وعد كيسينجر-الفصل الثاني (اقرأالعجب العجاب)

الكاتب : الصقر الجريح   المشاهدات : 622   الردود : 2    ‏2003-05-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-13
  1. الصقر الجريح

    الصقر الجريح عضو

    التسجيل :
    ‏2003-05-10
    المشاركات:
    50
    الإعجاب :
    0
    الفصل الثاني

    الوفاق الدولي والصحوة الإسلامية

    1- الوفاق الدولي والنظام العالمي الجديد.
    2- إرهاصات ونذر الأزمة .
    3- الإخراج أوالإنفجار .
    4- ..... وبعد .

    -1- الوفاق الدولي والنظام العالمي الجديد (في التسعينات)

    لن نتحدث هنا عن الوفاق الدولي ونتيجته الكبرى "النظام العالمي الجديد" من جميع جوانبه وإنما سنعرض له من جهة علاقاته بالصحوة الإسلامية والمنطقة موضع الحديث.
    وعليه سيكون عرضنا للموضوع في شكل متوازٍ أو متداخل بين القضيتين "الوفاق والصحوة" وإلى أي مدى يؤثر كل منهما في الآخر باعتبارها العنصر الجديد في المعادلة ونصل من ذلك إلى معرفة ما إذا كان صدام قد فعل ما فعل صدفة أم استباقاً للأحداث أم ماذا؟
    إن فكرة الوفاق الدولي ليست وليدة العصر الحاضر ( أي مؤتمر يالطه كما يقال) بل هي نموذج معاصر للأحلاف الأوروبية في مطلع العصر الحديث (القرن 17 و 18) هذا إن لم نقل أن أصلها هو التحالف الغربي الكبير في الحملات الصليبية الأولى.
    والواقع إن جوهر القضية في هذه التحالفات قديمها وحديثها واحد وهو أن مصلحة الغرب تقتضي تناسي خلافاته الداخلية والتوحيد لمقاومة الخطر الخارجي الذي يَعُدُ الإسلام رأس الحربة فيه. فقد تحالفت أوروبا المتناحرة ضد الدولة العثمانية فيما سُمي (الحلف المقدس) كما ظلت تركيا -رغم إنها دولة أوروبية من جهة الموقع- خارج الاتفاقيات الدولية الأوروبية إلى عهد قريب لسبب واحد هو أنها مسلمة، ومنذ أسابيع فقط سُئل الرئيس التركي-أوزال- عن سبب عدم قبول تركيا عضواً في الوحدة الأوروبية رغم أنها عضو في حلف الناتو - فأجاب بأن السبب هو أن الغرب لا يزال ينظر إلى تركيا باعتبارها دولة إسلامية!!.

    - إن الحرب العالمية الأولى انتهت كما هو معلوم بالنقاط الأربعة عشر للرئيس الأمريكي "ولسُن" التي أصبحت أساس مبدأ عصبة الأمم، والتي بمقتضاها اتفق الغرب على وضع العالم الإسلامي تحت الوصاية الدولية أي تحت السيطرة الغربية، مع أن الأجزاء المهمة منه كانت قد وضعت من قبل تحت سيطرة الغرب باسم "الحماية" ومنها عدن والكويت ومشيخات الخليج وبقيام الحرب العالمية الثانية انهارت عصبة الأمم كما انهارت القوة الاستعمارية التقليدية وبرزت قوتان جديدتان هما أمريكا وروسيا وكان وفاق المنتصرين فيها المتمثل في مؤتمر -يالطه- وفي التحكم في العالم من خلال الهيئة الدولية الجديدة "هيئة الأمم المتحدة" إذ احتفظ الطواغيت الكبار بحق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي كما يسمى!!..
    - وكان أيضاً التنافس الحاد بين القوتين في السيطرة على العالم وخاصة المناطق الحيوية منه. (ومنها بالطبع العالم الإسلامي الذي تفككت مجتمعاته ودوله ومنظماته مِزَعاً بحسب التبعية لأي من المعسكرين) وكان السباق الهائل على امتلاك أشد الأسلحة فتكاً ودماراً لكن دون مواجهة عسكرية شاملة وهذه هي المرحلة التي سميت "مرحلة الحرب الباردة".

    وقد حدثت أزمات كثيرة كادت أن تجعلها ساخنة "مثل أزمة كوبا" إلا أن التفكير في الوفاق واقتسام مناطق النفوذ ظل ينمو باستمرار وخاصة من الجانب الأمريكي الذي كان يعلم أن القوة العسكرية هي كل ما يملكه الخصم من أسباب القوة، وعندما برزت الصين لتكون القوة الثالثة في العالم سارعت أمريكا إلى مد الجسور إليها وكان الوفاق السريع بينهما الذي قسم الكتلة الشيوعية، وكان الرئيس نيكسون مهندسه (وبوش سفيراً له فيها) .

    ولأسباب يطول ذكرها أظهرت كل من القوتين استجابة أكثر للوفاق ودارت المفاوضات الطويلة ببطء وكانت نتائجها محدودة، غير أن المفاجأة الكبرى حدثت في السنوات الأخيرة فقط حيث ظهر للعالم كله أن الغرب قد أعد العُدَّة لوضع كوني جديد وأنه سائر في طريق تنفيذه بسرعة مذهلة وقد تجلت مظاهر هذا الوفاق في الخطوات العُجلى لتوحيد أوروبا الغربية في دولة واحدة سكانها - 325 مليوناً- مع التمهيد لتوحيد أوروبا كلها ومنها روسيا وكتلتها وهو ما يُطالب به جورباتشوف نفسه ابتداءً بتوحيد شطري ألمانيا وصار من المتوقع أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه-35 دولة- أوروبية دولة واحدة بل ربما أصبح لها مقعد واحد في مجلس الأمن والأمم المتحدة!!...

    وستكون لهذه الدولة أقوى الروابط بالولايات المتحدة التي تبارك هذا التوحيد وتطمح من خلاله إلى زعامة الغرب كله، فمن المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة تجمعاً غربياً يزيد سكانه على 1000 مليون نسمة ويملك ما يزيد على 75% من اقتصاديات العالم، أما قوته العسكرية فهي بمثابة غول هائل لا يفكر أحد في مقاومته!!..

    - لقد تساقطت أنظمة المعسكر الشرقي كما يتساقط ورق الشجرة الجاف عند هبوب الرياح وتهاوت صروح الأنظمة التسلطية في أكثر العالم، وبشكل درامي مثير تم الإعلان عن حل حلف وارسو والسعي ليكون الغرب كله حلفاً واحداً نواته حلف الناتو وبسرعة أيضاً سحبت القوات من أوروبا الوسطى وظهرت آثار ذلك سريعاً على العالم الثالث حيث شهدت كل مناطق الصراع النهاية نفسها أو هي في الطريق إليها (أنجولا، أثيوبيا، السلفادور، نيكاراجوا، كمبوديا، كوريا، لبنان وأخيراً نذكر أفغانستان التي لها وضع متميز ومع ذلك فمن المتوقع أن تتم التسوية قريباً) .
    والمشكلة الوحيدة التي لم تُحل هي مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي وليس ذلك لأن الوفاق أهملها أو تناساها فهي لب المشكلات ومحور القضايا كلها ولكن لحساسيتها البالغة- كما يعبِّرون- ومن هنا إقتضى الأمر أن يكون الإخراج من نوع خاص جداً، كما سنرى.

    والشعار الذي يرفعه الوفاق الدولي للنظام الجديد هو "السلام" وإبعاد شبح الحروب عن العالم كله وحل كل القضايا سلمياً عن طريق الأمم المتحدة وتوظيف إمكانيات العالم الإقتصادية لرفاهية الشعوب وضمان لقمة العيش بدلاً من تبذيرها على التسليح خاصة في العالم الثالث الجائع المَدِين!!

    لم يكن غريباً أن يسود تفاؤل كبير معظم أرجاء العالم وأن تداعب الأحلام المعسولة أكثر الشعوب المنكوبة إلا أن الساسة وكثيراً من المفكرين في العالم كانوا حذرين أو متشائمين من المستقبل المزعوم!!..

    فقد أدرك كثيرون أن السلام القادم معناه "بقاء القوي قوياً بدون تكاليف جديدة وإبقاء الضعيف ضعيفاً إلى الأبد لسد أي منفذ له ليكون قوياً".

    إن الوفاق الغربي لم يسقط من حسابه تلك القوى الإقليمية الصاعدة بل حسب لها بكل دقة وهو موقن أن سيطرته الأبدية لن تتم إلا بإجهاض هذه القوى ولكن كيف يتم ذلك؟ هذا هو لب المشكلة ولوعرفنا ذلك لعرفنا إلى أين ستنتقل القوات المسحوبة من أوروبا وأين ستتحول القواعد المغلقة في خطوط المواجهة والصراع بين الحلفين المندمجين؟

    لا شك أن من بين القوى التي يحسب الغرب حسابها "الصين واليابان والهند وكوريا واستراليا" ولكن ما مدى خطورة هذه الدول على الغرب وبعبارة أخرى أليس من الممكن استدراجها للإنضمام إلى التحالف الغربي وإعطاؤها مكاسب محدودة؟

    وإذا كان هذا الأمر وارداً بل واقعاً فأين هي إذاً القوى المتوقع تمردها ونفوذها؟
    وقبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من التنبيه إلى معادلة مهمة وهي:-
    إنه إذا كان بديهياً أن مصدر قوة الغرب وغيره هو امتلاك السلاح النووي فإن هذا هو أيضاً مصدر مشكلة الغرب تجاه القوى الإقليمية....!!
    أي أن القوى النووية بقدر ما تردع العدو عن مهاجمة صاحبها، تردع صاحبها أيضاً عن استعمالها وهكذا تم الوفاق الغربي في ظل التكافؤ في تملكها، أما حين تدور المعركة بين طرفين أحدهما نووي والآخر مغامر من العالم الثالث فإن الحسم سيكون لصالح الأقدر منهما على استخدام الأسلحة التقليدية والأكثر عزماً وتدريباً... الخ. لأن اللجؤ إلى الخيار النووي هو بمثابة انحدار علمي!!...

    قد لا تكون هذه المعادلة صادقة 100% ولكنها حق إلى حد كبير ومن هنا لم يخف الغرب أن أخطر ما يواجهه هي القوى الإقليمية ذات التسلح التقليدي الكبير وخاصة إذا حكمتها زعامات متطرفة ذات طموح عال، أو عداوة تاريخية للغرب !!..

    وعندما يتحدث الغرب بصراحة أكثري يقول إن أخطر منطقة تواجهه هي منطقة الشرق الأوسط، وإن أخطر منافس لمستقبله هو الصحوة الإسلامية، وهنا نأتي على بعض الشواهد التي نجتاز منها إلى إرهاصات الأزمة الحالية.

    فعن موضوع نظرة الشرق والغرب إلى المنطقة بعد سقوط "يالطا" وعقد قمة "مالطا"(15*) . كتب أحد المحللين في جريدة الحياة بتاريخ الإثنين 9/3/1990م فكان مما قال:
    (الانتقال من يالطا إلى مالطا بدأ يكون متجمعاً دولياً، أخذ يوماً بعد يوم يستكمل ملامحه الجديدة... ولكن من خلال الابتهاج بالاتجاه إلى نزع التسلح والأمل بعدم اللجوء إلى النزاع المسلح هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى جواب، ومن هذه الأسئلة مثلاً: ما هي وظيفة الجيوش في المستقبل؟ وما هي الأخطار التي يتوقعها الشرق والغرب؟...).
    وللإجابة على الأسئلة نقل الكاتب إجابة رئيس الأركان الفرنسي لأحد المجلات: (والسؤال هو: "سيدي الجنرال: تقولون بأن الأوضاع تتطور بسرعة جنونية فهل يُحتمل أن يكتشف الغرب والشرق خلال العشرين عاماً القادمة أعداء آخرين من خارج أنفسهم؟).
    وهذا هو جواب الجنرال: عندما افتتح المسيو –شيفارنادزه- وزير خارجية الاتحاد السوفيتي ندوة فيينا في مارس 1989 قال ما نصه يجب علينا من خلال مناقشاتنا أن ننظر بعين الحذر إلى أمر واقع وهو أنه في جنوبي أوروبا وفي الجنوب الغربي من آسيا توجد قدرات عسكرية يمكن أن تصبح أعظم من قدراتنا.اهـ

    (إنني – المتكلم هو الجنرال الفرنسي- أشاركه وجهة نظره هذه، إن ابتهاج الشرق والغرب بالاتجاه نحو نزع التسلح لا يجب أن يجعلنا نتغاضى عن الأخطار في وقت من الأوقات أن تأتي من تلك المناطق، إن الأوضاع الراهنة في إيران، العراق، سوريا، الأردن، إسرائيل، مصر، ليبيا، لا توحي بالاطمئنان وبكل أسف فإن الأخطار تبدو الآن وكأنها جديرة بالإهمال لا يؤبه لها، ولكننا في الشرق والغرب قدمنا لهذه الدول السلاح والتكنولوجيا والتقنيين مما جعلهم يتعلمون النتائج بأنفسهم، إنني أعتقد بأن هذه البلاد ستشكل عنصر عدم الاستقرار، إنها جميعاً تتمتع بالقدرة على التوسع الديمغرافي (زيادة عدد السكان) وتعاني من أوضاع إقتصادية صعبة، والديانة تجنح إلى التطرف، كل ذلك يضاف إلى قدرات عسكرية بالغة الخطورة ولا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الأخطار.
    وفي عدد آخر بتاريخ 21/12/1410هـ يقول كاتب آخر هو مدير المركز العربي لبحوث- التنمية والمستقبل بالقاهرة عن تحديات أوروبا:-

    (يتزايد القلق في أوروبا الغربية وجنوب أوروبا بشكل خاص وفرنسا تحديداً من تطور يطلقون عليه المد الإسلامي، وتطور آخر يسمونه التغيير الديمغرافي والتطوران حادثان في شمال أفريقيا).

    وهنا نذكر بأن هذا الكلام قيل خلال الحديث الغربي عن تصنيع عسكري قامت به مصر والعراق بمساعدة الأرجنتين، وأفاد من الفخر الأحمق الذي كان صدام يعلنه والاستعراضات العسكرية والإعلان عن قدرات عسكرية مبالغ فيها مع التهديدات الكاذبة بحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج، وصاحبه أيضاً الحملة على مصنع الدواء في ليبيا، فالسلاح الكيماوي هو بديل المستضعفين عن السلاح النووي، وفي الوقت نفسه حدثت تطورات أخرى أشار إليها هؤلاء وستؤكدها النقول الآتية وهي بعض فرص النجاح التي حظيت بها الصحوة الإسلامية المعاصرة ومن أبرزها:-
    1- ظهور حركة الجهاد أو التمرد الفلسطينية التي قلبت المعايير والخطط رأساً على عقب.
    2- تحقيق انتصارات عسكرية في أفغانستان وظهور حركات جهادية مماثلة في أرتريا وكشمير، وغيرها.
    3- فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، وتمكن الجبهة القومية في السودان، وحصول الإسلاميين على نسبة من المقاعد في الأردن، وظهور مؤشرات مهمة في بلدان أخرى(16*)
    والغرب يحسب حساباته على المدى البعيد جداً وعليه نعود الآن للإجابة على السؤال نفسه: ما وظيفة الجيوش الغربية في ظل الوفاق؟ ولكن من وجهة النظر الأمريكية:
    نشرت جريدة الحياة في 26/12/ 1410هـ أي قبل غزو الكويت بحوالي –17 يوماً- فقط موضوعاً بالغ الأهمية بعنوان كبير هو: (وظيفة جديدة للقواعد بعد تحول دورها من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط!) ومنه:
    (وفي نظر جميع المراقبين والمحللين فإن منطقة الشرق الأوسط تأتي في مقدمة المناطق العالمية التي تزداد أهميتها وترتفع سخونتها وهي مرشحة إلى أن تكون منطقة اصطدام واحتكاك مع أمريكا...).

    وعلى هذا تحولت القواعد الأمريكية في جزيرة كريت من موقع المراقبة والرصد لدول حلف وارسو سابقاً إلى مراقبة دول الشرق الأوسط وضفاف المتوسط الجنوبية التي تموج بمختلف التفاعلات والتطورات الحادة وتنذر باضطرابات وانفجارات عنيفة لذلك لم تتضاءل أبداً أهمية هذه القواعد بل ربما زادت بسبب القرب الجغرافي من الهدف الجديد وقلة القواعد الموجهة نحو الشرق الأوسط والخليج عموماً وشمال أفريقيا خصوصاً...

    ولما كان هذا الموضوع كتب تعليقاً على الاتفاقية الجديدة بين أمريكا واليونان بشأن قاعدة كريت تعرضت الجريدة للآراء المعارضة والمحللة فقالت: (أما البيان الذي أصدره تحالف اليسار المعارض فقد قال- إن الاتفاقية الجديدة ستجعل من اليونان طرفاً مباشراً في المخططات الحربية الأمريكية ضد الدول العربية وحذر من ردود فعل الدول العربية على اليونان!!).

    ووقف المحللون عند بند جديد يتضمن السماح (لأي طيران حربي آخر باستخدام القواعد بموافقة أمريكا فقط) وقالوا إن هذا إشارة إلى الطيران الإسرائيلي!!.
    (ورأى المحللون العسكريون اليونانيون أيضاً... أن الاتفاقية تعني حق أمريكا في استخدام -كريت- من قِبَل قوات التدخل السريع التي شُكِّلت لحماية منابع النفط ) ا هـ.

    كما نشرت مجلة الأمل في عدد ذي الحجة 1410هـ مقالاً بعنوان (إلى أين ستذهب الأسلحة التي كانت تُصنع لحساب أوروبا وذكرت منها مثلاً -930- دبابة من طراز - إم60- وقالت: (الإجابة سهلة في واشنطن حالياً هي أن تُرسل هذه الأسلحة إلى العالم الثالث وبخاصة إلى الشرق الأوسط).
    وفي هذا المسار نشرت مجلة البلاغ الإسلامية الكويتية في 16 ذي الحجة 1410هـ أي قبل الغزو بحوالي 25 يوماً مقالاً مؤثراً بعنوان: هل انتهت الحروب الصليبية؟
    قالت فيه: اليوم تتوالى الأخبار التي يخيل للسامع أنها ليست إلا بيانات عسكرية في معركة طاحنة تدور رحاها بصمت عجيب.
    وتعرضت فيه للفكرة التي طُرحت في الغرب ونشرت عنها الفايننشال تايمز وهي: إقامة عمود دفاعي أوروبي ضد العالم الإسلامي!
    بل نشرت الصحافة الأمريكية أن دول البلقان مثل اليونان وبلغاريا قد تصبح (دول مواجهة في أوروبا ضد انتشار التطرف الإسلامي).
    وأنذرت صحافة أمريكا عدوها النووي "الاتحاد السوفيتي" باحتمال وقوع الأسلحة الذرية في الجمهوريات الإسلامية السوفيتية في أيدي متطرفين مسلمين وأن ذلك يعتبر تهديداً خاصاً للبشرية والعالم المتمدن.
    وقالت: إن المتطرف يأتي من الصحراء والمبدع يأتي من الغابات وربما كان هذا هو الفارق الأكبر بين الشرق والغرب.
    وقد علَّق المحامي الأمريكي الذي أورد هذه النصوص بعنوان "إعلام أمريكا وخطر المسلمين" قائلاً: (17*)
    ( بالترويج لخطر المسلمين لا بالنسبة إلى الدول الغربية فحسب بل حتى إلى الاتحاد السوفيتي يرى المرء تقارباً بين مصالح الأعداء القدامى الذين كانوا يشتبكون في الحرب الباردة، ويُحتمل أن تتردد القضية الجديدة عن الخطر الإسلامي على العالم المتمدن أكثر فأكثر في المستقبل).

    وفي الوقت نفسه جرى الإعلان أيضاً عن وظيفة جديدة للمخابرات الأمريكية في ظل الوفاق (وهي قديمة في الواقع) فقد أذاعت هيئة الإذاعة البريطانية في برنامج عالم الظهيرة في أواخر ذي القعدة الماضي ما نصه تقريباً:
    " إن الجهد الرئيسي للمخابرات الأمريكية الذي كان منصباً لمراقبة إمبراطورية الشر -يعني الاتحاد السوفيتي- سيتجه أساساً لمراقبة الجماعات الأصولية في العالم الإسلامي ووضع العقبات والعراقيل أمامها".

    وأذاعت تعليقاً لصحيفة الفايننشال تايمز قالت فيه:
    إذا كانت أمريكا تشجع الاتجاهات الديمقراطية في شرق أوروبا ودول العالم الثالث فإنه يجب عليها ألا تشجع تلك الاتجاهات في العالم الإسلامي لأنها بذلك تدفع –دون أن تدري- بالأصوليين إلى تسلم زمام السلطة في ذلك العالم!!!
    وفي أثناء الإعلانات والشعارات المعسولة عن السلام العالمي القريب وحرية الشعوب في الحرية والاستقلال والديمقراطية... الخ. فجَّر الرئيس ميتران قنبلة صليبية مذهلة حين قال: إذا نجح الأصوليون في حكم الجزائر فسوف أتدخل عسكرياً كما تدخل بوش في بنما(18*) .!!
    والواقع أن مثار الذهول ليس مجرد تهديد بالتدخل فقد تدخلت فرنسا فعلاً في دول كثيرة منها (زائير ووسط أفريقيا وساحل العاج وتشاد والجابون) ولكنه في الجراءة على إعلان بعض مخططات الغرب السرية وإشهار الحرب الصليبية الذي يزيد الصحوة الإسلامية اشتعالاً، ومن هنا كان تراجع ميتران الحاد في موقفه إلا أن ذلك لم يمنعه من التصريح بأن (الانتفاضة الفلسطينية خطر يهدد المنطقة كلها بوباء التطرف)(19*).
    وفي هذا المسار تأتي تصريحات ميتران وغيره من المسؤولين الفرنسيين في معرض الدفاع عن الموقف الفرنسي المؤيد للعراق وهي تصريحات متكررة مضمونها:إننا كنا نساعده لأنه يحارب الأصولية الإسلامية التي تمثل تحدياً أكبر لمصالحنا.
    وقد ورد عن مسؤوليين أمريكيين قبل الأزمة الحالية قولهم:

    إن أمريكا ترى في العراق عاملاً قوياً في صد التوسع الإسلامي في المنطقة (إذاعة صوت أمريكا).
    وفي غمرة هذه الإعلانات والتصريحات التي اجتاحت الإعلام الغربي في الشهور الأخيرة جاء الحديث المكشوف للأمير حسن ولي عهد الأردن(20*) لصحيفة نيويورك تايمز الذي قال فيه:

    إنه ينبغي إجراء محادثات بين المعتدلين العرب والإسرائيليين لأن الخطر الحقيقي للسلام يكمن في تنامي الأصوليين. وقال: إن العدو الحقيقي هو تصاعد الأصوليين والتطرف حيث المتطرفون اليهود من جهة والمد الإسلامي الذي يؤثر على السياسات الممتدة من عبر أفغانستان ولبنان وشمال أفريقيا، وقال: (يتصاعد نشاط المتطرفين في الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة)(21*)

    أصحاب الفضيلة

    لا نريد التطويل وإلا فالشواهد كثيرة جداً غير أنه لا بد من التنويه بظاهرة جديدة في السياسة الغربية تدل على أن الغرب يعد العدة لأمر عظيم وهي استنفار كل ذوي الخبرات السابقة في الميدان السياسي أو العسكري أو الفكري لإحكام خطة الوفاق ودراسة الاحتمالات بكل دقة وبذل الجهود في أكثر من سبيل للوصول إلى فرض السيطرة الغربية الكاملة على العالم الإسلامي واستئصال الصحوة الإسلامية.
    أقول هذا عندما رأيت الحشد الكبير من الساسة القدامى والجنرالات المتقاعدين والسفراء السابقين ورجال الاستخبارات وقادة الفكر وعلماء النفس والاجتماع... الخ. كلهم يتحدثون عن مستقبل الغرب وصراعه مع الإسلام بل يقومون بجهود عملية مكشوفة لم يشهد تاريخهم المعاصر من قبل مثلها.
    ورغبة في الاختصار أضرب مثلاً فقط- بالرئيسين الأمريكيين السابقين ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر- وبنذر يسير من جهودهما:-
    1- نيكسون: له نشاط تنظيري استراتيجي بارز وخاصة فيما يتعلق بالوفاق ومستقبل أمريكا والغرب، يدل على ذلك كتابه الضخم "1999 نصر بلا حرب" وبحوثه الأخرى ومشاركاته المباشرة كما حدث أثناء زيارة جورباتشوف الأخيرة لواشنطن.

    وهو مع تحذيره وتهويله من الاتحاد السوفيتي عامة وشخصية جورباتشوف خاصة(22*) أطلق سنة 1985م- أي سنة تولي جورباتشوف صيحة صليبية نشرتها مجلة استراتيجية متخصصة هي مجلة الشؤون الخارجية قال فيها: يجب على روسيا وأمريكا أن تعقدا تعاوناً حاسماً لضرب الأصولية الإسلامية(23*).
    وفي كتابه المذكور يؤكد نيكسون بكل صراحة وجراءة أن واجب الولايات المتحدة ورسالتها في الحياة هي زعامة العالم الحر الذي يجب بدوره أن يتزعم العالم وأن الوسيلة الوحيدة لهذه الزعامة هي القوة، وأن العدو الأكبر في العالم الثالث هو الأصولية الإسلامية ويؤكد ذلك قائلاً:

    إن مأساة فيتنام قد جرحت كبرياء أمريكا ولم يكن ذلك راجعاً إلا إننا ذهبنا إلى هناك بل إننا خسرنا.

    ويؤكد- لكن الكبرياء القومي الذي لا يتطلب من خلال المعارك كبرياء عقيم... إن الكبرياء الحقيقي لا يأتي من تفادي النزاع بل يأتي من أن نكون في معمعته نحارب من أجل مبادئنا ومصالحنا وأصدقائنا .

    ومن أجل بناء ثقة جديدة ودائمة في الولايات المتحدة بين الأمريكيين أنفسهم وبين أصدقائنا وحلفائنا في الخارج فإن الأمر يقتضي ما هو أكثر من القيام بعدد غير قليل من المهام العسكرية الناجحة وإن كانت صغيرة نسبياً مثل غزو- جرينادا،وشن الغارات على ليبيا(24*).
    ويسخر نيكسون من دعاة السلام قائلاً:-
    يؤمن كثير من هؤلاء الذين يندفعون في الشوارع رافعين اللافتات الداعية إلى السلام ونزع السلاح الشامل بأن الحل الوحيد لتجنب خطر الحرب هو إقامة نظام عالمي ترعاه منظمة دولية.

    لقد دحض القرن العشرون كثيراً من الأساطير، لكن ليس هناك أشد تدميراً من الفكرة القائمة على التمني القائلة بأن المنظمات الدولية يمكن أن تحقق السلام الكامل. ص 30.

    ففي عالم الواقع يتوافر لأُمَّة بالغة الصغر لديها ستة دبابات أو ستة إرهابيين وضعاء لديهم قنبلة صغيرة قدر من القوة الحقيقية يزيد عما للجمعية العامة للأمم المتحدة مجتمعة بكل أبهتها الرفيعة في- أيست ريفر -.
    إن القوة هي التي تدفع العالم صوب الخير أو الشر ولن تتخلى أية أمة ذات سيادة عن أي من سلطاتها وقوتها للأمم المتحدة أو أي هيئة أخرى لا الآن ولا في أي وقت.
    وكلما سارعنا لمواجهة هذه الحقيقة وسارعت شعوب الأمم العظمى خاصة في الغرب بالكف عن الإحساس بالذنب لأنهم أقوياء سارعنا بإقامة نظام دولي حقيقي... ص 31.

    ويقول عن منطقة الخليج:
    إن الولايات المتحدة هي الآن الدولة الوحيدة التي يمكنها حماية المصالح الغربية في الخليج الفارسي، وليس هناك أي دولة من دول الخليج الموالية للغرب قوية بالقدر الكافي للقيام بذلك كما لا تتوافر لأي من حلفائنا الأوربيين القوة أو الرغبة في أن يقوم بذلك...
    وينبغي لنا أن نعمل على الجبهة العسكرية لتحسين قدرتنا على إبراز القوة الأمريكية في الخليج، وقد حققنا تقدماً هاماً في هذا المجال، فقد أنشأ الرئيس كارتر قوة الانتشار السريع وعزز الرئيس ريجان وضعها بتحويلها إلى قيادة مركزية،واعتمد الكونجرس مليارات الدولارات لقوتها .

    وبعد أن بين أن الهدف- هو أن تكون قادرة على دفع أربعة فرق من قواتنا في
    الخليج خلال ثلاثين يوماً. قال : إننا لا نستطيع أن ندافع عن مصالحنا في الخليج -أو نرد أي تحرك سوفيتي ضدها- إذا لم نستطع إرسال قواتنا إلى هناك. وينبغي لنا أيضاً أن نعمل على الجبهة الدبلوماسية لتشكيل روابط أوثق مع بلدان المنطقة(25*).
    ويستحيل على الولايات المتحدة أن تتدخل في الخليج الفارسي بدون أن تتوفر لها إمكانية الحصول على قواعد جوية في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى الأصغر. إننا في حاجة إلى وضع قوات جوية في قواعد هناك حتى يمكن أن نحمي قواتنا البرية عند قيامها بإنشاء رأس جسر، وبدون تفوق جوي ستصبح أي عملية إنزال أمريكية في الخليج الفارسي تكراراً لعملية الإنزال البريطانية في غاليبولي أثناء الحرب العالمية الأولى.

    فبالنسبة لأصدقائنا في المنطقة تعتبر إيران تحت حكم الخميني تهديداً يفوق في خطورته حتى الاتحاد السوفيتي. لذلك يجب أن نؤكد لهم أن عملية إيران الفاشلة كانت انحرافاً لن يتكرر (يعني عملية استنقاذ الرهائن) وينتقد بشدة (المفهوم الذي شجعه المرشحون الليبراليون للرئاسة عام 1984م، وهم يعدون بعدم إرسال قوات أمريكية للقتال في الخليج الفارسي .

    إن أي شخص يصدر عنه هذا النوع من التعهد بعدم اللجوء للقوة في عام 1988م سوف يفقد صلاحيته لأن يكون محل تفكير كزعيم مسؤول للولايات المتحدة وللعالم الحر- ص 132- 133 .

    هذا الكلام يوجهه نيكسون إلى المتنافسين على الرئاسة الأمريكية قبل ثلاث سنوات ومعلوم أن الذي فاز فيها هو جورج بوش المعروف بانتمائه لخط نيكسون. كما في التعريف بالكتاب على الغلاف الأخير له(26*).

    وعن إسرائيل والصحوة الإسلامية يقول نيكسون:
    وفي الشرق الأوسط نرى صراع العرب ضد اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب وإسرائيل والدول العربية المعتدلة من جانب أخر. وما لم تتغلب هذه الأمم على خلافاتها وتعترف بأنها تواجه تهديداً أشد خطراً بكثير من طهران فربما سيظل الشرق الأوسط هو المنطقة الأكثر إحتمالاً للإنفجار في العالم كله ... ص 284 -أي كما قال ولي عهد الأردن.

    ويقول : (لقد أمرت في حرب 1973 ببدء جسر جوي ضخم للمعدات والمواد التي مكنت إسرائيل من وقف تقدم سوريا ومصر على جبهتين، وكتبت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل في مذكراتها خلال حرب يوم كيبور (الغفران) تقول :

    لقد كان الجسر له قيمة لا تقدَّر، فهو لم يرفع معنوياتنا فحسب بل أفاد أيضاً في جعل موقف أمريكا واضحاً بالنسبة للاتحاد السوفيتي وساعد بلا شك في جعل إنتصارنا أمراً ممكناً.
    إن التزامنا ببقاء إسرائيل التزام عميق فنحن لسنا حلفاء رسميين وإنما يربطنا معاً شيء أقوى من أي قصاصة ورق، إنه التزام معنوي، إنه التزام لم يخل به أي رئيس في الماضي أبداً وسيفي به كل رئيس في المستقبل بإخلاص.

    وصدق الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ).

    إن أمريكا لن تسمح أبداً لأعداء إسرائيل الذين أقسموا على النيل منها بتحقيق أغراضهم. ويتابع نيكسون مفاخراً بإسرائيل كأشد يهودي في العالم تعصباً:-
    لقد بهرت إسرائيل العالم كله بكل ما أنجزته خلال 40 عاماً من الحرب وستدهش العالم بما تستطيع أن تنجزه في 40 سنة من السلام ص-292.

    وينبغي أن نوجه لأنفسنا بعض الأسئلة عن بعض القضايا الأساسية.

    كم تستطيع الحكومتان المعتدلتان في الأردن ومصر أن تبقيا صامدتين في مواجهة التهديد المزدوج للنزعة الجذرية وللنزعة الأصولية في غياب حدوث تقدم في مسيرة السلام؟
    كم ستظل هاتان الحكومتان راغبتين في انتهاج سياساتهما الحالية الموالية للغرب...

    ينبغي لإسرائيل أن تعترف بأن مصلحتها هي نفسها تقتضي أن تقيم الولايات
    المتحدة علاقات وثيقة مع الدول العربية المعتدلة- وأن هذه الدول ستظل شريكاً مستقراً في السلام ...

    لذا ينبغي للولايات المتحدة أن تتبنى سياسة أكثر واقعية في الشرق الأوسط. . ينبغي لها أن تسعى لإقامة علاقات طيبة مع الدول العربية المعتدلة، خاصة الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية. كما ينبغي لها أن تضغط بنشاط لدفع مسيرة السلام للأمام..

    إن سياستنا ينبغي أن تهتدي بملاحظة أبداها- دافيد بن جوريون - فقد قال:
    إن المتطرفين الذين نادوا بالاستحواذ على الأرض العربية سيحرمون إسرائيل من رسالتها...
    ولو نجحوا فلن تكون إسرائيل يهودية ولا ديمقراطية- فالعرب سيفوقوننا عدداً، وسيقتضي الأمر إتخاذ إجراءات قمعية غير ديمقراطية للبقاء عليهم تحت السيطرة ...

    وإن مصلحة إسرائيل تتطلب تسوية سلمية لقضية الأرض المحتلة في 1967م.
    فلو ضمت إسرائيل هذه الأرض فستصبح دولة لحامية عسكرية مكونة من قوميتين يشكل فيها العرب المحرومون من حقوقهم نحو نصف سكانها، وبالإضافة إلى ذلك ففي ضوء معدلات المواليد المرتفعة للشعب الفلسطيني سرعان ما يصبح الشعب اليهودي أقلية. في الدولة اليهودية، ولو استمرت إسرائيل في إحتلالها العسكري واستيطانها التدريجي لهذه الأراضي فإنها ستوحد العالم العربي في النهاية في العداء لها وتزيد فرص موسكو في دخول المنطقة أكثر من أي وقت مضى ...

    إن من يبتعدون عن الخط المتشدد من بين أكثر مؤيدي إسرائيل تطرفاً لا ينبغي أن نصفهم بأنهم معادون لإسرائيل بصورة تلقائية، لقد حدث هذا بالنسبة لي ولأصدقاء آخرين لإسرائيل عندما أيدنا قيام إدارة ريجان ببيع طائرات الأواكس للمملكة العربية السعودية في 1981م وخططها لتوريد طائرات مقاتلة للأردن في 1986م، ينبغي للجميع أن يدركوا أن كون المرء صديقاً لجيران إسرائيل لا يجعل منه عدواً لها، ذلك أن مصلحة أمريكا وإسرائيل تقتضي أن ترتبط الولايات المتحدة بعلاقات الصداقة مع الدول العربية المعتدلة... ص 294.

    وفي العالم الإسلامي من المغرب إلى إندونيسيا تخلف الأصولية الإسلامية محل الشيوعية باعتبارها الأداة الأساسية للتغيير العنيف... ص 307.

    ويؤكد أن الرؤيا الثورية التي يقدمها الرديكاليون على أطراف العالم الإسلامي جذابة مثل الشيوعية تماماً ومدمرة مثلها أيضاً، إن الثورة الشيوعية تضرب على أوتار إحتياجات الإنسان المادية، والثورة الإسلامية تضرب على أوتار الاحتياجات الروحية فالإيديولوجية الشيوعية تَعِدُ بالتحديث السريع والإيديولوجية الثورية الإسلامية هي رد فعل ضد التحديث، والشيوعية تَعِدُ بتدوير ساعة التاريخ للأمام والأصولية الإسلامية تعيدها للوراء .

    إن الثوريين الإسلاميين يدينون إلحاد الشرق الشيوعي والعلمانية المادية للغرب الرأسمالي...

    إن الثوريين الشيوعيين والإسلاميين أعداء إيديولوجيين يتبنون هدفاً مشتركاً: الرغبة في الحصول على السلطة بأي وسيلة ضرورية بغية فرض سيطرة دكتاتورية تقوم على مُثُلهم التي لا تحتمل، ولن تحقق أي من الثورتين حياة أفضل للشعوب في العالم الثالث.

    بل سيجعلون الأمور أسوأ، لكن إحداهما أو الأخرى، ستسود ما لم يضع الغرب سياسة موحدة لمواجهة الأبعاد الاقتصادية والروحية على حد سواء للصراع الدائر الآن في العالم الثالث.

    إن رياح التغيير في العالم الثالث تكتسب قوة العاصفة، ونحن لا نستطيع إيقافها لكننا نستطيع أن نساعد في تغيير إتجاهها... ص 307.

    ويتحول نيكسون في نهاية الكتاب وفي نهاية عمره من ذلك السياسي الانتهازي إلى قسيس متعصب فيقول: لقد نهض بتأسيس أمريكا أفراد كانوا ينشدون الحرية الدينية وأرادوا أن يكون لهم حق عبادة الله بطريقتهم الخاصة وأن يبحثوا عن معنى للحياة حسب شروطهم الخاصة، وعلينا ألا نغفل عن هذا المبدأ الموحي من مبادىء بلادنا.

    وعلينا ألا نسمح بمنافستنا مع موسكو بأن تنحدر فتصبح سباقاً بين الطرفين على أيهما يستطيع إنتاج أكبر عدد من القنابل وأطول العمارات وأعلى معدل للدخل الفردي من الناتج القومي الإجمالي، فإن كانت الثروة المادية هي هدفنا الوحيد لم نختلف في شيء عن الشيوعيين ...

    والشيوعيون ينكرون وجود الله ولكن ليس هناك من ينكر أن الشيوعية عقيدة، وفي إعتقادنا أنها عقيدة زائفة ولكن الرد على العقيدة الزائفة لا يمكن أبداً أن يكمن في إنكار العقيدة. وعندما كانت أمريكا ضعيفة وفقيرة منذ مائتي سنة مضت كانت عقيدتنا هي المبقية علينا، وعلينا ونحن ندخل قرننا الثالث ونستقبل الألف سنة المقبلة أن نعيد اكتشاف عقيدتنا ونبث فيها الحيوية... ص 332.

    الحياة التي تقتصر على طائفة المقتنيات المادية هي حياة تعاني من الخواء. فلنتذكر حكمة الإنجيل القائلة: (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) ص 333 .


    2- جيمي كارتر:من المعلوم عن كارتر تدينه بل تعصبه لمذهبه الكنسي وهذا ما ظهر عليه أثناء رئاسته ثم تحول بعدها إلى داعية دؤوب يتنقل بين أفغانستان وأثيوبيا وإسرائيل وسوريا مروراً بالسعودية وغيرها من دول الخليج حاملاً معه مشروعات كثيرة لوأد الجهاد الإسلامي والصحوة الإسلامية، وقد أفاد الرئيس بوش من خبرته ووظفها لصالح الوفاق الدولي كما أفادت منه القوى اليهودية في أوروبا الشرقية وإسرائيل والاتحاد السوفيتي فضلاً عن إسرائيل، والمهمة التي يقوم بها كارتر من نوع خاص تتناسب مع اهتماماته الشخصية والتزامه الديني ومضمونها استقطاب المعتدلين من الإسلاميين والإسرائيلين وإيجاد تحالف سوري إسرائيلي تنضم له الدول العربية المعتدلة (كما تسمى) وضرب المتطرفين من الإسلاميين(27*) بالمعتدلين مع إقناع أو تحجيم المتطرفين من اليهود.

    نشرت جريدة الأنباء الكويتية قبل أقل من شهر من غزو الكويت مقالاً بعنوان:

    بعد التغييرات في أوروبا الشرقية وموسكو هل يستمر دور إسرائيل كحليف استراتيجي لواشنطن؟
    وهو مترجم عن مقال لأحد الكتاب الإسرائيليين المتخصصين في الشؤون العربية أبرز فيه جانباً من مهمة كارتر ، وهذه مقتطفات منه:
    إن إسرائيل القوية التي يقدم إليها الأمريكيون المساعدات هي نفس إسرائيل التي تضع العراقيل أمام استراتيجيتهم- الشرق أوسطية وبالتالي فإن من المتوقع أن تسهم في إفشال الإجراءات الأمريكية المعقدة داخل العالم الإسلامي والرامية إلى تهدئة الحماس الديني اللاهب.

    والتهديد الوحيد الآن في أعقاب التراجع السوفيتي في الشرق الأوسط على المصالح الأمريكية هو الإسلام المتطرف ولا يقتصر التهديد الإسلامي على المصالح الأمريكية فقط بل يتجاوزها إلى تهديد الأنظمة العربية أيضاً والولايات المتحدة لن تسمح بنشر ثورة إسلامية جديدة في أي دولة عربية من الدول ذات الأهمية الكبيرة.
    والأمريكيون يعتبرون الإنتفاضة بمثابة خطر يهدد المنطقة العربية بأسرها وخصوصاً من حيث الطابع الإسلامي المشارك فيها بشكل واسع وعلى أرضية تراجع المد الشيوعي.
    وبعد أن ذكر أن التصلب الإسرائيلي يفسد الخطة الأمريكية لاحتواء المعتدلين وضرب المتطرفين قال:

    لقد بدأت مفاوضات في عمَّان بين منظمة التحرير والإخوان المسلمين بتشجيع المعتدلين حول انضمام حركة حماس إلى المجلس الوطني الفلسطيني مع الموافقة على برنامج المنظمة السياسي الذي يربط جميع الحلول السياسية بالإعتراف بإسرائيل.
    ورغم الستار الكثيف المسدل حول تلك الاتصالات إلا أنه اتضح أن الشروط التي تطالب بها حماس ليست سهلة فهي ترفض برنامج المنظمة السياسي وفي نفس الوقت تطالب بالتمثيل في مؤسسات المنظمة بنسبة 40%.
    يضرب الكاتب أمثلة لبعض الشخصيات المعتدلة، كما أن صورة مقابلة بعضهم لكارتر منشورة في نفس الصحيفة ثم يقول :

    وقد شاءت (سخرية الأقدار) – هكذا ! أن يكون الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر هو أول من يؤيد مطالب حماس خلال الجولة الأخيرة التي قام بها في الشرق الأوسط ، فقد نشرت صحيفة المحرر الباريسية مقطعاً من الحوار الذي أجراه كارتر مع الرئيس السوري حافظ الأسد حين سأله الأسد عن موقف الولايات المتحدة فيما يتعلق بالحركات الإسلامية، فرد كارتر ... واشنطن تأمل أن تحظى الحركات الإسلامية والإخوان المسلمين على نصف الأصوات خلال الانتخابات التي ستجرى في المناطق المحتلة .

    ويعلل كارتر ذلك بأنه سيدفع مسيرة السلام مع إسرائيل، ويُعلِّق الصحفي ذاكراً الفروق بين منظمتي حماس والجهاد بالنسبة للغرب وإسرائيل .

    ثم يقول:

    ومنظمة التحرير لن تقبل بأي حال من الأحوال مطالب حماس بمنحها 40% من المقاعد في مؤسساتها، كما أن إعلان كارتر بأن الولايات المتحدة تؤيد مطلب حماس سيثير الكثير من الخواطر وردود الفعل الشديدة في أوساط المنظمة غير أن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن هناك تقارباً فعلياً بين الإخوان المسلمين والولايات المتحد ة، وحماس لا تحرص على إخفائه، كما أن تجديد العلاقة بين دول عربية والإتحاد السوفيتي(28*) . حينما سيحدث يمكنه أن يُحدث تحولاً دراماتيكياً في العلاقات بين الفلسطينين والوطنيين العلمانيين والإخوان المسلمين. ويمكننا القول إن الأمريكيين يرمون في خطواتهم إلى تغيير الوضع الراهن في المناطق المحتلة ودفعه بإتجاه تهدئة الإنتفاضة ويعتبرون هذا التغيير بمثابة أساس مركزي في استراتيجيتهم الهادفة لتقليص الحماس الثوري الإسلامي.
    وقد نشرت جريدة الحياة بتاريخ السبت 20/8/ 1410 هجري على لسان كارتر عقب زيارته لسوريا:

    لقد اتفقت مع حافظ الأسد (يعني أيام رئاسته) على إعطائه الجولان وأنه لا حق لإسرائيل فيها ولكن بشرط أن تكون منزوعة السلاح وأن يعيش البلدان في سلام دائم وآن الأوان لأفي بوعدي.

    وتتضمن خطة كارتر الإعتراف لإسرائيل بجنوب لبنان وإنهاء مشكلة الضفة الغربية بإيجاد حكومة تحالف فلسطينية مع المنظمة وحماس تعترف بإسرائيل ويعترف بها الغرب واستبعاد منظمة الجهاد لتطرفها . وقيام تحالف استراتيجي بين سوريا وإسرائيل تمهيداً لقيام دولتي إسرائيل الكبرى وسوريا الكبرى على أنقاض العراق والأردن ولبنان، وترى بعض الأوساط بعد أزمة الخليج أنه يمكن بقاء العراق على أساس شروط قاسية وتكون التركيبة هكذا :
    1- لبنان دولة مستقلة ترتبط بعلاقات مميزة مع سورية.

    2- فلسطين دولة مستقلة ترتبط بعلاقات مميزة مع إسرائيل.

    3- الكويت دولة مستقلة ترتبط بعلاقات مميزة مع العراق(29*)

    أي وضع كيانات صغرى تحت كيانات كبرى تكون هي الأخرى ضمن منظومة الحلف الدولي الذي تتزعمه أمريكا.

    وبالنسبة للاتحاد السوفيتي نجد أنه اتجه مع المسار نفسه ولكن من زاوية أخرى، ففي عهد إعادة البناء وعلى يد جورباتشوف حصلت إسرائيل على (أكبر صفقة بشرية في التاريخ) إنهم مليون يهودي جرى ترحيلهم من الاتحاد السوفيتي لا إلى حيث يريدون بل إلى إسرائيل بالذات منهم على أقل تقدير مائة ألف إما مجندون أو جاهزون للتجنيد، وقد عادت العلاقات بين إسرائيل وأوروبا الشرقية ونشرت جريدة ليموند على لسان بعض الإسرائيلين البارزين:
    إن عودة العلاقات بين إسرائيل ودول أوروبا الشرقية هو بمثابة العودة إلى قطاع من العالم تربطه بإسرائيل منذ وقت طويل روابط عاطفية وثقافية وروحية قوية ومتعددة.

    وذكر أن (أوروبا التي تضرب في أعماقها جذور الشعب اليهودي هي أوروبا الشرقية لا الغربية)!!
    وليس سراً أن نقول إنه بعد التغييرات في أوروبا الشرقية حصل اليهود على مناصب عليا في دولها أكثر مما كانوا عليه أيام الحزب الواحد. وبعد أزمة الخليج اجتمع قطبا الوفاق فيما سمي "قمة هلسنكي" وتناقلت كافة الوسائل الإعلامية أنباء عن قيام حلف دولي جديد تشترك فيه دول المنطقة وقد علَّق جورباتشوف قائلاً:

    إن أزمة الخليج هي اختبار لقدرة النظام العالمي الجديد على حل مشاكل العالم وأكد أن هذا العالم يدخل مرحلة جديدة لِما بعد الحرب الباردة وأضاف أنه لولا مالطا ولولا واشنطن (يقصد زيارته الأخيرة لأمريكا) وكامب ديفيد لكُنَّا الآن في وضع صعب ونحن نواجه أزمة الخليج، وحقيقة كوننا اتخذنا موقفاً مشتركاً يعني أننا نسير في الطريق الصحيح.

    ومن جهته أكد بوش تماسك الوفاق الدولي وأن موقف صدام لن يجعلنا ننقسم على أنفسنا(30*) -على حد تعبيره- وهنا نورد ما جاء في مقابلة مع الأمير سعود الفيصل عمَّا تأمله المملكة من قمة هلسنكي حيث قال:

    إن تنفيذ قرارات مجلس الأمن هي السبيل الأضمن لنزع فتيل الإنفجار عن المنطقة وتجنيبها مضاعفات حرب مدمرة ، وإن المملكة العربية السعودية التي ربطتها وشائج عميقة بالعراق على مستوى القيادة والدولة والشعب وشاركته السراء والضراء طيلة ثماني سنوات حريصة كل الحرص على أن لا يمس العراق الشقيق أي ضرر.

    وعند سؤاله عن فكرة الحلف العربي والدولي قال:

    إن المسؤولين في أمريكا نفذوا ذلك لكن ما حصل من أحداث يجعل التفكير في نظام الأمن الدولي حاضراً ومستقبلاً مسألة حيوية ويجب أن يتركز هذا المنظور على فكر دول المنطقة نفسها خاصة وأن مسألة الأمن القومي نوقشت في قمة بغداد والمفترض الآن أن يوفر العرب لأنفسهم في إطار جامعة الدول العربية الأسس والقواعد الكفيلة لقيام هذا النظام(31*)
    وعن الوفاق وقمة هلسنكي نشرت جريدة الحياة بتاريخ السبت 3 ربيع الأول 1411هـ كتب صلاح الدين حافظ نائب رئيس تحرير الأهرام الدولي مقالاً مهماً بعنوان:

    هل تمت الصفقة الكبرى في هلسنكي؟ وكان مما قال:

    وأخيراً انفجرت أو فجَّرت أزمة الخليج المرسومة أو طبقاً للسيناريو البارع الذي جرى إعداده وتجهيزه من قبل…. ما الجديد إذن في الصفقة؟ وما هي تأثيراتها على العرب عموماً والخليج خصوصاً؟
    بداية نقول من باب التسجيل والتذكير- إن يد أمريكا في معظم أرجاء الوطن العربي كانت مطلقة منذ سنوات، تعود بدايتها إلى عام 1947م. الجديد أن أمريكا لم تعد تخشى رد الفعل السوفيتي العنيف- سياسياً أو عسكرياً كما كانت تخشاه قبل 10 سنوات إذا ما تحركت عسكرياً. الجديد أن الإتحاد السوفيتي لم يعد يلعب دوراً منافساً أو مناهضاً للنفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة العربية ولم يعد يخشى وجوداً عسكرياً أمريكياً أو غربياً كثيفاً في المنطقة كالحشد الهائل للأرمادا(32*) الموجود الآن...

    الآن تتحدث واشنطن علناً وبأشد درجات الصراحة والوضوح عن خطتها لإقامة ترتيبات أمنية في المنطقة ترقى إلى درجة "الحلف" على نموذج حلف الأطلسي -كما قال كل من بيكر وتشيني وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين في الأسبوع الماضي- بحجة ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة وحتى لا يتكرر غزو جديد كغزو العراق للكويت، ومع ذلك، وعلى الرغم من صراحة كلماته المعبِّرة عن وضوح الخطط الأمريكية وأهدافها لم ينفعل الإتحاد السوفيتي أو يرتعد، ولم يرفض العرب أو حتى يتململوا ... إن تغيرت كل الأشياء‍. وكان مفتاح التغيير في يد الرئيس العراقي صدام حسين الذي أقدم على فتح الباب واسعاً أمام رياح التغيرات— الطارئة :-
    فهل كان صدام حسين بقراره الطائش باغتيال الكويت وإحتلالها ودمجها تحت الدعاوى التاريخية، مدركاً لكل ذلك، ضالعاً في سيناريو المتغيرات، مشاركاً في اللعبة، أم كان ضحية السذاجة السياسية والتفكير البدائي الذي يتحكم في معظم سياسي المنطقة، ويوجه قراراتهم ويتحكم في أمزجتهم المتقلبة؟!!

    قد يبدو التساؤل ساذجاً، لكن المؤكد أن تفجير الصراع في الخليج منذ الثاني من أب –أغسطس- الماضي لم يكن اعتباطاً ولا رمية طائشة في بحر ساكن، الأرجح عندي أن اللعبة متكاملة القواعد والأهداف ومحدودة الأساليب والوسائل سواء كان صدام حسين ضالعاً متواطئاً أو كان ساذجاً مخدوعاً فهو في الحالتين قام بالدور وأدى المهمة، وفتح الباب أمام الأرمادا التي لم تأت بهذه الكثافة إلى المنطقة إلا لتبقى - طويلاً طويلاً طويلاً -. هكذا كررها الكاتب كثيراً .

    ستبقى طويلاً سواء اشتعلت الحرب أو لم تشتعل، سويت الأزمة سلمياً اليوم أو طال بها الزمن- -كغيرها- ودخلت في مراحل البيات الشتوي، ستبقى الآن إعادة تركيب المنطقة في المقياس الأمريكي تحتاج إلى إعداد طويل وجهد مكثف وإقناع صعب ومن لم يقتنع طوعاً، يقتنع بالضغط والتأديب، ساعة تحتاج المسألة إلى قمع وتأديب !!

    (سواءاً ارتكب الجميع جيافة الحرب أو استسلموا لإغراء تجميد الموقف على حاله، فإن الأزمة التي فجرها غزو العراق للكويت ستطول لأنها أزمة تحول استراتيجي عالمي وليست مجرد أزمة عسكرية عاجلة أو مؤقتة بين طرفين محدودين، ولأنها وقعت في منطقة لها أهميتها الجيوبوليتيكية التي لا تخفى على أحد، إلا على أصحابها النائمين في بحور العسل، عفواً في بحور الوهم ...).
    ونختم موضوع الوفاق ببيان الموقف الأوربي من الحلف أو النظام الدولي الجديد فنقول: لقد حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على تطويق الاتحاد السوفيتي والعالم الإسلامي بسلسلة من الأحلاف العسكرية والسياسية منها حلف ( الناتو) الذي يشمل أوروبا الغربية وحلف (السنتو) الذي شمل دول الشرق الأوسط
    عقب إلغاء حلف بغداد وحلف (السياتو) الذي يشمل دول جنوب شرق آسيا وحلف (الريو) الذي يشمل دول أمريكا اللاتينية، والهدف الأمريكي الآن- بعد انهيار حلف وارسو هو دمج هذه الأحلاف وزيادة ضمن منظومة واحدة تتقنع بستار الأمم المتحدة وتتحكم فيها أمريكا وفق النظام الجديد وأهم طرف في هذا النظام هو حلف الناتو بطبيعة الحال.

    فما موقف الحلف وأوروبا خاصة من الخطط الأمريكية التي عرضناها؟
    يمكن الإجابة باختصار شديد بأن الدول الأوروبية ومن خلال التوجيه الأمريكي قد سلكت الخطوات نفسها فقد قررت أوروبا الغربية عقب حظر النفط المذكور وبالتحديد في اجتماع أركان دول الحلف في مطلع عام 1980.
    (إن الخطر الأساسي على الغرب لا يقع في أوروبا بل في المناطق النفطية الحيوية وخطوط المواصلات إليها).
    وجاء على لسان وزير الدفاع البريطاني:

    إن منطقة الخليج هي من أهم مناطق العالم وهدفنا الأساسي يجب أن يكون إعادة الاستقرار إليها. (الوجود العسكري الغربي في الشرق الأوسط ص 12)(33*).
    وقامت دول أوربا بتشكيل قوات تدخل سريع على غرار القوات الأمريكية بل أن فرنسا قد شكلتها عام 1977 أما بريطانيا فقد احتفظت بلواء"جرذان الصحراء" منذ الحرب العالمية الثانية .

    وقد قامت داخل الحلف دعوات مختلفة إلى توسيع رقعة الحلف ليشمل المنطقة العربية ومن أبرز هذه الدعوات فكرة إيجاد قوات تدخل غربية مشتركة تنفصل قيادياً عن الناتو .
    وتشمل على عناصر غير أوروبية من اليابان واستراليا وغيرهما وذلك تفادياً للإشكالات الدستورية داخل الحلف. ص22 (وكان ذلك سنة 1980).
    وبعد الأزمة وفي شهر صفر 1411 اجتمع المجلس الأوروبي في بروكسل وقرر إقامة نظام أمني يشمل الرقعة الممتدة من إيران حتى موريتانيا !!

    - وإجمالاً تتفق كل المصادر على أن القوات الأوروبية تقوم بدور المساندة للقوات الأمريكية وأن مغزاها السياسي هو الأهم- وبعد أزمة الخليج تم تجاوز العقبات الدستورية حتى أن ألمانيا عدَّلت دستورها للسماح بالمشاركة في القوة الدولية، وبالفعل وصل إلى المملكة وبقية دول الخليج حتى الآن ما يزيد على 500,000 جندي أوروبي !!

    وقد صرَّح وزير الدفاع الأمريكي في 30/2/1411هـ أن الولايات المتحدة قد أغلقت 150 قاعدة في أوروبا نهائياً ونقلتها إلى الخليج بعد أن ظلت هناك 45سنة(34*).

    وعندما سُئِل عن مدَّ ة بقاء القوات في السعودية قال:

    لسنا على استعداد أن نأتي كل 10 سنوات لحل مشكلات المنطقة؟ وأضاف أن ذلك مرهون باستقرار المنطقة!!

    كما أطلق بيكر وزير الخارجية تصريحات مماثلة منها ما نشر في جريدة الشرق الأوسط في 13/2/1411هـ، وأعقب هذا إعلان بوش عن إرسال 150 ألف جندي أمريكي آخرين إلى السعودية إضافة إلى ربع المليون الذين وصلوا من قبل متذرعاً بالحجة نفسها- ضمان الردع والاستقرار .

    ومن العجب أن يجري هذا ويزداد الموقف الأمريكي تصلباً مع الإعلان عن تراجع العراق ولين موقفه ومع تعاطف فرنسا وروسيا التظاهري- معه واستبعادهما لفكرة الحرب- دون اعتراضهما على الحشود العسكرية الهائلة!!

    إنها أدوار موزعة والضحية واحدة!!
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-05-13
  3. الصقر الجريح

    الصقر الجريح عضو

    التسجيل :
    ‏2003-05-10
    المشاركات:
    50
    الإعجاب :
    0
    -2- إرهاصات ونذر الأزمة

    قبل أقل من إسبوعين نشرت مجلة (EIR FEETURE) مقالات في غاية الخطورة ننقل ترجمة بعض ما جاء فيها:

    أولاً: مقال بعنوان "القوى العظمى تعد لحرب شرق أوسطية. حل نهائي للمشكلة العربية".

    قالت فيه:
    تخطط حكومات أمريكا وروسيا وبريطانيا لحرب عربية إسرائيلية جديدة في الشرق الأوسط ويريد السوفييت والأمريكان والإنجليز قيام تحالف عسكري سياسي بين إسرائيل وسوريا ليكون أمراً واقعاً وقوة لا تنافس في المنطقة ويدور في أذهان السياسيين الانجلو أمريكيين والسوفييت ما مفاده أن الوسيلة المناسبة لقيام ذلك التحالف وتدعيمه كقوة إقليمية تهيمن على المنطقة هو نشوب حرب في المنطقة، ورغماً عن صدور بعض الإشارات والدلالات البعيدة عن هذا الهدف إلا أن السياسات الانجلو أمريكية والسوفيتية كانت تستهدف منذ مدة طويلة قيام دولتي إسرائيل الكبرى وسوريا الكبرى وتهيئتهما لتصيرا قوى إقليمية كبرى في منطقة الشرق الأوسط.

    وتعرضت المقالة لبعض أهداف الحرب فقالت:

    إن هذه الدول تأمل في حدوث أزمة بترولية جديدة كتلك التي حدثت في عام 1976 وذلك لأن إرتفاعاً سريعاً في أسعار النفط سيفيد السوفييت فائدة عظيمة خاصة وهم يعتمدون على النفط مع بعض المنتجات القليلة الأخرى في تأمين إحتياجاتهم من العملات الصعبة، وسيجعل هذا الارتفاع الحاد في الأسعار مسألة تطوير وتنمية حقول النفط البريطانية في بحر الشمال ذا جدوى إقتصادية وفي المقابل سيضع ضغوطاً هائلة على ألمانيا واليابان البلدين المعتمدين إعتماداً كلياً على استيراد النفط(36*).

    وربما كان أحد أهم أهداف الحرب هو خلق سابقة استخدام الأسلحة الكيماوية والنووية وفي هذا الخصوص يجب عدم تجاهل المؤسسات العنصرية السوفيتية والبريطانية والأمريكية التي تنظر بقلق شديد نحو التكاثر السكاني العربي وتعتبر هذه الحرب الناشبة حرباً سكانية ذات تأثيرات مأساوية مفزعة خاصة ما يصيب منها السكان المدنيين عقب الحرب.

    وتمضي المقالة تقول:

    الأهداف المحدودة لهذه الحرب كما وردت في اتفاقية تدعيم المحور الإسرائيلي السوري تتضمن إلغاء دور منظمة التحرير الفلسطينية والإطاحة بالملك حسين ملك الأردن وإذلال رئيس العراق صدام حسين وربما الإطاحة به، عندما تتحقق هذه الأهداف فإن سوريا وإسرائيل ستعملان على جعل الأردن وطناً للفلسطينين الذين سيطردون من الضفة الغربية والقطاع وستعمل سوريا إلى ضم لبنان إليها وستصبح الأردن مجرد دُمية يتم إدارتها من قبل المحور السوري الإسرائيلي، وستكون الأردن نقطة الانطلاق لمغامراتهم العسكرية المستقبلية. (يعني ضد العراق والسعودية).

    ونحن نلاحظ في هذا المقال التناقض بين كونها حرباً عربية إسرائيلية وبين المكاسب السورية إذا علمنا ذلك وعلمنا أن سوريا لم تحضر قمة بغداد وكانت تعاني من عزلة شديدة عربياً ودولياً مع تقارب بينها وبين إسرائيل أشرنا إليه من قبل(37*).

    نستطيع أن نقول:

    إن الحرب لن تكون كذلك وقد ورد في ثنايا المقال ما يؤيد رأينا وذلك بعنوان: "العراق" تقول المجلة:

    العراق وحده من الدول الموجودة لا تتناسب سياستها مع السياسة الإقليمية في المنطقة بالإضافة لعدائها مع كل من سوريا وإسرائيل ويقول الكثيرون إن من المحتمل أن يكون العراق أنسب نقطة لحرب شاملة، وبالرغم من تضخيم وسائل الإعلام الغربية للقدرة العسكرية العراقية فإن الجبهة الشرقية المكونة من قوات عراقية أردنية مشتركة ليست كذلك.

    إذ تتمكن القوات الإسرائيلية من إختراق الخطوط العربية من فترة 2/3 ساعات بالمقارنة مع فترة 6 ساعات التي إستغرقتها القوات الإسرائيلية لإختراق الخطوط المصرية عام 1967م، وستعمد القوات الإسرائيلية في باقي الفترة إلى تطهير الإقليم الأردني، ولن تحاول القوات الإسرائيلية التجاوز إلى عمق العراق أو دخوله مطلقاً حيث من المتوقع قطع خطوط القوات الإسرائيلية في الأردن، إضافة إلى أن إسرائيل ليست لديها القدرة على التعامل مع المناطق العراقية المأهولة بالسكان، وربما ترى إسرائيل مناسبً توجيه ضربة عسكرية لحقول النفط العراقية شمال العراق.. الخ.

    ثم انتقلت إلى الحديث عن الأردن فقالت:-

    الأردن: أوضح بوش للملك حسين أنه لم يعد من المناسب وجوده حيث وصلت العلاقة بين الأردن وأمريكا إلى أدنى مستوى لها. ويحتج بوش في موقفه العنيف هذا ضد الملك حسين بعلاقته الأخيرة القوية مع صدام حسين إلا أن السبب الحقيقي هو حل المسألة الفلسطينية نهائياً والى الأبد.

    وبالنظر بشكل عابر للصحافة الأمريكية والبريطانية يلاحظ أنه قد تم بناء الأساس الدعائي للحرب من خلال تصوير صدام حسين كبعبع في المنطقة وتولت وسائل الإعلام الغربية العزف على وتر التهديدات التي أطلقها صدام ضد إسرائيل وقامت هذه الوسائل في الوقت نفسه بالتغاضي عن التهديدات الإسرائيلية لمختلف الدول العربية.

    وفي مقال آخر تقول المجلة نفسها:

    إسرائيل تجهز لقيام حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط لإيجاد حل نهائي للمشكلة العربية... وهذا يعني فيما يبدو الحرب ضد العراق ودول أخرى وتدمير الأردن.

    وتسخر من مزاعم بوش أنه يسعى للسلام في المنطقة قائلة:

    هذا هراء فالولايات المتحدة ملتزمة بقيام حرب في الشرق الأوسط وربما كان الشيء الوحيد الذي لم يتحدد هو تاريخ إندلاعها، أما الإسرائيليون فهم مستعدون للحرب ولِما يُسمى بالحل النهائي.

    وقالت ربما كانت هناك أو ستكون على الأرجح إتفاقات جديدة بين القوى في إسرائيل وحافظ الأسد(38*)، أو شيء من هذا، وإذا ما تم وضع القضايا الهامشية جانباً فإن إسرائيل مبرمجة حالياً باتجاه الحرب والذين يقولون غير ذلك إما أغبياء أو كاذبون، إن ذلك هو طبيعة المسألة وأصلها.

    وفي الفايننشال تايمز نُشر ما يشبه ذلك وترجمته مجلة التضامن في عددها بتاريخ 3/12/ 1410هـ مع خارطة تفصيلية عن أحجام القوات في دول المنطقة وأوله:

    (من المعهود أن الرئيس حسني مبارك هو رجل حذر وحريص وليس من أسلوبه المبالغة أو المزايدة ولذلك فهو حينما حذر في هذا الأسبوع من احتمالات وقوع حرب جديدة في الشرق الأوسط فإنه لفت أنظار العالم بأسره) ولم تنس الجريدة أن تذكر أن (التطرف الديني المصبوغ بمعاداة أمريكا) هو أحد المشكلات الكبرى في المنطقة، كما ذكرت أن من أهم موجبات الحرب:

    تعهد الجناح اليميني الإسرائيلي بتحويل الأردن إلى فلسطين وبطرد الشعب العربي من الضفة الغربية إلى الشرق عبر نهر الأردن.

    وقبل الغزو أيضاً بحوالي عشرين يوماً عقدت ندوة بعنوان: "المصالح الخارجية في الخليج العربي" في مدينة إكستر البريطانية نشرتها الحياة بتاريخ 24/12/1410هـ، نظمها مركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة إكستر وكان أبرز المشاركين فيها ريتشارد مورفي النائب السابق لوزير الخارجية الأمريكي ومستشار العلاقات الدولية حالياً، والبروفسور -فيتالي ناوومكين- وهو خبير سوفيتي بارز لشؤون الشرق الأوسط.

    أما الخبير السوفيتي فإنه كما ذكرت الجريدة لم يستبعد أن إجتماعاً محتملاً مقبلاً بين الرئيس العراقي صدام حسين والإيراني على أكبر هاشمي رافسنجاني قد يعقد في موسكو لكنه دعا إلى عدم الإفراط في التفاؤل بأن منطقة الخليج ستكون في (مأمن من الصدامات في المستقبل المنظور) وأضاف:

    "إن تصادم المصالح بين القوى الإقليمية والقوى السياسية قد يؤدي إلى تجدد صراعات قديمة في المنطقة وينتج من ذلك نشوء صراعات أخرى جديدة" ونفى الخبير السوفيتي إمكان وقوع حرب عربية إسرائيلية في هذه الظروف وبرر -ناوومكين- إستبعاده للحرب بين إسرائيل والعرب بسببين:

    الأول: هو أن "من الغباء" بالنسبة إلى إسرائيل أن تشن حرباً في ظل الأوضاع الجديدة في المنطقة حيث تتراكم لدى طرفي النزاع كميات هائلة من الأسلحة المدمرة التي يمكن أن يؤدي استخدامها إلى كارثة بشرية تحل بإسرائيل وهي لا تتحمل ذلك.

    والسبب الثاني: هو أن العراق الذي "يُعتبر الطرف العربي القوي الوحيد القادر على الدخول في حرب الند للند مع إسرائيل ليس مستعداً لشن حرب ضد إسرائيل لأنه على رغم إنتهاء حربه مع إيران لم يحل السلام بينهما بعد. كما أن العراق في حاجة ماسة إلى طاقته الإقتصادية والبشرية لإعادة إعمار البلاد"...

    أما-مورفي- فقال: "إن شبح عام 1967 يطاردني "لأنه لم يكن هناك وقتها كثير من الخبراء توقع وقوع الحرب، واعتبر أن تراكم الأسلحة تحديداً هو الذي يجعل احتمال الحرب أكثر لأن الخطر ليس في الأسلحة في حد ذاتها! بل في الذين في أيديهم هذه الأسلحة!...

    وقدم مورفي مجموعة من الطروحات عن السياسة الأمريكية في منطقة الخليج الآخذة في الاعتبار التغييرات في العلاقات الدولية.

    وأكد أن من بين أهم المبادىء التي يجب أن تتبعها هذه السياسة التأكيد على الفهم المتزايد للعلاقة المتبادلة بين الولايات المتحدة ومنطقة الخليج، وإذا كان ممكناً إقامة علاقات جيدة مع العراق وإيران في آن.

    كما نشرت مجلة الدستور مقالات مماثلة منها مقال بعنوان "من الحرب الباردة إلى الحرب الدافئة" تعليقاً منها على اجتماع حلف الناتو الأخير في لندن، ونُشر قبل الغزو بثلاثة أسابيع في 16/7/1990م وفي عدد سابق بتاريخ 19/3/ 1990 نشرت مقالاً عن الهجرة اليهودية، وأهداف إسرائيل لا يخرج عمَّا نقلنا من قبل إلا أنه يتضمن كلاماً لمحمد حسنين هيكل جدير بالتأمل وهو قوله:

    " إن طرد العرب من المناطق المحتلة سيشكل أحد المطالب التي سيتقدم بها الكيان الصهيوني لقاء استعداده للتوصل إلى سلام مع الدول العربية، فضلاً عن المطالبة بثروات عربية مثل مياه النيل ونفط السعودية وغاز الجزائر وأن أقصى ما سيتنازل عنه مسؤولو هذا الكيان سيتمثل بموافقتهم على فكرة الحكم الذاتي عقب إجراء تعديلات هائلة على الحدود ".

    وقبل 18 يوماً تقريباً من الغزو كان رئيس الأركان الأمريكية في إسرائيل وبحث مع نظيره اليهودي تزويد إسرائيل بصواريخ متطورة جداً من طراز "حيتس" و "أرو" وهي التي يقال إن إسرائيل تشارك فيها تقنياً وأمريكا مالياً (انظر السياسة الكويتية عدد 22/ 12/ 1410 هـ). وحينها صرح رئيس الأركان الإسرائيلي باروخ عن حتمية نشوب حرب أخرى في المنطقة. (انظر الحياة بتاريخ 22/12/ 1410 هـ).

    وقد صحب هذه التصريحات بل سبقها تحركات عسكرية خطيرة من أبرزها الحشود العسكرية الأمريكية نحو المنطقة في كثافة لا مثيل لها من قبل، ومنها على سبيل المثال إرسال أكبر قاعدة متحركة في العالم وهي حاملة الطائرات (ايزنهاور) التي تسير بالطاقة النووية إلى شرق البحر الأبيض ومعها 27 سفينة، والغريب أن يصرح البنتاجون بأن إرسالها تبديل عادي (ولا تستنتجوا منه أي شيء). انظر الحياة 13/8/1410 هـ.

    ولكن ما أن اندلعت أزمة الخليج حتى عبرت قناة السويس (رغم أن ذلك مخالف لنظام القناة نظراً لخطورة الطاقة النووية) واستقرت على ساحل جدة!!

    كما اشتكت العراق رسمياً من استمرار قيام طائرات الإنذار المبكر (أواكس)بطلعات استفزازية على حدودها الجنوبية والشمالية!!

    والأمثلة لإرهاصات الأزمة كثيرة جداً غير أن السؤال هنا هو: ما موقف دول المنطقة وخاصة العراق والسعودية؟

    إن السعودية والعراق هما أكثر البلدان إهتماماً بهذه التحركات وتخوفاً منها بعد الأردن الذي أصبح مصيره في كف عفريت كما يُقال –ذلك أن اجتياح الأردن يعني فتح جبهة مباشرة معهما، وقد نددت إسرائيل بالدولتين على حد سواء زاعمة أن الصواريخ الصينية لدى السعودية والصواريخ العراقية المطورة تشكل أكبر تهديد لها، وفي أواخر رجب ألقى صدام حسين خطاباً بالغ الخطورة أعلن فيه إحتمال تفجير الوضع في المنطقة وقيام حروب بين الدول العربية ونزاعات إقليمية لكنه لم يسم الدول والأقاليم) وأكد على ضرورة تفاهم العرب، واجتماعهم لدرء الخطر الاسرائيلي!!

    وعقب ذلك وأثناء هيجان الصحافة العالمية والإعلام العالمي عن نشوب حرب قام الملك فهد بزيارة حفر الباطن وأقام فيها ثلاثة أسابيع وهناك التقى بكل من صدام حسين والملك حسين وغيرهما، وفي تلك الأيام أعلنت الوحدة بين اليمنين، وبدا وكأن الأمة العربية -كما تسمى- في حالة تفاؤل، ووصل عدد من المسؤولين العسكريين الغربيين إلى المنطقة منهم وزير دفاع بريطانيا التي تنفذ مشروعاً ضخماً في المملكة وقام الأمير خالد بن سلطان (الذي أصبح بعد الأزمة قائداً للقوات) بزيارة لباكستان استغرقت أسبوعاً.

    وأنذر عدد آخر من زعماء العرب باحتمال قيام حرب جديدة منهم حافظ الأسد والقذافي وياسر عرفات وولي عهد الكويت ووزير الخارجية السعودي، بل إن الصحافة العربية والمحللين والمراقبين السياسيين كانوا على معرفة بخطر قادم، فقد نشرت جريدة القبس الكويتية في 3/5/ 1990 مقالاً بعنوان "كيسنجر يسأل بوش: ماذا إذا وقفت الصواريخ العربية كلها في خندق واحد؟" جاء فيه:

    إن التقارير التي ترد من واشنطن إلى وزارة الخارجية في إحدى الدول العربية تؤكد أن الخطة اليهودية تقضي بأن تكون إسرائيل وقبل عام (2010م) أكبر دول المنطقة بعد مصر من حيث الإمكانات الديمغرافية (السكانية)، فليس اليهود السوفييت وحدهم هم الذين يتدفقون على الدولة العبرية بل إن الفائض الأمريكي سيتجه نحوها أيضاً، والمهم هنا أن البنية الجغرافية والديمغرافية لأكثر من دولة عربية لن تظل على حالها. كيف؟

    إن ما يحدث في لبنان هو النموذج، واليهود يعتقدون أنه كما تمت برمجة الانفجار في لبنان يمكن برمجته في بلدان عربية أخرى، فلا مشكلة هنا سوى رفع مستوى الفعالية اليهودية داخل الإدارة الأمريكية... الخ

    وأكدت الصحيفة إن ما تريده إسرائيل تفكيك الصواريخ العربية بل تفكيك الدول العربية إلى دويلات.

    ومن أغرب ما قرأته قبل نشوب الأزمة تصريح زعيم الرافضة "رافسنجاني" في خطبة الجمعة المنشور بجريدة الحياة 14/8/1410هـ الذي قال فيه:

    يجب أن يستخدم العراق أيضاً الخليج عندما يسود السلام؟ فقد تساءلت يومئذ كيف يجب وعلى من يقع هذا الوجوب؟

    أما الولايات المتحدة الأمريكية نفسها فقد كانت تصرفاتها العسكرية تنذر بأمر خطير لم يخف على الصحافة العربية فضلاً عن الزعماء ولنأت على ذلك بمثالين:

    1- جلسة للكونجرس حضرها قادة فروع الجيش الأمريكي:-

    نشرت جريدة الحياة الصادرة يوم 23شعبان 1410هـ تقريراً عنها بعنوان "القوات الأمريكية تعيد تنظيم تشكيلاتها للتدخل الطارىء" جاء فيه: بدأت المؤسسات العسكرية في الولايات المتحدة عملية إعادة تنظيم رئيسية لقواتها في أنحاء العالم لمواجهة تهديدات غير متوقعة وبخاصة الخطر المحتمل من قوى متوسطة المستوى في الشرق الأوسط والعالم النامي، وفي جلسة أمام الكونجرس أخيراً وصف الجنرال-كولين باول- رئيس الأركان المشتركة وكذلك جنرالات كبار خططاً لصياغة المزج المناسب لقوات ثقيلة وخفيفة تحمي مصالح الولايات المتحدة في أرجاء العالم في عصر يتسم بخفض موازنة الدفاع وعدد أفراد القوات المسلحة(39*) .

    وأبلغ الجنرال باول لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي أن الولايات المتحدة يجب أن تكون مستعدة لمواجهة طائفة من التهديدات تتراوح بين عمل إرهابي فردي إلى حرب إقليمية، وأنها تحتفظ بقوات كبيرة في أرضها وفي أوروبا وأنحاء مختلفة من العالم على مستويات عالية من الاستعداد لمواجهة مثل هذه الطوارىء.

    وعرَّف رئيس اللجنة -لي إسبين- الطوارىء بأنها (تلك النزاعات التي لا تحركها تهديدات سوفيتية ومن حلف وارسو). وأضاف "باول" أن الولايات المتحدة لجأت في الغالب في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى استخدام القوات العسكرية بأعداد صغيرة نسبياً وفي أوضاع واضحة المعالم وأساساً في حروب صغيرة مثل كوريا وحرب أكبر مثل فيتنام، أو تدخلات عسكرية سريعة مثل -جرينادا وبنما- إلا أنه حذر من أن التهديدات العالمية التي تواجه أمريكا اليوم تختلف تماماً وربما تتطلب منها أن تنشر قوات ضخمة في الجو والبحر في مواجهة بلدان حسنة التسليح في العالم الثالث في ظروف غير مستقرة. ووصف عمليات هذه القوات بأنها "عمليات متواصلة طويلة الأجل" وقال: "إن الكثير من هذه البلدان في الشرق الأوسط" وقال: "وبعض هذه الدول وإحداها على وجه التحديد تمتلك مخزوناً يضم أكثر من- 5000- دبابة". وعرَّف التقرير هذه الدولة بأنها العراق.

    وأوضح قائد البحرية البلدان المستهدفة بأنها "المناطق الأقل تطوراً في العالم فهنا تكفن المعادن والموارد النفيسة.

    لاحظوا كيف يظهرون طمعهم في ثروات العالم الفقير ومع ذلك يتضرعون بما يسمونه تهديدات تواجه أمريكا!!

    على أن أهم ما في الجلسة هو وصف سيناريو التدخل الذي جاء على لسان أحد القادة إنه سيتحمل القدرة على الدخول القسري باستخدام القوات المحمولة جواً وقوات خاصة وجوالة ويمكن أن يستخدم أيضاً الإنزال البرمائي للمارينز التي تضم نحو 197 ألفاً من الرجال والنساء وتجهيزات نقل وإسناد من البحرية الأمريكية.. الخ. مضيفاً ما قيل عن الفرقة -82 المحمولة جواً-!!

    يلاحظ قوله: الدخول القسري الذي يعني أن أية دولة ترفض هذا الدخول ستجده أمراً واقعاً، لعلم الأمريكان أن دول الخليج لا تريد هذا الوجود، وقد حرصت أمريكا على أن تطلب الكويت منها التدخل وأبلغتها عن الحشود العراقية على الحدود ولكنها لم تفعل فكان ما كان...!!

    والمهم أن الأمريكيين قادمون وعازمون على الدخول لهذا السبب أو ذاك.


    2- التقرير الأمني السنوي لمجلس الأمن القومي الأمريكي:-

    وهو مكون من 32 صفحة وقد نشرت عنه جريدة الحياة بتاريخ 26 شعبان 1410هـ: أفاد تقرير أمني سنوي أصدره مجلس الأمن القومي الأمريكي أن المصالح الحيوية الأمريكية في الشرق الأوسط المتمثلة أساساً في مصادر الطاقة والعلاقات الأمريكية القوية مع بعض دول المنطقة تستحق وجوداً عسكرياً أمريكياً مستقراً وربما معززاً في المنطقة، وأضاف أن التهديدات التي تواجه هذه المصالح ازدادت على أثر التبدد السريع للتوتر بين الشرق والغرب.

    لاحظوا وصف الوجود بالاستمرار، والمغالطة في دعوى أن التهديدات زادت بعد الوفاق!!‍وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط (فيها صراعات ذات دوافع محلية مستقلة عن أعمال أو سياسات الاتحاد السوفيتي" وزاد: "أن التهديدات لمصالحنا بما في ذلك أمن إسرائيل والدول العربية المعتدلة وكذلك تدفق النفط بحرية تنبع من مصادر متنوعة" وبعد أن ضخّم كالعادة القوى الإقليمية وأسلحتها الكيماوية والبيولوجية والنووية "أكد التقرير أن الولايات المتحدة ستحافظ على وجود بحري لها في شرق البحر المتوسط وفي منطقة الخليج والمحيط الهندي وأنها ستنظم مناورات بحرية مشتركة بين فترة وأخرى وستسعى إلى دعم أفضل من الدول المضيفة للأسطول، وإلى خزن معدات سلفاً في مختلف أنحاء المنطقة" ويقول المُعلِّق بالجريدة:

    وقد أكدت الولايات المتحدة خلال العام الماضي أنها مضت قدماً في تطبيق خطط لخزن معدات عسكرية قيمتها ملايين الدولارات في إسرائيل من أجل أن تستخدمها القوات الأمريكية في حال نشوب أزمة فضلاً عن منح إسرائيل حرية استخدام تلك المعدات في حال الطوارىء.

    وهذا ما تريد أمريكا فعله أيضاً في الدول الخليجية إذا رأت تخفيف وجودها البشري في المنطقة، هذا وقد (توقف- التقرير- أمام العنف الناتج من صراعات دينية في الشرق الأوسط والذي يحظى باهتمام مسؤولي السياسة الأمريكية الذين يعتقدون بأن التطرف الديني سيستمر في تهديد حياة السكان الأمريكيين والدول الصديقة من الشرق الأوسط والتي يعتمد العالم على مصادر الطاقة فيها)اهـ.

    والحاصل أن كل وسائل الإعلام العالمية خلال الشهور السابقة لانفجار الأزمة –قد نشرت أنباء نُذُر حرب جديدة وعن كون العراق هدفاً لها وعن تصريحات عراقية بالاستعداد لرد العدوان الأمريكي البريطاني الإسرائيلي كما تسميه!!

    ومن أهم ما نُشِر بعد وقوع الكارثة ما جاء في صحيفة "اطلنطا كونستيوشن" بتاريخ 25/ أكتوبر 1990م الموافق 7 ربيع الثاني 1411هـ من مقال للفريق "جون بوسوك" الرجل الثاني بعد القائد العام نورمان شوارسكوف (كما وصفه المقال والذي شغل منصب كبير المستشارين بالحرس الوطني السعودي سابقاً كما ذكر أيضاً) والمقال بعنوان: العقل المدبر للجيش يقود تنفيذ الخطة.

    وأوله "قيادة الجيش الثالث، المملكة العربية السعودية".

    وفي شهر مارس من عام 1989 ميلادي جلس الفريق جون بوسوك مع خمسمائة من ضباط تخطيط المعارك العسكرية والمتخصصين في معدلات استهلاك الوقود والمخططين الآخرين، جلسوا جميعاً بقاعدة جورجيا العسكرية يفكرون في وضع خطة لنقل: 200,000 من القوات العسكرية إلى المملكة العربية السعودية.

    وقد وضعوا خطة سميث "اليوم س" وهو تاريخ افتراضي من المحتمل أن يقرر فيه أحد رؤساء الولايات المتحدة نقل قواته لمساعدة المملكة العربية السعودية ضد أحد أعدائها القادمين من الشمال –من المحتمل أن يكون العراق أو إيران ...

    إن هذا التخطيط الذي أُعطي أعلى درجة من السرية والذي تمَّ بالمبنى 363 بقاعدة ماكفرسون بمدينة اطلنطا يشكل الدور المطلوب من أن يقوم به الجيش في هذا المشروع –وفي يوليو 1990م- أصبح الجنرال بوسوك ونظرائه من كبار القواد بالبحرية والطيران جاهزون لاختبار خطتهم، وقد تحركوا في مجموعات صغيرة هم وكبار مرؤوسيهم إلى القيادة المركزية بمدينة تامبا حيث استخدموا الحاسبات الآلية على مدى أسبوع في حرب وهمية بالصحراء السعودية أعطيت رمزاً هو (اويزيشن انترنال لوك90..)

    بانتهاء التدريب كانت هنالك خطة تحدد الفرق التي يجب أن تتوجه إلى المملكة العربية السعودية، وذبذبات الراديو التي يتوجب استخدامها، والأماكن التي يمكن أن يتحصلوا منها على الماء الذي يحتاجونه، وكيف يعالجون إصاباتهم، وكيفية معالجة المسألة الإعلامية، وبعد شهر من ذلك كانت قوات الرئيس العراقي المحمولة جواً قد نزلت بمدينة الكويت مما دفع الرئيس بوش بإعطاء أوامره في السابع من أغسطس لتنفيذ الخطة.

    الآن وقد مضت تسعة وسبعون يوماً من بداية العملية فإن الخطة التي وضعها –بوسوك- قد حققت أكبر وأسرع وأدق عملية نقل للجنود في تاريخ الولايات المتحدة.

    وإذا علمنا هذه الإرهاصات والنذر واستيقنا أن الأمر مخطط له ومرتب بالنسبة لأمريكا فإن الأسئلة الملحة هي عن العراق لماذا فعل ما فعل؟

    وهل كانت الدول العربية الأخرى على علم به؟
    وما هي الدوافع الخفية لوقوف بعضها معه؟
    وما هي صلة أمريكا بالغزو؟

    وهي أسئلة مهمة نحاول الإجابة عليها في الفقرة التالية.
    (36*) و هما البلدان المنافسان لأمريكا إقتصادياً و هي لم تخسر شيئاً لأنها ستحصل على ما تريد من النفط بأسعار معتدلة بموجب عقود طويلة الأمد مع الدولة المنتجة في الخليج ، أما مكاسبها العسكرية فهي ما يشهد له الواقع دون الحاجة إلى تفصيل .
    (37*) لم يرد ذكر مصر لأن التطبيع قد إنتهى و عليه فسيكون المحور ( مصر – اسرائيل – سوريا ) و ستنضم إليه إيران و تركيا بسهولة و سيتم الضغط على دول الخليج للتدخل فيه أيضاً.
    (38*) ربما دار السؤال هو : و أين دور حسني مبارك و الجواب أنه كان منضماً في الظاهر إلى صدام و مجلس التعاون العربي و أن له دوراً مزدوجاً ، فقد كان يريد أكبر المكاسب الإقليمة من جهة ، و أكبر المساعدات الغربية من جهة أخرى ، و في النهاية ارتباط بالطرف القوي !!!.
    (39*) يعني عصر الوفاق الدولي حيث اتفقت الأطراف على ذلك ، و هكذا يكون الوجود العسكري المباشر مساعداً على تخفيف الموازنة لأنه سيحول دون نمو قوي تحتاج مقوماتها إلى تسلّح أكبر و نفقات أكثر و خاصة إذا تم إيداع الأسلحة بالمنطقة مع سحب قدر من الجنود يجري إعادتهم في حالات الطوارئ ففي ذلك ثبات لمستوى الأسلحة و حذف لتكاليف النقل و الإمداد.


    -3- الإخراج أو الانفجار

    صدام حسين رجل مصاب بداء العظمة- وهو مفتون مغرور لا يبالي في سبيل تحقيق أحلامه في الزعامة- بما يُسفك من دم أو يبدد من ثروة أو يدمر من أمة. وقد أتاح له الفراغ القيادي الهائل الذي يعيشه العرب فرصة للبروز زعيماً للأمة العربية التي من السهل بروز زعيم لها!!... كل ما في الأمر تهديدات مستمرة لإسرائيل، عنتريات جوفاء، انجازات وهمية: كما فعل جمال عبد الناصر من قبل.

    والأمة على حق حين تقيس الزعيم بمدى صلابة موقفه من إسرائيل والغرب لكنها لا تفرق بين الصادق والممثل، كما أن هذا ليس هو المعيار الوحيد!! وصدام لم يكن خافياً عليه ما تخطط له الدول الكبرى بل هو باعتباره لاعباً يُدرك أن اللعبة الدولية الجديدة ستبدأ وأنه ليس أمامه وأمام كل زعيم آخر في المنطقة إلا أحد خيارين:-

    إما أن يسير في ركب اللاعبين الكبار بلا اعتراض، وهذا ما يجزم صدام أن معناه خروجه من اللعبة نهائياً: إنه هو والملك حسين وياسر عرفات والبشير وبعض زعماء دويلات دول الخليج يعلمون تماماً أنهم سيطردون خارج الحلبة، لأن قواعد اللعبة الدولية ومصلحة المرحلة تقتضي ذلك مع إختلاف الأسباب بالنسبة لكل منهم.

    وإما أن يعترض ويناطح اللاعبين وهي مغامرة، لكن لا بد منها وربما تحقق بعض المكاسب ومن ذلك:-

    إذا كان غرض الغرب إيجاد حليف قوي له وتنصيبه شرطياً للمنطقة فصدام يرى نفسه أهلاً لذلك، وهو أول من يعلم أن شعاراته الرنانة بعداوة الغرب هراء وأن استعداده للقيام بهذا الدور وتخليه عن كل شعار ومبدأ لا يثير لديه أي مشكل بل عليه أداء الدور كاملاً مع بقاء الشعارات والتطبيل الإعلامي!!.

    وأما إن كان الغرب يريد السيطرة المباشرة على المنطقة وتدمير العراق لإنهاء زعامته (أو إيجاد حليف غير عربي- إسرائيل أو تركيا مثلاً) فلا بد إذاً من دخول اللعبة من باب المعارضة التي ستحقق بلا ريب إلتفافاً جماهيرياً له وخسائراً أقل!! وعلى كلا الحالين يجب أن يكون قوياً وأن يُظهِر ذلك للغرب!!

    وهكذا أبرز صدام نفسه زعيماً قوياً للعرب، فقوة العرب الاقتصادية تحت يده (عن طريق دول الخليج) وقوتهم المباشرة كذلك (عن طريق المجلس الرباعي وتوابعه) ومن هنا طمع صدام أن يكون شريكاً للغرب إن لم يرضوا به شرطياً. وهذه الشركة إن لم تحقق أرباحاً فربما قليلة الخسائر!!.

    ومنطلق صدام هذا له ما يبرره في أسلوب التعامل الدبلوماسي عامة والغربي خاصة!! فالغرب يسير على قاعدة "لا تعط الموافق لأنه مضمون، ولكن أعط المعارض ليسكت" وقد استخدمها ديجول مع أمريكا وتركتها بريطانيا فلم يمر سنوات حتى صارت فرنسا قوة عالمية كبرى وبريطانيا كولاية أمريكية. واستخدمها كذلك كاسترو وتيتو وعبد الناصر فأصبحوا زعماء عالميين، أما الموافِقون مثل الشاه وهيلا سلاسي وأبو رقيبة فقد ذهبوا دون أن يشعر بهم أحد ومن هنا لا أستبعد في الجملة -لا على التفصيل- إذ بعضُ التفصيلات المنشورة مرفوضة بداهة - إقتناع صدام بفكرة الخروج على اللعبة وإقناع الأصدقاء الموثوقين بها، ومن السهل جداً إقناع الملك حسين والبشير وعرفات بها فأمريكا لا تخفي تبرمها بهم، وقريب منهم اليمن، أما مصر فربما كانت غلطة صدام التي أظن أنه نادم عليها جداً!!..

    لقد زَيَّن لهم أن في الإمكان إستباق الأحداث وبدلاً من أن ننتظر الغرب حتى يرسم خارطتنا ويغير معالم المنطقة لِما لا نسبقه نحن ونضعه أمام أمر واقع إن لم يشل خططه فلا أقل من تعديلها لمصالح هؤلاء؟

    وقد يُقال والسعودية؟

    والجواب عند صدام سهل وهو: أن السعودية مدركة لخطط الغرب وأنها مستهدفة منه وسياستها الثابتة الإقرار بالأمر الواقع متى ما أصبح واقعاً وهي على أية حال ستجد أن تحالفاً يضم دولاً عربية خير لها من تحالف يضم وارسو الناتو... و... وأتباعهما!! ثم إن علاقتها بأمريكا لا تسمح لها بالمعارضة وهي لا تطمع في أكثر من حل معقول للقضية الفلسطينية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية!!...

    ومن هنا لم ير صدام ضرورة إطلاع السعودية على الخطة!! دون أن ينسى دورها المؤثر مالياً وسياسياً وخوفها البالغ من ضربة إسرائيلية مفاجئة للعراق والأردن وربما لها!!

    وهكذا طرح صدام مع حسني وحسين وغيرهما فكرة الاستيلاء على الكويت، وقد سمعتم تصريحاتهم بذلك بعد الغزو وأن ذلك هو أسهل طريق لإرباك اللعبة الدولية في نظره، وهو أمر له مبرراته عند هذه الدول، فما الذي ستخسر مصر؟… عودة المتعاقدين مثلاً؟ هذه سيعوضها صدام من ثروات الكويت الهائلة.

    والأردن ستتخلص من مشكلة الفلسطينين، وكلما قويت العراق عسكرياً واقتصادياً فهو أفضل له من جهة ردع إسرائيل ومن جهة كون الأردن منفذاً للعراق إلى القناة والبحر الأحمر!! فارتباطه بصدام سيُطيل رمقه على الأقل!!

    واليمن فوق كون بعض زعمائها بعثيين تابعين له لن تخسر أيضاً مساعدات الكويت وستتغذى وحدتها الهشة من شعارات جديدة من معاداة الغرب.

    وأما البشير فماذا سيخسر وهو لا يُعطى أي شيء أصلاً، لقد قطعوا عنه الحبوب والديزل وكل شيء..!! ولم يمد له يد العون إلا صدام الذي يأخذ منهم ويُعطي من يشاء!!..

    وياسر عرفات عصرته أمريكا حتى لفظته، وسوريا ضده فهو في حكم المفلس كلياً، فالتعلق بذيل صدام خير له من الإعدام!!.

    ودول الخليج الأخرى يعلم صدام أن بعضها غير مرتاحة لحكومة الكويت ولن تندم عليها!!.. فهي تدَّعي الديمقراطية وصحافتها مقلقة وتتمركز فيها بعض أطراف المعارضة العربية!!..

    ولسان حال الجميع يقول: على أية حال إذا فشل صدام فمن الأسهل أن ننفي أي معرفة بالأمر بل في إمكاننا أن نستنكره!! وهكذا السياسة الدائمة.

    ثم إن المساعدات المالية من دول الخليج ستعود بمجرد صلح ظاهري هش!! فما المانع من المغامرة؟

    أما كيف كان صدام يخطط للإخراج فقد اتضح كله تقريباً:

    هجوم عسكري مباغت يهدف أساساً إلى القبض على الأسرة الحاكمة مما يؤدي إلى ما سمي الفراغ الدستوري، ثم يُملأ الفراغ بتشكيل سريع بحكومة موالية من قوى المعارضة التي بلغ بها السخط ذروته في الأيام الأخيرة، ثم انسحاب صوري للقوات العراقية، والحكومة الجديدة سوف تعلن فصل كل وزير أو سفير يؤيد الأسرة، وتصبح حكومة شرعية (كما يسمونها) بمجرد أن تمسك بالسلطة كالعادة في إنقلابات العالم كله وستعلن أن صدام ما هو إلا جار شقيق هب لنجدتنا وتخليصنا من الاستبداد!!

    ( وهكذا قبل أن يستطيع العرب أو العالم فعل أي شيء يكون الأمر قد إنتهى إلى طي الكويت تحت جناح العراق وسيطرته، ويستمر الحال ربما سنين معدودات حتى تهدأ المعارضة الدولية وتطلب الحكومة الاندماج في العراق) والغرب سيحتج ويستنكر ويقاطع ولكن كل شيء سيصبح طبيعياً مع الزمن وسيتعاملون مع الأمر الواقع مرغومين!!..

    ولن يكون المهم لأمريكا والحال هذه موضوع الكويت، بل الموقف القوي لصدام في الخليج والمنطقة، بل في مجموعة الأوبك التي سيصبح زعيماً لها أيضاً!!...

    وسوف تُشن معارك دبلوماسية وإقتصادية بين صدام والغرب، ولعلم صدام بالمخطط الكوني لإنهاء جميع المشكلات سوف يطالب هو بربط قضايا المنطقة جميعاً (وهو ما فعله في مبادرته المشهورة) فيحقق بذلك نصراً وهمياً عند الجماهير العربية ويطيل من أمد نهايته، لأن حل القضايا يستدعي وقتاً وجهوداً طويلة، وسوف يضرب صدام بعض الغرب ببعض بحكم مركزه القوي في الدول العربية ومنظمة الأوبك!!..

    وسوف يبتز دول الخليج وخاصة الصغرى منها وسوف تستسلم لزعامته دون حاجة إلى أن يثير العرب والعالم عليه باحتلالها، لا سيما وأنها تختلف عن الكويت إذ ليس فيها مبرر تاريخي وليس بينه وبينها خلاف حدوي ولا يمكن ضمها جغرافياً، وأي فائدة تُرجى من إحتلالها ستحقق بغيره..!! حتى دولة الإمارات التي ارتبطت بالكويت في هجومه الإعلامي لم يفكر أن يحتلها ولو شاء لكفته ذلك فرقة واحدة قبل قدوم جيوش الغرب. كيف وقد غصَّ بالكويت وأخذ يناور للتخلي عن أجزاء منها!! وأعلن ثاني أيام الغزو إنسحابه منها وذكر مراسلو الإذاعات الغربية أنهم شاهدوا ذلك عياناً!!

    والذي أصبح اليوم في حكم المقطوع به أن صدام قد تلقى من أمريكا إشارة خضراء للزحف على الكويت (كما سنوضح)، وأن غروره وحماقته قد أوقعته في شراك يصعب الخلاص منه، وأن مخططه هذا قد إرتبك جداً.

    فآل الصباح هربوا قبيل (وصول دباباته) إلى قصورهم بقليل، والفراغ الدستوري لم يحدث والمعارضة رفضت التعاون معه، وضباطه لم يجيدوا التمثيل فيما وكل إليهم من أدوار للحكومة الحرة، ومن هنا تناقض وارتبك وأعلن آخر ما كان يمكن أن يفعله وهو ضم الكويت نهائياً عقب إعلان انسحابه منها وتشكيل الحكومة الحرة!!

    وكل من يستذكر وقائع الحدث أو يعيد الاطلاع على الصحف سيجد هذا واضحاً.

    وهنا نعرض لدور أمريكا في الإخراج مذكِّرين بما سمعه المتتبعون لوسائل الإعلام قبل الحادث:-

    فأمريكا هي التي طلبت من دول الخليج رفع إنتاجها ليرخص السعر وتنهار العراق إقتصادياً، وهي التي أبلغت العراق عن سرقة الكويت لحقل الرميلة، وهي التي تحدثت وأنذرت من حشود عراقية باتجاه الكويت وهي التي أشاعت في بعض مصادرها الإعلامية أن الكويت مولت مؤامرة عسكرية للإطاحة بصدام، وأخيراً أعطت صدام الضوء الأخضر لاقتحام الكويت كما جاء في محضر لقاء السفيرة الذي سنعرضه ضمن الشواهد!!

    عشية الغزو -ليلة الجمعة- أعلن بوش بالحرف (أن تجاوز العراق للكويت إلى غيرها هو أمر غير مقبول) هذا نص ما أعلنته الإذاعات ونشرته الصحف ومفهومه الواضح -وعاه صدام وحزبه فتوهموا إمكانية الاعتراف له بالكويت.

    ولما أعلن صدام الحكومة الحرة رد بوش بإعلان أن أمريكا ترفض الإعتراف بحكومة دُمية، ومفهومه كان الإيغال في الشراك بإعلان الدمج وتقويض الدُمية!!!...(40*)

    فلما استحكمت الأنشوطة وأصبح التراجع مستحيلاً تماماً أعلن بوش حملته التي لم تهدأ لإعادة آل صباح وفرض القانون الدولي ومعاقبة من خرقه... الخ. وشرعت أمريكا تساوم دول الخليج للتدخل العسكري وترددت الدول وحاولت الامتناع وأخيراً جرى الإعلان هنا عن "طلب المساعدة" من أمريكا في حين أعلنتها أمريكا "موافقة" على التدخل أي أنها هي الطالبة وهذه هي الحقيقة في نظري!!(41*).

    ومنذ ذلك اليوم حتى اليوم والذي يتردد في وسائل الإعلام الأمريكية كافة هو أن أمريكا تدخلت لا أنها أعانت!! تدخلت لتحقيق استراتيجيتها وحماية مصالحها والقضاء على عدو يهدد هذه المصالح، لا أنها أعانت صديقاً لها يخشى أن يهاجمه جاره!!

    ومن ذلك جواب بوش الشهير لما سُئل في مجلس الشيوخ الأمريكي " كيف ترسل أمريكا أبناءها من أجل شيوخ النفط المستبدين؟ فأجاب: نحن ذهبنا من أجل شيوخ أمريكا ومصالحها وليس من أجل شيوخ النفط!!

    وبعد نزول الأمريكان أعلن طاغوت البعث "الجهاد المقدس" ورد بوش بالإعلان عن كفر صدام وإلحاده وأنه لا يمثل الإسلام، كما أعلنت تاتشر أنه لا وجه لمقارنته بصلاح الدين الأيوبي (رحمه الله وطيَّب ثراه)، وتحول هياج الرأي العام في العالم الإسلامي نتيجة الإعلام البعثي المركز من استنكار احتلال الكويت إلى استنكار دخول القوات الأجنبية.

    ونتيجة هذا الغليان الذي لم يهدأ احتاجت الحكومة لصوت إسلامي مضاد فكان إعلان التأييد من مجلس القضاء الأعلى ثم من هيئتكم الموقرة، وتم طلب ذلك أيضاً من المحاكم الشرعية في المناطق كما تعلمون!!..

    ومع تحفظي على صيغة التأييد من جهة أنه لم يشر إلى أسباب البلاء ووسائل دفعها ولو بإيجاز، ومن جهة أنه لم يُقيِّد الضرورة... وغير ذلك- فقد ارتحت من جهة أنه لم يذكر أدلة تفصيلية.

    ثم ظهر بعض الخطباء بهيئة المستدرك عليكم فذكروا أحاديث لا تدل على المقصود لأن مناط الحكم مختلف تماماً، إما لأنها ليست في باب الجهاد أصلاً وإما لاختلاف الواقع اختلافاً كلياً.

    فلم يسعني إلا إعلان رأيي كما سمعتموه، وكانت القضية الأساسية عندي وما تزال هي: تصور الواقع على حقيقته وتحذير الأمة من مخاطره في المستقبل لا سيما بيان أن ما أصابنا هو من عند أنفسنا وأن الرجوع إلى الله والضراعة له والاستكانة أساس الحل وضرورة التوكل على الله وحده وإعداد العدة للاستغناء عن كل ما سواه وإحياء فريضة الجهاد، وتدارك مفاسد وجود هذه القوات، وبيان تقصيرنا وتفريطنا في الإعداد وفي معاملتنا لصدام وغيره، وفتح المجال للدعوة وإنكار المنكر... وما أشبه ذلك.

    هذا هو خلاصة ما كنتُ أردده ولا أزال وأكرر في كل مناسبة التحذير من التهور والإندفاع العاطفي وترك الحكمة في معالجة الأمور!!.

    لقد قُضي الأمر وحلَّت الكارثة فلم يعد مجدياً الخلاف في المسألة فقهياً، بل الواجب تدارك آثار هذا الوجود المدمر وإعداد الأمة للخلاص من أسبابه ونتائجه بأفضل الأساليب وأحكمها ومنها ما أشرت إليه آنفاً.

    ثم جاءت الوقائع لتُصدِّق التوقعات وظهرت الشواهد المؤيدة لما خِفتُهُ وحذَّرتُ منه، ولن أطيل عليكم بذكر مآسي الواقع المؤلم عقدياً وسلوكياً، معنوياً ومادياً بعد نزول القوات فكلكم يعلمه، وأنا أعلم أن كثيراً ممن لديهم حقائق جلية عن ذلك قد عرضوها عليكم، ولكنني سأقتصر على شواهد دالة على ما توقعته من خطط صدام كما ذكرت الشواهد الكثيرة على خطط الغرب:-

    1) نشرت مجلة "المجلة" السعودية في عددها بتاريخ 14: 20 ربيع الأول مقابلة مع حسن العلوي!؟ والذي كان مسؤولاً إعلامياً وحزبياً بارزاً في العراق وكان في المقابلة سؤال (ما هي في نظركم الأسباب التي دفعت صدام حسين إلى غزو الكويت؟)

    وكان من الجواب بعد أن نفى أن يكون الهدف إقتصادياً أو توسعياً كما تذكر الصحف المصرية وغيرها:

    إن ضمَّ الكويت هدف قديم في سياسة صدام حسين وقد تناولت ذلك في دراسات عديدة أشير إلى بعضها (مقال في جريدة تشرين السورية- العدد الصادر بتاريخ 3- تموز-يوليو- 1982، مقال في جريدة الجهاد الناطقة بلسان حزب الدعوة الإسلامي العدد الصادر في 4 نيسان- إبريل- 1983، وفي جريدة التيار الجديد الصادرة في لندن بتاريخ 11 أذار-مارس- 1985) وقد أكدتُ في تلك المقالات على أن صدام سيضم الكويت بعد إنتهاء الحرب لكن توقيت العملية سيبقى مرهوناً بظروفها.

    أما وقد تمت في الثاني من آب- أغسطس- 1990 أي بعد سبع سنوات على نشر أقدم مقال أشرت فيه إلى إحتمال الضم، فإن بالإمكان الآن الاستعانة لا بعلم السياسة بل بسايكولوجية صدام وأسلوبه في العمل لمعرفة السبب المباشر وهو سبب يرتبط بالمتغيرات الكبيرة وسقوط الدكتاتوريات في أوروبا الشرقية وما أعقب ذلك من مواجهة كتابات صحفية وتصريحات سياسية عن توقع هبوب الرياح الديمقراطية على المنطقة العربية وقد رشحت صحف عالمية ومصادر عربية (العراق الإسم الأول في قائمة من ستهب عليه رياح التغيير وكانت حتى الصحف العربية تتحدث عن وجود -شاوشيسكو- عربي بينما أشارت صحف غربية إلى أن -شاوشيسكو- يبدو (وزة) مسالمة بجانب صدام حسين).

    صدام في أعماقه كان يحمل مخططأ آخر يستند إلى نظريته في الأمن الوقائي التي تستهدف ضرب الخصم وهو في مرحلة حمل النوايا قبل أن تترجم النوايا إلى أحداث (إنه ليس ذلك الذي يمنح خصمه الضربة الأولى، لقد اختار -وكان ناجحاً- بمعايير خاصة أن يهاجم المستقرات الدولية ويهدد المصالح الأمريكية والغربية مباشرة بعملية تستطيع أن تغير بؤرة الإهتمام وتجعل المطالب الديمقراطية على هامش مهمل ولم يكن أفضل من غزو الكويت ما يحقق له ذلك.

    لقد هيأ لذلك بتهديدات تأكل نصف إسرائيل، وتحرش ببريطانيا حين أعدم صحفياً لها وأعلن بعد غزو الكويت أن العراق يقود العرب لمواجهة أمريكا... هل يعني أنه كان مضطراً؟ إنه لم ينفذ عمليته مختاراً أو من موقع القوة بل بتصرف المحكوم بالإعدام ولهذا فهو لن ينسحب. الحكم صادر عليه وهو ليس من هؤلاء الذين يثقون بوعود قد تقدم إليه باستمراره بالسلطة بعد الإنسحاب...

    ولأن القرار العراقي لا يخضع لقوانين علم السياسة فقد تكبو توقعاتنا وينسحب صدام...اهـ.

    2) نشرت جريدة الحياة بتاريخ 3 ربيع الأول مقالاً بعنوان: لماذ أمر صدام بتسريب محاضر جلسته مع غلاسبي- أي مع سفيرة أمريكا في بغداد جاء فيه :

    واضح من تعارض الصيغ التي طرحتها حكومة العراق خلال شهر آب (أغسطس) إنها كانت ترتجل الحلول بطريقة عشوائية تدل على الضياع وعدم الثبات كأن هناك خطاً ما حدث أثناء تنفيذ عملية الاجتياح أدى إلى إرباك الخطة كلها، ويقول القادمون من منطقة "دسمان" أن الأمير وأفراد العائلة غادروا قبل 7 دقائق فقط من وصول الوحدة العراقية المكلَّفة بأسرهم أو إغتيالهم، وكان المطلوب على ما يظهر إحداث قرار دستوري نتيجة للعملية التي لم تتكامل، وبهذا يكون الرئيس صدام حسين حقق غرضه بالتخلص من السلطة "المتعبة" ووضع الكويت أمام احتمال الإتيان بصيغة التحالف تكون للمعارضة فيها حصة الأسد، لكن خروج الأسرة الحاكمة إلى السعودية أدى إلى الإقلاع في إتجاه معاكس ففي الأيام الأربعة الأولى تحدثت بغداد عن نية الانسحاب المشروط خصوصاً بعدما رفضت إدارة جورج بوش التجاوب مع بشارات الحوار أرسلت بواسطة شخصية عربية إلى مكتب -جون سنونو- رئيس أركان البيت الأبيض.

    ومع صدور قرار الإنزال الأمريكي تغيرت صورة الأزمة ونقل موضوع التسوية إلى إنشاء -هونغ كونغ- كويتية كبوابة نظام "حر" يتمتع بحكم ذاتي، ثم سقط هذا الخيار أيضاً لأن المعارضة رفضت أي تعاون لتشكيل حكومة ثورية، ولكي تتحاشى بغداد الإشكال القانوني حول شرعية النظام الجديد، أعلنت ضم الكويت واعتبرتها امتداداً جغرافياً وتاريخياً للعراق.

    ثم تحدث عن محضر الاجتماع بين صدام والسفيرة (المحضر الرسمي الذي سربه العراقيون) يفتح باب الاجتهاد على الاحتمالات المختلفة ويعطي الإنطباع بأن السفيرة التي اشتغلت في حل الأزمة اللبنانية تعرف جيداً ماذا كان يعني صدام حسين بقوله: عندما نجتمع في جدة ونرى أن هناك أملاً في التوصل إلى تسوية، فأنا على يقين بأن شيئاً لن يحدث، أما إذا فشلنا في إيجاد حل عندئذ يبقى من الطبيعي أن يرفض العراق الموت والهلاك!!

    جاء هذا الكلام في معرض الاستيضاح عن الغاية من نشر قوات عراقية مكثفة على طول الحدود مع الكويت. وقالت السفيرة الدقيقة الحجم الخافتة الصوت، إن واشنطن طلبت منها -من موقع الصداقة لا التحدي- الاستفسار عن معنى هذا التجمع العسكري وإبلاغها الرئيس العراقي بطريقة رمزية أن اجتماع جدة ربما كان آخر حل دبلوماسي، وأكثر من هذا فإن وقائع المحضر تشير إلى إنذار واضح حول الخطوات العملية التي سيقدم عليها العراق -إذا فشلت المفاوضات وقال لها حسبما جاء في المحضر:

    إذا كان بمقدورنا الاحتفاظ بكل العراق يعني الكويت أيضاً وشط العرب –فإننا لن نقدم أي تنازل أما إذا خيرنا على نصف شط العرب فنحن على استعداد للتنازل عن النصف الآخر لإيران شرط الاحتفاظ بكل العراق على النحو الذي نبتغيه(42*).

    بعد إنقضاء أربعة أيام على الاجتياح استقبل صدام حسين القائم بالأعمال الأمريكي -جوزيف ويلسون- لأن السفيرة غلاسبي إنتقلت إلى باريس لقضاء عطلة الصيف وهي حالياً ملحقة في مكتب متواضع في وزارة الخارجية في انتظار مصيرها الدبلوماسي. وقال ويلسون:

    -من المفيد استئناف الحوار إن هذه هي الطريقة المثلى لإزالة التوتر. ورد الرئيس العراقي عليه إن بلاده لنتتعرض بالأذى لأي بلد لا يعتدي عليها. وعاد ويلسون يسأل: والسعودية؟ أجاب صدام: إن هذا السؤال لم يخطر لي على بال!!.. إذا كنتم فعلاً قلقين على السعودية فإن قلقكم لا مبرر له. أما إذا كنتم تدفعون السعودية الى أن تقلق فهذا أمر آخر.

    وفي ردها على هذا السؤال قالت السفيرة -غلاسبي- لصحيفة واشنطن بوست أنه لم يخطر على بالها "أن صدام حسين سيحتل كل الكويت". ومن هذه العبارة الصغيرة بنت المعارضة في الكونجرس حجتها للمطالبة بإقالة – بيكر وكيلي- لأنهما فشلا في فهم مخاطر هذا الموضوع" اهـ.

    ولهذا المحضر رواية أخرى نشرتها مجلة –المجلة- السعودية في عددها المشار إليه عن مايلز كوبلاند –رجل المخابرات الأمريكي المشهور في المنطقة ومؤلف كتاب لعبة الأمم وغيره- يقول كوبلاند:

    إن النص الذي نشر في هذه الصحف كمحضر للإجتماع غير كامل وإن النص الكامل موجود لدى وزارة الخارجية الأمريكية وقد اطلع هو على نسخة منه، والذي حصل فيه أن غلاسبي أبلغت صدام أن حكومتها على علم بخطته لغزو الكويت وحذرته من عواقب مثل هذا العمل بالنسبة إليه شخصياً وإلى النظام في بغداد وإلى البلاد ككل.

    ونفى صدام من جهته وجود أي خطه لغزو الكويت. لكنه أضاف أنه "حتى لو حصل مثل ذلك فنحن مهيأون تماماً لردود الفعل الدولية التي لن تتجاوز الصراخ وحملات الغضب في الصحف الغربية. وسيصوت مجلس الأمن على قرار بفرض حظر على العراق ونحن قادرون على تجاهل ذلك مثل ما تجاهلت إسرائيل قرارات مماثلة في السابق، وستصوتون على عقوبات إقتصادية وما شابه ذلك. ومع الوقت سيهدأ كل هذا الضجيج وسيبقى العراقيون في الكويت.

    ويرى كوبلاند أن -إيريل غلاسبي- لم تواجه صدام وأنها كانت مرنة معه خلال اللقاء حتى عندما هددها بنية مواجهة الإجماع الدولي ضده ومن هنا كان الانطباع لدى العراقيين الذين حاولوا تسريبه إلى الصحف الأجنبية وإلى عدد من الدبلوماسيين للإيحاء أنه كانت هناك لا مبالاة أمريكية حيال النوايا العراقية.اهـ

    4- نشرت جريدة السياسة الكويتية الصادرة بجدة في 7 ربيع الآخر 1411هـ بعنوان رئيسي كبير -تقريراً عن الملف الأوروبي للقضية المسمى "جذور الصراع المقبل في الشرق الأوسط" وبالرغم مما في التقرير من أسماء وعبارات يمكن اعتبارها مقحمة أو موجهة توجيهاً خاصاً فإننا ننقل رواية الملف للقاء السفيرة وهي رواية تدل على معرفة صدام والغرب بتصميم خارطة جديدة للمنطقة وتؤيد ماسبق:

    يقول الملف: "بعد إستماعه لفحوى الرسالة الأمريكية قال صدام حسين للسفيرة:

    أنا لست معنياً بالسعودية ودول الخليج الأخرى ولست معنياً أيضاً بأي خارطة لتسوية جديدة في المنطقة: ولكنني معني بـ "ضرورة وضع حد للنزاع التاريخي بين الكويت والعراق".

    وعقَّبت السفيرة الأمريكية قائلة: إن الرسالة التي اُبلغتُ بإيصالها لك أن حكومتي لا تقبل تنفيذ مثل هذا المخطط الذي اتفقتم عليه مع الأردن وإسرائيل(43*). واليمن ومنظمة التحرير الفلسطينية ويقول تقرير الملف أن صدام حسين يبدو أنه فهم تعقيب السفيرة الأمريكية بما يعني أن واشنطن يمكن أن تغض الطرف عن هجوم عراقي على الكويت.

    وفي الوقت نفسه يبدو أن واشنطن أرادت عبر هذه الرسالة أن تدع الأمور تمضي كما قد يتصورها صدام حتى إذا ما ابتلع (الطعم) كان قد تورط بالفعل فيما تريد واشنطن. ذلك أن الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت كانت توصلت إلى قناعة بأن النظام العراقي قد أوشك على الدخول في "المنظومة النووية" بشكل يخل بالميزان العسكري الاستراتيجي في المنطقة.

    ويعوق في نفس الوقت أساسيات النظام الدولي الجديد الذي إتفقت عليه واشنطن وموسكو بعد إنهائهما لفصول الحرب الباردة "ولهذا فإن واشنطن بدت وكأنها تستعجل إقدام صدام حسين على مغامرة من هذا النوع، تستوجب الضرورات بعدها أن توجه إليه ضربة عسكرية تقضي على البنية التحتية لكيان العراق وتدمر آلته العسكرية" اهـ.

    ومن المهم هنا أن الجريدة نفسها نشرت في ص 3 تحليلاً عن نوايا صدام المبيتة وإشارات إلى الخطاب الذي ألقاه في فبراير 1990 رجب 1410هـ، وفيه تحدث صدام بوضوح عن "أفول نجم" قوة الاتحاد السوفيتي كما أن الرئيس العراقي تكهن بأن الولايات المتحدة سوف تتمتع في السنوات الخمس المقبلة بحرية الحركة في الشرق الأوسط وتوقع أن تستخدم واشنطن هذه الحرية لإيذاء العرب. مشيراً في هذا الصدد إلى المساعدات الأمريكية للمهاجرين السوفييت إلى إسرائيل واستمرار وجود القطع البحرية الأمريكية في الخليج على الرغم من إنتهاء الحرب الإيرانية العراقية.

    ويستنتج صدام حسين من ذلك الآتي :-

    الدولة التي ستتمتع بالنفوذ الأعظم في منطقة الخليج العربي ونفطه سوف تحافظ من خلال ذلك على قوتها العظمى من دون وجود قوة مماثلة تقف في وجهها.

    وهذا يعني أنه إذا لم يعِ شعب الخليج وسائر العرب ذلك فإن رغبات الولايات المتحدة سوف تتحكم في الخليج العربي وبالتالي فإن أسعار النفط سوف تثبت عند مستويات تفيد المصالح الأمريكية وتتجاهل مصالح الآخرين.

    ويخلص الرئيس العراقي بعد ذلك إلى الدعوة لإستخدام أموال النفط التي يستثمرها العرب لفرض تغيرات في السياسة الأمريكية، وربما يجب سحب هذه الأموال لإعادة استثمارها في الاتحاد السوفييتي وبلدان الكتلة الشرقية في أوروبا. ويرى أنه لا مكان في صفوف العرب الطيبين لأصحاب القلوب الضعيفة الذين يجادلون في أن الولايات المتحدة كدولة عظمى تمثل عنصراً حاسماً، وما على الأخرين سوى الخضوع لها. اهـ.

    5) نشرت جريدة الأهرام بتاريخ 19: 21/3/ 1411هـ ثلاث مقالات متوالية للأستاذ سلامة أحمد سلامة المقال الثاني منها بعنوان: مخطط أمريكي - والثالث:الوقوع في المصيدة. يقول :-

    يعتقد أصحاب الرأي القائل بأن غزو العراق للكويت تم بتخطيط أمريكي مسبق... فإن لم يكن بتخطيط فعلى الأقل بعلم مسبق وذلك طبقاً لشواهد وأدلة سردناها أمس -أن أمريكا كانت بحاجة إلى ظروف وملابسات إستثنائية غير عادية تبرر لها العودة إلى فرض نوع من الوجود العسكري في منطقة الخليج.

    أما لماذا تحتاج أمريكا إلى وجود عسكري في الخليج، فلأن مخططي الاستراتيجية الأمريكية يرون أن خط الدفاع الرئيسي عن مصالح أمريكا والغرب قد تزحزح من أوروبا إلى منطقة الخليج... وذلك في ضوء التطورات الدولية الأخيرة بعد أن انهار النظام الماركسي في أوروبا الشرقية. وتم التوصل إلى معاهدات واتفاقيات للحد من الأسلحة الاستراتيجية، ووضعت ضمانات تكفل عدم الاعتداء وعدم نشوب حرب بين أمريكا والاتحاد السوفيتي..

    وبعد أن دخل الاتحاد السوفيتي نفسه تحت جنح الظلام الاقتصادي الغربي واشتدت حاجته إليه وأصبح التعاون بين القوتين العظميين أكبر من أي تناقض أو تضارب بينهما. هكذا لم يبق أمام أمريكا والغرب بعد أن اختفى التهديد الأيديولوجي والعسكري من جانب السوفييت إلا أن يتركز الاهتمام على مصادر التهديد الأخرى سواء كانت في صورة تهديدات للمصالح الإقتصادية ومصدر الطاقة كما هو الحال في منطقة الخليج أو في صورة حروب ومنازعات تأتي من الصراعات والمشاكل الإقليمية المزمنة كما هو الحال في مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي أو في صورة إنفجارات وثورات تأتي من دول العالم الثالث والشعوب الفقيرة كما هو الحال في التناقض الشديد بين الشمال والجنوب.

    ويرى أصحاب هذا الرأي أن التطورات التي أعقبت الحرب العراقية الإيرانية وبروز العراق بما لديه من أسلحة وقوات مدربة كقوة إقليمية مسيطرة في الخليج بدأت تثير مخاوف مخططي السياسة الأمريكية منذ عدة شهور. وكان تركها تنمو بدون تحجيمها معناه أن تتحول إلى قوة عالمية قد لا تحترم قواعد اللعبة في المنطقة.

    ومنذ وقت طويل قامت السياسة الأمريكية على مبدأ أساسي هو الحيلولة دون أن تتعاظم قوة إحدى دول الخليج إلى درجة تمكنها من السيطرة على منابع البترول والتحكم في أسعاره وأسواقه...

    فعندما حاولت إيران ذلك في عهد الخميني سلطت عليها العراق فأنهكتها وأوشكت أن تجهز عليها. والآن عندما ظن الرئيس العراقي أنه قادر على ذلك كان لا بد من تدخل السياسة الأمريكية لإعادة الأمور إلى نصابها... وبالأخص بعدما طالب بانسحاب الوحدات البحرية الأمريكية من مياه الخليج وهدد بضرب إسرائيل بالصواريخ ثم استدار إلى الكويت والإمارات ليرغمهما على تنازلات محدودة في أسعار البترول وديون الحرب التي على العراق لدول الخليج. ولكن هل معنى ذلك أن أمريكا هي التي دعت صدام إلى غزو الكويت؟

    النظرية التي تقول إن أمريكا عرفت ولم تُبلِّغ أو أنها قرأت بعض المؤشرات ولم تتحرك لوقف عدوان صدام ضد الكويت… قد تكون صحيحة في بعض جوانبها، ولكن هذا لا يعني أن أمريكا قد خططت بالاشتراك مع الرئيس العراقي لغزو الكويت، أو أن الأهداف الأمريكية والأهداف العراقية قد التقت عند نقطة واحدة، أو أن صدام عميل أمريكي ينفذ عن علم واقتناع خطة شيطانية كبرى. مثل هذه الاستنتاجات قد تبدو من نسج الخيال..

    ولكنها لا تبعد كثيراً عن الواقع إذا عرفنا أن لدى الدول الكبرى وسائلها التي تمكنها من دفع بعض القيادات التي يستولي عليها الغرور وجنون العظمة إلى ارتكاب أخطاء قاتلة والوقوع في مصيدة لا فكاك منها والسير في الطريق الذي رسمت له دون أن يدري... عن طريق إمداده بمعلومات موثقة ولكنها خاطئة ومسايرة في خطوط وتدبيرات تدفعه إلى مزيد من الشطط وسوء التقدير تقترب به من الهاوية دون أن يدري.اهـ.

    6) ونشرت بعض الصحف كثيراً مما يؤيد ما سبق، رأينا الاستغناء عنه ولكن نشير إلى أحدها والعهدة فيه على راويته وهي "فُضَيلة الصباح" من الأسرة الحاكمة الكويتية تقول :-

    عندما كنت طالبة بإحدى جامعات سويسرا كان ذلك على ما أذكره قبل سقوط شاه إيران... أعطاني أحد زملائي كتاباً مقطوعاً غلافه لأن "سي، آي، إيه" المخابرات الأمريكية تبحث عنه وقامت بتمشيط سويسرا في 24 ساعة لإعدام أي نسخة. وقد أعطاني فرصة لقراءته في أربع ساعات. كان الكتاب يتعرض لما يحدث في نهاية هذا القرن وكاتبه كان أحد أعضاء البنتاجون وكان عضواً في وفد القمة بين الرئيس الأمريكي والسوفيتي في ذلك الوقت... وفي الفصل الأخير من الكتاب وجدت هناك خريطة وليس عليها أي أثر للكويت على الإطلاق...وشاهدت دولة صغيرة في الشمال وهي مناطق البترول في العبيدات مكتوب عليها الدولة البترولية العالمية وأعلامها أعلام الأمم المتحدة.

    لقد كانت هذه الرؤية مستقبلية لنهاية القرن. متفق عليها بألا يكون وجود لدولة الكويت... ويبدو أنه كان يتم البحث عن عميل ليقوم بهذا المخطط ويتم السيناريو... وقد كان... مجلة صباح الخير بتاريخ 30/2/ 1411هـ.

    7) وأخيراً نذكر مقالة للسفير الأمريكي السابق في السعودية –جيمس أكينز- نشرتها صحيفة –لوس أنجلوس تايمز- بعنوان (الآن ومع تواجد القوات الأمريكية حول حقول النفط، هل ندع الفرصة تفوتنا؟..)

    بدت هذه الفكرة جنونية في عام 1975م ولكن إحياءها يمكن أن يكون في تجاوز الترحاب الذي تلقيناه من الملك فهد.

    يقول:

    في شهر يناير من عام 1975م نشرت صحيفة كومنتري وهي نشرة يصدرها المحافظون الجدد مقالة تقترح غزو المملكة العربية السعودية وذلك كحل لمشكلة الغرب الأزلية، ولمشاكل الولايات المتحدة الإقتصادية، وتلت تلك المقالة العديد من المقالات الثائرة والتي اقترحت الاستيلاء على حقول النفط في شبه الجزيرة العربية ابتداءً بالكويت وانتهاءً بدبي (الإمارات) ومن ثم استغلال النفط إلى آخره، وفي غضون 50عاماً أو ما شابه ذلك تعود الممتلكات لمالكيها الأصليين. أي بعد استنزاف النفط كله!! ثم يقول:

    وبالرغم من ذلك فهناك البعض في حكومة بوش والذين سوف يشيرون إلى أن الوقت ملائم الآن أكثر مما كان عليه الحال في عام 1975م وذلك على الأقل على مستوى احتلال عسكري لحقول النفط السعودية.

    ويقول:

    إنني لست المراقب الوحيد والذي يملك دراية واسعة في هذا الميدان ولديه القناعة بأن صدام حسين لم يكن ينوي مهاجمة المملكة العربية السعودية في أوائل الشهر الماضي، إن ذلك أمر غير منطقي... ومع ذلك فلقد قام وزير الدفاع الأمريكي -ديك تشيني- بإقناع الملك فهد بأن حدوث مثل ذلك الهجوم على المملكة العربية السعودية أمر وشيك الوقوع، ولدرجة أنه استطاع أن يقنع المملكة العربية بالتخلي عن سياسة معارضة وجود قوات عسكرية أمريكية. إنني أشك في أن الملك فهد كان يتصور وجود – 100,000- من الجنود الأمريكين، وربما ضعف هذا العدد، متواجدين على أرض المملكة العربية السعودية "ولمدة غير محدودة".

    ولقد اتسعت مظلة الحماية الأمريكية منذ ذلك الحين لتشمل دولة الإمارات العربية المتحدة، وإذا لم يتم التخلص من صدام حسين، فإنه سيمثل خطراً محتملاً على المملكة العربية السعودية، وخطراً مؤكداً على أسرة آل سعود، وذلك إذا ما انسحبت القوات الأمريكية من المنطقة.

    لذلك فمن المحتمل أن يكون وجود القوات الأمريكية في المنطقة أمراً مرغوباً فيه، ولفترة غير محدودة، وسواء كان ذلك الوضع مرضياً للجيش والشعب السعودي فإن ذلك يظل أمراً آخر.

    إن هؤلاء الذين عملوا والذين لا يعملون حالياً في الحكومة الأمريكية ومن ضمنهم كيسنجر الذي كان جاداً في موضوع احتلال آبار النفط في عام 1975م لا بد أنهم يرون الآن عدم ترك هذه المصادر غير العادية بعد أن أصبحت تحت سيطرتنا.

    ثم يقول:

    وهناك خطة أكثر خيالية تتمثل في تدويل جميع الدول العربية المنتجة للنفط وبذلك يمكن تصحيح أحد الأخطاء -الإلهية- والمتمثلة في وضع هذه الثروة الثمينة في مكان لا تستحقه.!! قاتله الله وأخزاه...
    (40*) من أغرب ما سمعته في هذه الأزمة على كثرة غرائبها تصريح طارق حنا في مؤتمره الصحفي بعمان بعد الغزو عندما ألح ّ عليه الصحفيون عن احتمالات ضربة أمريكا عاجلة قال : إننا في الحكم منذ عشرون سنة و نحن نتعامل نع الغرب و يفهمنا و نفهمه و بيننا و بينه مصالح مشتركة ، أو مترابطة !! .. و يذكر حسن العلوي مستشار الإعلام البعثي سابقاً أن أحمد حسن البكر كان يتهم طارق عزيز بالجاسوسية!! ..
    (41*) يقول ما يكل كيلير " تفرض كل السيناريوهات الرسمية أن حكومة صديقة تتعرض لهجوم من جانب قوي معادية و تطلب المعونة الأمريكية " ص65 (اتجاهات التداخل الأمريكي ..) و ذلك لضمان احتلال آمن بل مدفوع الثمن من الدول المحتلة أنفسها.
    (42*) هكذا تفوح رائحة عمل صدام لأمريكا كما تظهر تبعية إيران و الكويت فهو يفاوض السفيرة باعتبارها و كيلة على المنطقة .
    (43*) لدي شك في كون هذه الكلمة في الأصل و أضيفت عمداً !! .



    -4- . . . . وبعد.

    الآن وبعد أن استعرضنا القضية من بدايتها وجذورها وخططها وإرهاصاتها وإخراجها، أتظل المسألة مسألة استعانة كما فهم المشايخ والإخوان الأفاضل أصحاب الرأي الأول؟

    وإذا قال قائل –على ضوء ما سبق- إن استدعاء الحشود الغربية –أو إقرارها- كان تهيئة لعدو مترصد يتحين الفرصة لدخول المنطقة ويتلهف لذلك ولم يُخفِ عداوته وشراسته وأطماعه أفيكون مخطئاً؟

    هذا بغض النظر عن كون السبب المباشر عدواً آخر لا جدال فيه!!..

    ودفعاً للَّبس أقول: إن بيان هذه الحقيقة الجلية لا يعني اتهام المستدعي أو الموافق بالتواطؤ مع الأعداء، فأنا أقول جازماً إنه لا يوجد حكومة في العالم تريد أن يكون للقوى الدولية الكبرى تدخل في شؤونها أو وجود في أرضها لأن ذلك يعني المزاحمة على السيادة، حتى الحكومات التي أقيمت بمعاونة القوى الكبرى وتخطيطها تسعى متى ما استطاعت إلى الاستقلال عنها والتخلص من وصايتها، أو تتشوف إلى الإنفراد بالزعامة فكيف بغيرها من الحكومات؟

    وهذا الملك حسين صنع الإنجليز عرشه بأيديهم وحملوه وأعانوه أكثر من مرة على مناوئيه ومع ذلك لا يحب من أحد قوله إن الإنجليز مشكورون على هذا الإحسان والإعانة!!..

    ولهذا أسفت جداً لما قاله بعض المشايخ من كلام كهذا ظانين أنهم يدافعون عن الحكومة "ووصل الحال أن بعضهم قال لا تدعوا على الأمريكان، بل البعض دعا لهم".

    وأعود لأقول: ليس في بيان الحقيقة إتهام لهذا أو ذاك، وإنما هو تجربة كبرى وأزمة عظيمة لا بد من دراستها بتجرد، وكل منَّا راعٍ وكل راعٍ مسؤول عن رعيته وكلنا على ثغرة، والله الله أن يُؤتى الإسلام من قِبَلِه.

    إن الأمر أكبر من أن يكون إتهاماً يُلقى على عاتق جهة ما وتنتهي القضية، كما هو أكبر من أن يكون خلافاً فقهياً يُقال فيه: أخطأ فلان وأصاب فلان، وإن الاكتفاء بالفتوى أو إبداء الرأي -تأييداً أو مخالفةً- تقصير بالغ وتخل عن الواجب، فالأمة الآن بين فكي هلاك ومضيعة، أحدهما صدام صديق الأمس الذي أعاننا على إيران والآخر دول الصليب وحواشيها صديقة اليوم التي نطمع أن تعيننا على صدام ولا نأمنها إلا كما أمِنَّا صدام!!..

    وإنه مما يؤلمني ويؤرقني ليل نهار أن تتحول القضية إلى جدل فقهي بعيد عن الواقع ويصورها بعض الناس على أنها خلاف بين هيئة كبار العلماء وفلان وفلان..!!

    ونتناسى المصيبة ونتغافل عن الكارثة التي لا يجوز أن نختلف في مسؤوليتنا تجاهها؟

    ولهذا فإنني أطالب أطراف القضية الخلافية بالكَفِّ عن ذلك الجدل العقيم والانصراف للعمل الدؤوب للمرحلة الراهنة وقد بدأت بنفسي وأعلنت عن موقفي لما ورد في فتواكم -بشرط تقييدها بالضوابط التي ذكرها بعضكم كما جاء في محاضرة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين- وسكوت عن رأيي الخاص الذي فيه تفصيل لا يتسع له المقام (أعني من الناحية العملية المجردة)- أما من جهة الواقع فالمناط مختلف جداً وعلينا معرفته ومدارسته والخروج بما يبرىء الذمة ويسقط المؤاخذة ويدفع عذاب الله عنَّا.

    إن الأمر الآن والله جِدُّ خطير ويجب على كل فرد من هذه الأمة أن يتجرد لله وأن ينسى مركزه ومنصبه ويستعد لقبول الحق أياً كان قائله.

    فنحن كركاب سفينة يهددها الغرق ولن يقتصر الهلاك على بعض دون بعض (والتعتيم والتخدير أو السكوت والتناسي جناية على الجميع).

    يجب أن ندرس المشكلة -أبعادها ومخلفاتها- بكل وضوح وصدق ونستعرض إحتمالات الموقف ونضع لكل احتمال حله المأخوذ من مصدر الهدى والنجاة -كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين- ولخطورة القضية وتشعبها ولضرورة تكامل الحل وتحقيق مبدأ الشورى فيه أرى أنه لا بد من أن نفرغ لكل جانب منها مؤهلين مخلصين يدرسون ما يُوكل إليهم دراسة متأنية موثوقة عميقة، ومن ذلك مثلاً:

    1- تخصيص مجموعة من المؤهلين ويكون من بينهم قادة عسكريون لدراسة مشكلة الضعف المخيف الذي فوجئنا به في جيشنا أهو حق أم باطل ولماذا؟... وكتابة صورة صادقة مستفيضة عنه.

    2- تخصيص مجموعة أخرى مماثلة لدراسة أفضل وسيلة لاستقلالنا للدفاع عن أنفسنا، وهي خطوة للمرحلة الواجبة التي هي جهاد الطلب بإذن الله!!

    وأرى أنه يجب عليكم يا أصحاب الفضيلة وأنتم السلطة العملية في البلد أن تنصحوا السلطة التنفيذية بأنه لا خطر على النظام من قوة الجيش فإنه ليس بقوة الجيش يقوى احتمال غدره بالقيادة السياسية، بل بحسب التربية والمنهج وأنه لا يجوز شرعاً كما لا يصح عقلاً وسياسةً أن يكون البديل عن جيش مسلم من أبناء البلاد المخلصين جموعاً متنافرة لحكومات متآمرة!!.

    وإنها لحقيقة مؤسفة أن نقول إن ما يُسمَّى التطوع لا يعدو أن يكون إمتصاصاً للمطالبات وتفريغاً لشحنة التأثر، إذ كان المتوقع أن تتحول مدننا وقرانا وهجرنا إلى معسكرات دائمة (وأسوأ من ذلك أن يُفتح باب التطوع للنساء الذي استغله الهدامون في الداخل والخارج ليغمسونا في غضب الله واستحقاق عقابه أكثر فأكثر نعوذ بالله من الخذلان).

    3- ومما يجب وضعه في الحساب كيف يكون التصرف حالما تُظهِر هذه الحشود غدرها وخيانتها، ماذا نفعل لو قررت -لا قدر الله- تقسيم البلاد أو تدويلها أو تغيير نظامها السياسي والاجتماعي، أو فعل أي شيء في جعبتها الملأى بالحقد والتآمر؟ أنبكي حينئذ ونقول صدق من حذرنا؟

    إن احتلال الكويت- تلك القشة التي قصمت ظهر البعير- سينتهي بشكل ما وحينها ستلتفت هذه القوى لتصحيح وضعنا نحن كما ألمحوا مراراً وصرحوا، فماذا أعددنا لذلك؟ وهذا الإعداد لن يكلفنا ولن يضيرنا فإن كفى الله المؤمنين القتال فلله الحمد والشكر، ولنا منه الأجر إن شاء الله. وإن كانت الأخرى كان الجواب حاضراً والرد سريعاً.

    4- يجب أن ندرس بكل صراحة ووضوح أن بلادنا قد تكون في أي لحظة ميداناً لحرب مدمرة لم تشهد الدنيا لها نظيراً -حرباً كيماوية وبيولوجية وربما نووية- ونرى هل تستحق إعادة حكومة ابن صباح التي لا تحكم بما أنزل الله- كل هذا؟

    5- تخصيص مجموعة أخرى بينهم إقتصاديون وخبراء تخطيط مؤمنون لا علمانيون –لدراسة أثر هذه الأزمة على مستقبل التنمية في بلادنا والإفادة من ذلك لسحب الودائع المخزونة في بنوك الغرب وحث الأمة على الترشيد وترك الإسراف والتبذير اللذين لا يزالان كما كانا قبل الأزمة التي نخشى أن تطول فتستنفد كل شيء‍!!

    ... إن صداماً نهب ثروات الكويت غصباً وعلانية ونحن سوف تَستَنفِذ هذه المشكلة ثراوتنا رضاً وطواعية وسوف تتعطل حتماً مسيرة التنمية أو تقل بشكل حاد إلا إذا تداركنا الأمر بإذن الله، فمثلُنا في هذه الحال كمثل رجل اقتحم الذئب زريبة جاره وأخذ يعبث فيها، فخاف الرجل أن يقتحم زريبته فاستدعى الذئاب والأسود والنمور وسائر الوحوش وأسكنها زريبته، وأخذ يطعمها من غنمه وهي لن تخرج إلا إذا خرج الذئب من زريبة جاره وجاره قد هرب والذئب لن يخرج، ولو أنه اشترى ببعض غنمه بندقية لحرس غنمه بنفسه!!

    6- لِمَ لا يضع علماؤنا الأجلاء مبادرة سلام تخفف مصيبة الكويتيين وتضمن شيئاً من حفظ ماء الوجه كما يقولون لطاغية العراق وتضمن رحيل جيوش الصليب عن بلادنا؟ وعلى الجملة أترك الرأي فيها لكم.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-05-13
  5. الصقر الجريح

    الصقر الجريح عضو

    التسجيل :
    ‏2003-05-10
    المشاركات:
    50
    الإعجاب :
    0
    أصحاب الفضيلة

    - إن لم تدرسوا أنتم وتشكلوا اللجان للدراسة وتتابعوا النتائج فمن يقوم بهذا الواجب إذاً؟ ومن ينصح للأمة لا سيما وأن غيركم إذا نصح احتجوا عليه بسكوتكم؟

    -أما قول بعض الناس إن هذا ليس من شؤون العلماء فعجب والله أيما عجب ومن شؤون من هي إذاً؟ أنتركها للرويبضات من الصحفيين والمتملقين من الشعراء وعُمي البصيرة من العلمانيين؟ أهؤلاء من شأنهم يومياً أن يسودوا الصحف ويملأوا الأجواء بالاقتراحات وأنتم أصدرتم التأييد وسكتّم!!

    كل الأطراف تتكلم عن الأزمة حتى (الفنانين والفنانات) والساكتون أو المُسكَتُون هم أهل العلم والدعوة إلا من أيَّد الواقع كما هو، دون الإشارة إلى أخطاء الماضي أو واجبات المستقبل.

    فتداركوا -وفقكم الله- هذه الأمة وتداركوا سمعتكم وسمعة أمة التوحيد التي نالها ضرر بالغ في كل مكان بسبب هذا الموقف ولا تحتقروا أنفسكم عن عمل عظيم يرفعكم الله به في الدنيا والآخرة، فأنتم علماء خير الأمم وعلى منهاج السلف تسيرون ولله الحمد، والغرب نفسه ينظر إليكم وإلى هذه البلاد نظرة خاصة للغاية، ويحسب لكم ما لا تظنونه في أنفسكم من المكانة والتأثير.

    وأذكر هنا مثالاً على ذلك ما أورده -جوزيف سيسكو- مساعد وزير الخارجية الأمريكي سابقاً وعضو "الهيئة الكونية"(44*) اليهودية ضمن أهداف التسوية الأمريكية في الشرق الأوسط الهدف الثاني ونصه: يجب أن تكون تسوية شاملة تقلل من إحتمال قيام الغليان داخل العربية السعودية نفسها (الفكر الاستراتيجي 3/ 79).فقد خصَّ هذه البلاد دون غيرها من دول المنطقة، ومثله ما عبر به أحد محلليهم في مقابلة له في قناة(CNN) تعليقاً على دعوة صدام للجهاد: (نحن لا نخاف من جيوش صدام وإنما نخشى من الأصوليين في الجزيرة العربية والجزائر ومصر).

    وإنني إذ أُقدِّم الرسالة لتكون -إن شئتم- ورقة عمل لدراسة أسباب الأزمة وطبيعتها لأضعُ أيضاً بعض العناصر المهمة بين أيديكم وقد وردتني في شكل تساؤلات من كثير من المخلصين وعلى ضوئها وعلى ضوء ما تعلمونه من شروط الفقهاء لجواز الاستعانة بالكفار (مثل أن يُؤمَنَ غدرهم وأن يكون حكم الإسلام هو الظاهر عليهم، وأن نستطيع مقاومة الفريقين لو اتفقا علينا، أو أن تقتصر الاستعانة على الخدمة ويكونا للمسلمين كالكلاب....) نستطيع الوصول إلى الحقيقة التي تبرأ بها الذمة إن شاء الله:-

    1- هل من الاستعانة أن يكون المُستعانُ به جيوشاً غفيرة وراياتٍ كثيرة لدول عظمى طامعة تتحين الفرصة لاقتحام المنطقة منذ سنين ويصبح عددهم ثمانية أضعاف الجيش المُستعين، أما العدة والآلة فلا نسبة بين الفريقين فيها!

    2- هل من الاستعانة أن يُصبح زعيم الجيوش المتحالفة –بوش- وهو صاحب الأمر والنهي في القضية سلماً أو حرباً إن شاء وأن يرفض التنازل مطلقاً -مع رضى صاحب القضية-آل الصباح- به وكذا غيره من حكام المنطقة -وربما قَبِلَ الصلح مطلقاً مع صدام؟

    3- كيف نوافق بين تقييد الضرورة زماناً ومكاناً وكماً وكيفاً وبين الواقع؟

    فمن جهة الزمن لا تحديد لهم ولا يحده إلا هم، والناس يعلمون أن الأمريكان يستأجرون المجموعات السكنية وغيرها بعقود طويلة هذا مع قولهم إن الحرب قد تنشب.

    ومن جهة المكان هل تركوا مطاراً أو قاعدة عسكرية لم ينزلوها؟

    ومن جهة الكم يسمع الناس كلهم أنهم كل يوم في ازدياد ألوفاً مؤلفة، والأمريكان وحدهم سيزيدون عن 400،000؟

    ومن جهة الكيف هم أصحاب القضية وبيدهم زمام الموقف فلا يُقال لهم كيف، بل لا ندري أيقبلون أن يستعينوا بالجيوش العربية ولو في بعض الأمور أم لا؟

    4- هل من الاستعانة أن يكون الجندي المسلم شبه أعزل والجندي الكافر المستعان به مدججاً بأحدث الأسلحة من رأسه إلى أخمص قدميه وتُحسب الرصاصات على المسلم كلما دخل أو خرج؟

    5- هل من الاستعانة أن يتحقق ما خطط له الأمريكان منذ عشر سنوات وهو أن يكون للقوات السعودية والأمريكية قيادة مشتركة ونظام إتصال موحد ونظام إنذار مبكر موحد بحيث أصبحتا وكأنهما شخصية معنوية واحدة؟

    6- هل من الاستعانة أن تقوم الجيوش المستعان بها بعمل المتاريس والاستحكامات على المنشآت البترولية وشبهها ويبنون قواعد عسكرية داخل المدن ولسان حالهم يقول إنما نحرسها من أهلها؟ ولا يَهُمُّنَا من البلد إلا هيَ؟

    7- هل من الاستعانة ما صرحت به بعض دول الحلفاء الكبرى كفرنسا وروسيا من أنها لن تدخل الحرب إلا بموافقة مجلس الأمن الدولي أي دون النظر إلى رغبة دول المنطقة ورأيها؟

    8- هل من الاستعانة أن يصرح المُستعان به بأن مهمته هي تغيير البلد المسلم المستعين لتُصبح حياته على النمط الغربي سياسياً واجتماعياً وإقتصادياً وخاصة ما يتعلق بالمرأة؟ واسمعوا إن شئتم إذاعة صوت أمريكا واقرأوا صحفها كل يوم تقريباً؟

    9- هل من الاستعانة أن تأتي إلى بلادنا جيوش لم نطلب نحن مجيئها وعونها وإنما طلبتها أمريكا، حتى إن الدولة التي تتلكأ تؤنبها أمريكا والدولة التي تريد سحب جيوشها أو تبديلها تستأذن أمريكا؟

    10- هل من الاستعانة أن يكون من أغراض نزول القوات المستعان بها في أرض الإسلام حماية أمن دولة اليهود كما صرح بذلك زعماء أمريكا (وللعلم نقول أن القائد العام لجيوش التحالف- نورمان شوارسكوف- يهودي!!)

    11- هل من الاستعانة أن تطالعنا صحافة الدولة المستعان بها كل يوم بإنتقاص هذه البلاد وتحقيرها والسخرية من دينها وشعوبها وعلمائها وحكامها وهو ما لم تكن تفعله بهذه الكثرة من قبل (ومن ذلك ما نشرت التايم في 3 سبتمبر الماضي من أنهم علقوا شعاراً على أحد الخطوط السريعة في أمريكا يقول: خذوا بترولهم واضربوا أدبارهم)؟

    12- أيعقل أن يكون موقفنا أمام صدام أضعف من موقف إخواننا المجاهدين الأفغان أمام الروس ونحن أثرى بلد في العالم، وشعبنا معدن الشجاعة في الدنيا وأرضنا قارة؟

    هذا وصدام لم يهاجمنا بل هو يردد أنه لم يفكر في ذلك. أما الروس فقد ملكوا البلاد كلها بالفعل وحاربوا بأسلحة الدمار المحرَّمة دولياً بكل أنواعها –ماعدا النووي منها- وكان مصيرهم ما يعلمه العالم كله؟

    13- لقد استطاع المجرم صدام بناء أسوار هائلة من الرمال والحواجز والألغام تجعل اختراق الدبابات الأمريكية المتطورة صعباً للغاية- أكان يعجزنا أن نفعل مثله لنصد به دباباته؟ أما سلاح الجو فأستطيع الجزم بتفوق جيشنا فيه.

    14- ألم تستسلم عشرات الدبابات العراقية للمملكة ولولا الحواجز لتدفق المزيد؟

    فلوكنا صادقين مع الله معادين لأعداء الله فاضحين لحزب البعث مواسين لإخواننا المسلمين في العراق فيما يعانونه لاطمأنوا لنا ولما كان دخولهم حدودنا لو أمر به صدام إلا استسلاماً لنا بل ربما حولناهم إلى فاتحين للعراق محررين له من الكفر البعثي؟

    15- وأخيراً نسأل: أليس وقوع ما حذر منه الناصحون وأخبر به الصادقون كما حذورا وأخبروا دليلاً على أن الرائد لا يكذب أهله؟ فلماذا لا يتاح لهم فرصة المزيد من النصح والتحذير؟

    (44*) هي لجنة يهودية عالمية تُعد بمثابة الحكومة اليهودية السرية للعالم الغربي و توابعه، أسسها "ديفيد وركفلر" كبير المرابين في العالم سنة 1973، و من أهم مؤسساتها " بيكتل كورب " التى يتخرج منها كبار الساسة الأمريكيين و منهم – واينبرغر وزير الدفاع السابق ، و منها تخرج بوش أيضاً و بيكر . (انظر الفكر الاستراتيجي – 1982/ 3 ).


    الخاتمة

    أصحاب الفضيلة

    كان موضوع هذه الرسالة كما رأيتم بيان الواقع لا بيان الحكم الشرعي الذي أختاره وأرجحه فيه -مع أن كل ناظر منصف يعلم أنني متابع في رأيي للأرجح من كلام الأئمة السابقين والقول الوحيد لمشايخنا ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في كتابه نقد القومية العربية وفضيلة الشيخ صالح الفوزان في كتابه "الولاء والبراء"، فضلاً عن فتاوى علماء الدعوة رحمهم الله أجمعين.

    وكل علمائنا المعاصرين فيما أعلم يحرمون استقدام الكفار إلى جزيرة العرب عمَّالاً مستأجرين، فكيف إذا كانوا حماة مستكبرين، ولا ريب عند كل مسلم أن الله تعالى إنما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم ليحارب المشركين لا ليحارب بهم، وأمره أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه وهذا هو الأصل القطعي في المسألة:

    وكل نص جزئي يخالفه فلدينا جوابه ولله الحمد، ومع ذلك فقد كررت القول وما زلت أقول بالفرق بين الفتوى من الناحية الفقهية الخالصة أي حكم الاستعانة بالمشركين أياً كان القول فيها، وبين تنزيلها على الواقع أعنى تجويز استقدام نصف مليون صليبي ويهودي إلى جزيرة العرب وهو ما نخشى -عياذاً بالله- أن يتحول إلى استكانة لأعداء الله لا استعانة بهم، وقد بدت بوادر ذلك تلوح.

    فقد يتفق من يقول بجواز الاستعانة المشروطة ومن يقول بالتحريم مطلقاً ومن يجيز ذلك للضرورة على أن الواقع ليس استعانة أصلاً، وذلك بناءاً على معرفة الحال وتبين مناط الحكم وهو ما أرجو أن تكون الرسالة قد أعطت صورة وافية عنه والأمر إليكم بعد ذلك.

    أما ما لا أُعفي علماءنا منه بحال فهو بيان السبب الحقيقي لهذه المصيبة كما بين الله في كتابه وجرت به سنته في خلقه قديماً وحديثاً أن ما أصابنا لم يكن إلا بما كسبت أيدينا واقترفنا من ذنوب وعصيان، وخروج عن شرع الله، ومجاهرة بما حرم الله، وموالاة أعداء الله، وتهاون في حق الله، وتقصير في دعوة الله، اشترك في ذلك الحاكم والمحكوم والعالم والجاهل والصغير والكبير والذكر والأنثى على تفاوت فيما بينهم إلا من رحم الله ممن هم قائمون بالحق عرضة للبلاء غرض للسهام من عالم وداعية وناصح.

    لقد ظهر الكفر والإلحاد في صحفنا وفشا المنكر في نوادينا ودُعي إلى الزنا في إذاعتنا وتلفزيوننا واستبحنا الربا حتى أن بنوك دول الكفر لا تبعد عن بيت الله الحرام إلا خطوات معدودات.

    أما التحاكم إلى الشرع -تلك الدعوى القديمة- فالحق أنه لم يبق للشريعة عندنا إلا ما يُسميه أصحاب الطاغوت الوضعي الأحوال الشخصية وبعض الحدود التي غرضها ضبط الأمن (ومنذ أشهر لم نسمع شيئاً منهم عن حد أقيم)، ومع ذلك وضعنا الأغلال الثقيلة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصفدنا الدعوة والموعظة بالقيود المحكمة، وهذا من استحكام الخذلان وشدة الهوان ومن يُهِن الله فما له من مُكرِم.

    وهكذا جنينا ثمرة الصراع الذي استغرق تاريخنا المعاصر كله بين مبدأين متناقضين هما:-
    1- مبدأ دولة العقيدة التي تجعل الجهاد غايتها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفتها.
    2- ومبدأ دولة الرفاهية التي تجعل الشهوات الدنيوية غايتها والتغريب وسيلتها.

    وحين انحازت فلسفة التنمية وخططها إلى الأخير منهما ولم يبق للأول إلا شعارات إعلامية وهياكل تقليدية تتآكل مع الزمن كان لا بد أن تقع السنة الربانية "سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه حتى ترجعوا إلى دينكم) ووقعت النازلة فارتجف منا كل قلب وذهل كل لب بعد أن كنا منصورين بالرعب، واستيقظنا فإذا جيشنا الذي كان أيام سيادة المبدأ الأول (قبل سبعين سنة) أكثر من 400،000مجاهد وعجزت أمهر الاستخبارات العالمية عن اختراقه لا يتجاوز اليوم خُمُس ذلك العدد وبينهم كثير من متبعي الشهوات ومضيعي الصلوات وأصبحنا نستجدي لحمايتنا أمم الأرض كافرها ومسلمها حتى دويلات أفريقيا الفقيرة.

    هذا مع ما كنا فيه أيام الجهاد من الفقر والعوز اللذين كانا مضرب المثل في حين أن جيشنا الحديث يُنفق عليه منذ ثلاثين سنة على الأقل أكثر من ثلث ميزانيتنا الضخمة، وربما سمعتم ما قيل من أن ميزانية الجيش السعودي خلال هذه السنين أكثر من ميزانية دولة إسرائيل كلها، ومع ذلك فلدى الدولة اليهودية مليون مقاتل وعشرون مفاعلاً نووياً، وقد ضربت تونس وبغداد وأوغندا، وهددت بضرب إسلام آباد واحتلت جيوشها خمسة أضعاف مساحة بلدها الأصلي.

    أفيكون المغضوب عليهم أحرص على الموت وأخلص لدينهم وأمتهم وأحفظ لأموالهم منا.

    عند طول الكارثة ظن الناصحون بالأمة خيراً وقالوا ستُظهر التوبة وتُعلِن الضراعة وتخرج بقضِّها وحديدها تجأر إلى الله في الصعدات، وتعلو كلمة الحق ويخرس دعاة الفجور، وتتحول المدن والقرى والهجر إلى معسكرات جهادية، ويبرز العلماء إلى الميدان ويقودون مسيرة الجهاد، ويتداركون الموقف، ويحاسبون المفرط، وينبهون الغافل، وينذرون المُعرِض، وتتحولى نفقات اللهو واللعب إلى الجهاد والمجالدة... ولكن هذا الظن قد خاب إذ سرعان ما عادت السكرة واستحكمت الغفلة ورانت الذنوب وضاع صوت النصح بل حُورِب ومُنِع.

    فيا أصحاب الفضيلة هذا يومكم وهذا واجبكم والله، ثُم المؤمنون معكم.

    وعليكم بعد الله ينعقد الأمل، ولا زالت الأمة ولله الحمد لكم سامعة ولنصحكم مستجيبة فقودوها على بركة الله، واستخبروا الصادق منها يخبركم واستشيروا المخلص يصدقكم وأعيدوا النظر في الواقع وقارنوه بما ذكره الفقهاء عن الاستعانة تجدوا البون الشاسع.

    وإنها لنصيحة أردنا بها إبراء الذمَّة وإسداء المشورة نضعها بين يدي مشايخنا الأجلاء وعلمائنا الأفاضل.
     

مشاركة هذه الصفحة