امريكا تتخلي عن رجالاتها ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 353   الردود : 0    ‏2003-05-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-28
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    إذا كان تطرف ارييل شارون وتاريخه الدموي الحافل بالمجازر أسدي خدمة كبيرة للقضية الفلسطينية، من حيث تأجيل الحلول المسلوقة وكشف حقيقة الدولة العبرية التوسعية العنصرية، وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية علي أرضية المقاومة، فإن تخبط السياسات الأمريكية في العراق سيؤدي إلي حالة من الصحوة الوطنية، تقود إلي حرب استنزاف ربما تجعل من مثيلاتها في فيتنام مجرد نزهة.
    فالإدارة الأمريكية اتخذت مجموعة من القرارات كلها تصب في خانة واحدة، أي تجميع الأغلبية الساحقة من الشعب العراق في خندق المقاومة، وتدمير ما تبقي من مصداقية لبعض الحلفاء الذين دخلوا العاصمة العراقية كفاتحين و محررين .
    ويمكن إيجاز هذه القرارات في النقاط التالية:
    أولاً: تصرفت الإدارة الأمريكية بمنتهي الوقاحة عندما صدمت كل الذين حاولوا إخفاء عورتها، عندما اعترفت بأنها قوة احتلال وليست قوة تحرير ، وتحملت مسؤوليات احتلالها كاملة تجاه من هم تحت الاحتلال، وفق القانون الدولي، وذهبت إلي مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرارات برفع الحصار وإطلاق يدها في استغلال النفط العراقي، ووضع عائداته في صندوق تشرف عليه مباشرة.
    ثانياً: تخلت الإدارة الأمريكية عن كل خططها السابقة بتشكيل مجلس وطني، أو حكومة مؤقتة، من العراقيين القادمين من الخارج لإدارة شؤون العراق، وتبخرت كل الآمال بإجراء انتخابات وشيكة، وتحويل العراق إلي نموذج ديمقراطي تحتذي به دول المنطقة.
    ثالثاً: ارتكبت الإدارة الأمريكية خطيئة العمر عندما بادرت إلي حل الجيش العراق، وكل الأجهزة الأمنية، ووزارات السيادة، مثل الإعلام والداخلية والخارجية، الأمر الذي يعني حرمان مليون عراقي من مصدر رزقهم الوحيد، وتجويع أسرهم.
    رابعاً: حل حزب البعث وجميع مؤسساته وطرد كبار موظفيه وصغارهم، وحرمانهم من أي دور سياسي في حاضر العراق ومستقبله، وهذا يعني تعطيل قدرات تكنوقراطية هائلة في مجالات الصحة والإعمار والنفط، وحرمان البلاد من الاستفادة من هذه الخبرات في مرحلة إعادة الإعمار.
    خامساً: إعلان دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي أنه لن يسمح بقيام حكومة إسلامية في العراق، علي غرار الحكومية الإيرانية، الأمر الذي يعني استعداء الشيعة، بعد أن تم استعداء معظم السنة.
    الضباط والجنود الذين جري تسريحهم من الجيش وأجهزة الأمن سيتحولون إلي أي حركات مقاومة تفتح أذرعها لهم. وإذا افترضنا أن هناك ستة ملايين قطعة سلاح في العراق حالياً، فإن علينا أن نتصور الجحيم الذي ستواجهه القوات الأمريكية فيما هو قادم من أيام.
    بول بريمر الحاكم السامي الأمريكي للعراق يبشرنا بأن هؤلاء سيجدون مجالات عمل مريحة في القطاع الخاص. وهو قول ساذج ينطوي علي جهل كبير بواقع العراق، وظروف هؤلاء، فالقطاع الخاص في العراق شبه معدوم، ولم يكن له وجود حقيقي طوال السنوات الثلاثين الماضية في العراق، لأن النظام كان شمولياً اشتراكياً، وحتي ينمو هذا القطاع يحتاج الأمر إلي مليارات الدولارات من الاستثمارات، وعشر سنوات علي الأقل. فهل سينتظر هؤلاء الجنود المسرحين عشر سنوات حتي يجدوا عملاً؟
    وماذا عن ملايين العاطلين الآخرين من الشبان الذين تقذف بهم الجامعات والمعاهد إلي سوق العمل، حيث لا جيش يستوعبهم، ولا قطاع عام يوفر لهم الحد الأدني من الأجور والعيش الكريم؟
    وفوق هذا وذاك ماذا سيفعل جندي أو ضابط أو رجل أمن في القطاع الخاص، وما هي الوظائف التي ستستوعبهم، بالله عليكم ما هي الوظيفة التي سيشغلها رجل أمن، أو مخابرات، لا يملك أي مؤهلات غير التجسس علي البشر وكتابة التقارير عنهم؟!
    ولا نعرف ما هي القوي التي ستساند الاحتلال الأمريكي وقراراته الاستفزازية هذه، فحتي الدكتور أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراق انضم إلي أبناء الجارية العراقيين بعد تجريد ميليشياته من أسلحتها، وطرده من المقر الذي استولي عليه في نادي الصيد أفخر الأندية العراقية، وسمعناه يصرخ بأعلي صوته لقد ضحك الأمريكيون علينا وخدعونا ، وشاهدناه عبر الفضائيات يطالب بتشكيل لجنة للدفاع عن استقلال العراق وحقوق شعبه.
    فإذا كانت الحكومة الأمريكية لا تأتمن الجلبي والطالباني والبارزاني رجالها الذين خدموها ووفروا الغطاء الإعلامي والسياسي لاحتـــلالها للعــراق، فمن سيأتمنون إذن، وبمن سيثقون؟
    عندما كنا نحذر من نوايا الإدارة الأمريكية وحقيقة أهدافها من غزو العراق، كان الدكتور الجلبي وأمثاله يتهموننا بمساندة الدكتاتورية، والتخلف، ومعارضة التحرير ، وها هو الدكتور الجلبي، وبعد أقل من شهرين من التحرير وهبوطه في الناصرية بباراشوت أمريكي يشتكي من الخداع الأمريكي، ويطالب بالحفاظ علي استقلال العراق. وسبحان مغير الأحوال، واللهم لا شماته.
    عملية تحرير العراق انطلقت فعلاً من الفالوجة بالأمس، ومن النجف وكربلاء ستنطلق في الغد. فها هو العد التصاعدي لسقوط الجنود الأمريكيين وطائراتهم العمودية قد بدأ، وبطريقة متسارعة، ففي أقل من يومين سقط خمسة جنود قتلي وحوالي عشرة جرحي، وما خفي كان أعظم. ولولا وجود مراسلي قناتي سي.إن.إن و الجزيرة لما اعترفت القيادة المركزية للقوات الأمريكية بسقوط هؤلاء، أو ربما قالت إنهم سقطوا بنيران صديقة، وكأن هؤلاء من نسل الملائكة، وطائراتهم طيور أبابيل لا تصل إليها القذائف البشرية.
    المستقبل قاتم بالنسبة للأمريكيين ومن تبقي من حلفائهم في العراق، وفي الدول المجاورة، وخاصة في الكويت، فمن المؤكد أن الكويتيين بالذات سيصابون بحالة من الاكتئاب بمجرد سقوط جندي أمريكي أو تفجير دبابة، وستتصاعد هذه الحالة وتتعقد، مع تصاعد أعداد القتلي والجرحي. شهر عسلهم مع الفرح كان قصيراً، واحتفالاتهم بسقوط الطاغية لم تعمر طويلاً.
     

مشاركة هذه الصفحة