خطة لأستبعاد اليأس

الكاتب : الصقر الجارح   المشاهدات : 456   الردود : 0    ‏2003-05-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-18
  1. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1




    عدونا الأخطر اليوم هو اليأس الذي انتشر – أو كاد - في أركان حياتنا ، وتربع – أو كاد – في حنايا قلوبنا ، وسيطر أو كاد على أوجه نشاطنا ، ومن ثم لزمت النفرة لمواجهته ، ولزم علينا أن نعلنها مدوية : " لا يأس مع الإسلام ولا إسلام مع اليأس "

    هكذا كان يجب أن يقولها الزعيم مصطفى كامل لولا مسة من علمنة ، أو موجة من حداثة جرفته بعيدا عن المنبع ، وزينت له قولته الشهيرة " لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس " ، اللهم إلا إن كان يعني أن الحياة هي الإسلام حقا ‍‍‍‍‍‍.

    وقد لا تجدي هذه الصرخة بغير الرجوع إلى أعماق الضمير الإسلامي الذي تقوم تربية التفاؤل الإسلامي فيه على خطة متكاملة ، نعرض ركائزها بإيجاز في قسمين :



    القسم الأول :

    تربية التفاؤل





    أولا :على مستوى مجموعة من الحقائق الإسلامية ، تلك التي نجدها قائمة على:


    (1) الإيمان بأن الدنيا ما هي إلا مرحلة في البناء ، متصلة بالآخرة .

    (2) الإيمان بقدرة الله وصدق وعده لأوليائه

    (3) العمل بهدي القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم (الكهانة ) و التشاؤم والتطير

    (4) الإيمان بأن اليأس إن لم يؤد إلى الكفر فهو على الأقل من الكبائر

    (5) الرجوع إلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم بخصوص الرؤيا ومنها " البشارة "

    (6) الاعتبار بما جاء في أحاديث التنبؤ ، فهي وإن كان فيها أحاديث الفتن فإن فيها أحاديث البشرى ومنها عودة الإسلام كما بدأ .

    ثانيا : على مستوى سد منافذ اليأس :

    1 - سد منافذ اليأس الذي قد يأتي من حقيقة جريان الشيطان في النفس كجريان الدم في العروق ، وهنا يأتي الحل الإسلامي في التخلص من وسوسات الشيطان بالاستعاذة بالله سبحانه

    2 - سد منافذ اليأس الذي قد يأتي من طبيعة النفس البشرية في قبولها للخير كقبولها للشر ، وهنا يأتي الحل الإسلامي في التعمق في فهم هذه النفس : الأمارة واللوامة والمطمئنة ، وأن هدي الله يعطيه لمن يتوجه إليه ويلح في الطلب والدعاء .

    3 سد منافذ اليأس على مستوى الصحة والمرض إذ هنا تأتي استعادة الثقة بقدرة الله على الشفاء ، وأثر الإيمان – طبيا – في الشفاء ، كجزء من العلاج ، وتجريم بدعة ما يسمى القتل الرحيم .

    4 سد منافذ اليأس الذي قد يأتي من ناحية حصول البلاء وتعاظمه ، وهنا يأتي الحل من ناحية فهم نظرة الإسلام وتقويمه لخيرية البلاء ، إذ تكون ثمرته اليقظة من غفلة الغنى والاستغناء

    5 - سد منافذ اليأس على مستوى استقبال الآخرة ، ففي صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : ( لو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة .. )

    6 - سد منافذ اليأس الذي قد يأتي من إدمان المعاصي ، وهنا يأتي الحل الإسلامي في إعادة بناء موقف المسلم في مقام التوبة بين الرجاء والخوف

    7 - سد منافذ اليأس مما كسبت أيدينا ، والاستبشار بعمل صالح قد يفتح لنا الطريق إليه سبحانه

    ثالثا : على مستوى الاقتداء بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم



    نعلم أن اليأس حالة تراكمية تتكون من سلسلة طويلة نوعا من حلقات الهزيمة والإحباط ، وهي حالة كان من الممكن أن يتصور البعض وقوعها للرسول صلى الله عليه وسلم – حاشاه – نتيجة إنكار قومه له وقد حاربوه وهو فرد أو وهو ضمن جماعة صغيرة ، أكثر من ثلاث عشرة سنة في مكة ، تعرض فيها لكل صنوف الاضطهاد المادي والمعنوي .ولكنه ما يئس وهو في قلب تلك الحالة .

    رابعا : على مستوى استهداف النجاح


    ذلك أن إرادة الأمم تصاب بالشلل إذا تملكها اليأس ، وقد أصبح بث اليأس وافتعاله في صفوف العدو علما قائما بذاته يجري بشكل بالغ الحساسية والأهمية والتنظيم ، ، بعنوان " الحرب النفسية " ، وفي المقابل فعلينا أن ندرك أن انتصار الحركات التاريخية الكبرى لم يكن إلا لامتلائها بالتفاؤل

    هكذا كان انتصار الإسلام ابتداء حيث بني على وعد الله بالنصر حقا .

    وهكذا تكون خطة نجاح الرأسمالية – جدلا - حيث تبرمج فلسفيا على أنها حتمية وأنها تمثل قمة التاريخ أو نهايته كما اختزله فوكويوما في كتابه المشهور " نهاية التاريخ " .

    والشيوعية كانت كذلك حيث بنيت على أكذوبة الحتمية العلمية في انتصار البرولتاريا كما نظر لها كارل ماركس وإنجلز في رأس المال .

    والصهيونية حيث برمجت مسيحيا ويهوديا على أن استيلاءها على القدس مسألة حتمية مبنية على نبوءة فهمت خطأ في العهد القديم والجديد .

    والحركة الإسلامية اليوم : تمثلت في " شعار الله أكبر" ، كرأس حربة في نصر العاشر من رمضان وفي حركة المقاومة اللبنانية التي حررت جنوب لبنان وفي حركة المقاومة الفلسطينية التي انطلقت من شعار المسجد الأقصى .



    خامسا : استبعاد ثقافات اليأس والتيئيس


    (1) استبعاد ثقافة الدعوة إلى الله على قاعدة من الجهل بأحكام الدعوة ، وهي القاعدة القائمة على استعمال الخشونة والفظاظة والصراخ والغضب والوعيد على اللمم ، والتكليف بما ليس في الوسع إلخ .

    (2) استبعاد ثقافة العنصرية الجديدة القائمة على تقسيم الشعوب بحسب الجينات الوراثية.

    (3) استبعاد ثقافة الفهم المغلوط للإسلام في عقيدة التوكل ، وهنا يأتي ضرورة الربط بين التوكل والأخذ بقانون السببية ، والخضوع – توكلا – لسنن الله في الكون .

    (4) استبعاد ثقافة الفهم المغلوط للإسلام في الإيمان بالقضاء والقدر ، وهنا يأتي ضرورة الربط بين الإيمان بالقضاء والقدر ، ودافعية العمل وفقا لقوانين الله في الكون التي هي جزء من القضاء والقدر .

    (5) استبعاد ثقافة المبالغة في الأحكام الانهزامية النهائية المعبأة في مقولات :

    مثل الحكم على العرب بأنهم شعوب ميئوس منها حيث بنيت عقليتها على استبدال

    الكلمة بالواقع ، أو أنها شعوب ميئوس منها حيث فطرت على التناحر منذ الجاهلية
    حتى اليوم ، أو أنها شعوب ميئوس منها حيث جلبت على أن تحكم بالسيف والذهب ،

    أو أنها شعوب ميئوس منها حيث طبعت على أن تخضع للأجنبي كبديل عن التضامن

    مع الذات .



    (6) استبعاد ثقافة التهويل من تقدمية الأعداء ، وديموقراطيتهم وإنسانيتهم .

    تقدمية حرية الجنس ؟ ديموقراطية مقاطعة صناديق الانتخاب التي لا يتوجه إليها من الشباب – عل سبيل المثال – ما يزيد على عشرين بالمائة منهم ؟ ديموقراطية الخضوع لبيوت الإعلام الصهيوني والرأسمالية ومصانع الأسلحة والبورصات ؟ ديموقراطية الصرف على انتخابات الرئاسة التي صرف عليها أخيرا في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي مليارين ؟ إنسانية التآمر على إبادة الشعوب العربية والإسلامية والهنود الحمر والأفارقة ؟ حرية اختيار الشعوب حياتها وفقا للنموذج الأمريكي وإلا تم ضربها بأحدث ما أنتجته الترسانة العسكرية ؟

    (7) استبعاد ثقافة الاستغراق في التلهي والتسلية : الأغاني والأفلام والمسلسلات التليفزيونية وما أشبه .

    (8) استبعاد ثقافة العيش في السفوح والقيعان التي تتمثل في تقزيم طموحات الشباب إلى مستوى الزي والتعري والجنس والسيارة ، وتجنب طرح مشكلاته في القيم الأخلاقية والحرية والكرامة على سبيل المثال .

    (9) استبعاد ثقافة غربان التغريب وجلد الذات والنفخ في بالون إسرائيل والولايات المتحدة .



    سادسا : على مستوى استعادة ثقتنا المفقودة


    (1) استعادة ثقتنا المفقودة بالتاريخ الإسلامي :

    تاريخ الصحابة : من حيث تنقيته من مهاجمة بعض الصحابة باسم المذهبية أو تحت ستار الفتنة.

    الدولة الأموية : من حيث تأكيد مالها من الفضل الأكبر في نشر الإسلام وإسقاط الدولتين الامبراطوريتين الفارسية والرومانية الشرقية

    الدولة العباسة : من حيث التعريف بما لها من دور مرموق في نشر العلم والرفاهية والحضارة.

    الدولة الأيوبية ودولة المماليك: من حيث مالهما من دور تاريخي في صد غارات التتار والصليبيين . واستعادة المسجد الأقصى بعد سلبه أكثر من تسعين عاما باسم الصليب

    الدولة العثمانية: من حيث دورها المشهود في نشر الإسلام في أوربا ودورها في المحافظة على تطبيق الشريعة ووحدة الدولة الإسلامية الكبرى ، ومقاومة الاستعمار الأوربي إلى حين سقوطها بالتآمر بين الاستعمار والتيارات القومية .



    (2) استعادة ثقتنا المفقودة بدورنا التاريخي المتصل في بناء الحضارة ، من حيث إن الحضارة مشروع إلهي ، قامت إسلاميا على العلم والعمل والإيمان ، وهي مرشحة للعودة في المستقبل كعلاج وحيد لأزمة الحضارة المعاصرة ، على مستوى الدين والقيم .



    ( 3) استعادة الثقة في إنقاذ البيئة إسلاميا ، بعد أن يئست منه المحافل الدولية الكبرى ، ولم يعد هناك سبيل إلا بالرجوع إلى نظام حضاري متواضع في استهلاكياته ، وفي حلمه الزائف فيما يسمى السيطرة على الطبيعة.

    (4) استعادة الثقة المفقودة بين الأجيال :في دائرة المنزل : وفي دائرة المدرسة : حيث ساد حوار الطرشان

    (5) في دائرة الإعلام : حيث يئس الإعلاميون من الشعوب ، ويئست الشعوب من الإعلاميين ، ولزم العمل من أجل تغييرما سيطر على الإعلام من أهداف لحظية أو مادية أو سلطوية أو متعوية أو غسلمخية .

    (6) استعادة الثقة المفقودة بين الحاكم والمحكوم ، فالحاكم لما يئس من الشعب اكتفى بالحد الأكبر من حفظ الأمن ، والحد الأدنى من رفع المستوى المعيشي .

    والمحكوم لما يئس من الحكام لجأ إلى السلبية وانصرف إلى تحقيق الأهداف الشخصية والانتهازية .

    (7) استعادة الثقة المفقودة بين الداعية والجمهور فالمدعوون لما يئسوا فقدوا الثقة في الدعاة وانصرفوا عنهم أو اكتفوا بالسماع دون التفكير في العمل .

    : والدعاة إذ يئسوا تحول بعضهم إلى التطرف ، واختزال المراحل ، وإسقاط التخطيط من أجل التنفيذ ، وتحول بعضهم إلى ممارسة الدعوة لمجرد تبرئة الذمة يرفعون شعارات لا يمكن أن تطبق عمليا إلا على خطوات تدريجية وبصبر طويل ، لكنهم يرفضون هذا المنهج العملي التدريجي لا لشيء إلا ليأسهم منه ، ومن هنا فهم يرفعون شعاراتهم المتصلبة وهم في نفس الوقت على يأس من التنفيذ . ناسين أنهم في حقيقة الأمر ينطلقون من يأس غير مشروع ، ويضيعون على إخوانهم أملا مشروعا .



    القسم الثاني
    مصادر التفاؤل
    ولهذا التفاؤل خمسة مصادر فيما نرى :

    أولا : على المستوى السياسي والثقافي
    (1) تفاؤل مصدره قرب التخلص من التشويه المزمن في كيان الجامعة العربية – إذ كيف يرتهن مصير الأمة العربية على إرادة إجماع اثتنين وعشرين دولة ما ظهرت في مجموعها على سطح التاريخ إلا بوصاية التجزئة الاستعمارية ، ثم يرتهن هذا الإجماع على إرادة دويلة قزم مرتهنة بدورها في ترسانة العدو المشترك ، وعلى هذه الجامعة أن تتواضع إلى منتدى ، وليظهر إلى جانبها حلف عربي من نخبة من دول عربية مسئولة .

    (2) تفاؤل مصدره الإزاحة القائمة حاليا على قدم وساق للعراقيل والعقبات والفلسفات والنظريات التي ما زالت تحول بين المشكلة وبين بداية الحل .

    إنه من الأمور التي تتسارع في كشف المستور واجتلاء الحقيقة أن معركتنا مع أعداء الإسلام معركة بعيدة الغور ، من حيث التخلف الذي أصاب المسلمين قبل غزو أعدائهم لهم ، ومعه وبعده ، إن عنصرية العدو ووحشيته وغطرسته وأطماعه المتعرية هي – وكما سوف يسجل التاريخ – وحدها القادرة على استفزاز المنطقة ، وإثارتها ودفعها للتعرف على ذاتها ، والوصول إلى الحل الصحيح لمشاكله الحضارية الشاملة .

    إن المنطقة وقد وصلت إلى هذه الدرجة الهائلة من التخلف والضعف فإنها لا يمكن أن تتخلص منه إلا بتحد هائل من هذا القبيل : تحدي الاستعمار ، وتحدي عودته ، وتحدي ارتقائه إلى مستوى الاستيطان .

    إن السم الذي القي إلى المنطقة خطير لكن معدة المنطقة أقوى منه .إننا يجب أن نتفاءل ونرحب بهذا التقلص .

    إننا نرحب – أو يجب أن نرحب – بالاستجابات الفاشلة لأنها خطوات في الطريق إلى النصر ، إنها تمثل عملية استبعاد وإزاحة لحساب الاستجابة الصحيحة في نهاية الأمر .

    إن الاستجابات التي تمت وظهر فشلها كليا أو جزئيا تمثل رصيدا مثمرا لمستقبل الاستجابة الإسلامية المنتظِرة .

    لقد حصلت الاستجابة القومية الشوفينية المعادية للدعوة الإسلامية ، وحصلت الاستجابة الاشتراكية العلمية ، وحصلت الاستجابة العلمانية الإلحادية ، وحصلت الاستجابة الليبرالية ضمن ما يسمى النظام العالمي الجديد ، أو العولمة ، وهي الاستجابات التي أدت بنا إلى سلسلة من الهزائم الحضارية والاجتماعية والعسكرية

    والاستجابة التي لم يتم تجربتها بعد هي الاستجابة الإسلامية

    وهنا يأتي الحل التفاؤلي من زاوية تحويل تلك الاستجابات الفاشلة إلى رصيد للنصر باسم الإسلام ، إذ هو نصر لا يأتي ولا يعقل أن يأتي إلا بعد الفرز والتمييز والتمحيص ، ليكون خالصا ، للإسلام والمسلمين ومن هنا يلزم اعتبار هزائم القرن الماضي في حصيلة النصر لا الهزيمة ، ويلزم اعتبار التحدي الأمريكي الإسرائيلي بشارة خير باعتباره الحافز الوحيد المكافئ لبعث إسلامي جديد .

    وشكرا لغباء أعداء الله ، فهم عوامل الوصول إلى الاستجابة الإسلامية ، وهي إن تاخرت فمن الحق أن تتأخر ، ومن المصلحة أن تتأخر ، عندئذ تكون المنطقة قد انكشفت أمامها الترهات والدعاوى الفارغة ، عندئذ يكون التميز والتحدد قد تم لحساب الإسلام

    (3) : تفاؤل مصدره بدء سريان الفهم بأن المعركة ليست ضد فلسطين أو العراق أو العرب فقط ولكن باعتبارهم قلب الأمة الإسلامية ، أو بقيتها الباقية .

    وهاهي شهادات نتنياهو رئيس الوزراء للكيان الصهيوني الأسبق يقول في كتابه الصادر حوالي عام 1996 بعنوان ( الإرهاب يعود شئنا أم أبينا ) ( لو أن شارل مارتل لم ينتصر على العرب في بواتييه عام 732 م لكانت أوربا كلها قد أصبحت قارة إسلامية . )

    ويعبر عن الحروب الصليبية بقوله : ( إن جزءا كبيرا من تاريخ الإسلام بعد تلك الهزيمة قد مضى في صراع المسلمين ضد استعادة الأوربيين للأراضي الإسلامية ، خاصة الأراضي المقدسة )

    وهو يرى أن حملة نابليون على مصر تأتي في السياق نفسه ، ومثلها حرب الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي ، وسيطرة البريطانيين على الشواطئ الخليجية ، وسيطرة الفرنسيين على أفريقيا ، الشمالية كلها ، وسيطرة الإيطاليين على ليبيا . ويتوقف نتنياهو عند ما يسميه دور أوربا في تفكيك العالم الإسلامي تفكيكا نهائيا . [1] !! ونضيف نحن إليه : سيطرة الصهاينة اليهود على فلسطين ، وسيطرة الصهاينة المسيحيون على العراق ، والبقية تأتي .

    وفي هذا السياق تأتي شهادات لاحصر لها نذكر منها ما نشرته جريدة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر في 10 مارس الماضي تقول : ( إن أنصار بوش من الإنجيليين يأملون أن تكون الحرب ضد العراق فاتحة لنشر المسيحية في بغداد )

    وما قاله القس الأمريكي " فريتس ريتسش " في مقال له في الواشنطن بوست عن " الرب والإنسان في المكتب البيضاوي " : لقد وجدت مجموعة الهوس الديني التي تسمى نفسها " اليمين المسيحي الصهيوني - على حد تعبير القس فريتس " - قائدا على منوال شخصية داود الإنجيلية يوحد مطامحهم السياسية ، وهذا القائد هو جورج بوش الذي يؤمن بالفعل بأنه مبعوث العناية الإلهية " ليقودهم في حرب …تستهدف المسلمين لأنهم الذين يشكلون الخطر الأكبر على عودة المسيح إلى الأرض ، وأن هؤلاء المسلمين لا يتبعون ملة دينية ، وإنما يتبعون رجلا اسمه محمد .

    ها نحن اليوم - أخيرا – أصبحنا نفهم – وبقي أن نعترف ثم أن نعمل – على أساس أن الحرب بيننا وبينهم دينية ، بعد أن كتمنا هذه الحقيقة قرنا كاملا بدوافع متهافتة . وبعد أن جردنا أنفسنا من هذا السلاح الذي هو مصدر الطاقة لدينا صحونا عليهم في فراشنا – باسم التحالف أو باسم الصداقة - وهم يغرزون أنيابهم في لحومنا .



    ثانيا : على المستوى العسكري
    لا يأس أمام تحول حلف الناتو بعد سقوط الشيوعية والاتحاد السوفيتي إلى عداوة للإسلام

    لا يأس أمام امتلاك العدو أسلحة الدمار الشامل : النووية ، والكيماوية والبيولوجية .

    إن هذا إنما يلقي علينا مسئولية إعداد أعلى مستويات السلاح : سلاحا يستغرق كل حدود الاستطاعة العلمية والبشرية والمالية ، ويصل إلى حد الردع : { وَأَعِدّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وآخَرينَ مِنْ دونِهِمْ لا تَعْلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقوا مِنْ شَيْءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمونَ} 60 الأنفال .

    نعم لقد قصرنا في ذلك منذ عشرات السنين ومع ذلك فالتفاؤل قائم بالرغم من كل قصور أو تقصير .

    : إن لدينا مستطاعات كثيرة تم تخزينها ماديا وإن لم يتم إعدادها بعد إراديا . وليس صحيحا بعد أن ميزان القوة يميل ميلا كاسحا لا يقبل التغيير لصالح الكيان الصهيوني ، وتدل على ذلك دراسات استراتيجية غربية – منها دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لندن لخصها الدكتور نايف علي عبيد في مقال بجريدة الخليج 19 \ نوفمبر \ 2000 لا مجال لذكرها في هذا المقام ، - كما يدل على إمكانات التغيير جهود شعوب مسحوقة سبقتنا في هذا المضمار في كوريا والهند وباكستان .



    ثالثا : على المستوى الإيماني

    (1) : تفاؤل مصدره الإشارة الخفية التي جاءت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن السلاح المستعمل في قتال المسلمين لأعدائهم ، وأنه السلاح المملوك بيسر للمسلم دون غيره .

    ففي صحيح البخاري بسنده عن الحَكمُ بن نافعٍ أخبرنا شُعيبٌ عن الزّهري قال: أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله أنّ عبدَ الله بن عمرَ رضيَ الله عنهما قال: «سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقاتِلُكمُ اليهودُ, فتُسلطونَ عليهم, حتى يقولَ الحجرُ: يا مسلمُ, هذا يهوديّ ورائي فاقُتله».

    ونحن نلاحظ من قوله تعالى " ويمكرون ويمكر الله " أن أعداء الإسلام– عن طريق استيطانهم بين المسلمين - هم الذين يعدون العدة بأيديهم لعملية الخلاص منهم ، وذلك بما يدل عليه سير المعركة إلى مرحلة التداخل بين المسلمين والكفار ، حيث يفرض السلاح الأبيض - كما يسميه العسكريون – منطقه على أرض المعركة .

    وهنا تنخفض قيمة الطائرات والصواريخ وترتفع إلى أقصى حد قيمة سلاح المواجهة ، وهذا ما يملكه المسلم الطالب للشهادة ، ولا يملكه العدو الذي لا يحارب إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر .



    (2) : تفاؤل مصدره الأمل في الرجوع إلى السلاح الذي أهملناه والذي جاء صريحا فيما نسميه استراتيجية المعركة التي وضعها عمر رضي الله عنه ونسميها " استراتيجية عمر" .

    إن الاستراتيجية التي يحتاجها المسلمون لا تتوقف – ولا ينبغي أن تتوقف – عند ساحة برع فيها العدو ، وإنما تمتد إلى ساحة ليس للعدو فيها نصيب ، ولنقرأ معا استراتيجية عمر باعتبارها الاستراتيجية الإسلامية التي رسمت لنا ، ولكنا عنها غافلون ، لأنها وإن كانت تستند إلى الممكن لكنها ليست مع الهوى : إذ تبدأ من الأصعب . " تغيير النفس " و" شحذ الإرادة "

    لنقرأ معا رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الجند في جهادهم للفرس : ( وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ، لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا )

    إن تلك الاستراتيجية تظل حجة قائمة علينا ، تقطع أعذارنا .

    وشكرا لغطرسة أعداء الإسلام فهم الذين يقصفون رقبة كل الاستراتيجيات الأخرى لكي لا يبقى أمامنا غير استراتيجية عمر وهي استراتيجية لا تغلب . لأنها لا تتعامل مع أسلحة الدمار فحسب ، ولكنها تتعامل في المقام الأول مع أسلحة البناء : البناء داخل النفس

    استراتيجية لو بدأنا الأخذ بها فإن هذا يعني أن المنطقة قد وضعت قدمها على بداية الطريق ، تكون قد ملكت مصيرها ، تكون قد وضعت يدها على بداية صنع حضارتها ، بديلا عن حضارة الغرب التي قد بدت شيخوختها .

    وإلى أن نقتنع بهذه الاستراتيجية سوف يمر وقت طويل نسبيا
    ذلك لأن المسلمين لم ينتصروا آنذاك بقيادة عمر فحسب ولكنهم انتصروا – في المقام الأول – بجيش عمر الذي كان كل فرد فيه يجاهد لكي يتحقق بأوصاف المجاهد المؤمن بتلك الاستراتيجية .

    أما اليوم فنحن نحتاج إلى وقت . نحتاج إلى وقت ليقتنع فيه المسلمون – على مستوى الشعوب – بتلك الاستراتيجية ، ويضعوها في بؤرة شعورهم وينطلقوا منها في أعمالهم .



    ****

    وأخيرا : فهي خطة للتفاؤل لكنه تفاؤل لا يأتي للحالمين ممن يبخلون بأنفسهم وأموالهم وأنفاسهم ، ولا يأتي لمن يستسهلون النجاح ، ولا يأتي لمن لا يعلمون أن الصعود إلى النجاح يأتي في تناسب طردي مع ما سبقه من هبوط مع الفشل ، ولا يأتي مع الذين يجهلون أن شجرة النهضة إنما تسقى بالدماء والجهاد ، ولا يأتي لمن يتهربون من دفع فاتورة قرن – على الأقل – من رفض الإسلام كمشروع للنهضة ، ولا يأتي لمن ينتظرونه على طبق من فضة أو ذهب .


    وان الله لناصر عباده المؤمنين ؛؛؛؛؛؛؛
     

مشاركة هذه الصفحة