخدمت ورقة اسلحة الدمار الشامل لتبرير الحرب، واستصدرت قراراً بذلك عن مجلس الأمن، واعترف بول وولفوفيتز مساعد وزير الدفاع بأنه استخدم ورقة الاسلحة لأنها الوحيدة التي يمكن ان تقنع الحلفاء بتأييد الحرب.
    فاذا كانت الادارة الامريكية هذه مارست كل هذه الخدع والأكاذيب في العراق والأمم المتحدة واوروبا، فلماذا لا تخدع الشعب الفلسطيني ورئيس وزرائه الجديد، وتنقل الفتنة الي صفوفه؟
    شارون فشل في وقف الانتفاضة، مثلما عجز عن منع العمليات الاستشهادية، بل ان هذه العمليات تضاعفت بعد اعادة احتلال الضفة واغتيال معظم قادة الجناح العسكري لحركتي حماس و الجهاد الاسلامي ، والآن يريد ان يستخدم رئيس اكبر دولة عظمي لتخليصه من هذه الورطة، والضغط علي الفلسطينيين للقيام بهذه المهمة القذرة. فعندما يعترف شارون وللمرة الأولي بان قواته تحتل الضفة والقطاع، وانه لا يستطيع الاستمرار في هذا الاحتلال وتحمل عبء تبعاته، فان هذا الاعتراف لم يأت من خلال صحوة ضمير ، ولا هو من وازع اخلاقي، وانما نتيجة وصول سياسات المكابرة والغرور التي تبناها طوال السنوات السابقة. وهي السياسات التي ادت الي الانهيار الاقتصادي، وهروب الاستثمارات، وانعدام الأمن، وتحول الدولة العبرية الي الدولة الأكثر كرهاً في العالم بأسره.
    اعتراف شارون هذا بأنه لا يستطيع المضي قدماً بالاحتلال هو الدليل الأبرز علي نجاح الانتفاضة وحصدها الثمار التي يتطلع اليها الشعب الفلسطيني، ولهذا يجب ان تستمر حتي يعترف شارون الاعتراف الحقيقي بحق هذا الشعب في الاستقلال والعودة واستعادة كل حقوقه المغتصبة، واي محاولة لاجهاضها في الوقت الراهن لهاثا خلف سراب خريطة الطريق المثقوبة هذه هو انتصار لشارون وتفريط بدماء آلاف الشهداء الفلسطينيين.
    مرة اخري نقول ان الشعب الفلسطيني بشقيه في الوطن والمهاجر لم ينتخب السيد محمود عباس، ولم يمنحه اي تفويض للتنازل عن اي من حقوقه، ولذلك ليس من حقه الالتزام بأي شيء يتعارض مع حقوقه ودون الرجوع اليه في استفتاء حر.
    الشعب الفلسطيني ليس لديه ما يمكن ان يخسره، فهو تحت الاحتلال، والحصار والجوع، ولكنه يملك الكرامة والشهامة وعزة النفس، ويقدم مثلاً للعالم بأسره في المقاومة. ولذلك ليس من حق احد المساومة علي حقوقه والمتاجرة بدماء شهدائه، تحت ذريعة تخفيف معاناته، وتحسين أموره المعيشية.
    اتفاقات اوسلو، ومقدم السلطة علي اساسها، فاقمت من معاناة هذا الشعب، وشوهت صورته، وبات العالم، وطوال المفاوضات لا يري غير الفساد الفلسطيني وكأن الفلسطينيين شعب يعوم علي بحيرة نفط او منجم ذهب. وخريطة الطريق هذه لن تقوده الا الي معاناة اكبر، فالذين هندسوا اتفاقات اوسلو هم الذين يتعهدون بتنفيذها. ومن تعرض للدغ في اوسلو لا يجب ان يلدغ من الخريطة وعقاربها.
     

مشاركة هذه الصفحة