انتصار دبلوماسي لشارون ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 443   الردود : 0    ‏2003-05-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-27
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    سجل ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي انتصارا دبلوماسيا كبيرا عندما انتزع قرارا من مجلس وزرائه بالموافقة علي خريطة الطريق، وأوحي بذلك للعالم بأسره انه رجل سلام فعلا، وحريص علي تقديم تنازلات مؤلمة من اجل التوصل الي تسوية سياسية دائمة.
    الولايات المتحدة الامريكية رحبت بهذه الموافقة الاسرائيلية واعتبرتها خطوة مهمة علي طريق السلام، كما رحب بها بالحماس نفسه رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) الذي بادر الي طلب لقاء عاجل مع نظيره الاسرائيلي للبدء في تطبيق ما جاء في هذه الخريطة علي الارض.
    المنطق يقول بان علي السيد (ابو مازن) ان يرفض الموافقة الاسرائيلية علي الخريطة ويعتبرها مناورة مكشوفة، ويمتنع عن الاجتماع بشارون او غيره كبادرة احتجاج من جانبه علي مثل هذه الآلاعيب البهلوانية، ولكن متي كان المنطق احد الركائز التي ترتكز اليها السلطة ورئاسة الوزراء فيها؟
    شارون اظهر انه ممثل بارع عندما صور للسذج مدي صعوبة استصدار قرار عن مجلس وزرائه بالموافقة علي خريطة الطريق، فالتأييد جاء مشروطا بتفهم الولايات المتحدة للتحفظات الاسرائيلية، ومرفوقا بقرار ملزم يرفض اي اعتراف اسرائيلي بحق العودة للشعب الفلسطيني.
    حق العودة، ومستقبل القدس المحتلة، والمستوطنات، ثلاث قضايا اساسية من المفترض ان تتم المفاوضات حولها في المرحلة الثالثة من الخريطة المذكورة. وتشريع مجلس الوزراء الاسرائيلي برفض الاعتراف بحق العودة، يعني ان التطبيق سيقتصر علي المرحلتين الاولي والثانية فقط، تماما مثلما كان الحال في اتفاقات اوسلو، اي نفض اليد من قضايا المرحلة النهائية.
    فالمرحلة الاولي تتضمن في جميع نصوصها، سلسلة طويلة من الطلبات، او الاوامر التي يجب علي رئيس الوزراء الفلسطيني تطبيقها حرفيا قبل ان يبدأ شارون في مجرد القاء نظرة علي الخريطة، ناهيك عن تطبيق اي من بنودها ومن ابرز هذه الطلبات وقف كل اعمال المقاومة، وتجريم العمليات الاستشهادية ونزع اسلحة جميع الفصائل، ووقف كل اعمال التحريض.
    السؤال هو: كيف سيسوق السيد ابو مازن هذه الخريطة الي ابناء الضفة الغربية وقطاع غزة، ونسبة كبيرة منهم من ابناء المخيمات، وشارون حليفه وشريكه اسقط حق العودة كليا وبقانون رسمي؟
    بأي حق ستقوم قوات الامن الفلسطينية الخاضعة مباشرة له باعتباره وزيرا للداخلية، باعتقال المقاتلين من عناصر فتح و حماس و الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية والديمقراطية، طالما انها تعلم مسبقا ان هذه الخريطة اسقطت ثمانين في المئة من ارض فلسطين التاريخية، بينما اسقط شارون منها ما هو اهم من الارض وهو حق العودة .
    ثم ما هي قيمة هذه الدولة الفلسطينية المسخ اذا كانت ستقوم علي اساس التضحية بحقوق اربعة ملايين فلسطيني علي الاقل، عانوا ويعانون في مخيمات الشتات علي مدي خمسين عاما ونيفا؟
    السلطة الفلسطينية تنازلت عن كل الاراضي المحتلة عام 1948، وها هو اول رئيس وزراء فلسطيني يتنازل عن حق العودة، وكل هذا والمفاوضات لم تبدأ بعد، والقوات الاسرائيلية تعيد احتلال الضفة ومعظم غزة، تري ماذا سيتبقي من الحقوق الفلسطينية بعد اختتام المفاوضات، وانتهاء المرحلة الثالثة؟
    اليوم اسقاط حق العودة تجاوبا مع المطالب الاسرائيلية باعتباره حقا غير واقعي ويهدد الديمغرافيا الاسرائيلية، وغدا يتم التنازل عن القدس المحتلة، لان شارون تعهد لناخبيه بانها ستظل موحدة وعاصمة للدولة العبرية، وبعد غد يتفهم المفاوضون الفلسطينيون الكرماء الاعتبارات الامنية الاسرائيلية ويقبلون بوجود بعض المستوطنات!
    فالاسرائيليون تلطفوا وقبلوا مليون فلسطيني في اراضيهم فما المانع ان يكون الفلسطينيون اكثر لطفا وحضارية، ويقبلون مليون مستوطن في دولتهم المقبلة اذا كانوا فعلا يريدون التعايش والانتقال من مرحلة التخلف العربي الي التقدم الغربي وامتيازاته الاقتصادية الزاهرة.
    الكارثة ليس في تكرار عمليات الخداع الاسرائيلية ـ الامريكية للايقاع بالفلسطينيين في شراكها، وانما في قبول بعض الفلسطينيين بها، ومحاولة الايحاء بانها الطريق الامثل الذي يجب اتباعه للوصول الي الحقوق الفلسطينية المشروعة.
    خريطة الطريق هذه لا تختلف مطلقا عن مشروع ميتشيل، وخطة تينيت، ومثلهما اتفاقات اوسلو سيئة الذكر، فالقاسم المشترك فيهما جميعا يطالب بتحويل الشعب الفلسطيني الي رجال امن لحماية المستوطنين، ودون اي ضمانات حقيقية بتطبيق واحد من قرارات مجلس الامن الدولي.
    شارون، وباختصار شديد اعاد تصدير الأزمة الي الفلسطينيين، وسيحمّلهم مسؤولية فشل تطبيق خارطة الطريق، مثلما حمّلهم مسؤولية فشل خطتي الجورجين الامريكيين جورج ميتشيل وجورج تينيت. والان سيجلس مطمئنا علي كرسيه، ويواصل قتل وذبح الفلسطينيين، منتظرا ان تشاركه قوات الامن الجديدة في هذه المذابح، والا فانها لا تلتزم بخريطة الطريق.
    اول الخريطة كفر، ويبدو ان هناك من هو مستعد للالحاد، طالما انه مطلب امريكي. ولكن الشعب الفلسطيني لن يقبل بهذه الخدعة الجديدة، ولم ينتخب ابو مازن او غيره من اجل التفريط بحقوقه.
     

مشاركة هذه الصفحة