قصه اهل الجنوب

الكاتب : مروان محمد   المشاهدات : 416   الردود : 2    ‏2003-05-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-13
  1. مروان محمد

    مروان محمد عضو

    التسجيل :
    ‏2003-05-06
    المشاركات:
    81
    الإعجاب :
    0
    قصه اهل الجنوب /بقلم الكاتب اسكندر نعمه

    آلام

    كنتُ مُتكوِّراً على جسدي في زاوية البيت، أُتابع بذهول مرٍّ ما تفرزه الشاشة الصغيرة من صور ومشاهد. شيءٌ ما هزّني من الأعماق، مسحتُ عينيَّ لأبعد الغبش والخوف. تلفتُّ حولي.. زوجتي وأولادي من حولها يحملقون بعيون متحسّرة موزّعة بيني وبين الشاشة. مشاهد مرعبة. عيون تهطل بالتحدّي والكبرياء، عشرات الخيام، جبالٌ صلدة من الصخور والثلوج، وديانٌ سحيقة تحمل في ثناياها الموت والعذاب. لم أستطع متابعة النظر إلى العيون العقابيّة اللاّهبة. في زاوية الشاشة كلماتٌ باهتة خجلى: "الجنوب اللبنانيّ والمُبعدون الفلسطينيّون".. مزّقني المنظر، أغمضتُ عينيَّ مُرغماً، تدحرجتُ بين أمواج الظلام الدّامس، اجتاحتني خواطر لا حصرَ لها، انتصب أمامي شبحٌ يسدُّ فراغَ الأفق. مدَّ الشبح إليّ يداً بيضاء. حدّثني بصوت هادئ خلته تراتيل صلاة العيد: "لا تخف يابنيّ. لاشئ جديد... إليك بعض قصص التاريخ، اقرأها جيداً". اختفى الشبح فجأة.. صرخت بأعلى صوتي، كان صراخي لا يتجاوز حلقي. ظللت أصرخ علّني أطرد من روحي تلك الخواطر المفزعة. أخيراً امتثلتُ للأمر، تكوّرت من جديد في الزاوية، ورحتُ أقرأُ بنهم شديد:‏

    ***‏

    كان أمراً عادياً جداً لهاسميك، أن تنسى أشياء كثيرة. أن تنسى بعضَ أناقة ملابسها. أن تنسى شيئاً يتعلّق بالطعام أو المواعيد الاجتماعية. إلا أنَّ شيئاً ما في حياتها لن تنساه مطلقاً. إنّه راسخٌ في عمق ذاكرتها، ماثلٌ أبداً أمام عينيها بكلِّ تفاصيله المفزعة الأليمة...‏

    في يدها اليمنى أثرٌ ماديٌّ يذكّرها بكلِّ شيء.. في كلِّ عمل، في كل حركة، في كل مصافحة.. فعلى معصمها أثرٌ عميق لضربة سكّين حادّة تلقّتها وهي في الثانية عشرة من عمرها..‏

    كانت هاسميك ابنة عائلة أرمنيّة كبيرة مؤلفة من الأب والأم وستّة أبناء.. آزنيف، وسونيا، وهاسميك، وآغوب وآرتين، وأسطور... وتعود بها الذاكرة إلى مطلع هذا القرن الذي أخذت شمسه بالأفول تدريجيّاً وراء الأفق. في مطلع هذا القرن، كانت جلجلة الوحشيّة التركيّة تسدُّ منافذ الحياة والكون في هذا الشرق الذبيح أبداً. وكانت مذابح الأرمن على يد الطّغاة الأتراك تمزجُ الدّمَ بالتراب والدمع الحزين...‏

    ذات صباح... استيقظ الأب مبكراً، واجمَ الملامح. أشار بيده، أنصتَ الجميعُ إليه. الألم يتدلّى من عينيه. الخوفُ يلجمُ لسانَه. قال: بصوت متهدج:‏

    -.. اتخذوا التدابير اللازمة. علينا أن نرحل بأسرع وقت ممكن. والتفت إلى آغوب، وربت على كتفه:‏

    -.. إنني أعوِّل عليك ياولدي. ثم غاصت كلماته في ملوحة الدموع اللزجة.‏

    في المساء، والليل ستارٌ كتيم. كانت عربةٌ محملة بأفراد العائلة وبعض الأمتعة القليلة، تغادر منطقة أورفة في شمال سورية، متجهةً نحو الجنوب الغربي، عبر جموع الراحلين وتنهداتهم المريرة. الأبُ يقود العربة في محاور الطريق الوعرة المتشعّبة، قاصداً مدينة حلب، وما أكثر ما أيقظه تعثُّر العربة وهو ساهم سادر. الأم والأبناء يجترّون حزناً عميقاً، وخوفاً لا حدود له. كانت أنباءُ الدم والجثث والأشلاء تقرعُ ناقوسَ الفناء، فتزرعُ القلوبَ هلعاً يمزّق الأعصاب.‏

    في شطر من الطريق، اقترح الأب التوقف لأخذ قسط من الراحة. ترجّل الجميع، وراحوا يوزّعون أبصارهم بين أورفة وحلب. مسافةٌ بعيدة بعيدة، وشقاء مرٌّ، ورحلة إلى المجهول...‏

    أيقظهم من شرودهم، وقع حوافر خيول متعدّدة. تجمّعت العائلة حول ذاتها كخراف أفزعتها الذئاب. وقف آغوب في مقدمة العائلة، يحاول أن يردُّ الفزع عنها، اتجه صوب الخيول القادمة. همس في صوت خفيض. تماسكوا. لا تجزعوا. خطا إلى الأمام خطوةً واحدةً. كان حصان ضخم يتقدّم القادمين، يضرب الأرض بحوافره.. ارتفع صوت باللغة التركية.‏

    -.. هيه... هيه.. أنتم أيها الأوباش. أيها الكفّار. إلىأين أنتم ذاهبون.؟ كيف تعبرون أرضي دون إذن منّي.؟؟‏

    رجلٌ تركي ضخم القامة يمتطي حصاناً صهيله يبدد السكون، مدجج بالسلاح. عيناه لم تكونا مرئيتين جيداً. وعبر الظلام عرف آغوب أنه ضابط تركي.بدا لهم شيئاً مخيفاً كالموت. بضع خيول كانت تحيط به عن قرب.‏

    -.. هيه.. سؤالي لكم أيها الأوغاد. أيها الكفّار. أين وجهتكم؟؟...‏

    فوجئ الجميع. أخرسهم الفزع المدمّر. ردّد بعضهم صلواتٍ خافتة. رسمت الأم إشارة الصليب. رفعت‏

    يديها إلى السماء. تضرّعت بصوت مسموع: نجّنا‏

    يارب السماء والأرض.‏

    تشجَّع آغوب. ردَّ عليه بصوت متقطّع:‏

    -.. إلى الجنوب. إلى حلب. لزيارة أقربائنا هناك.‏

    حملت الريح إلى آغوب رائحة خمرة سيئة النكهة. كان الضابط التركي يبدو غليظاً ضارياً. ومن تحت شاربيه الكثين تدلت ابتسامة فاجرة.‏

    اقتربت الخيول أكثر. أحاطت بالعائلة المرتجفة.. تلفّت الأبُ المضطرب حوله. أسقطه المنظر الرهيب في أتون الفزع القاتل. تصور المصير الأسود نظر إلى أولاده.. استمدَّ منهم شجاعة. اقترب من الضابط التركي. مدَّ آغوب ذراعيه في الهواء مانعاً أباه من التقدم أكثر.‏

    ترى ماذا يريد منّا هذا الوحش الضاري؟؟... بماذا يفكّر؟؟‏

    سأل آغوب نفسه،وراح ينتظر مُحدِّقاً عبر الظلام..‏

    خلال لحظاتٍ داكنه معتمه. مرَّت بذاكرة آغوب والعائلة الحزينة كلُّ مذابح الأرمن في جنوب أرمينيا، والأناضول وجنوب تركيا، وتخيلوا جداول الأنهار تفيض بدماء الأبرياء العزّل. استمدَّ آغوب من الموقف ومن الذكريات شجاعة فائقة. سأمنع ذلك الوحش من تحقيق مآربه. وتابع يحدّق في الظلام بعيني صقرٍ معذّب. جاءَه صوت من جوف الظلام...‏

    -..أنا جاويد بك .. بن أوثمان بك.. ألا تعرفونني..أنا سيد هذه الأرض الواسعة. هيّا.. اقتربوا جميعاً.. ارفعوا أيديكم..‏

    تبعثرت في جوف الظلمة أصوات تائهة خافتة. ازدادت ضراعة الأم وصلواتُها حرارةً. بكت آزنيف وسونيا وهاسميك بأصوات مختنقة.‏

    تنحنح الضابط التركي وراح يُصدر سعالاً فظّاً.‏

    اقترب الأب منه حتى كاد يمسك بلجام حصانه، حاول آغوب منعه، فأصرَّ بعنادٍ وقال:‏

    -.. جاويد بك.. أنا ميساك بتروسيان، وهؤلاء زوجتي وأولادي، أتوسل إليك، أن تتركنا وشأننا، فنحن نقصدحلب، ولا نبغي شيئاً سوى الحياة الكريمة.‏

    قهقه جاويد بك بصوت فاجر. عرف آغوب بحدسه الفتيّ أن جاويد بك يُضمرُ لهم مكيدة مُدمِّرة.. تقدّم بعنف إلى الأمام، وشدَّ والده إليه. تسمَّرَ في مكانه كجذع شجرة راسخة، حائراً لا يدري ماذا يفعل.‏

    قبل أن يبادر آغوب لفعل أي شيء، التفت جاويد بك إلى العساكر المحدقين بالعائلة، وأصدر أوامرَهُ الصارمة:"أبيدو هذه الحشرات"..‏

    أطبق الجند على العائلة. وضيّقوا الخناق عليهم. خرق آغوب الحصار من حوله، وانقض على جاويد بك يريد أن يمزّقه بيديه. ولكن طعنة حادة أتته من خلفه، اخترقت أضلاعه، فتدحرج قرب حوافر الحصان، متكوّراً على جسده، عيناه جاحظتان من الألم، تتابعان العائلة الماضية إلىمصيرها الأسود. بينما راح جاويد بك يدوس جسده النازف بحوافر حصانه الضخم.‏

    الجند يسوقون العائلة نحو حفرةٍ إلى جانب الوادي.بكاءٌ. صراخٌ. نحيبٌ. عراكٌ، طعنٌ بالحراب والخناجر والسيوف. دمٌ يتفجَّر أضلاع تتكسَّر أحشاء تتمزّق.. تكوّمت الأجساد النازفة فوق بعضها في قاع الحفرة، جسداً تلو جسد.. هاسميك تذكر أنها وقعت في الحفرة على رأسها، ووقعت فوقها أشياء أخرى. ثم فقدت وعيها. وعندما عادت إليها الحياة، وجدت نفسها في بيتٍ طينيٍّ لعائلة فلاحيّة تتكلم العربية، من قرية صغيرة تبعد كثيراً عن تلك الحفرة التي غدت قبراً لعائلة بكاملها، تركت فيها هاسميك أغلى وأعز مافي الحياة...‏

    عندما استيقظت هاسميك من غيبوبتها، كانت مغلفةً بالدماء الدّبقة، وآلام شديدة تمزق أعصابها، وعلى معصمها الأيمن جرحان كبيران أحدثتهما سكين حادة. وفي قاع ذاكرتها آلامٌ مريرة ومشاهد مُدمِّرة، وأحزان لا تستطيع احتمالها.‏

    عاشت هاسميك بين أبناء تلك العائلة الفلاحيّة حوالي عشر سنوات، حتى غدت صبية يانعة ناضجة، ثم ارتحلت بعد ذلك إلى مدينة حلب، وقد تطبّعت بطباع الفلاحين العرب، واختلطت لهجتُها الأرمنية باللهجة العربية الريفية، بكل مافيها من طيبة وسذاجة وقسوة. إلا أن الألم مازال يحفر في قاع قلبها ووجدانها وذاكرتها أخاديد عميقة، وثلمات لا يمحوها الدهرُ.‏

    في حلب كانت هاسميك تروي قصة ذلك اليوم الأسود تنطلقُ الكلماتُ من أعماق قلبها، ويتحوّل صوتها الرقيقُ في وهج حقدها المتأجج إلى سياطٍ حادةٍ تلسع ناصية الظلم والإرهاب.‏

    أمّا ابتسامتها الفلاحيّة الخجلى فقد كانت ترتسمُ عليها دوماً ظلالٌ قاتمةٌ مريرة.‏

    ***‏

    أنهيتُ قراءَة صحف التاريخ, قراءَة قصة هاسميك وأهلها حانت منّي التفاتة نحو النافذة. كان الفجرُ قد بدأ يتسرّب بخيوطه البيض عبر الليل. استسلمتُ لارتخاء جسديٍّ شديد، وأنا في أحضان تلك الزاوية. أغمضتُ عينيَّ.سرحتُ بعيداً عبرَ آلام الشعوب. طافت في خاطري ذكرياتٌ مرّة أليمة. توحدت مع تلك الذكريات. قفزت إلى ذاكرتي فجأة قصة من قصص النزيف البشري، كان قد رواها لي أحد الأصدقاء.‏

    أنَّ وحشاً بشرياً يشبه جاويد بك، بشاربين معقوفين، وكرشٍ ضخم.. تمرّدت عليه امرأةٌ. لم تستجب لرغباته الذئبية، فما كان منه إلا أن بقر بطنها بخنجره الطويل، وتركها تتخبط بدمائها.. ثم ابتعد قليلاً، ووضع خنجره المدمى جانباً، ثم انفجر في ضحكات مجلجلة عاهرة.‏

    عندما وصل بي شريط الذكريات إلى هذا الحد، شعرتُ بالضعف، والهزيمة، والضيّاع. هربتُ من الزاوية. توجّهتُ إلى فراشي قبل أن تداعبَ الشمسُ نوافذَ البيوت، كان الأرقُ يحرق عينيَّ بقسوة. وفي نفسي ثلاث صور تتناوب تمزيقي بعنف لا حدود له..‏

    المبعدون الفلسطينيون والجنوب اللبناني...‏

    الحفرةُ التي ارتوت بدماء عائلة هاسميك...‏

    وصوت التاريخ...‏


    بقلم /اسكندر نعمه
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-05-13
  3. moataz

    moataz عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-01-07
    المشاركات:
    368
    الإعجاب :
    0
    موضوع جميل

    أشكر على طرح هذا الموضوع ,,
    أشكرك على الأمانة العلمية..moataz
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-05-13
  5. زهرة الصحراء

    زهرة الصحراء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-04-22
    المشاركات:
    3,435
    الإعجاب :
    0
    ظلم الإنسان لأخيه الإنسان


    دائماً هو الظلم اقسى الوحوش على هذه الأرض واكثرها فتكً بالبشريه..
    لا يميز بين لون واخر..بين دين واخر..بين عرق واخر..

    الشر ليس له جنسيه ولا عرق ولا ديانه..

    لكن للأسف الغرب ينسب الإرهاب للإسلام!!!
    لماذا نحن لا ننسب الارهاب لليهود في العالم اجمع؟
    لم لا نعتقل كل اليهود الموجودين في اليمن..في تونس..في كل بلاد العرب ..ونبعث بهم الى جوانتانامو عربيه؟؟
    لماذا لا نقتل كل المسيحيين ونطردهم من بلادنا(وما اكثرهم) او نعتقلهم ثم نرحلهم الى اقاصي البلاد؟؟

    لسبب بسيط
    ففرقاننا الذي هو كلام الله وفرق به بين الحق والباطل يقول (ولا تزر وازرة وزر اخرى)صدق الله العظيم

    أي ان كل ما قام بذنب ..هو من يعاقب عليه..وتتم محاسبته..وليس محاسبة امه او اخيه او ابيه..او طائفته اجمع..او دينه وكل من ينتسبون اليه..!!

    اشكرك اخي على النقل
    وفعلاً تجربه انسانية مريرة عاشتها بطلة القصة
     

مشاركة هذه الصفحة