الراديكالية الاميركية الجديدة

الكاتب : أبو لقمان   المشاهدات : 654   الردود : 0    ‏2003-05-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-20
  1. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    بقلم- عمر كوش
    ميدل ايست: 13/5/2003

    منظرو المحافظين الجدد يعتبرون أن الحرب الرسالية تخاض من أجل تحقيق القيم الأميركية، وأنها تشكل جزءاً من الرسالة الأميركية الجديدة للعالم. وهم يسعون إلى عسكرة المجتمع الأميركي، وعسكرة السياسة، بل وينظرون إلى السياسة بوصفها استمراراً للحرب، وليس العكس.

    ميدل ايست اونلاين


    يشهد العالم، منذ العقد الأخير في القرن العشرين المنصرم وحتى أيامنا هذه، صعود نزعة راديكالية جديدة، فاشية المحتوى وعدوانية التوجه، وما الحرب العدوانية على العراق سوى إحدى إفرازات هذه النزعة التي أطلقها المحافظون الجدد، وباركتها الليبرالية الجديدة، بعد أن وصل هؤلاء إلى حكم النظام الإمبراطوري الجديد في أميركا، وتخلت الليبرالية الجديدة بما أوحت به في السنوات العشرة الأخيرة من القرن العشرين من تشكيل مجتمع مدني عالمي أو ما دعي وقتها عالم القرية الكونية، وعدم جدوى الحدود والعوائق التي خلفها نظام الدولة القومية، وها هي تعود اليوم إلى ينابيع الأصولية المحافظة بثوب جديد.

    لقد تبلورت في النظام الإمبراطوري الجديد، الهوية الليبرالية الجديدة في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، بواسطة المحافظين الجدد أو تيار الأصولية الجديدة، وهي تنص في أكثر من بند من بنودها على أن العالم بأكمله صار مسرحاً لعمليات الجيش الأميركي، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، التي استخدمتها ذريعة، ووظفتها لتفعيل النزعة الراديكالية الأميركية، وهي نزعة تتكئ على منطق القوة، و تتخذ الحرب وسيلة للتغيير.

    وينظر العديد من منظري اليمين بعين الرضى إلى التلازم بين المحافظة الجديدة وبين الليبرالية الجديدة، معتبرين أن خير ما يصف أفكار اليمين الجديد الذي شكل على مرّ السنوات السابقة القوة الراديكالية في السياسة المحافظة، هو عبادة الليبرالية الجديدة، بالنظر إلى أن السوق الاقتصادية الحرة هي صاحبة الدور الأكبر في تشكيلها. ولم يسعف هؤلاء الفصل ما بين المحافظة القديمة وبين المحافظة الجديدة، مع أن بعضهم يقرّ بأن الراديكالية تحولت من اليسار إلى المحافظين، وأن اليسار يبدو اليوم محافظاً في حين يبدو المحافظون الجدد راديكاليين. فهم يصورون حربهم العدوانية على العراق بمثابة رسالة، ومنطلقهم في ذلك هو أن الحرب باتت استباقية أو وقائية في معياريتهم، ولم تعد الحرب - كما كانت على الدوام - دفاعاً عن الحق أو عن أرض مغتصبة أو مقاومة لاحتلال. ويعتبر منظرو المحافظين الجدد أن الحرب الرسالية تخاض من أجل تحقيق القيم الأميركية، وأنها تشكل جزءاً من الرسالة الأميركية الجديدة للعالم. وتنهض مسوغات هذا الطرح على ميتافيزيقا التمركزية الأميركية، التي تعتبر الأمة الأميركية وفق أوهامها أمة استثنائية، متفردة، تنبع مشروعيتها من ذاتها ولذاتها فقط. ومن حق هذه الأمة خوض الحرب دفاعاً عن مبادئها ومثلها، وعليه يستند المحافظون الجدد إلى مفهوم جديد للحرب، بما يعني تغيّر المفهوم من الحرب الرادعة إلى الحرب الاستباقية أو الوقائية، الأمر الذي يعني على المستوى السياسي الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة التغيير، بما في ذلك تغيير الأنظمة والدول والأقاليم.

    إذاً، ما يميز النزعة المحافظة الجديدة هو عبادتها لنظام الليبرالية الجديدة الإمبراطوري، ورؤيتها التي تنهض على اعتبار الأسلوب الرأسمالي ونظامه لم يعودا مصدراً لمشكلات الحضارة الحديثة، بل غدت الليبرالية جوهر وأساس كل ما هو جيد وصالح في عالم اليوم. ويرى أقطاب العولمة الأميركيين - بعكس ما يطمح إليه بعض الأوروبيين من أمثال "أنتوني غيدنز" - أن المحافظة القديمة بقيت في أوروبا، وهي تشكل اليوم بالنسبة إليهم "أوروبا القديمة" أو العجوز. في حين أن ما يميز المحافظين الجدد هو تحالفهم مع الجماعات الراديكالية في اليمين المسيحي البروتستنانتي، ومع الصهاينة المتشددين داخل وخارج أميركا. وهم يحاولون تشييد قيمة المنفعة، في الاجتماع الأمريكي خصوصاً، على النهج البروتستنتي المتشدد، حيث يغدو المؤمن فيه مكلفاً تكليفاً إلهياً أو مودعاً فيه الانتفاع بما يحقق أمثاله.

    في عالم هذه الأصولية أو المحافظة الجديدة، والأصوليات الأخرى القديمة والجديدة، تغيب القيم الكونية المشتركة، لتظهر السياسات والنزعات الراديكالية التي لا تقر بالتعدد والاختلاف ولا بحقوق الآخرين، ولا تعترف بحقهم في العيش في عالم متعدد الأعراق والثقافات، كونها تصنف العالم إلى عالمين متناقضين ومتصارعين، رافعة شعار "كل من ليس معنا، هو ضدنا"، ومعتبرة ما يصدر عنها بمثابة قول لا لبس فيه، ويمثل الحقيقة المطلقة.

    وقد أثارت هذه النزعة العدوانية للمحافظين الجدد، رعب العالم، وخاصة رُعب اليساريين والديموقراطيين في العالم، وفي الولايات المتحدة نفسها، وأثارت أيضاً رعب المحافظين القدامى. وبعد أن استبدت بهم نشوة ما يرونه انتصاراً لهم في العراق، انهمك بعض العقائديين من اليمين المحافظ في الإعداد للمعركة القادمة. من هنا قام عدد من هؤلاء الذين كانوا من الدعاة الأوائل البارزين للحرب على العراق بإصدار تهديدات تستهدف طائفة من دول الشرق الأوسط، وبالتالي يجب أن يأتي الدور على كل من سوريا وإيران، حيث ذهب "ميتشيل ليدين" من معهد "أميركان إنتربرايز" إلى القول بأن الوقت قد حان لإسقاط سادة الإرهاب الآخرين. وعليه يعتقد أمثال "ليدين" أن الولايات المتحدة تخوض غمار حرب عالمية مستمرة، هدفها خلق شرق أوسط جديد، ويتم فيها استهداف ليس فقط سوريا وإيران، ولكن مصر والسعودية أيضاً.

    ان المحافظين الجدد يشكلون فريق حرب خطير، يهدد السلام والأمن العالميين، وهم يقدمون لـ"بوش الابن" منظار الرؤية لكل ما يجري على ساحة العالم الخارجي الذي كان يجهل عنه كل شيء حتى يوم انتخابه. وهم يسعون إلى عسكرة المجتمع الأميركي، وعسكرة السياسة، بل وينظرون إلى السياسة بوصفها استمراراً للحرب، وليس العكس كما نظر ذات يوم "كلاوزوفيتز". ويعتمد هؤلاء على الجيش الأميركي، باعتباره اليوم أقوى جيش في العالم، ويمتاز بقدرة واسعة على الحضور والانتشار وخوض الحرب في أي مكان من العالم.

    لقد وجد المحافظون الجدد في أحداث 11 أيلول فرصة سانحة للخروج إلى العالم وتصدير الديموقراطية إليه على ظهور الدبابات الأميركية، وهو نموذج جديد للديمقراطية، يمكن تسميته الدبابقراطية الأميركية، كونه يُحمل على فوهات مدافع الدبابات ويدفع بقوة صواريخ "توماهوك" و"كروز"، ويذود عن سعيهم في قولبة العالم على صورة أميركا التي يرونها. وتنهض في خلفية هذا السعي نزعة راديكالية، تضع اعتبارات المصالح القومية الأميركية - والتي هي في العمق مصالح الشركات التي يمثلونها - فوق كل اعتبار. تلك المصالح التي تفوح منها رائحة النفط، تغلّف بغلاف لاهوتي، وتكشف عن أصولية فاشية.

    هكذا، تتكشف النزعة الراديكالية الجديدة في أميركا عن نزعة عدوانية، تعتمد الحرب أسلوباً في التغيير، حتى بات العالم كله حدوداً للإمبراطوريتها الجديدة، وباتت مكاسب شعوبه وبرامج النمو في مختلف بلدانه مستهدفة بالتوسع الكوني لأميركا، وبالتالي فإن على القوى الحية في العالم اليوم أن تعي خطورة هذه النزعة التوسعية، وأن تبحث عن البديل الممكن قصد تشكيل أوسع جبهة عالمية للمناهضة والوقوف في وجه هذه النزعة العدوانية.

    * عمر كوش، كاتب سوري
     

مشاركة هذه الصفحة