شـرح المقـدمة في أصـل الوثنيـة اليـونانيـة :-

الكاتب : ابواسامة السلفي   المشاهدات : 746   الردود : 0    ‏2003-05-12
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-12
  1. ابواسامة السلفي

    ابواسامة السلفي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-28
    المشاركات:
    371
    الإعجاب :
    3
    شـرح المقـدمة في أصـل الوثنيـة اليـونانيـة :-
    الحمد لله رب العالمين و العاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على نبينا و على آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين 0
    أما بعد :
    فإني أقول في هذه المناسبة : من الواجبات التي يجدر بالمسلم المتبع لمنهج السلف معرفتها معرفة فرق الضلال والانحراف المتقدمة والمتأخرة ويجدر بها معرفة الحزبية اليوم وخطرها على الأمة الإسلامية عموما وعلى الدعوة السلفية خصوصا وأنها نائبة الماسونية و الصهاينة اليهودية في الهدم للإسلام وبث الفرقة بين أهله وضرب الإسلام بمعوله كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (10/368) :
    ( فان معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين واصله واصل ما تولد فيه من أعظم العلوم نفعا إذ المرء ما لم يحط علما بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة )

    ومن أجل هذا حذر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال جل وعز ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون )
    وقال تعالى ( و لا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون )

    ولتعلموا جميعا أن فرق البدع والضلال و الحزبية المقيتة قامت بترويج باطلها على ممر تاريخ الفرق المبتدعة بميزة التقرب إلى الله والغير على الإسلام ومبادئه باسم الدفاع عنه ورد على أهل الباطل فبهذا حققت غايتها باسم السلام التي يعجز عن تحقيقها أهل الكفر وإلحاد الظاهرين وذلك بيِّن من منذ فجر الإسلام وعلى مدى تاريخه ولذا حذرنا رسولنا الكريم من أهل البدع .

    فعن أبي نجيح العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا : يا رسول الله!! كأنها موعظة مودع ، فأوصنا.إلى أن قال : فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضو عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ».
    رواه أبو داود(1 ) والترمذي( 2) وقال : حديث حسن صحيح ورواه أحمد( 3) وابن ماجه(4 ) والدارمي( 5)).

    ولكن بتزين أهل الباطل لباطلهم استطاعوا أن يلبسوا على الناس دينهم فضل من ضل من المسلمين على أيد هؤلاء الخونة بضرب المسلمين باسم الإسلام .
    قال مقاتل بن حيان ( أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم إنهم يذكرون النبي وأهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر الحسن عند الجهال من الناس فيقذفون بهم في المهالك فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق فأبصرهم فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء فقد أصبحت في بحر الأهواء الذي هو أعمق غورا وأشد اضطرابا وأكثر صواعق ...)

    وقال الحافظ ابن بطة رحمه الله ( فلعل الحدث يقع إليه الكتاب لرجل من أهل هذه المقالات قد ابتداء الكتاب بحمد الله و الثناء عليه والإطناب في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتبع ذلك بدقيقة وخفيه اختراعه فيظن الحدث الذي لا علم له والأعجمي و الغمر من الناس أن الواضع لذلك الكتاب عالم من العلماء أو فقيه من الفقهاء ولعله يعتقد في هذه الأمة ما يره فيها عبدة الأوثان ومن بارز الله ووالى الشيطان ).بتصرف يسير مني .

    فهذه طريقة القوم يزينون الباطل في أحسن صورة ليقبل .
    وصدق على هذه الأمة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ».
    ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في التحذير من أهل البدع :
    ((فـإن بـيـان حـالهم، وتحـذيـر الأمـة منهم واجب باتفاق المسلمين ...وهــو من جـنـس الجـهـاد في سبيـل الله ))

    لذلك لم يغفل أئمة السنة رحمهم الله في الرد على هذه المكيدة في كتبهم المصنفة في السنة فجزاهم الله خير الجزاء .
    قال شيخ الإسلام (هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد (، ولا بملة من الملل السالفة؛ بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها، يدعون أنها علم الباطن...

    فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه؛ إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها... ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين؛ كما قتلوا امرأة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى...

    وصنف علماء المسلمين كتباً في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد الذي هم به أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام...

    ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين؛ فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين، فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين، حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين ((عثمان بن عفان)) رضي الله عنه، فتحها ((معاوية بن أبي سفيان)) إلى أثناء المئة الرابعة.

    فهؤلاء المحاذون لله ورسوله كثروا حينئذٍ بالسواحل وغيرها؛ فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره؛ فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك، ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى؛ ((كنور الدين الشهيد، وصلاح الدين)) وأتباعهما، وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها منهم، وفتحوا أيضاً أرض مصر؛ فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة، واتفقوا هم والنصارى؛ فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام للديار المصرية والشامية.

    ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإن منجم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو ((النصير الطوسي)) كان وزيراً لهم بالألموت، وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء.

    ولهم ((ألقاب)) معروفة عند المسلمين: تارة يسمون ((الملاحدة))، وتارة يسمون ((القرامطة))، وتارة يسمون ((الباطنية))، وتارة يسمون ((الإسماعيلية))، وتارة يسمون: ((النصيرية))، وتارة يسمون: ((الخرمية))، وتارة يسمون: ((المحمرة))، وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم، كما أن الإسلام والإيمان يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه: إما لنسب، وإما لمذهب، وإما لبلد، وإما لغير ذلك.

    وشرح مقاصدهم يطول، وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض، وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين؛ لا بنوح، ولا إبراهيم، ولا موسى، ولا عيسى، ولا محمد؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا بشيء من كتب الله المنزلة؛ لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا القرآن، ولا يقرون بأن للعالم خالقاً خلقه، ولا بأن له ديناً أمر به، ولا أن له داراً يجزى الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار، وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الإلهيين، وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور، ويضمون إلى ذلك الرفض... وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من

    المسلمين، وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم... وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم... ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يُصلى على من مات منهم؛ فإن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه ( عن الصلاة على المنافقين؛ كعبد الله بن أُبي ونحوه، وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام؛ لكن يسرون ذلك، فقال الله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَروا بِاللهِ وَرَسولِهِ وماتوا وَهُمْ فاسِقونَ}؛ فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد؟!

    وسئل عن ((الدرزية)) و((النصيرية)): ما حكمهم؟
    فأجاب: هؤلاء ((الدرزية)) و((النصيرية)) كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم؛ بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدون عن دين الإسلام، ليسوا مسلمين ولا يهود، ولا نصارى، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، ولا وجوب صوم رمضان، ولا وجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما، وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد؛ فهم كفار باتفاق المسلمين.

    فأما ((النصيرية))؛ فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير...
    وأما ((الدرزية))؛ فأتباع هشتكين الدرزي، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم، ويسمونه الباري، العلام ويحلفون به، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبدالله، وهم أعظم كفراً من الغالية، يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وغايتهم أن يكونوا ((فلاسفة)) على مذهب أرسطو وأمثاله، أو ((مجوساً))، وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقاً. والله أعلم. انظر مجموع الفتاوى ( 35/ 149)

    وقال أيضاً في (22/ 367) :( فالرافضة تنتحل النقل عن أهل البيت لما لا وجود له ، وأصل من وضع ذلك لهم زنادقة ، مثل رئيسهم الأول عبد الله بن سبأ ، الذي ابتدع لهم الرفض ، ووضع لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بالخلافة ، وأنه ظلم ومنع حقه ، وقال أنه كان مصوما ، وغرض الزنادقة بذلك التوسل إلى هدم الإسلام ، ولهذا كان الرفض باب الزنادقة والإلحاد فالصائبة المتفلسفة ومن أخذ ببعض ، أو زاد عليهم – من القرامطة و النصيرية والاسماعيلية و الحاكمية وغيرهم – إنما يدخلون إلى الزندقة و الكفر بالكتاب و الرسول وشرائع الإسلام من باب التشيع و الرفض و المعتزلة ونحوهم تنتحل القياس و العقل وتطعن في كثير مما ينقله أهل السنة و الجماعة ، ويعللون ذلك بما ذكر من الاختلاف ونحوه وربما جعل ذلك بعض أر باب الملة من أسباب الطعن فيها ن وفي أهلها ، فيكون بعض هؤلاء المتعصبين ببعض هذه الأمور الصغار ساعيا في هدم قواعد الإسلام الكبار ).

    ولهذا كان السلف يذمون الجدال والخصام والكلام في الدين والمراء في مسائل الحلال و الحرام و ينهون عن كثرة المسائل و عن أغلوطات المسائل و عن الإكثار من فرض المسائل قبل وقوع الحوادث سدا لهذا الباب واكتفاء بالكتاب والسنة وطريقة السلف . انظر الانتصار لأهل الحديث ص92

    قال ابن رجب رحمه الله : ((و مما أنكره أئمة السلف : الجدال و الخصام و المراء في مسائل الحلال و الحرام أيضاً و لم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام و إنما أحدث ذلك كما أحدثه فقهاء العراقيين في مسائل الخلاف بين الشافعية و الحنفية ،و وضعوا كتب الخلاف ووسعوا البحث و الجدال فيها و كل ذلك محدث لا أصل له و صار ذلك علمهم حتى شغلهم عن العلـــم النافع 0 فضل علم السلف ص : 57
    قال ابن عبد البر : أجمع أهل الفقه و الآثار من جميع الأمصار في أن أهل الكلام أهل بدع و زيغ و لا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء و إنما العلماء أهل الأثر و التفقه فيه ،و يتفاضلون فيه بالإتقان و التميز و الفهم 0

    وقال الآجري : في كتاب الشريعة عند إيراده الأحاديث في ذم الجدال و الخصومات في الدين :قال : (( لما سمع هذا أهل العلم من التابعين و من بعدهم من أئمة المسلمين ، لم يتماروا في الدين و لم يجادلوا ،و حذروا المسلمين المراء و الجدال و أمروهم بالأخذ بالسنن وبما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين و هذا طريق أهل الحق ممن و فقه الله عز وجل )) الشريعة للآجري ( 1/433 – 434 )
    وقال ابن رجب رحمه الله : (( و مما أحدث من العلم : الكلام في العلوم الباطنة من المعارف و أعمال القلوب و توابع ذلك ، بمجرد الرأي و الذوق أو الكشف و فيه خطر عظيم ،و قد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد و غيره )) بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص 70)

    و قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى : (( الكلام في الدين أكرهه و لم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه ، نحو الكلام في رأي جهم و القدر و كل ما أشبهه ذلك و لا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل ، فأما الكلام في دين الله و في الله عز وجل فالسكوت أحب إليّ ، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل )) 0 جامع بيان العلم وفضله ( 2/ 95 )

    قال الشافعي رحمه الله : (( ما جهل الناس و لا اختلفوا إلا بتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطا طاليس )) صون المنطق والكلام ص 15 0

    قال الذهبي رحمه الله: (( بل قلّ من أمعن النظر في علم الكلام إلا و أدّاه اجتهاده إلى القول بما يخالف محض السنة و لهذا ذم علماء السلف النظر في علم الأوائل فإن علم الكلام مولد من علم الحكماء الدهرية، فمن رام الجمع بين علم الأنبياء عليهم السلام و بين علم الفلاسفة بذكائه لا بُدّ و أن يخالف هؤلاء و هؤلاء ،ومن كف و مشى خلف ما جاءت به الرسل من إطلاق ما أطلقوا و لم يتحذلق و لا عمّق فإنهم صلوات الله عليهم أطلقوا و ما عمقوا فقد سلك طريق السلف الصالح و سلم له دينه و يقينه نسأل الله السلامة في الدين )) ميزان الاعتدال ( 3/ 144)

    و قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : (( و قد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين و أتباعهم و لم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان ،و جعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل و لو كان مستكرها ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم و أولاها بالتحصيل و أن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل ،و السعيد من تمسك بما كان عليه السلف ،و اجتنب ما أحدثه الخلف ،و إن لم يكن له منه بُد فليكتف منه بقدر الحاجة و يجعل الأول المقصود بالإحالة ،و الله الموفق )) 0 فتح الباري ( 13 / 253(
    وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية مقارنة بين أهل الحديث وأهل الكلام كما في مجموع الفتاوى ( 4/ 23)وذكر كثيرا من أصولهم الفلسفية المبنية على كلام الفلاسفة .

    وقال في مجموع الفتاوى ( 4/ 34) وقد تنازع أهل الكلام في حصول العلم القلب عقب النظر في الدليل....
    ثم قال و قالت المتفلسفة : بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال عند استعداد النفس لقبول الفيض .
    وقد يزعمون أن الفيض الفعال هو جبريل .......
    ثم قال وأما ما زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال : فمن الخرافات التي لا دليل علها وأبطل من ذلك زعمهم أن ذلك هو جبريل .
    وزعمهم : أن كل ما يحصل في عالم العناصر من الصور الجسمانية وكمالاتها : فهو فيضة وسببه من أبطل الباطل .

    قلت: في هذا الكلام إشارة إلى أنهم مثل الأنبياء في التلقي للعلوم إما عن طريق جبريل أو عن طريق الفيض الإلهي لأنهم يدعون بمنطقهم أن أرسطو علم ما وراء الطبيعة كما بينه شيخ الإسلام في ( 9/ 14-15) حيث قال : و المقصود هنا : أن متقدمهم لم يذكروا المقدمات المتلقاة من الأنبياء ولكن المتأخرون رتبوه على ذلك :إما بطريق الصائبة الذين لبسوا الحنفية بالصائبة كابن سيناء ونحوه وإما بطريق المتكلمين الذين أحسنوا الظن بما ذكره المنطقيون و قرروا إثبات العلم بموجب النبوات به .
    ثم قال : ولهذا صاروا يقولون : النبوة مكتسبة و لم يثبتوا نزول ملائكة من عند الله إلى من يختاره ويصطفيه من عباده .
    ولا قصد إلى تكليم شخص معين من رسله ؛كما يذكر عن بعض قدمائهم أنه قال لموسى بن عمران أنا أصدقك في كل شيء إلا في أن علة العلل كلمك ، وما اقدر أن أصدقك في هذا .
    ولهذا صار من ضل بمثل هذا الكلام يدعي مساواة الأنبياء و المرسلين أو التقدم عليهم وهذا كثير في كثير من الناس الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أكمل النوع وهم من
    أجهل الناس وأظلمهم وأعظمهم نفاقا .أهـ

    وهذه الباطنية موجودة وهم المعرفون بالإسماعيلية ، الإسماعيلية أصلهم من الهند ومنتشرون الآن في بعض دول أفريقيا وفي بعض بلاد الشام ، والنصيرية منهم
    وابن سينا وأمثاله من الفلاسفة المعروفين بالإلهيين ، وهم ينقسمون كما تقدم إلى قسمين :
    -فلاسفة إسلامية .
    -والفلاسفة اليونانيون .
    والفلاسفة الإسلاميون تلاميذ للفلاسفة اليونانيين ، الإسلاميون كابن سينا والفارابي والكندي هؤلاء يحسب كثير من الذين يدرسون علم الكلام أنهم من المسلمين وليسوا من المسلمين ، لا فرق بينهم وبين أساتذتهم من اليونانيين بل الفرق بينهم في الجنسية أولئك يونانيون وهؤلاء من غيرهم ينتسبون إلى الإسلام .
    و جميع النفاة الأسماء والصفات من المعتزلة و الأشاعرة و الماتريدية والكلابية وغيرهم كلهم يرجعون للقرامطة .
    ( والقرامطة طوائف منها الباطنية .
    - باطنية القرامطة .
    - باطنية الفلاسفة .
    - باطنية الصوفية .
    - وباطنية الشيعة .

    الباطنية فِرَق و (والقرامطة) فرقة من فرق الباطنية ، وهؤلاء ، إن كثيرا من الناس الآن – وبعض الشباب – يحسبون أنهم لا وجود لهم ، الباطنية بجميع فرقها موجودة الآن :
    باطنية الصوفية مثل وحدة الوجود كابن عربي الطائي وابن الفارض هؤلاء من باطنية الصوفية أي : غلاة الصوفية يصلون إلى درجة الباطنية.
    وباطنية الشيعة : كابن سينا ، ابن سينا من العبيديين .
    العبيديون الذين أطلقوا على أنفسهم أخيرا الفاطميون ، وهم منبع البدع ، وهم الذين ابتدعوا الموالد ، الاحتفال بالموالد من بدع الفاطميين وهم عبيديون وهم في الأصل ملاحدة .

    ولا ريب أن منطق أرسطو هو الذائع بين الباحثين الإسلاميين فمنذ أن نقله العرب اعتبرته طائفة قانونا عقليا ، ومنهجا علميا في تعاريفه وحدوده وأحكامه وقضاياه و أقيسته وقد فتن به كثير من المسلمين وتأثروا به في تأليفهم الإسلامية .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( و إنما دخل هذا في كلام من تكلم في (( أصول الدين و الفقه)) بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة و أوائل المائة السادسة 0
    فأما أبو حامد فقد وضع مقدمة منطقية في أول المستصفى وزعم أن من لم يحط بها علما فلا ثقة لـه بشيء من علومه وصنف في ذلك محك النظر و معيار العلم دواما اشتدت به ثقته و أعجب من ذلك أنه وضع كتابا سماه القسطاس المستقيم و نسبه إلى أنه تعليم الأنبياء ،و إنما تعلمه من ابن سيناء ،و هو تعلمه من كتب أرسطو و هؤلاء الذين تكلموا في الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني 0انظر كتاب الرد على المنطقيين ( ص 14 – 15 )
    وما حسن قول القائل :
    قطعـنا الأخـوة مـن معشـر بهم مرض من كتاب الشفاء
    فماتوا على دين رسطا طالـيس ومتنا على ملة المصطفى

    وبين شيخ الإسلام بالتحديد منشأ دخول علوم الفلسفة والمنطق فقال :( في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين وقعت عامة البدع المتعلقة بالعلوم و العبادات كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي ) فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين ، وصار ملكا ظهر النقص في الأمراء ، فلابد أن يظهر أيضا في أهل العلم و الدين فحدث في أخر خلافة علي بدعتا الخوارج و الرافضة إذ هي متعلقة بالإمامة و الخلافة وتوابع ذلك من الأعمال و الأحكام الشرعية . ....

    وحدثت بدعة القدرية و المرجئة فردها بقايا الصحابة كابن عباس وابن عمر وجابر وواثلة بن الأسقع وغيرهم رضي الله عنهم – مع ما كانوا يردونه هم وغيرهم من بدعة الخوارج و الروافض . وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون فيه : أعمال العبادة كما يتكلم فيها المرجئة فصار كلامهم في الطاعة و المعصية و المؤمن و الفاسق ، ونحو ذلك من مسائل الأسماء و الأحكام ، والوعد والوعبد ، ولم يتكلموا بعد في ربهم ولا في صفاته إلا في أواخر عصر صغار التابعين ، في أواخر الدولة الأموية .


    وحين شرع القرن الثالث تابعو التابعين ينقرض أكثرهم – فإن الاعتبار في القرون الثلاثة : جمهور أهل القرن وهم واسطة وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى أنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل ،وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير و عبد الملك ، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية ،وأوائل الدولة العباسية – وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم وخرج كثير من الأمر عن ولاية العرب وعربت بعض الكتب العجمية من كتب الفرس و الهند و الروم ، وظهر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ، ويحلف ولا يستحلف ) وحدث ثلاثة أشياء ( الرأي ) و (الكلام ) و ( التصوف ) انظر ( 10/ 345-358) بتصرف يسير .


    وقد نشطت المعتزلة في هذه الفترة وتوسع زعماؤها في البحث و التدقيق و اطلعوا على كتب الفلاسفة التي ترجمت في عهد المأمون .

    يقول الشهرستاني : ( ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام . انظر أصول الاعتقاد صـ 46 .
    وقد فتن به كثير من المسلمين وتأثروا به في كتبهم المنطقية منذ أن نقل إليهم في أواخر العصر الأموي حيث تكشفت المساواة الحرية الفكرية وظهر إقبال المسلمين على نقل التراث اليوناني وتأثروا علماء الكلام واخذوا في دراسته وتخذوه أصولهم في بحوثهم ، وقد تأثروا كثيرا بما قرأوه وطالعوه من أراء لفلسفة المتقدمين وقد حفزهم لذلك اتصالهم برجال البيع و الكنائس والأديان وتلك كانت شبه مجامع علمية تدرس فيها الفلسفة اليونانية وقد زادت حركة الترجمة في أوائل الدولة العباسية .

    قال الشيخ نصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة : قال ابن أبي زيد القيرواني رحم الله بني أمية لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة وكان أكثر عمالهم و أصحاب ولايتهم العرب ، فلما زالت الخلافة عنهم ودارت إلى بني العباس قامت دولتهم بالفرس وكانت الرئاسة فيهم وفي قلوب أكثر الرؤساء منهم الكفر و البغض للعرب ودوله الإسلام فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام ولولا أن الله تبارك وتعالى وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ملته وأهلها هم الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام ولكنهم قد ثلموه وعوروا أركانه و الله منجز وعده إن شاء الله تعالى .

    فأول الحوادث التي أحدثوها إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام فترجمت بالعربية وشاعت في أيدي المسلمين وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلاد الإسلام يحيى بن خالد بن برمك ، وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم وكان ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب اليونانية أن يتركوا دين النصرانية ويرجعوا إلى دين اليونانية ، وتتشتت كلمتهم وتتفرق جماعتهم فجمع الكتب في موضع وبنى عليها بناء مصمسا بالحجر و الجص حتى لا يوصل إليها

    فلما أفضت رئاسة دولة بني العباس إلى يحيى بن خالد وكان زنديقا بلغه خبر الكتب التي في البناء ببلد الروم فصانع ملك الروم الذي كان في وقته بالهدايا ، ولا يلتمس منه حاجة ، فلما أكثر عليه جمع الملك بطارقته وقال لهم :إن هذا الرجل خادم العرب قد أكثر عليّ من هداياه ولا يطلب مني حاجة وما أراه إلا يلتمس حاجة ، وأخاف أن تكون حاجته تشق عليّ وقد شغل بالي ، فلما جاءه رسول يحيى قال له : قل لصاحبك إن كان له حاجة فليذكرها ،

    فلما أخبر الرسول يحيى رده إليه و قال له : حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إليَّ أخرج بعض ما أحتاج إليه وأردها إليه ، فاستطار الرومي فرحا إذ أنه خاف أن تقع في أيدي النصارى فتكون سببا لهلاك دينهم وتبديد جماعتهم فبعث بالكتب إلى يحيى ، فلما وصلت إليه جمع عليها كل زنديق وفيلسوف فممال أخرج منها كتاب حد المنطق وقل من أنعم النظر في هذا الكتاب وسلم من زندقة ،

    فجعل يحيى في داره المناظرة و الجدال و النقل لهذه الكتب ، ولما هادن المأمون صاحب جزيرة قبرص طلب إليه خزانة كتب اليونان وقد أشارت عليه البطارقة بعدم تجهيزها إليه إلا واحد منهم فإنه قال : جهزها إليهم فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها و المعروف أن أول من عرب كتب اليونان خالد بن يزيد بن معاوية ، ثم أخذ القوم في التعريب فزاد الجدال و قوي الشر وأخذ أصحاب الأهواء مقدمات عقلية من الفلاسفة ،

    فأدخلوها في مباحثهم و فرحوا بها مضائق جدالهم وبنوا عليها قواعد بدعهم وكان أقدم ما ترجم من الكتب اليونانية ترجمة كتب أرسطو لمنطقية وممن ترجمها عبد الله بن المقنع وكذا كان ممن ترجم كتب أرسطو أبو نوح ،ثم سلم صاحب دار الحكمة وهما من نصارى السريان وثانيهما عصر المأمون ، ثم قام حنين بن إسحاق ومتى بن يونس ، ويجيى بن عدي وغيرهم بترجمة الكتب المنطقية فتأثر المسلمون بالمنطق اليوناني ، كما تأثروا بآراء اليونانيين وشراح منطقهم وفلسفتهم ،كما أن شروحاً أخرى لغير اليونانيين من علماء اللاتين إلى العربية فسار منطق أرسطو وقد سار بجانبيه بحوث أخرى تأثر بها المنطق الإسلامي .
    انظر تعليق الأستاذ أحمد فهمي على كتاب الملل والنحل لشهرستاني عند الكلام على منطق ابن سيناء (1- /3/227)

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ( 4/ 20-21):
    ( وذلك لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( الفتنة هاهنا ) ) ظهر حينئذ كثير من البدع وعربت أيضا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم من المجوس الفرس و الصائبة الروم و المشركين الهند ، وكان المهدي من أخبار خلفاء بني العباس .
    وفي دولة أبي العباس المأمون ظهر ( الحزمية ) ونحوهم من المنافقين وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين وأرسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة .

    فلما ظهر من الكفر و النفاق في المسلمين وقوي من حال المشركين وأهل الكتاب كان من أثر ذلك : ما ظهر من استيلاء الجهمية و الرافضة و أهل الكتاب ؛ وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصائبة ونحوهم من المتفلسفة وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلا وعدلا وإنما هو جهل وظلم إذا التسوية بين المؤمن و المنافق ،والمسلم و الكافر أعظم الظلم وطلب الهدى عند أهل الظلال أعظم الجهل ، فتولد من ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات و التكذيب بكلام الله ورؤيته وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جر ، مما يطول وصفه ) .

    الـخط التـاريخي لظـهور البـدع :
    ونلاحظ مما سبق أن البدع لم تظهر دفعة واحدة ولا في زمن واحد وإنما كانت تظهر في أزمنة مختلفة وفي أماكن متباعدة وتبين لنا أن تلك البدع والأشخاص الذين ظهرت على أيديهم هذه الفرق والأفكار المنحرفة في أوائل القرن الرابع أغلبهم من أهل الشرك والوثنية .

    فحدث في أخر خلافة علي بدعتا الخوارج و الرافضة إذ هي متعلقة بالإمامة و الخلافة وتوابع ذلك من الأعمال و الأحكام الشرعية .
    فظهر الخوارج في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عام 37هـ وهي الفترة الثانية بعد المائة بعد الهجرة .حيث اعترضوا على قبول التحكيم عندما رفع أصحاب معاوية المصاحف رضي الله عنه .

    ثانيا : التشيع لعلي رضي الله عنه كان في أول أمره معتدلا من غير تعرض لأحد من الخلفاء قبله بسب أو تجريح .
    قال ابن تيمية رحمه الله ( وتواتر عن علي بن أبي طالب أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها : أبو بكر وعمر ) هذا متفق عليه بين قدماء الشيعة وكلهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر وإنما النزاع في علي وعثمان حين صار لهذا شيعة ولهذا شيعة وأما أبو بكر وعمر فلم يكن أحد يتشيع لهما بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما حتى الخوارج ) انظر كتاب النبوات صـ132
    ثم ظهر رجل يهودي اسمه ( عبد الله بن سبأ من صنعاء اليمن ) ادعى الإسلام وزعم محبة آل البيت وغالى في علي رضي الله عنه وادعى له الوصية المكذوبة بالخلافة ثم رفعه مرتبة الألوهية .

    قال البغدادي ( السبئية : اتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي رضي الله عنه وزعم أنه كان نبياً ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله ).
    وقال البغدادي ( وكان ابن السوداء – أي ابن سبأ – في الأصل يهوديا من أهل الحيرة فأظهر الإسلام وأرد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة فذكر لهم أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا وأن عليا رضي الله عنه وصي محمد صلى الله عليه وسلم )انظر الفرق بين الفرق صـ 235 ومقدمة كتاب اللالكائي .

    وذكر الشهرستاني عن ابن سبأ أنه : ( أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي رضي الله عنه ) وذكر عن السبئية أنها : ( أول فرقة قالت بالتوقف و الغيبة و الرجعة ) انظر مقدمة كتاب اللالكائي.

    وحدثت بدعة القدرية و المرجئة فردها بقايا الصحابة كابن عباس وابن عمر وجابر وواثلة بن الأسقع وغيرهم رضي الله عنهم ،وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون فيه : أعمال العبادة كما يتكلم فيها المرجئة فصار كلامهم في الطاعة و المعصية و المؤمن و الفاسق ، ونحو ذلك من مسائل الأسماء و الأحكام ، والوعد والوعبد ، ولم يتكلموا بعد في ربهم ولا في صفاته إلا في أواخر عصر صغار التابعين ، في أواخر الدولة الأموية .

    ولم يظهر الحديث في القدر إلا بعد منتصف القرن الأول تقريبا أظهره معبد الجهني .
    وقد أخذه معبد عن رجل نصراني أسلم ثم رجع إلى نصرانيته مرة أخرى فكان معبد أول من نشره بين الناس في البصرة .

    قال الأوزاعي : ( أول من نطق في القدر : رجل من أهل العراق يقال له : سوسن – كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني و أخذ غيلان عن معبد ) انظر اللالكائي رقم الفقرة (1398)
    وتذكر كتب الفرق : أن غيلان الدمشقي الذي ورث القدر عن معبد أنه كان مرجئا .
    وذكر الشهرستاني أن غيلان : ( أول من قال بالقدر والإرجاء .
    وغيلان هذا قتل بعد عام 105هـ فيكون قد عاش في أواخر القرن الأول . انظر مقدمة اللالكائي .

    وفي مطلع القرن الثاني ظهر أربعة أشخاص من المبتدعة صار كل واحد منهم فيما بعد رأسا في الضلال وهم رؤس المعتزلة .
    وهؤلاء الأشخاص هم :
    1-واصل بن عطاء (131)هـ مؤسس فرقة المعتزلة .
    2- الجعد بن درهم (124هـ)
    3- الجهم بن صفوان ( 128هـ)
    4- مقاتل بن سليمان (150هـ )
    و بدءوا يتكلمون في ربهم و في صفاته في أواخر عصر صغار التابعين ، في أواخر الدولة الأموية .
    بعد انقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى أنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل ،وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير و عبد الملك ، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية ،وأوائل الدولة العباسية – وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم وخرج كثير من الأمر عن ولاية العرب وعربت بعض الكتب العجمية من كتب الفرس و الهند و الروم .
    نشطت المعتزلة في هذه الفترة وتوسع زعماؤها في البحث و التدقيق و اطلعوا على كتب الفلاسفة التي ترجمت في عهد المأمون .

    يقول الشهرستاني : ( ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام . انظر أصول الاعتقاد صـ 46 .
    وسبب هذا ولوع المعتزلة بالمناهج العقلية و الفلسفية وكثرة الأديان و المذاهب في البلاد الإسلامية المفتوحة من يهودية ونصرنية ومجوسية وزرداشتية وسمنية إلى غير ذلك من الطوائف التي لا تؤمن بالنقل الكتاب والسنة . انظر مقدمة كتاب شرح أصول الاعتقاد للالكائي .

    ونلاحظ من خلل سوقنا لفترة ظهور الفرق لم يكن لمذهب الصوفية أثر أو وجود بينهم
    وسبب ذلك أمران :

    الأول : إن مظاهر الإغارة الوثنية الحاقدة على أمة التوحيد تسير بمكر وتخفي ودهاء وعلى فترات مختلفة متنوعة الأساليب والطرق في محاربة الإسلام وأهله أهل التوحيد ،ولعلمهم قوة التوحيد في قلوب الناس في تلك الفترات ولقربهم من العصور المشهود لهم بالخيرية و كانت سيوف الجهاد منشورة وهيبة الإسلام عالية، فلم يستطيعوا ويتمكنوا من إنشاء وسيلة أخرى في محاربة هذا الدين باسمه فكانوا مكتفين بما انشاؤا من مذاهب وفرق في محاربته بالكلام على الرب وأسماء وصفاته وأفعاله لتبديد الإسلام وهدم أركانه .

    فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام ولولا أن الله تبارك وتعالى وعد نبيه صلى الله عليه وسلم و أن ملته وأهلها الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام ولكنهم قد ثلموه وعوروا أركانه والله حافظ دينه وغالب على أمره .
    كما قال شيخ الإسلام في قال ( الصفدية ( 1 / 272 - 273)

    و(هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا حتى أزال الله كلمتهم عن المسلمين وأذلهم بعد العز وأهلك من أهلك منهم وكشف أسرارهم وهتك أستارهم وهؤلاء يتصلون بالكفار اتصال القرامطة الباطنية بهم لما بين الكفار والمنافقين من معاداة أهل الإيمان ولهذا كانت الباطنية وأتباعهم الرافضة بالشام وغيره مواصلين للكفار معادين لأهل الإيمان وهم من جنس هؤلاء ومن أسباب ضلال هؤلاء أنهم لما رأوا الكمال في العلم والعمل والعلم متقدم على العمل في السلوك وأما العلم النظري فجعلوه هو الغاية بناء على أن كمال النفس في العلم فرأوا الفقه هو العلم العملي فجعلوه أدنى المراتب ثم الكلام بعده لأنه عندهم العلم النظري الذي يليق بالعامة لأن المتكلم يقول أنه ينصر العقيدة الشرعية بالأدلة القطعية والأدلة العقلية فهي عقيدة مبرهنة

    وهؤلاء يعتقدون أن ما أخبرت به الرسل هو للعامة وأما الحقيقة التي لا يعلمها إلا الخواص فأمر باطن لا يعرف من مفهوم خطاب الرسل فلهذا جعلوا المتكلم بعد الفقيه إلى فوق وجعلوا هذا الاعتقاد على وجهين فالاعتقاد المجرد للعامة والاعتقاد المقرون بحججه للخاصة ثم بعد ذلك المتفلسف لأنه عندهم دخل من النظريات الباطنة التي لم تظهرها الرسل بل أشارت إليها ورمزت

    وبعد ذلك الصوفي لأنه عندهم جمع بين النظر وبين التأله الباطن فصار العلم له شهودا ثم بعد ذلك المحقق على أصلهم وهو الذي شهد أن الموجود واحد وهو الذي انتهى إلى الغاية ويدعون أن هذا هو لباب ما جاءت به الأنبياء وما كان عليه الفلاسفة القدماء ولهذا يقول ابن سبعين في أول الإجابة إني عزمت على إفشاء سر الحكمة التي رمز إليها هرامس الدهور الأولية وبيان العلم الذي رامت إفادته الهداية النبوية وهو وابن عربي وأمثالهما في ترتيب دعوتهم من جنس ملاحدة الشيعة الباطنية فإن عقيدتهم في الابتداء عقيدة الشيعة ثم ينقلون المستجيب لهم إلى الرفض ثم ينقلونه إلى ترك الأعمال ثم ينقلونه إلى الإنسلاخ من خصوص الإسلام ثم إلى الإنسلاخ من الملل إلى أن يصل إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم عندهم فيصير معطلا محضا حتى يقولون ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا في إثبات الوجود يعنون المبدع للعالم فلو تركته الفلاسفة لم يبق بيننا وبينهم خلاف وهذا في الحقيقة هو متنهى دعوة أولئك الملاحدة وقوى ضلالهم أمور منها اعتقادهم أن لما جاءت به الرسل باطنا يناقض ظاهره ومن أسباب ذلك ما حصل لهم من الحيرة والإضطراب في فهم ما جاءت به الرسل ).

    الثاني : أن هناك في مذاهب الفلاسفة نوع منه يسمى الحكمة، فجاءت كلمة صوفية من الكلمة اليونانية (Sophia) صوفيه بمعنى الحكمة .
    فالكلمة الصوفية ومحتوه شاهدا على الرافد الوثني اليوناني الذي يمد التصوف
    فكلمة فلسفة التي نستعملها الآن تتكون من شقين (Philo فيلو ) بمعنى محب و Sophia( صوفية ) بمعنى الحكمة فالفيلسوف يسمى طالب الحكمة أو محب الحكمة
    كانت المؤثرات الإفلاطونية المحدثة واضحة المعالم في التصوف .

    ويجب علينا أن نضع ( أثولوجيا أرسطو) في المقدمة من حيث الأثر المباشر وهو أهم الكتب الموضوعة في الإفلاطونية المحدثة فهو ترجمة مختصرة للكتب الثلاثة الأخيرة من تاسوعات إفلوطين وكان تصوف إفلوطين فلسفيا وليس دينيا ويمكن حمله على الدين بسهولة وبطبيعة الحال وذلك أن كل من دخل في علوم الفلسفية لا بد أن يمر بهذا الفصل من الفلسفة ألا وهوـ( الحكمة ) ونربط هذا مع مقيل في جانب الحكمة في علم الفلاسفة أن من وصل إلى هذا المرتبة عندهم يكون بمنزلة من قد فتح عليه بالنبوة في العلوم ،فإن زنادقة الصوفية وملاحدتهم لا يرون اتباع الرسول شرطا في الطريقة .

    ويقولون : إن المريد الصادق يفتح الله على قلبه وينوره بنور من عنده مضاف إلى ما معه من نور العلم يعرف به كثيرا من أمر دينه فيستغني به عن كثير من علم الناس فإن العلم نور وقلب الصادق ممتلىء بنور الصدق ومعه نور الإيمان والنور يهدي إلى النور وصدقه يغنيه عن كثير من العلم ولهذا كان علم الحكمة الفلسفية ضروريا لصادق إلى العلم وأنه لا يفلح من لم يكن له علم وأن طريق القوم مقيدة بالعلم وأنه لا يحل لأحد أن يتكلم في الطريق إلا بالعلم فجعلوا الصوفي التي هي الحكمة عنده هي الطريق إلى العلم وإدراكه.


    وقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر كبار الصوفية والفلسفة مثل ابن سيناء وابن عربي قال (في كتابه الرد على المنطقيين ج: 1 ص: 522 ):
    وإنما ذكروا هنا لان هؤلاء هم آخر مراتب فلاسفة الصوفية الذين يقولون انهم أهل التحقيق والعرفان وكل من سواهم عندهم ناقص بالنسبة إليهم وقد رأيت من هؤلاء غير واحد وهم يرتبون الناس طبقات أدناها عندهم الفقيه ثم المتكلم ثم الفيلسوف ثم الصوفي أي صوفي الفلاسفة ثم المحقق ويجعلون ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة في الثانية وأبا حامد وأمثاله من الصوفية من العشرة ويجعلون المحقق هو الواحد.

    وقال في كتابه الرد على المنطقيين ( 1 / 523 )
    ( ولهذا ذكر ابن عرابي في الفتوحات لـه أربع عقائد الأول عقيدة أبى المعالي وأمثاله مجردة عن الحجة ثم هذه العقيدة بحجتها ثم عقيدة الفلاسفة ثم عقيدة المحققين وذلك أن الفيلسوف يفرق بين الوجود والممكن والواجب وهؤلاء يقولون الوجود واحد والصوفي الذي يعظمه هؤلاء هو الصوفي الذي عظمه ابن سينا وبعده المحقق وهؤلاء ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى بل كثير من المشركين احسن حالا منهم وهؤلاء أئمة النظار المتفلسفة وصوفيتهم وشيعتهم كان من أسباب تسلطهم وظهورهم هو بدع أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة ومن نحا نحوهم في بعض الأصول الفاسدة فان هؤلاء اشتركوا هم وأوائل الملاحدة في أصول فاسدة يجعلونها قضايا عقلية صادقة وهي باطلة كاذبة مخالفة للشرع والعقل مقالات للفلاسفة لم يذهب أليها أحد من طوائف المسلمين .

    وبذل أعداء الدين محاولات كثيرة لايجاد أصل عربي إسلامي لهذه الكلمة اليونانية الغريبة الشاذة وليلبسوا على الناس قالوا أصلها من لبس الصوف وقالوا أصلها من أصحاب الصفة وقالوا أصلها من الصفو ).

    وقال في الصفدية ج: 1 ص: 270
    (وهذا كان من آثار مذهب الذين يدعون التحقيق ويجعلون المتحقق الذي يسوغ التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى والمشركين هو أفضل الخلق وبعده عندهم على ما ذكره ابن سبعين وأخوانه هو الصوفي يعنون المتصوف على طريقة الفلاسفة ليس هو الصوفي الذي على مذهب أهل الحديث والكتاب والسنة فلفظ الصوفي صار مشتركا فهؤلاء القائلون بالوحدة إذا قالوا الصوفي يريدون به هذا ولهذا كان عندهم أفضل من الفيلسوف لأنه جمع بين النظر والتأله كالسهروردي المقتول وأمثاله وبعده عندهم المتكلم الأشعري فجعلوا الأشعرية دون الفلاسفة وأنقص منهم)

    قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 10 / 366 -368)
    فصل : ثم المتقدمون الذين وضعوا طرق الرأي و الكلام و التصوف وغير ذلك كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب والسنة والآثار إذ العهد قريب وأنوار الآثار النبوية بعد فيها ظهور ولها برهان عظيم وان كان عند بعض الناس قد اختلط نورها بظلمة غيرها فأما المتأخرون فكثير منهم جرد ما وضعه المتقدمون مثل من صنف في الكلام من المتأخرين فلم يذكر إلا الأصول المبتدعة واعرض عن الكتاب والسنة وجعلهما إما فرعين أو آمن بهما مجملا أو خرج به الأمر إلى نوع من الزندقة ومتقدموا المتكلمين خير من متأخريهم وكذلك من صنف في الرأي فلم يذكر الا رأى متبوعه وأصحابه واعرض عن الكتب والسنة ووزن ما جاء به الكتاب والسنة على رأي متبوعه ككثير من اتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وغيرهم وكذلك ممن صنف في التصوف و الزهد جعل الأصل ما روي عن متأخري الزهاد واعرض عن طريق الصحابة والتابعين

    كما فعل صاحب الرسالة أبو القاسم القشيرى وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي وابن خميس الموصلي في مناقب الابرار وأبو عبد الرحمن السلمى فى تاريخ الصوفية لكن أبو عبد الرحمن صنف أيضا سير السلف من الأولياء والصالحين وسير الصالحين من السلف كما صنف في سير الصالحين من الخلف ونحوهم من ذكرهم لاخبار أهل الزهد والأحوال من بعد القرون الثلاثة من عند إبراهيم بن ادهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ومن بعدهم وأعراضهم هم عن حال الصحابة والتابعين الذين نطق الكتاب والسنة بمدحهم والثناء عليهم والرضوان عنهم وكان احسن من هذا ان يفعلوا كما فعله ابو نعيم الاصبهان في الحلية من ذكره للمتقدمين والمتأخرين وكذلك أبو الفرج بن الجوزي في صفوة الصفوة

    وكذلك أبو القاسم التيمي فى سير السلف وكذلك ابن اسد بن موسى إن لم يصعدوا إلى طريقة عبد الله بن المبارك واحمد بن حنبل وهناد بن السرى وغيرهم في كتبهم في الزهد فهذا هذا والله أعلم واحكم فان معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين واصله واصل ما تولد فيه من اعظم العلوم نفعا اذ المرء ما لم يحط علما بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة وكان للزهاد عدة أسماء يسمون بالشام الجوعية ويسمون بالبصرة الفقرية و الفكرية ويسمون بخراسان المغاربة ويسمون أيضا الصوفية والفقراء .

    وقال : (والنسبة في الصوفية إلى الصوف لأنه غالب لباس الزهاد وقد قيل هو نسبة إلى صوفة بن مراد بن بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يجاورون حول البيت وأما من قال هم نسبة إلى الصفة فقد قيل كان حقه أن يقال صفية وكذلك من قال نسبة إلى الصفا قيل له كان حقه أن يقال صفائية ولو كان مقصورا لقيل صفوية وان نسب إلى الصفوة قيل صفوية ومن قال نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله قيل له كان حقه أن يقال صفية ولا ريب أن هذا يوجب النسبة والإضافة إذا أعطى الاسم حقه من جهة العربية لكن التحقيق أن هذه النسب إنما أطلقت على طريق الاشتقاق الأكبر والأوسط دون الاشتقاق الأصغر

    كما قال أبو جعفر العامة اسم مشتق من العمى فراعوا الاشتراك في الحروف دون الترتيب وهو الاشتقاق الأوسط أو الاشتراك في جنس الحروف دون أعيانها وهو الأكبر وعلى الأوسط قول نجاة الكوفيين الاسم مشتق من السمة وكذلك إذا قيل الصوفي من الصفا وأما إذا قيل هو من الصفة أو الصف فهو على الاكبر وقد تكلم بهذا الاسم قوم من الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره .

    وقد تكلم به أبو سليمان الد اراني وغيره وأما الشافعي فالمنقول عنه ذم الصوفية وكذلك مالك فيما أظن وقد خاطب به احمد لأبى حمزة الخراساني وليوسف بن الحسين الرازى ولبدر بن أبي بدر المغازلي وقد ذم طريقهم طائفة من أهل العلم ومن العباد

    أيضا من أصحاب احمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة أهل الحديث والعباد ومدحه آخرون و التحقيق فيه انه مشتمل على الممدوح والمذموم كغيره من الطريق وان المذموم منه قد يكون اجتهاديا وقد لا يكون وانهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في الرأي فانه قد ذم الرأي من العلماء والعباد طوائف كثيرة و القاعدة التي قدمتها تجمع ذلك كله

    وفى المتسمين بذلك من أولياء الله وصفوته وخيار عباده مالا يحصى عده كما في أهل الرأي من أهل العلم والإيمان من لا يحصى عدده إلا الله والله سبحانه اعلم وبهذا يتبين لك أن البدعة في الدين وان كانت في الأصل مذمومة ما دل عليه الكتاب والسنة سواء في ذلك البدع القولية والفعلية وقد كتبت في غير هذا الموضع أن المحافظة على عموم قول النبي كل بدعة ضلالة متعين وانه يجب العمل بعمومه وان من اخذ يصنف البدع إلى حسن وقبيح ويجعل ذلك) .انظر مجموع الفتاوى
    ( 10 / 369- 370 )


    وسئل شيخ الاسلام قدس الله روحه عن الصوفية كما في مجموع الفتاوى ج: 11 ص: 5-7
    فقال : ( بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وانهم أقسام والفقراء أقسام فما صفة كل قسم وما يجب عليه ويستحب له أن يسلكه فأجاب الحمد لله أما لفظ الصوفية فانه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام احمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به

    وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى وتنازعوا في المعنى الذي أضيف إليه الصوفي فانه من أسماء النسب كالقرشى والمدنى وأمثال ذلك فقيل أنه نسبة إلى أهل الصفة وهو غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفى وقيل نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله وهو أيضا غلط فانه لو كان كذلك لقيل صفى وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفوى وقيل نسبة إلى صوفة بن بشر بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم ينسب إليهم النساك وهذا وإن كان موافقا للنسب من جهة اللفظ فانه ضعيف أيضا

    لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى ولأن غالب من تكلم باسم الصوفي لا يعرف هذه القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة فى الجاهلية لا وجود لها في الإسلام وقيل وهو المعروف أنه نسبة إلى لبس الصوف فانه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد وعبد الواحد من أصحاب الحسن وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو وذلك.

    ما لم يكن في سائر أهل الأمصار ولهذا كان يقال فقه كوفي وعبادة بصرية وقد روى أبو الشيخ الاصبهانى بإسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف فقال أن قوما يتخيرون الصوف يقولون أنهم متشبهون بالمسيح بن مريم وهدى نبينا أحب إلينا وكان النبي يلبس القطن وغيره أو كلاما نحوا من هذا

    ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة في هذا الباب إنما هو عن عباد أهل البصرة مثل حكاية من مات أو غشى عليه في سماع القرآن ونحوه كقصة زرارة بن أوفى قاضى البصرة فانه قرأ فى صلاة الفجر فإذا نقر في الناقور فخر ميتا وكقصة أبي جهير الأعمى الذي قرأ عليه صالح المري فمات وكذلك غيره ممن روى أنهم ماتوا باستماع قراءته وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن ولم يكن فى الصحابة من هذا حاله فلما فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين كأسماء بنت ابى بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم

    والمنكرون لهم مأخذان منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا يذكر عن محمد بن سيرين انه قال ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط فان خر فهو صادق ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدى الصحابة كما نقل عن أسماء وابنها عبد الله ) .

    ومن أجل ذلك ضل جميع من دخل في علم الكلام عن طريق النبوة والوحي ،فأهل الكلام وإن عرفوا قيمة العلم لكن لم يبنوا علمهم على الوحي فضلوا وأضلوا في باب الفلسفة والمنطق ولذلك ما من متكلم إلا يلج إلى التصوف لأن علم الكلام لا يعطيه طريق العمل الشرعي فتجد جميع الفرق على اختلافها وأنواعها جميعهم في العبادة متصوفة لأن جانب الفلسفة لا يعطيه من العبادة إلا هذا المعنى أعني التصوف ولهذا اتفقوا جميعا في باب العبادة على التصوف .
    الحلقة الأولى على عجالة في كتابتها وهي محاولة مني ولم أهذبها ولم استوعب فيها :
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة