اليمن القديم و النظم المدنية

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 692   الردود : 0    ‏2003-05-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-14
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    اليمن القديم و النظم المدنية


    عرف اليمنيون القدماء القوانين والتشريعات كما يظهر ذلك في تنظيمات سوق شمرالشهير، والتي تشهد على نضج شرعي وسياسي معا وتدل على بنيان دولة متقدم وراق وهو ما يتضافر مع صورة النظام السياسي الشوروي الذي يقدمه القرآن على لسان ملكة سبأ بعد استقدامها من سليمان عليه السلام ليعرض صورة رائعة لمستوى التمدن الذي وصل إليه اليمنيون القدماء يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ، ومع أن القوانين لم تكن لتشمل كل اليمن إلا انه كان هناك مرجعية قانونية ، وهي مجموعة القوانين والأعراف التي يصدرها الملوك والرؤساء يعودون إليها في مسائل الملكية وشؤون التجارة والمنازعات الأخرى كما عرفوا العملة والأوزان والمكاييل وعرفوا الكتابة والنحت وحذقوا أسرار العمارة وفنونها فأنشأوا القصور ومجمعات القصور والأبراج المحافد منها قصر غمدان وسلحين وناعط ومدر والتي شاهد بعضها المؤرخ والجغرافي اليمني أبو الحسن الهمداني في القرن الرابع الهجري فأدهشته بجميل صنعها وجاد عليها لأجل ذلك بأدق الأوصاف وأجلها، وفي السدود وأنظمة الري تقديرا منهم للزراعة وأهميتها بعد كشف أسرارها أنشأ أهل اليمن سدودا وأنظمة الري ، وما سد مأرب إلا اشهرها، كما بسطوا المدرجات الزراعية على الجبال وحفروا الصخر وبنوا معابد فخمة لا زال بعضها إلى الآن ينفث حوله مهابة وجلالا ، وارثوا لعقولهم من كل ذلك خبرات فنية وفكرية وحربية اختزنتها ذاكرتهم وتناقلتها الأجيال وستظهر تلك الخبرة بعدئذ في المهمات الكثيرة والجليلة التي ألقيت على عاتق أهل اليمن في ظل الإسلام ودوله، وقد أظهرت دراسة علمية حديثة حول علاقات جنوب الجزيرة العربية بشمالها في القرنين الثالث والرابع للميلاد أن المؤثرات الحضارية لأهل اليمن قد وصلت إلى الكيانات القبلية في شمال الجزيرة أيام تبعية الأخيرة لنفوذ سبأ وحمير بعد حملاتهما العسكرية على تلك الكيانات القبلية الشمالية، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وجد من آثار في عاصمة كندة ومذحج والواقعة في وادي الدواسر ، كما تظهر التأثيرات في التماثيل والأواني المنزلية التي كان لها علاقة بمثيلاتها في ممالك جنوب الجزيرة كتمثال الطفل المجنح الذي يشبه في ملامحه كثيرا من ملامح بعض التماثيل القتبانية،

    اليمن في ظل الإسلام

    صدح النبي محمد في مكة بدعوة الإسلام ، في عام 613م للميلاد ، أي قبل بدء التاريخ الهجري الإسلامي باثني عشر عاما، ولا شك أن أصداء دعوة الإسلام وبسبب العنت الكبير الذي لاقه رسول الله من قومه قريش قد وصلت فيما وصلت إلى اليمن والتي كانت في تلك الأثناء منقسمة ومجزأة بين قوى قبلية هي حمير وحضرموت وكندة وهمدان وبين حكم فارسي في صنعاء وعدن وما حولها وبين جيب في نجران للنفوذ الروماني الحبشي وهو الجيب الذي كان فيه نصارى نجران هناك، وقد بدأ أفراد من قبائل مختلفة كالأشاعر ودوس وهمدان والأزد يستجيبون لهذا الدين وينشطون للدعوة له ، لكن مجموع أهل اليمن دخل الإسلام بين العام السادس للهجرة وعام الوفود في السنة العاشرة، وبعد جهد دعوي سلمي في معظم جهات اليمن وهي مناطق حمير وكندة وحضرموت ومناطق الحكام من الفرس في صنعاء وآخر عسكري في الجهات الشمالية من تهامة وتلك التي يقطنها بدو غير مستقرين، وهم الذين وجهت إليهم سرايا لهدم صنم أو لقتال من بقي منهم على الشرك، ، وكللت تلك الجهود باستجابة أهل اليمن إلى الإسلام ـ باستثناء نصارى نجران ـ رغبة في دينه ورهبة من قوة المسلمين الجدية النامية في المدينة ، وهي القوة التي قدمت نفسها مسنودة بتعاليم السماء كحليف قوي لكل من أراد الانضمام إليها، وتشير الكتب التي عاد بها من ذهب إلى المدينة ليعلن إسلامه إلى أنه قد نظر إلى جماعة المسلمين كقوة نامية يمكن الاحتماء بها، فقد حملت تلك الكتب إقرار من الرسول لهؤلاء وهؤلاء بما ادعوه من ملكيات هنا وهناك أو لما أدعوه من زعامات على هذه الجهة أو تلك، بل أن هذه النظرة النفعية غير الروحية للإسلام وجماعته في المدينة هي المسؤولة عن ما جرى من ردة بعد وفاة الرسول في كل الجزيرة العربية، إلا من رحم ربك ممن ثبت على الإسلام وآمن بتعاليمه وبنصرة الله لدينه، بدخول أهل اليمن في الإسلام يبدأ عصر جديد هو عصر الانتماء إلى أمة الإسلام التي وإن اعترفت بالحدود والقوميات إلا أنها تشمل جميع المسلمين حيثما وجدوا، وبهذا الانتماء كان لابد أن تكون هناك علاقة جديدة بالمدينة، مدينة الرسول التي أخذت فيها نواة الدولة الإسلامية تتبلور وتشكل عاصمة لديار الإسلام، فأرسل الرسول من قبله ولاة على بعض جهات اليمن وثبت بعض قياداتها القبلية على ما هي عليه وأعاد تنظيم الأوضاع القبلية برئاسات قديمة وجديدة وربط كل ذلك بالواجبات الإسلامية التي ينبغي أن تدفع إلى المدينة من قبل المسلمين وغير المسلمين، بعد أن قسم اليمن إداريا إلى مخاليف ثلاثة هي الجند وصنعاء وحضرموت

    اليمن في العصر الأموي

    لا تسعفنا مصادر التاريخ الإسلامي العامة في رسم صورة واضحة لأوضاع اليمن في الزمن الأموي، إذ يبدوا إن انتقال مركز الثقل السياسي إلى الشام وما رافق ذلك من أحداث عامة متنوعة هناك بالإضافة إلى الفتوحات في المغرب والأندلس قد غطى على الأحداث المحتملة التي جرت في اليمن خلال ما يقارب القرن من الزمان، وربما تعلق الأمر ـ بعد خروج معظم أهل اليمن للجهاد ـ بفترة هدوء تنفس فيها أهل اليمن الصعداء ، حتى إذا انصرم قرن من الزمان ، تبدأ الأحداث ثانية بالظهور ، ولذلك فإن المصادر التاريخية لهذه الفترة لا تجود إلا بذكر أسماء الولاة ومددهم في اليمن في الفترة من 41 ـ 132 هـ وهو زمن خلافة بني أمية في اليمن والتي قطعتها خلافة ابن الزبير في الأعوام 64 ـ73 هـ ، فقد ولي اليمن أكثر من خمسة وعشرين واليا وبمدد مختلفة لعل أطولها ولاية يوسف بن عمر الثقفي الذي ولي اليمن ثلاث عشرة سنة ابتداء من خلافة هشام بن عبد الملك 105هـ وقد أستأثر الثقفيون عامة بثقة بني أمية فأكثروا من توليتهم ولايات مختلفة من بينها اليمن، وأحدهم محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج وهو الذي استنابه عنه في اليمن وأبرز ما تذكره المصادر في زمن محمد بن يوسف هذا هو أنه هم بحرق المجذومين بصنعاء ، إذ جمع حطبا عظيما لأجل ذلك ، بيد أن منيته عاجلته قبل تنفيذ الحرق، ولا تعطي المصادر أسبابا لكثرة العزل والتولية خاصة وقد طرأ على إدارة الولايات نمط جديد من التولية يجوز بمقتضاه للوالي أن يرسل من ينيب عنه إلى ولايته فيما يستقر هو بجانب الخليفة أو حيث شاء وهو ما يفيد التكريم بالمناصب والموافقة على جناية منافعها دون تجشم عناء المسؤلية، ولنا ان تصور ان مهمة هؤلاء الولاة كانت الحفاظ على مخاليفهم من جهة الأمن والاستقرار وفض الخصومات والولاء للخلافة وتقديم الزكاة والأعشار وسائر المدفوعات الأخرى، لترسل إلى عاصمة الخلافة بعد الصرف منها على شؤون الولايات، وبهذا الصدد تذكر المصادر أن بحيرا بن ريشان الحميري وهو من القلائل من أهل اليمن الذين تولوها من قبل يزيد بن معاوية قد قبل ولاية اليمن على مال يؤديه للخلافة كل عام ولعله أساء السيرة في أهل اليمن لجمع الأموال لنفسه والخلافة حتى يستحق وصف المصادر له بأنه كان عاتيا متجبرا، ثم إن اليمن في خلافة ابن الزبير 64ـ73 هـ خرجت من حظيرة الدولة الأموية واستطاع ابن الزبير ان يرسل إليها الولاة من قبله، وهم الذين سرعان ما كان يتم استبدالهم أيضا حتى أن فترة بعضهم لم تتجاوز الشهور، ولذلك تميزت اليمن بالاضطراب زمن خلافة ابن الزبير ، وربما كانت ابرز الأحداث في فترة الخلافة الأموية وتداخلها مع خلافة ابن الزبير المغمورة الذكر في المصادر والأبحاث الحديثة هي خروج عباد الرعيني ضد الوالي يوسف بن عمر الثقفي ولكن الأخير قتله هو وأعوانه في عام 107 هـ ، أما في أواخر الدولة الأموية فقد غلب الخوارج على اليمن وهم الذين كانوا في حرب متواصلة ضد الدولة الأموية، وكان زعيمهم عبد الله بن يحيى الحضرمي الملقب بطالب الحق والذي ثار بحضرموت وتمكن بمن معه من رجال من دخول صنعاء وإلقاء الخطب الدينية المؤثر ة فيها واستمر زحف الخوارج شمالا باتجاه مكة فسقطت بأيديهم ووليها أبو حمزة الخارجي نائب عبد الله بن يحيى الحضرمي ثم استولى بعد ذلك على المدينة وبعدها شخصت أبصار خوارج اليمن نحو الشام فساروا باتجاهها إلا ان مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أعد لهم جيشا خاصا قابلهم بوادي القرى وأخذ يلحق بهم الهزائم ويطاردهم حتى وصل إلى حضرموت منطلقهم الأول وحيث كان آخر نفس لهم، إلا أن عبد الملك السعدي قائد قوات مروان بن محمد قتل في الجوف في طريقه إلى مكة لرئاسة موسم الحج، ثم عين مروان بن محمد واليا جديدا على اليمن هو الوليد بن عروة ، وكان هذا آخر ولاة بني أمية فقد تسارعت الأحداث على الخلافة الأموية وآخر خلفائها، وبدأت الجيوش العباسية زحفها من خراسان في العام 129هـ لتصل إلى الكوفة في العراق عام 132هـ حيث أعلنت خلافة بني العباس وهزم مروان بن محمد في موقعة الزاب الشهيرة وطورد هو بعدئذ ليلقى مصرعه في بوصير بصعيد مصر قرب إحدى الكنائس، ثم يبدأ عهد الخلافة العباسية
     

مشاركة هذه الصفحة