دار الغرور...

الكاتب : hashem_abbas   المشاهدات : 471   الردود : 1    ‏2003-06-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-06-03
  1. hashem_abbas

    hashem_abbas عضو

    التسجيل :
    ‏2003-04-23
    المشاركات:
    8
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم.

    والحمد لله وبه أستعين

    أما بعد: فإن الدنيا دار غرور، لا يدوم فيها سرور، ولا يؤمن فيها محذور، جديدها يبلى، وخيرها يفنى، من وثق بها خدعته، ومن اطمأن إليها صرعته، ومن أكرمها أهانته، أفراحها تُعقب أحزانا، ولذاتها تُورث أشجانا.

    أما بعد: فإن أعمار الدنيا قصيرة، ورحاها مديرة، وسهامها قاصدة، وحتوفها راصدة، و المغرور من اغتر بها، والمخدوع من ركن إليها، من زهد فيها كُفِيها، ومن رغب عنها وطيها، قد غرت القرون الماضية، وهي على الباقين آتية، فيا بؤسا للباقين، لا يعتبرون بالماضين، يجمعون للوارثين، ويقيمون في محلة المتجبرين .

    أما بعد: فاقنع باليسير، وبادر بالتشمير، وإياك والتغرير، وانظر إلى ما تصير، فليس الأمر بصغير، وهيئ زادك للمسير، فقد أتاك النذير.

    أما بعد: فقد وضح لك الطريق، فلا تحيدن عن إطاره إلى المضيق، فقد مضت الأيام، وذهبت الأعوام، وفنيت الأعمار، وأُحصيت الآثار، وعن قليل تدعى فتجيب، وتصعق فتغيب، فعجبا لقلبك كيف لا يتصدع ؟! وعجبا لركنك كيف لا يتضعضع ؟! وعجبا لجسمك كيف لا يتزعزع ؟!

    أما بعد: فإنه ليس لحي في الدنيا من مقام، وعما قليل يأتيك الحِمام، وكل خلق تفنيه الأيام، فلا تكن كالغافل النوام، فإنما الدنيا إلى انصرام، ولن يُرى فيها دوام .

    أما بعد: فاتقوا الله، عباد الله، فيما تَقدَّم إليكم، واحتج به عليكم، من قبل اللهف والندم، ومن قبل الأخذ بالكظم، وانقطاع المدة، واستكمال العدة، ومن قبل التلاقي واللزام، والأخذ بالنواصي والأقدام، فكأن قد نزلت بكم نازلة الفناء، وأخرجتكم إلى دار البقاء، وكشف عنكم الغطاء، وتجرعتم سكرات الموت، وخضتم غمرات الآخرة، وأتاكم ما كنتم توعدون، وعاينتم ما كنتم تحذرون .

    أما بعد: فإنه لا عذر لمن هلك بعد المعرفة والبيان، ولا حجة لمن ركن إلى دار الفناء والحدثان، ولا ندم يغني عند وقوع العيان، ولا حيلة تنفع عند فوت الزمان، وعند السياق وكلول اللسان، لا ولد ينفع، ولا أهل يمنع، في مصرع هائل، وشغل شاغل، يُدعا فلا يَسمع، ويُنادَى فلا يجيب، في غصص الموت وسكراته، وتَجَرُّع زفراته، وغمومه وحسراته، قد علاك الأنين، وأتاك الأمر اليقين، فلا عذر فتعتذر، ولا ردة فتزدجر، قد عايَنَتْ نفسُك حقائق الأمور، وحللت في مساكن أهل القبور في لحد محدور، قد افترشت اللَّبِن بعد لين الوطاء، وسكنت بين الموتى، بعد مساكنة الأحياء، فالنجاء النجاء، قبل حضور الفناء .

    أما بعد: فإن الدنيا أيام قلائل، وكل ما فيها ذاهب زائل، فتعز بالصبر عن الشهوات، وتنآء بالحذر عن اللذات، وفكر فيما اقترفت على نفسك من الذنوب، وفيما قد ستر الله عليك من العيوب، أما علمت حين عصيته لم يكن بينك وبينه، ستر يواريك منه .

    أما استحييت من مولاك ؟! وقد علمت أنه يراك، أما خفت العقوبة حين آثرت على تقواه هواك ؟!

    أما بعد: فيا بؤسا لك من مخالف خاسر، وخائن غادر!! أما إنك عن قليل، تهجم على البلاء الطويل، فتدارك نفسك إذ عرَّضتها للمهالك، واسلك بها طريق الواضح من المسالك، ولا تطمعها في راحتها، أيام حياتها، واستَطْرِف لها النَّصب، واحملها على التعب، لما ترجو أن تصير إليه من الراحة غدا، فكأنك قد دعيت فأجبت، فاعمل لنفسك مادمت في مهلة، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى .

    أما بعد: فاحذر على نفسك خترَ الدنيا ومكرها، وخدعها وغدرها، فإنها متبرجة لطلابها، فاحذرها ولاتكن لها قتيلا، والتمس لنفسك للنجاة منها سبيلا، فانظر لنفسك أيام مكثك فيها، واعلم أنها مُرحِّلة سكانها، وأن متاعها قليل، وخطبها جليل، ونعيمها زائل، وخيرها مائل .

    أما بعد: فكن في سفرك مرتادا، وهَيِّءْ عدة وزادا، قد خرجت من روح الدنيا، إلى ضيق اللحد وخشونة المتكأ، فتيقظ من نومة الغافلين، وانتبه من وَسْنَة الجاهلين، وانظر بعينك إلى مصارع المغترين، ومضاجع المستكبرين، أليس ديارهم خالية ( وأجسادهم بالية، ومساكنهم مقفرة، وعظامهم نخرة، وعروقهم بالية ) وأيامهم فانية ؟!

    أما بعد: فإنك لو رأيت يسير ما بقي من عمرك وأجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ورغبت في الزيادة من عملك، فإنك إنما تُلقى غدا في حفرتك، وتُخلى في وهدتك، ويتبرأ منك القريب، ويتسلى منك الحبيب، فلا أنت إلى أهلك راجع، ولا في عملك زايد شارع، فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة.

    أما بعد: فلا يَمِل بك الأمل الكاذب، ولاتكن كالشاهد الغائب، فإنك والقوم على بساط واحد، والموت يأتي على كل صادر ووارد، فلا يذهبن قولي عنك صفحا، فإني لم آلُكَ حظا ونصحا، فإن تقبل نصيحتي فأنت بذلك أسعد، وبها أعلى غُنيى وأرشد، وعن قليل يأتيك الخبر، فالحذر الحذر، فإنه يأتي أسرع من لمح البصر.

    أما بعد: فإن الدنيا بحر عميق، ولنيرانها لهب وحريق، ولطرقها مفاوز ومضيق، فالحذر إذاً لبعد مفاوزها ومضيقها، فأعدّ عدةَ سيرٍ تزحزح به عن لهبها وحريقها، واتخذ سفينة تنجو بها من عميقها، وقرِّب عليك الأجل لا تخدعنك بآمالها ومكرها، وقد عرَّفتك نفسها، وأوضحت لك لبسها، فلا تعم وأنت بصير، ولا تأمن وأنت بتحذير، فإن الذي بقي من عمرك قليل، فإما الثواب الجزيل وإما البلاء الطويل، فكن بعملك منتفعا، وللموت متوقعا، فإنك لا تدري على أي حال يأتيك، وفي أي وقت يفاجيك، فعجبا لك يا مكنون الأجل، كيف تغتر بطول الأمل، فابك على نفسك إن كنت باكيا، وتيقظ من غفلتك إن كنت لاهيا .

    أما بعد: فكأنك قد أُخرجت من رَوح الدنيا ومساكنها، وأبدت أهلُك لغيرك سكنها ومحاسنها، ونسَيتْ ما كان لها من كدك، وتغيَّرت ـ عما كانت لك عليه من بعدك، فتنعموا بمالك، ولم يعبأوا بحالك ـ لمن لا يرثى لك غدا من بعد صرعتك، ولا يؤنسك في وحشتك، فلا تَبِع يا مسكين بدنياك آخرتك، ولا تجزع لها فتُركبك رقبتك، عليك بنفسك أكرم الأنفس عليك، وأحب الأنفس إليك، واعلم أنك مسؤول، ومحاسب ومعاقب، فارغب في الثواب، واهرب من العقاب .



    من مواعظ الإمام القاسم بن إبراهيم (العلوي)

    أخوكم......هاشم

    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وسلم .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-06-14
  3. هدية

    هدية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-12-13
    المشاركات:
    5,715
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيراً
    وأعاذنا الله من الدنيا وغرورها
    وسلمك الله وبارك فيك
     

مشاركة هذه الصفحة