سهرة مع عنترة

الكاتب : هدية   المشاهدات : 469   الردود : 4    ‏2003-05-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-16
  1. هدية

    هدية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-12-13
    المشاركات:
    5,715
    الإعجاب :
    0
    سهرة مع عنترة
    مسرحيةُ فصلٍ واحدٍ
    د. حسين علي محمد


    المنظر:

    (مبنى حديث يشرف على الصحراء، أمام البيت أريكة وكرسيان، حينما تفتح الستارة يكون المسرح خالياً، يصعد الراوي من بين الجمهور، يلبس ملابس عصرية)

    الراوي: اسمي (…)

    أعملُ في (…)

    سأكونُ الراوي في سهرتنا الليلهْ

    مع عنترةَ العبسيّْ

    (يدخل بعض العمال يصلحون من وضع الأريكة والكرسيين.. فيُحادثهما بصوت خفيض، ويُشير إليهما بالخروج، ويتنحنح، ويتأكّد من سلامة الميكروفون)

    واحد.. اثنان.. ثلاثة

    لا بأس

    (يتنحنح)

    سيداتي.. سادتي

    معنا في هذي الليلة ضيفْ

    جئتُم من أجلِ مشاهدتهْ

    ولقد أتعبنا حتى جاء

    رفض طويلاً أن يتحدّث معنا

    هاأنذا أسمعُ صوتَه

    صوت عنترة: (من وراء ستار)

    أغشى فتاةَ الحيِّ عندَ حليلِها

    وإذا غزا في الحربِ لا أغْشاها

    وأغُضُّ طرفي ما بَدَتْ لي جارتي

    حتى يُـواري جـارتي مأْواها

    إني امرؤً سمحُ الخليقةِ ماجِدً

    لا أُتبعُ النفسَ اللجـوجَ هواها

    (يمرُّ طيفُ عبلة، فيبتهجُ الراوي ويُصفق بيديه)

    الراوي: حينَ رأيْتُكِ غنَّيْتُ:

    لماذا أخفيْتِ الوجْهَ ملِيًّـا

    بينَ الكفَّيْنْ؟

    (يدخل عنترة من الكالوسِ الأيْمن)

    الراوي: يا للحظِّ الجيد

    أَيُطِلُّ بِوجهي ملكُ العشقِ، الفارسُ عنترةُ العبسيّْ؟

    (يُمازحه)

    أكنتَ تُخبِّئُ وجهكَ في سمْتِ الخائفِ؟

    عنترة: (يُصافح الراوي)

    طاب مساؤك..

    الراوي: أهلاً يا عنترةُ العبسيّْ

    ها قدْ جئتَ أخيراً

    كيْ نستمتعَ بحديثِكَ في الحبِّ وفي الحربْ

    عنترة: عشتُ أُحبُّ الناسْ

    وأُدافعُ عنهمْ

    لا أقدرُ أنْ أبعد عنهمْ

    ولذا.. جئتُ أُشاهدُهمْ!

    الراوي: معذرةً..

    هم جاءوا كي يحتفلوا بك

    (يبلع ريقه)

    لكنَّك كنتَ تُؤجِّلُ وتسوِّفْ

    (يتلعثم)

    أجلتَ الموعدَ أكثر من مرَّهْ

    (يبلع ريقه)

    (ماذا يعني اسمُ الفارسِ عنترةَ العبسيِّ

    إذا كانتْ غدَّارتُه للصَّمْتِ؟)

    (يضحك، ويكلم الجمهور)

    سنبْصِرُ وجْهَ الفاتِكِ بعدَ قليلْ!

    وطوال الأيامِ القادمةِ العشرةِ

    في كلِّ مساءٍ نُبصرُهُ، ونُحاورهُ

    فوقَ الخشبةِ.. في المسرحِ

    أو نُبصِرُهُ يخترِقُ فضاءَ الشارِعِ

    أو يخترِقُ فضاءَ الحجْرَةِ

    كالسَّهْمِ النَّارِيِّ

    لا يخرجُ عنْ طقْسِ العادةِ والإلْفِ

    وعُبيْلتهُ تتحدَّثُ كلَّ مساءٍ

    عنْ أشواقِ القلْبِ، وأسطورتِها الأولى

    يتحدَّثُ ـ هو أيضاً ـ

    عن أُنثاهُ الأولى..

    صوت المتفرج: (من الصالة) عبلهْ؟!

    امرأةٌ تسكُنُ تجويفَ الصَّدْرِ

    وتأكلُ تُفاحةَ قلبي في اطْمئْنانْ!

    والجسمُ الهشّْ لأمثالي العشاقِ العصريينْ

    ينخرُهُ السوسُ / الدُّودُ /

    السرطانْ!

    أما زوجي

    فامرأةٌ لا تسكُنُ قلبي

    بل تسرقُ حبي

    تحدوني بالعشقِ

    وتفتحُ جُرْحي!

    تسخرُ منْ صمْتي

    أوْ منْ بوْحي

    ترقُبُ عثراتْ خُطايَ

    المنزلقةِ في درْبِ النِّسْيانْ!



    أما عبلة..

    أينما ألقتِ الشباكَ لِـــحاظاً

    أسرتْني، فمنْ مُجــيري منْها؟!

    (تمر الممثلة التي تتزيا بزي عبلة، تحمل مرآة كبيرة تنظر فيها، وحولها عدد من الجواري)

    عنترة: هل هذي عبلة؟!

    الراوي: واحدة تُشبهها

    عنترة: (مفكراً) بل هذي عبلة!

    (مترنما) تعودينَ

    أفتحُ صدري لبوْحِكِ

    تولدُ في الأُفقِ نجْمَهْ

    دُموعُكِ تُمْطِرُني باللآلئِ

    تَدْخُلُني ألْفُ غَيْمَهْ

    أنا الآنَ في لحظةِ البوْحِ

    في رعشةِ الجرْحِ

    أخشى رياحَ السَّمومِ

    عِتابَ النجومِ

    تعودينَ ـ يا ليْتَ ـ بسْمَهْ!

    تعودينَ

    أملأُ بالبوْحِ هذي الشواطِئَ

    يُشرقُ تحتَ سنابِكِ خيْلِ الهزيمةِ وجْهي

    يُعانِقُ حُلْمَهْ!

    الراوي: ما شاء الله!

    أعجبكَ الليلة مسرحنا الصيفي

    وأُعجبتَ كثيراً بشبيهة عبلهْ

    لكنَّك كنتَ تُؤجِّلُ وتسوِّفْ

    (يتلعثم)

    أجلتَ الموعدَ أكثر من مرَّهْ

    عنترة: (لا يرد)

    الراوي: (يبلع ريقه)

    موعد لقيانا هذا

    عنترة: كنتُ أشكُّ بجدوى أن يسمع أحدً أقوالي

    في عصري الماضي

    كيف إذنْ تستمعونَ كلامي

    في عصرٍ تالٍ لمْ أُخلَقْ لهْ؟

    عصركمو هذا؟!

    الراوي: (مستميلا)

    لكنَّا نبغي أن نعرفكَ

    ونسمع صوتكَ..

    ونُجالسُك ونروي عنك

    انظرْ..

    هذا الجمهورْ

    يعرفُك، ويحفظُ أشعاركْ

    يعرفُ أمك وأباكَ وشيبوبَ وعبْلهْ

    (يظهر الامتعاض على وجه عنترة، ويُصفق الجمهور تصفيقا حاداً، ويصعد على الكرسي في الصالة أحد الأشخاص ويهتف مُنغِّماً ما يهتف به…)

    المتفرج: بالروح.. بالدم.. نفديك يا عنترهْ

    بالروح.. بالدم.. نفديك يا عنترهْ

    (يتكرر الهتاف عدة مرات)

    عنترة: (تمر عبلة، فيشدو)

    تعاليْ إليّ حبَّةِ القلبِ

    صُبِّي دُفوقَ الضِّياءْ

    فإنِّي بأُفْقِكِ

    ذرَّةُ شوقٍ

    تتوقُ إلى عَتَباتِ الضِّياءْ

    وأعرِفُ أنَّكِ حُبِّي الذي عاشَ عمراً يُؤجَّلُ

    في صفحاتِ الرَّجاءْ

    وهذي تباريحُ قلبي

    تشُقُّ المفازاتِ، تهْفو إليْكْ

    وطيْرُ الحنينِ يُغَرِّدُ

    بينَ الحنايا

    يُنادي عليْكِ:

    ـ متى يا حبيبةَ قلْبي اللقاءْ؟

    مشوقاً إليكِ أَجيءُ وقدْ أنكرتْني دروبي

    بعُمرٍ يُمزِّقُهُ في سَوَادِ الليالي السُّؤالْ:

    متى يستضيءُ المُحِبُّ بنورِ الجمالْ؟

    وكيْفَ أُعاودُ قيْظي لأنعمَ يوماً لديكِ

    بفيْءِ الظِّلالْ،

    وفيْضِ العطاءْ؟

    الراوي: (يصفق بيديه)

    أرأيت..؟

    هذا الجمعُ الحاشدُ يهتفُ لكْ

    ويُحييكَ الليلةَ مثل تحيّاتهْ

    للرؤساءِ وللقوّادْ

    أنت الفارسُ، أنت القائدُ..

    والبطلُ الأُسطورةْ

    عنترة: (يُقاطعه في ود)

    أشكرُ هذا الجمعَ الحاشدَ منْ أبنائي

    لكني يا ولدي …

    لستُ بفارسكمْ أو قائدِكمْ

    أو هذا البطل الأسطورةْ

    لستُ الرجلَ المُلهَمْ

    كمْ عانيْتُ وقاسيْتْ

    كيْ أنتزعَ حقوقي منْ عبسْ

    حقَّ الحريةْ

    حتى لا أبقى عبداً فيهمْ!

    الراوي: (مقاطعا)

    يا عنترةُ العبسيّْ

    إنا نحتاجُ إليكْ

    كي تُخرجنا ببطولتكَ الفذَّةْ

    منْ هذا اليأسْ

    (مداعباً)

    هل تزرعُ بمجيئك وردةَ أملٍ خضراءْ

    في هذي الصحراءْ؟

    عنترة: استغفرْ ربكَ يا ولدي

    فأنا …

    (يتلعثم)

    لا أقدر أن أخرجكم من هذا اليأس

    الراوي: (في قنوط)

    إنا نغرق.. نغرق

    (صمت)

    لتحاولْ أن تُخرجنا من هذا اليَمّْ

    عنترة: استغفر ربَّك يا ولدي

    لستُ إلهاً..

    حتى أقدر أن أُخرجَ أحداً من يمِّهْ

    الراوي: (مصاباً بخيبة)

    هل نتحاورُ يا عنترةُ الليلةْ

    عنترة: فيمَ؟

    الراوي: إني أشعرُ بالحسرة والضيقْ

    أصرخُ في كل طريقْ

    في هذَيانْ:

    أين الفتيانْ؟

    أين الفرسانْ؟

    عنترة: هل ردَّ عليكَ أحَدْ؟

    الراوي: كلا..

    عنترة: هل سمعوا صوتَكْ؟

    الراوي: سمعوا ما قلتُ جليا

    وأداروا الظَّهْرَ، وصاحوا في استنكارْ

    عمَّ تتحدَّثْ؟

    ـ عن وطنٍ نبنيهْ

    قالوا في استهتارْ:

    أيَّ الأوطانِ ستبنيهْ؟

    وبلادُك يمرحُ فيها البومْ؟!!

    عنترة: ما أقسى أن تقف وحيداً في هذا التيهْ

    إذ نفَضوا أيديَهمْ

    وانفضُّوا من حولكْ

    لكنكَ تقدرُ أن تعملَ وحدكْ

    حتى إذ أبصرت الأعينُ أعمالَك

    التفَتتْ لكْ

    الراوي: أصحابي جلسوا في مائدة الضوءْ

    أكلوا.. حتى تخموا

    شربوا.. حتى ثمِلوا

    وقضَوْا أوقاتا ممتعةً في أرصفة الميناءاتْ

    يلهون بحسْوِ اللذةِ ومرافقةِ الحسناواتْ

    وأنا في كل صباحٍ أسألُ نفسي

    هلْ تمضي وحدكْ؟

    عنترة: والأصحابْ؟

    الراوي: رحلوا للصحراءْ

    ما قالوا قولةَ حقٍّ في سلطانٍ جائرْ

    بلْ قالوا نعتزلُ الفتنةَ

    لا نرضى أن نغمِسَ أيديَنا في طبقِ الدَّمْ

    وانطلقوا للصحراءْ

    يرعونَ الأغنامَ، يصبونَ القهوهْ..

    ويصيرونَ عبيداً… عصريينْ

    عنترة: ولماذا فرُّوا منْ هذا الوادي المُغدِقْ؟

    الراوي: فرُّوا لما استأثرَ واليهمْ بالأخضرِ واليابسْ

    هذا ما يُتعسُهمْ

    (متراجعاً)

    هذا ما يتعسُنا

    هذا قولهمو لا قوْلي!

    عنترة: عفواً يا ولدي

    (ينظر إليه فيراه حزيناً)

    ما هذا الحزنُ البادي في عينيكْ؟

    ما هذي الرعشةُ في صوتكْ؟

    الراوي: عجباً يا عنترةُ

    أحدِّثُكَ بحزنٍ عمّا يُتعِسُنا

    لكنكَ لا تتأثَّرُ..

    بلْ تتعجَّبُ منْ حُزني

    أوْ منْ قهْري..

    يا خيبةَ أمري!

    عنترة: ما يتعسكمْ أنتُمْ أقدرُ في رؤْيتِهِ

    أقدرُ في وضْعِ حلولٍ وإجاباتٍ لهْ

    الراوي: (يُغيِّر مجرى الحديث)

    إنك رجلُ عفّْ

    لكَ رؤيتُكَ الفذَّةُ في الحريةْ

    (يصمت، يُضاحكه)

    قدْ حرَّرَكَ السيفْ

    وبلاغتُكَ الفذَّةْ

    هلْ أنسى أنَّكَ شاعرُنا العاشقْ

    صوت المتفرج: (يأتي من مسجِّل)

    أشتـــاقُ إليْكِ، ويقْتُلُـني

    شوْقٌ كمْ عربَدَ في صدْ ري

    فمتى تأتينَ بفاتحـــــةٍ

    للوعْدِ.. وخاتمةِ الهجْــرِ

    فغيابُكِ أضناني عُمْـــراً

    ولقاؤكِ ميـــلادُ العُمْـرِ

    عنترة: (معتذراً) هذا من شعر العشق!

    صوت المتفرج: (يأتي من مسجِّل):

    رأيتك بين الرمـل والمـاءِ وردةً

    تضيءُ دمائي أول العشقِ، يا سنا

    ربيعٍ يشقُّ الأُفـقَ هـاتي إلى الذي

    أحبكِ منذُ البدءِ غُصناً وسوسنـا

    من الصُّـبحِ يُدنيني إلى سدرةِ الرُّؤى

    ويملأُ أُفقي بالخيالِ الذي رنــا

    إلى رشـإٍ ظلت تهاليلُ فجـــرِه

    إلى الضَّـوء تُدنيني طريقاً وموطِنا

    عســـاها تُغنِّي في دهاليزِ غُربتي

    مواويلَ عشقٍ.هل تُغنِّين؟ كم دنا

    إليْكِ دبيبُ الوجـدِ فجْراً ومغـرباً

    أَتنْكَشِفُ الأسرارُ يا موطِنَ العَنَا؟

    وهذي ظِماءُ البِيْدِ تُلقِي حنينَــهَا

    دماءَ ربابٍ كيفَ أصبحتَ آمِنَا؟

    وفي اليَمِّ مرساتي، وفي الليلِ آهتي

    تُشكِّلُ طقْسًا لمْ يكُنْ فيكِ كائنا

    عجبتُ لقلبي كيفَ أصبَحَ بَلْقَعـاً

    وهـذا الخيالُ الثَّرُّ قدْ صارَ سادِنا

    لدارِ الرِّمالِ البِيْض والجمرِ والحصى

    أحلوةَ عمري كيفَ أُقْصيكِ بائِنا؟

    أَعُدُّ نجومي في السَّماءِ.. وأَنتِ لي

    قتلتُكِ يا حُبِّي.. لكم كُنتُ خائِنا!

    الراوي: (مُضاحِكاً) هلُ يشبهُ شعرَكْ؟

    عنترة: (مُتجاهلاً) هل تنسى قولي:

    وأغُضُّ طرْفي ما بدتْ لي جارتي

    حتى يُواري جارتي مأْواها

    الراوي: لكنَّك كنت تُحبُّ ابنةَ عمِّكَ عبلةْ

    ووقفتَ، صَرَخْتَ بوجْهِ الأعْرافْ

    وقلتَ الشعرَ وحاربْتَ

    عنترة: لكني لمْ أحملْ سيفا

    لأُفرِّقَ صفَّا

    الراوي: قد تُشعلُ كلمةُ حقٍّ ثورةْ

    عنترة: ما أكثر ما أكرهُ هذي الكلمةْ!

    قدْ صارتْ تتردَّدُ ـ أكثر ما تتردّدُ ـ في أفواهِ الخونةْ

    منْ أعداءِ الثورةِ والحريةْ

    الراوي: (مستدركاً)

    إنك أولُ فرسانِ الحريَّةْ

    في الأرضِ العربيّةْ

    عنترة: (متهكما)

    فلماذا لمْ تُشعلْها كلماتٌ تُكتبُ في الصحفِ الصفراءْ

    تلك الصحفُ المأجورةُ والشوهاءْ؟!!

    الراوي: (هامساً) إنَّكَ تُفسدُ حفلتنا هذي يا شيخْ!

    (يظهر الامتعاض على وجه عنترة، ويعود الراوي للخطابة)

    الراوي: ساعدْني كيْ أتحاورَ معْ عنترةَ العبسي

    شيبوب: (يدخل بزيه العربي، يتعجَّب من زي الراوي، ويلتصق بعنترة وهو يهتف)

    لبيكَ أخي..

    عنترة: يا شيبوبُ أجِبْه

    شيبوب: (يُدير رأسه الصغير في كل اتجاه، مردداً في آلية ووجهه تجاه الراوي)

    لبيكَ أخي..

    قلْ.. إني طوْعُ يديْكْ!

    الراوي: إني أعرفُ حبَّكَ للفارسِ عنترةَ

    وأعرفُ أنَّكَ عشتَ لصيقَهْ

    شيبوب: كمْ عذَّبَني هذا..

    عشتُ صدى عنترةَ العبسيّْ..

    ولمْ يشعرْ أحدٌ بي..

    الراوي: كيفْ؟

    شيبوب: كان الفارسُ عنترةُ يُحاربُ ويُحبّْ

    لكني عشتُ حياتي مدفوناً في جُبْ

    كانَ المتْنَ وكنتُ الهامشَ..

    الراوي: (في خبث)

    ماذا كانَ يُراودُ عنترةَ تجاهك؟

    شيبوب: عنترةُ.. كبيرُ القلبِ..

    أحبَّ العالمَ كلَّهْ

    قدْ بادلني حبي.. بالشفقةِ والخوفْ

    اعترفَ أبوهُ بهِ.. وبحدِّ السيفْ

    وتزوّج من عبلةْ

    (في حسرة)

    وبقِيتُ العبدَ ابنَ زبيبةْ

    أرعى.. أحلبْ..

    عبداً ما عِشْتْ!

    الراوي: هل مازلتَ تُحبُّهْ؟

    شيبوب: (يتعلق بأكتاف عنترة)

    لما نالَ الحريةَ، وتزوّج عبلةْ

    أحسستُ بنصفي يتحرّرُ من نير الأغلالْ

    لكنْ ما يُحزنني..

    أنِّي لم أشعر بكياني..

    فلقدْ ذُبتُ.. تواريْتُ

    (يُشير إلى عنترةَ) وراءكَ يا عنترةُ

    ولمْ أشعرْ أبداً بكياني..

    عشتُ العبدَ المهضومَ الحق

    لم أحمل ـ أبداً ـ سيفا

    لم أنطق ـ أبداً ـ حرفا..

    في حضرةِ أسيادي

    الراوي: تُفجعُني كلماتُكَ حقا

    كيف تُعاني يا شيبوبُ

    وأنت أمامكَ بوقُ الحريةْ؟

    (يظهر الامتعاض على وجه عنترة، فيستميله الراوي، ويضع يده على كتفه)

    الراوي: أقصد صوتَ الحريةْ

    والداعي الأولَ والمخلصَ للتحريرِ من الرق

    (يتصنعُ السعادة)

    هل حقا نحنُ نراكَ الآنْ

    يا فارسَ عبْس؟

    عنترة: (يُخفض بصره، وينظر تجاه شيبوب بحنو)

    الراوي: كلماتك كانت صوتَ الحريةْ

    المتفرج: (يصرخ)

    الحرية

    الحرية

    الحرية

    (يجري المتفرج بين الصفوف، ويصعد إلى خشبة المسرح، يحمل راية العُقاب، ويصرخ)

    المتفرج:الحريةْ

    الحرية

    يحيا عنترةُ العبسيّْ

    أولُ من غنّى للحقِّ وللحريهْ

    (يأتي من خلف الصفوف ضابط يحمل مسدساً، وشرطي يحمل عصا، الشرطي يمسك المتفرج، والضابط يسير أمامهما، والمتفرج يصرخ)

    المتفرج:الحريهْ

    الحريهْ

    الضابط: اسكتْ يا وغْد

    أنت تُثيرُ العامةَ والدَّهْماءْ

    المتفرج: يا سيدُ.. نحنُ الليلةَ نلعبْ

    فوقَ الخشبَةْ!

    خشبةِ هذا المسرحْ

    والنظارةُ ليسوا العامةَ والدهماءْ

    فأمامكَ يجلسُ صفوةُ هذا الشعبْ:

    القاضي، والتاجرُ، والواعظُ،

    والطالبُ، والعالمُ، والأستاذْ

    يا سيدُ، إنك تُفسدُ لُعبتَنا

    (يشد يده من الشرطي ويهتف:)

    المتفرج:الحريهْ

    الحريهْ

    الضابط: اصمت يا وغدُ وإلا..

    المتفرج: (يشير إلى الراوي) هذا الرجلُ يغني للحريةِ مثلي

    (ضاحكا) لِمَ تتركه الليلةَ يتلبّسُ بالدعوةِ للعصيانِ،

    .. وتُقصيني؟

    (يضرب الشرطي المتفرج بعصاه وقبضته فيقع على الأرض، ويجتمع العسكر والناس)

    عنترة: (مذهولا) لمَ يضربُهُ العسكرْ؟

    لم يفعلْ شيئاً كيْ يُضربْ؟

    الراوي: (يمط شفتيه، كأنه يتعجّب أيضا)

    الضابط: لا تهتم فهذا..

    أحدُ السوقةِ يعبثُ بالأمنِ العامْ

    الراوي: اصبر يا عنترةُ قليلا

    فسيبعدهُ الشرطيُّ عن المسرح

    حتى نُكمل سهرتنا..

    وتذكّرْ.. عبلةُ لم تحضر بعد!

    عنترة: اعذرني يا ولدي

    كيف سأُلقي كلماتي

    والعسكرُ يترصّدُ من يهتفُ للحرية؟

    الراوي: (متململا، يبدو الخوف في محياه)

    لمْ يترصّدْهُ العسكر

    لكنْ يحمونكْ!

    عنترة: ممَّنْ؟

    الراوي: ممن يتربّص بكمو الليلةْ

    أو يتأبَّطُ شرا

    عنترة: يا ولدي.. هذا طُغيانْ

    ما يزرعهُ العسكرُ في القاعةِ أثمارٌ مُرَّهْ

    لا تُنبتُ غيْرَ الأحقادْ

    لا يزرعُ في الطرقاتِ الشرَّ سوى الطغيانْ
    الراوي: الضابطُ لمْ يُضمر شرا..

    بل قد جاء ليحمينا

    منْ إرهاب الغوغاء

    من إرهابٍ يتخفَّى حولَ اللحيةِ والدينْ

    عنترة: (حزيناً)

    يا ولدي لا تخلط بين الأشياء

    هذا صوتي يهتفُ للحريةْ

    ـ في قولك أنت ـ

    فلماذا جاء الضابطُ كي يضرب من يهتفُ للحريةْ؟

    هذا طغيانٌ أو عدوان

    يزرعُ في أفئدةِ النظارةِ أثماراً مُرَّهْ

    لا يزرعُ في الطرقاتِ الشرَّ سوى الطغيانْ

    (بعد فترة صمت)

    دعني أذهب يا ولدي

    الراوي: (يمسك يد عنترة)

    هل تندمُ يا عنترةُ الآن

    عنترة: (لا يرد)

    الراوي: هل تندمُ أنك جئتْ؟

    عنترة: لم أندمْ أني جئتْ

    فأنا اخترتُ قراري

    (يتحرك)

    الراوي: (يشد يده)

    عنترة: إني أرجعُ ثانيةً للصمتْ

    أختارُ الموتَ

    .. فذلك أجدى

    (تُطفأ الأنوار تدريجيا)

    الراوي: (يُحدِّث نفسه بصوت هامس)

    ماذا نفعلُ في هذي الليلةْ؟

    بمَ نعتذرُ إلى الجمهورْ؟

    هم دفعوا ثمن التذكرةِ، ويبغي كلٌّ منهمْ أن يتمتَّعْ

    عنترة: (لا يتكلم، بينما يبدو الراوي ضيق الصدر)

    الراوي: لم جئت الليلةَ يا عنترةُ العبسيّْ؟

    عنترة: كيْ أسمعَ منكْ

    لا كيْ أتكلَّمْ

    الراوي: ولماذا لا تتكلَّمْ؟

    عنترة: قد قلتُ كثيراً في الزمنِ الغابرْ

    حققتُ بأفعالي، أكثر منْ أقوالي، ما كنتُ أُريدْ

    الراوي: لمَ تمْضي الآن؟

    عنترة: أمْضي حيثُ الصّمتْ

    أقبعُ في وادي الموتِ

    وحيداً في مقبرتي..

    حيثُ الأرضُ الرَّحبةْ

    لا يُفزعُني صوْت

    (يبلع ريقه)

    يا ولدي.. أرضكمو ضيِّقةٌ خَرِبَهْ

    أضْيَقُ من ثقبِ الإبرةْ

    وعقولكمو تتفلسفُ في الأقوالِ الفارغةِ الجوفاءْ

    تتغنّى بالحريةِ بيْنا تصطنعُ الأغلالْ

    ولقائي برجالكمو الجوفِ.. مُحالْ

    (تُطفأ الأضواء جميعاً)

    (يُسمع صوت عنترة)

    عنترة: يا موتْ

    يا خانِقَ هذا النَّبْتْ

    يا ظِلَّ خفافيشِ الليْلِ،

    ومُطْفِئَ هذا الصَّوْتْ

    يا فاتِحَ قبْري

    يا مُستقبِلَ لَعَناتي

    يا فاضِحَ سِرِّي

    منْ سيُسامرُكَ الليلةَ

    بأساطيرِكَ عنْ خيْباتي

    منْ يسْتعْوْذُ ويُحوْقِلُ منْكْ؟

    حتّى يتجنَّبَ قبْضاتِكَ

    أوْ يبعُدَ عنْكْ؟

    الراوي: ماذا نصنعُ معَ عنترةَ العبسيّْ

    ليسَ رحيبَ الأُفْقِ ـ كما كنا نرجو ـ

    .. ليُحاورنا

    فليذهبْ حيثُ الصمتْ
    محتفياً بالموتْ..

    ولنستكملْ نحن السهرةْ

    سهرتَنا الليلةْ

    يُمكن أن نقرأَ شعره

    في عبلةْ

    أو تتحفُنا الراقصةُ البدويَّةُ "مُهرةْ"

    بالرقصاتِ الشيطانيَّةْ

    حتى منتصفِ الليلْ

    وليهْنأ عنترةُ العبسيُّ بنومتِهِ الحلوةِ

    والصمتْ

    في وادي الموت!!

    (ستار)
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-05-16
  3. العربي

    العربي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-11-18
    المشاركات:
    435
    الإعجاب :
    0
    مرحبا بك ايها المبدعه هديه :-
    سهرة جميلة وطريفه اشكرك على الموضوع ودوما كوني في المقدمه

    اخوووووووووك العربي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-05-18
  5. هدية

    هدية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-12-13
    المشاركات:
    5,715
    الإعجاب :
    0
    شكر الله سعيك

    اخي العربي
    لكم يطربني تعقيبك
    ودوما في المقدمة وانتم ورائي لتدفعوني الى القمة بجهودكم وبتعقيباتكم ونقدكم لما اكتب وانقل
    لك خالص شكري
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-05-18
  7. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    مسرحية جيدة ..

    سلمك الله أيتها الغالية / هدية السماء ..

    من لنا بالحرية ، يبدو أن بيننا وبينها آلاف الأميال ..

    لكِ خالص الود .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-05-18
  9. هدية

    هدية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-12-13
    المشاركات:
    5,715
    الإعجاب :
    0
    انت رمز من رموز الحرية

    اخي الكريم /درهم جباري
    شكرا على تعقيبك
    وكلنا رموز للحرية ان اتيحت لنا الفرصة لأستعمالها
    وسياتي اليوم الذي تنفذ فيه هذه الحرية من بوتقة الأ ستعباد
    كفانا تشاؤم ولوم للزمان حان وقت التفاؤل وحان وقت(ان نصر الله قريب)
    اجمل تحية
     

مشاركة هذه الصفحة