ال سعود فن التفكير والساسيه

الكاتب : فدوة القدس   المشاهدات : 626   الردود : 2    ‏2003-05-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-09
  1. فدوة القدس

    فدوة القدس عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-05-09
    المشاركات:
    528
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا الكتاب موجود فى موقع الحركه الاسلامية للاصلاح


    مقدمة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
    فإن المتأمل في تصرفات معظم أبناء الأسرة الحاكمة الشخصية أو السياسية والمطلع على حقيقة عقلية الأسرة وواقع سلوك أفرادها وأقوالهم وأسلوب تفكيرهم سيتضح له نسق عام يفسر كثيرا من تصرفات وأقوال وسلوك وأساليب تفكير غالب أبناء الأسرة الحاكمة سواء من كان في موقع المسؤولية أو خارجها. إن ذلك التصرف والسلوك يعبر بدقة عن العقلية التي يتخذ على أساسها آل سعود قراراتهم. ولا يحتاج الأمر إلى دراسات نفسية متعمقة أو إلى خبراء نفسيين حتى يلم المتأمل في سلوك الأسرة بمجموعة من الإسقاطات النفسية التي تمثل بمجموعها نظرية متكاملة يمكن من خلالها تفسير تصرفاتهم وأساليب التفكير لديهم وآلية اتخاذ القرار عند رؤوسهم.
    الدراسة التي بين أيدينا محاولة لاستقصاء أهم هذه الإسقاطات وعرض الأدلة الواقعية عليها من واقع ممارسات الأسرة وتصرفات أفرادها.
    لقد اقتصرت هذه الدراسة على عدد من الإسقاطات، ولم يقصد بها الإحاطة، فبإمكان الباحث أن يجمع غيرها من الإسقاطات التي تفسر تصرفاتهم وقراراتهم.
    وتأتي أهمية هذه الدراسة في أنها تعين الباحث المنصف على فهم النظام الجاثم على بلاد الحرمين، وتفسير بعض الأحداث الغامضة المريبة للنظام، وتعين كذلك في استشراف المستقبل السياسي للبلاد ورسم الصورة المقبلة لها، ومحاولة الإعداد للواجب والمسؤولية التي ينبغي للحركة الإسلامية القيام بها.
    ولا يقصد بهذه الدراسة التعرض لأشخاص آل سعود من حيث هم، ولا تتبع عوراتهم فهذا ليس من شأننا، ولولا وقوفهم في وجه الدعوة وتصديهم لكل محاولة إصلاح وعداوتهم وحربهم على الدعاة الأخيار، وأهم من ذلك إعراضهم عن تحكيم شرع الله وموالاتهم أعداء الله، لولا هذا لما اكتسبت هذه الدراسة أهمية.
    ويستفاد من هذه الدراسة في الرد على الذين يمجدون آل سعود، و الرد على دعاوى الشرعية المزعومة لنظامهم، وقد سبق القرآن الكريم في هذا الشأن، فقد كشف أعداء الدعوة والإصلاح، فقال في أحدهم: "ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم"، فوصفه بأحقر الصفات البغيضة، وقال في وصف قوم من المنافقين "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا"، حتى لا يتسرب الإعجاب إلى المؤمنين أو يظنون أن هذه الأموال وهؤلاء الأولاد سيمنعونهم من بأس الله إن جاءهم، وقال عنهم كذلك "وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة"، ثم فسر القرآن جزءاً من تصرفاتهم بقوله "يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم".
    وحيث أن دعوتنا إصلاح وإنصاف فإن هذه الدراسة لا تشمل بداهة ذلك النفر المعدود من آل سعود والذين لا تزال فيهم بقية خير، بل هي فيمن تجسدت فيه تلك الإسقاطات والصفات، وهي على كل حال دراسة علمية تحليلية، ولذلك فإن هذه الدراسة مهمة لآل سعود أنفسهم ولمن يريد منهم أن ينتزع نفسه من هذه الطبائع والإسقاطات القميئة.
    نسأل الله أن يطرح في هذا العمل النفع والبركة ويجعله من أسباب تمكين أهل الحق في بلاد الحرمين.
    توطئة تاريخية
    كيف تكونت الإسقاطات
    يمكن علميا تحديد مرحلتين أو طورين تشكلت فيهما عدد من الإسقاطات النفسية في أبناء الأسرة السعودية.
    المرحلة الأولى صاحبت تأسيس الدولة حيث نجح الملك عبدالعزيز في خطف المشروع وتحويله من مشروع ديني إلى مشروع عائلي، ثم نجح بعد ذلك في تهميش كل القوى التي ساعدته في إنشاء الدولة، وتفرد تفردا مطلقا بالسلطة وحول أسرته منذئذ إلى عرق متميز عن الآخرين، كما نجح عبد العزيز في إقناع أبناءه وأسرته أن والدهم "هو" إنما أسس الدولة بيمينه وجهده، ولذلك فهو يمتلك الدولة امتلاكا لأنه حازها بجهده حيازة، ومن ثم فإن عائلتة ترث هذا الامتلاك منه، ومن هنا ظهر الشعور بالامتلاك، والشعور بالتميز، وتفرع عن هذين الإسقاطين شعور أ عضاء الأسرة بالصلاحية المطلقة، وغلبة الجانب الشخصي على القرارات والتصرفات.
    أما المرحلة الثانية فلربما يمكن تحديدها بوفاة الملك فيصل وسيطرة فهد والسديريين على الحكم والدولة وعلى شؤون الأسرة الحاكمة. ولقد صاحب سيطرة فهد المعروف بضعف الشخصية وعقدة النقص والتردد، تدفق المال إثر الطفرة النفطية في السبعينات والثمانينات الميلادية، وتعاظم الدور الأمريكي في العالم، ولقد أدت هذه العوامل إلى ظهور نوع جديد من الإسقاطات، حيث أدى ضعف شخصية فهد أمام العوامل الأخرى إلى الانبهار بالغرب، والشعور بالقزمية تجاه أمريكا، وإلى اعتبار المال صانعا للمعجزات، كما أدت شخصية فهد الضعيفة إلى تنامي الخلاف في العائلة وإلى اعتماد فهد على الرياء والكذب في تحسين صورة المملكة مما أوجد هوة شاسعة بين التطبيق والشعار المرفوع وأدى إلى أن يتحول ذلك إلى إسقاط نفسي.
    لقد أدت هذه العوامل جميعا إلى أن يجتمع لدينا مجموعة من تلك الإسقاطات التي اســتـحقت هذه الدراســة، ولا شك أن من يزيد التأمـل يكتشـف مزيدا من الإسـقاطات في هذه العائلة المثيرة.


    الإسقاط الأول
    الاعتقاد بأنهم يملكون الأرض
    (حدود المملكة) ما عليها ومن عليها
    يعتقد عامة أبناء الأسرة الحاكمة أن ملكهم "للمملكة" ليس حكما سياسيا في حدود القرار السياسي وإدارة البلاد، بل هو ملك شخصي بكل ما تعنيه الكلمة من امتلاك للأرض، وما تحتويه من كنوز وثروات، بل وامتلاك للشعب ذاته. ولقد نشأ هذا الاعتقاد في وقت مبكر مع بداية تأسيس الدولة، وذلك من خلال تسمية البلاد باسم الأسرة الحاكمة، أي "المملكة العربية السعودية"، والاسم لا يحمل أي دلالة وطنية أو قومية، فضلا عن أن يكون له أي بعد إسلامي.
    ولو أن المسألة اقتصرت على هذا الأمر لهانت القضية، فمثلاً لا يعرف الكثير من الناس ـ خاصة من هم خارج المملكة ـ مصطلح "التابعية" الذي يستخدم بدلا عن مصطلح "الجنسية" أو "الهوية الشخصية"، فالتابعية يقصد بها تبعية حامل الوثيقة لآل سعود، فالناس تبع لهم تابعية شخصية كل بمفرده، وليس علاقة مواطنة تربط الفرد بالدولة ديناً ولغة ونظاماً وقانوناً وتاريخاً، وهو أمر متفرع عن الأول أي ملكية ما يقع في حدود ما يسمى الآن بالمملكة العربية السعودية لآل سعود.
    ولا يخالج آل سعود أدنى شك في أن البلاد بما تحتويه في باطن أرضها، وما يدب فوق تلك الأرض ملك شخصي لهم ليس بحاجة إلى تبرير، لذلك فإنهم مرارا ما يرددون في مجالسهم ودون مواربة “أخذناها بالسيف الأملح”، أي أنهم حازوا المملكة بقوة السيف، فهي إذن حق مطلق لا ينازعهم عليه أحد.
    ملكية الأرض:
    هذا الشعور الذي تحول إلى عقيدة يفسر لماذا لا يمكن لأي “حامل للتابعية”، بل ولا حتى إدارة حكومية الحصول على أرض إلا بعد أن "تمنح" لأحد الأمراء الذي يقوم هو بدوره ببيعها على ذلك الشخص أو تلك الجهة، وهي بهذا الإجراء تكتسب "شرعية" انتقالها إلى مالكها مواطنا كان أو جهة حكومية، وهذه الترتيبات لا تختص بالأراضي داخل المدن أو على الشواطئ، بل حتى في مجاهل الصحراء، ولا تكاد توجد بقعة أرض في طول البلاد وعرضها إلا وهي مملوكة لأمير أو سيملكها أمير!.
    هذا التفكير يفسر كذلك لماذا لأفراد الأسرة الحاكمة الحق في امتلاك ناقلات نفط بأكملها وبما تحمله؟، ولماذا لهم 40% (أو ربما 60%) من الناتج الإجمالي القومي؟. إن مثالا بسيطا يمكن أن يفسر إلى أي حد تجذر هذا الاعتقاد لدى آل سعود، جاءت إحدى الأميرات ومعها بعض خدمها إلى المطار لتطير من مكان إلى آخر من دون حجز سابق، فقيل لها أنه لا يوجد مقعد واحد شاغر فاستشاطت غضبا، وقالت للموظفين: "تمنعوننا عن طائراتنا يا أبناء الـ...".
    الكثير من القصص الغريبة لا يمكن فهمها إلا من خلال استيعاب هذا النمط من التفكير لدى آل سعود، يتحدث الناس مثلا عن قصص أبطالها أبناء الملك عبد العزيز مثل الأمير مشعل الذي هدم مسجدا وأقام مكانه أسواقا تجارية، أو شقيق الملك عبدالعزيز الأمير عبدالله بن عبدالرحمن الذي بسط يده على مساحات شاسعة من الأراضي، وضرب فلاحا بسيطا حتى أغمي عليه لأنه تجرأ وسار في تلك الأرض. أما الأمير متعب بن عبد العزيز فإن نصف الرياض "ملك" له، واضطر الناس إلى البناء مسافة 40 كم عن وسط المدينة، لأن الأمير متعب لا يريد حتى بيعها، لأنها كما يقول “عزيزة عليه ولا يستطيع أن يفرط فيها”. أما الأمير سلطان الذي يسميه الناس "اللص"، فإنه قد"باع" للدولة أرضا بقيمة أحد عشر مليار ريال، وعندما قال وزير المالية أن الخزانة لا يوجد فيها هذا المبلغ قال: "لا مانع عندي أن تدفعوها لي على دفعات أي بالتقسيط"، فما كان من الوزراء في مجلس الوزراء إلا أن وقفوا يصفقون لوطنية الأمير سلطان لمدة عشر دقائق.
    قد تبدو مثل هذه القصة غريبة، لكن الأغرب منها أن تعرف أن أحد الأمراء باع أرضا شاسعة لمجموعة من "حملة التابعية" وبعد أن قبض المال رفض تسليمها بحجة أنه لا يستطيع أن يتنازل عن أرضه. أما القصة الموغلة في الغرابة فهي قصة الأمير الذي دفعت له الدولة بلايين الريالات مقابل أرض سطا عليها، فطلب مبلغا أكثر وقال وهو جاد: "هل سرقت الأرض حتى أبيعها بهذه القيمة الرخيصة". الحقيقة التي قد تصعب على التصديق، هي أن أي "حامل تابعية" لديه مشكلة قضائية حول أرض لا يمكن أن يحلها إلا إذا وجد أحد الأمراء يدخل شريكا معه مناصفة في تلك الأرض، لذلك تجد "حملة التابعية" يتنقلون بين الأمراء بحثا عن العرض الأنسب أي الحصة الأقل من الأرض.
    عقلية التملك هذه أو الملكية الشخصية للأرض وما عليها تبرز جليا في مفهوم "المكرمة الملكية"، فكل شيء تفعله الدولة من واجباتها تجاه المواطنين هو تفضل من الملك ومكرمة منّ بها على الناس، فإذا ما فتح مستشفى فتلك مكرمة، وإذا ما بنيت مدرسة فتلك مكرمة، بل إن العُطل والإجازات الدراسية إذا ما تم تمديدها بسبب أمر طارئ فذلك مكرمة، هل تريدون أكثر؟ تزيد الحكومة - بأمر الملك طبعا- أسعار رسوم الخدمات مثل الماء والكهرباء والوقود والهاتف، ثم بعد إرهاق كواهل الناس مدة يأمر بإعادتها إلى وضعها الأول فتضج وسائل الإعلام حول "المكرمة الملكية" التي أنعم بها الملك على "أبنائه"، وهكذا عجائب لا تنتهي!.
    ورغم أن الناس من "حملة التابعية" بدأوا يتمردون على هذا النوع من التفكير ولو بصمت إلا أن آل سعود أنفسهم شيوخا وشبابا مازالوا يعيشون هذا التفكير، ولم يعيروا أي اهتمام لتنامي شعور الرفض لدى "حملة التابعية" ومطالبتهم بحقوقهم، على سبيل المثال قال الأمير سلمان مؤخرا لأحد المسؤولين الكبار الذي قدم استقالته من منصبه: "ليس برغبتك الشخصية تقدم استقالتك فنحن الذين نقرر متى تبقى ومتى تذهب".
    إن همّ الأسرة مع الأسف منصبّ على كيف يبتلعون البقية الباقية من الأراضي وكيف يمتصون الحثالة التي بقيت في خزانة الدولة، بل إن شعورهم بامتلاك البلد بما فيه واشتداد التطاحن فيما بينهم حول الوطن "الفريسة" جعلهم يبتكرون أساليب "مافوية" في استغلال "ملكيتهم الخاصة" هذه، لقد أصبحوا يبيعون خطوط الهاتف، ويبيعون تأشيرات استقدام العمال الأجانب، ويبيعون وكالات الشركات، ويبيعون أذونات الاستيراد، بل ويبيعون الجنسيات "التابعيات" والجوازات.
    إن عقلية "أرض أبونا وجدنا ... وأخذناها بالسيف الأملح" هي التي تنخر في جسد البلاد فسادا وسرقة واختلاسا وإهدارا للثروات، وهي التي تقف وراء القرارات "التاريخية" التي رهنت البلاد للهيمنة الأمريكية سياسيا واقتصاديا.. وحضاريا، وهي قبل ذلك كله تنخر في النظام المتهاوي الذي يأكلون باسمه ويحترفون الإفساد تحت مظلته.
    من الوزير ودون:
    قصة طريفة تجسد فيها هذا الإسقاط بشكل صارخ هي على شكل خطاب وجهه الأمير سعد بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود إلى مدير الاتصالات بمدينة الرياض بعد أن قطعت عنه الأصفار الدولية لستة هواتف لا يدفع تكاليفها كبقية آل سعود وحواشيهم، والمتأمل لصيغة الخطاب لا يسعه إلا أن يخرج بنفس الاستنتاج، شعور بامتلاك الأرض ومن عليها. ولاحظ تكرار الخطاب لعبارة من الوزير ودون لأن من مرحلة الوزير فدون يبدأ مستوى من هو خارج الأسرة فهؤلاء يحرم أن يتجرأوا على اتخاذ قرار بشأن "سموه" لأن الجهة المخولة باتخاذ القرار بشأن "سموه" هي جهة في الأسرة الحاكمة فقط، يقول الخطاب:

    المملكة العربية السعودية
    مكتب سعد الفيصل بن عبدالعزيز
    سعادة مدير الاتصالات بمدينة الرياض
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
    أشير إلى خطاب صاحب السمو الملكي أمير منطقة الرياض برقم 4181/خ2 وتاريخ 13/2/1413هـ والخاص بإعادة الصفر المحلي والدولي لخطوط هواتفي الستة، والتي تم قطعها من قبل إدارتكم، عليه أفيدكم بما يلي:
    أولا: لا يطرأ على فكر أي مسؤول منكم من الوزير ودون أن هذه الخطوط وتسهيلاتها فضل منكم، وإنما من الله ثم من ولي الأمر، ولا أتذكر أننا بايعنا أحدا منكم بولاية الأمر.
    ثانيا: لا يملك أحد في وزارتكم من الوزير ودون صلاحية أو حق أو شجاعة قطع خطوط أو سحب أصفار من منزل سعد الفيصل بن عبدالعزيز في حضوره أو غيابه.
    ثالثا: أعاهدكم بالله من الوزير ودون لأن تكررت مثل هذه الحادثة لو عن طريق الخطأ في المستقبل فلن يفلت المسؤول عن ذلك من يدي من الوزير ودون وكل يقف عند حده.
    التوقيع:
    سعد الفيصل.
    17-2-1413هـ
    صورة لكل من معالي وزير البرق والبريد والهاتف.
    أصحاب السعادة الوكلاء ومدير الهاتف.
    الإسقاط الثاني

    الاستعلاء على الآخرين..
    واحتقارهم.. واستغفال الشعب.
    في هذا الفصل نتحدث عن إسقاط آخر من هذه الإسقاطات، وهو شعور آل سعود بالتميز كفئة خاصة عن الناس وانعكاس ذلك على تصنيفهم للناس. ينظر آل سعود إلى المجتمع على أنه طبقات ودرجات هرمية يأتون هم على قمتها، ولكل طبقة حقوق وعليها واجبات بقدر قربها أو بعدها عن طبقتهم، التي لها كل الحقوق وليس عليها أية واجبات، ففي المرتبة الأولى يأتي أبناء الملك عبدالعزيز ونسلهم، ثم يأتي بعدهم فروع أسرة آل سعود مثل الجلوي والمقرن والفرحان وغيرهم، ويأتي في المرتبة الثانية أخوالهم آل السديري، ويلي هؤلاء الأسر التي ترتبط معهم بنسب مثل آل الشيخ والرشيد وغيرهم، وهكذا دواليك، ثم تجيء بعد هؤلاء الأسر المتنفذة بحكم المسؤولية داخل الدولة أو بحكم الثراء والجاه كل حسب نفوذه، حتى نصل إلى الطبقة العريضة من عامة الشعب الذين يأتون في الدرك الأسفل حسب تصنيف آل سعود، أي بما يقابل طبقة المنبوذين عند الهندوس.
    الأسرة فوق الكفاءة
    بناء على هذا التقسيم يتملك أبناء الأسرة الأحقية في تولي المراكز والمناصب الحكومية العليا بغض النظر عن كفاءتهم، بل حتى لو كانت قدراتهم العقلية والذهنية متدنية، خذ مثلا نائب وزير الدفاع ونائب رئيس الحرس الوطني ونائب أمير الرياض وأمير تبوك وأمير القصيم السابق وغيرهم كثير، ولا يفسر هذا التصرف إلا شعورهم بالأحقية بسبب الاقتناع بالتفوق العرقي، ونتيجة لهذا الشعور فإنهم ينظرون بعين الاحتقار لعامة الناس الذين لم يرتبطوا معهم بقرابة أو نسب، لذلك فإن خالد الفيصل الذي يقول لأهل المنطقة الجنوبية "قرود على حيود" هو الذي قال في برنامج بريطاني اسمه "ما وراء درع الصحراء" أن الديمقراطية لا تصلح لشعب المملكة، كما أن سلطان بن سلمان قال في نفس البرنامج "أن الشعب يفخر بأن أسرة آل سعود تحكمه"!! ومن المعلوم أن أهل الجنوب الذين يحتقرهم خالد الفيصل هم من القبائل العربية العريقة.
    هذا الشعور الاستعلائي واحتقار الناس، تفسره أيضا رسالة سعد الفيصل إلى إدارة الهاتف التي سبق الحديث عنها، ففي تلك الرسالة يهدد سعد الفيصل وزارة الهاتف بأكملها “من الوزير ودون” على حد تعبيره، ويفتخر بأن الذي حل مشكلته مع الهاتف هو كونه واحد من آل سعود، وأنه لا فضل لوزارة الهاتف، وما عليهم سوى الانصياع صاغرين.
    تحية عسكرية لأطفال آل سعود
    الشعور نفسه تجده في القطاعات العسكرية، حيث يجب على العسكري مهما علت رتبته أن يؤدي التحية العسكرية لأي فرد من الأسرة الحاكمة حتى لو كان طفلا!.
    لقد درج آل سعود عموما على التميز عن الآخرين بطرق مختلفة، فمثلا لا يجوز لأحد أن يتزوج من بناتهم إلا إن كان من أبناء عدد محدود من الأسر التي اختاروا التزاوج معها، لذلك عندما أرادت إحدى بناتهم، وهي بنت الأمير محمد بن عبد العزيز أن تكسر هذا العرف بمحاولة الزواج من شخص من عائلة “الشاعر” التي ينتمي إليها وزير الإعلام، عوقبت بالإعدام هي وذلك الشاب الذي حاول الزواج بها. وهم يميزون أنفسهم بقصورهم الضخمة التي تعد مساحة الواحد منها بعشرات الآلاف من الأمتار المربعة، وبأنواع السيارات التي يقتنونها، يقول أحدهم لأحد "حملة التابعية" ممن لديه هاتف سيارة قبل أن ينتشر الهاتف النقال: "كل شيء نافستمونا عليه: البيوت والسيارات حتى التلفون".
    وفي المعاملة والخدمات أيضا
    إضافة إلى تمييزهم أنفسهم بالمظاهر المادية كالسيارات والبيوت، وازدراء الناس فإنهم يميزون أنفسهم كذلك بالمعاملة، فهم فوق النظام، بل إنهم يؤمنون بأن النظام لم يوضع لهم أصلا، فهم مثلا، يحق لهم الدخول في المستشفيات بأجنحة خاصة، وهم كذلك لا يفتشون في نقاط الحدود والمطارات، ولا يسري عليهم أيضا النظام الذي يحدد "لحملة التابعية" حدود التصرف في الأعمال التجارية مثل استقدام العمال والخدم والموظفين من الخارج، ومن الأمثلة الغريبة أن المواطن له حد معين لا يتجاوزه حينما يريد أن يحفر بئرا ارتوازيا، أما الأمير فلا حد عليه، فإن استطاع أن يخرق الأرض فذلك حقه، وهم أيضا لا يخضعون للقضاء حينما يقترفون جريمة أو مخالفة نظامية، ولا يحق لرجل الشرطة أو لأي مسئول مهما علت منزلته في الدولة أن يوقفهم فضلا عن أن يوقع بمن أخطأ منهم العقاب، لذلك فهم يعتقدون أنهم الطبقة التي تجري في عروقها الدماء المقدسة، أما بقية الشعب من "حملة التابعية" فهم "قرود على حيود" أو "جرابيع بر" أو "فلاليح".
    الإسقاط الثالث
    الشعور بالصلاحية المطلقة
    في الدول التي ينتشر فيها الفساد السياسي والإداري وتسود فيها المحسوبية ربما يمارس كثير من أصحاب المناصب تجاوزات لمسؤولياتهم انطلاقا من السلطة التي تمنحها لهم مناصبهم، ويتوسعون في ذلك من خلال تلك السلطة أو المنصب، أما في المملكة فالوضع مختلف حيث تسود عقلية القبيلة لدى أفراد الأسرة الحاكمة وآل سعود، فرغم أنهم يسكنون المدن ويلبسون الحرير ويركبون "الكاديلاك" ويستخدمون المناديل الورقية إلا أن التسلط سلوكا وتفكيرا هو الذي يحركهم، وعقلية شيخ القبيلة وأبنائه هي المتحكمة فيهم، فالفرد من آل سعود لا يحتاج لمنصب سياسي حتى يقوم بتجاوز القانون في ظل الفساد المستشري من الملك وحتى أصغر مسؤول، حيث يكفي لأي فرد من آل سعود انتسابه للأسرة "الشريفة" حتى يتمتع بصلاحيات مطلقة. وأبناء الأسرة يعتقدون أن هذه الصلاحيات "حق" أصيل بحكم الولادة لهم وليست تجاوزا، لذلك ترى الرسائل المبعوثة من أبناء الأسرة الحاكمة لا تمر من خلال الطرق النظامية، بل يحملها الخادم في بلاط "سموه" إلى أكبر مسؤول مباشرة حاملة معها الأوامر والنواهي، فتفتح له الأبواب وتنتصب القامات التي طالما استنكفت أن ترفع بصرها لتنظر إلى وجه مواطن يستجدي حقه، وهذه الرسائل التي تكون أحيانا هاتفية وأحيانا يتولاها الخادم تستفتح عادة بكلمة "اعتمدوا".
    نفوذ مع المنصب
    الصلاحيات التي يمارسها أفراد آل سعود لا يحدها اختصاص، وقد يكون هذا من منطلق أنهم "يملكون الأرض ما عليها ومن عليها"، فسلطان مثلا الذي يسمونه وزير الدفاع له الحق أن يتدخل في جامعة الملك سعود أو أي جامعة أخرى فارضا عليها أن تقبل طلابا معينين، مع أنه لا ناقة له في التعليم ولا جمل، وهو نفسه لم يتمكن من إنهاء المرحلة الابتدائية!، أما سلمان أمير الرياض مثلا فهو الذي يعزل ويعين رؤساء الصحف وليس وزير الإعلام، و"مواهب" سلمان هذا متعددة، تجعله يتدخل في تفاصيل مسؤوليات وزارة الحج والأوقاف أو نشاط هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنه أحيانا يوقف بعض الخطباء عن الخطابة أو يصدر تعاميم إلى المساجد بعدم سب أمريكا على المنابر دون الرجوع إلى الجهة المسؤولة عن المساجد في وزارة الأوقاف.
    نفوذ دون منصب
    وإذا كان سلطان وسلمان وغيرهما من أفراد الأسرة يستخدمون مناصبهم في مثل هذه التدخلات والتجاوزات، فإن الآخرين من أبناء الأسرة لا يشعرون بالحرج من ممارسة مثل هذه الصلاحيات دون الحاجة إلى منصب مكتفين فقط باسم أسرتهم "الشريفة"، عبد العزيز بن فهد ابن الملك مثلا يقوم بتعيين عميد كلية في جامعة الملك سعود، ويرفض آخر تم انتخابه من قبل أعضاء هيئة التدريس في الكلية، ثم ينعم على صاحبه أكثر فيعينه مديرا للجامعة نفسها، والأمير ليس بحاجة لأن يبرر عمله هذا فهو ابن الملك ومن آل سعود وكفى.
    بمثل هذا الشعور يكتب أبناء الأسرة ويوجهون بأسمائهم خطابات أمر وتوجيه إلى الإدارات الحكومية وإلى الشركات الخاصة بترسية مشاريع معينة على جهة يريدونها، أو إيصال مائة خط هاتفي إلى قصر أحدهم، أو حفر آبار مياه في ذلك القصر أو تلك المزرعة، أو جعل الشارع المستقيم ينحرف حتى يمر محاذيا لسكن أحدهم العامر أو مخترقا ممتلكاته التي اكتسبها "بجهده"!!.
    السلطات الثلاث في شخص واحد
    على أساس من نفس هذا الشعور يعتقد آل سعود أن لهم الحق في إيقاع العقوبة ومباشرتها بأنفسهم تجاه كل من يخالف هواهم، ولأن صلاحياتهم ليس لها حد فإنه يمكن أن نفهم كيف يقدم الأمير سلمان أمير الرياض على إهانة شيخ طاعن في السن في مجلسه وأمام الناس لأنه جادله في قضية!، أو كيف يقدم الأمير نفسه على البصق في وجه أحد المثقفين وضربه بقدميه “الشريفتين”، لأن المواطن المثقف اعترض على مسألة طرحها الأمير، أو كيف يقوم أمير عسير خالد الفيصل بجلد أبناء المنطقة أمام ذويهم، لأنهم عكروا عليه حفلات سكره وعربدته، بل القضية الأبشع من هذا كله إقدام الأمير مشعل، ـ الذي هدم مسجدا وبنى على أنقاضه سوقا تجارياـ على الاعتداء على عالم جليل كفيف في سوق عام، وكاد الأمير أن يفتك هو وبعض زبانيته بالشيخ الفاضل لولا تدخل المواطنين.
    الشعور بالصلاحية المطلقة تكرس وأصبح عقيدة لدى أبناء الأسرة الحاكمة، فالأمير يستطيع أن يُبقي شخصا ما في السجن المدة التي يريد بغض النظر إن كان صدر في حقه حكم قضائي أم لا، وأبرز مثال على ذلك ما يقوم به الأمير محمد بن فهد في المنطقة الشرقية حيث يسجن المواطنين على مزاجه الشخصي، وبالمقابل فإن الأمير يستطيع أن يمنع تنفيذ حكم القضاء الشرعي بأعتى المجرمين متى شاء ذلك، بل إن خال الفيصل تجاوز ذلك إلى سجن القضاة أنفسهم حين رفضوا توثيق صك بامتلاك أرض له، وهل يمكن أن يصدر هذا التصرف إلا من خلال ذلك الشعور.
    على الشعب أن يقدر!
    الأعجب من ذلك أن يتصور أحد أفراد آل سعود أن ممارسته لتلك الصلاحية حق طبيعي ثم يفترض أن الشعب من “حملة المتابعية” يقر كل الإقرار بتلك الصلاحية له بداهة!. وهذا يفسر لماذا يأمر سلطان "وزير الدفاع" وسائل الإعلام بتقديم الشكر له على تفضله بتعميد طائرات الإخلاء الجوي بنقل مريض أو مصاب، على اعتبار أن هذا الإعلان سيظهر للشعب كرم سلطان وفضله على هؤلاء الذين احتاجوا العلاج، مع أن تقدير حاجة المريض للعلاج والنقل الجوي قرار طبي صرف ليس للأمير فيه ناقة ولا جمل، والكلام نفسه يجري على "توجيهات" أحد أبناء الأسرة بقبول مريض معين في أحد المستشفيات التخصصية، هذا كله فضلا عن التعيينات والترقيات والتنقلات التي تعتبر العلاقة فيها مع أحد أبناء الأسرة العامل الذي يصنع الأعاجيب، لكن الأمر الأشد غرابة هو أن يباشر تلك الصلاحيات مدير أعمال الأمير أو خادمه أو أحد "أخوياه"، فتجد "المحيسن" الذي كان يعمل "قهوجيا" عند سلطان تحول بقدرة قادر لمدير أعماله، وحديثا صدر الأمر الملكي بترقيته للمرتبة الممتازة، وبالتالي له أن يقرر ـ بتفويض من سلطان ـ مصير كبار الضباط وميزانية وزارة الدفاع، وتجد "النويصر" الذي كان قهوجيا كذلك عند آل دغيثر في حائل قد تحول بقدرة قادر لرئيس الديوان الملكي، واستحوذ على حق القرار في شؤون الأمة ما بين حاضرها وباديها، وأصبح تحت تصرفه جزء كبير من مال الأمة ومقدراتها وأراضيها، والكلام ذاته ينطبق على البليهد أقوى شخصية في إمارة الرياض بعد سلمان.
    إنه الإحساس بملكية الأرض بمن عليها وما عليها، والتي نشأ عنها نظرة الاحتقار للمواطن من "حملة التابعية" وعقدة الصلاحية المطلقة التي ترى أن الفرد من أبناء الأسرة هو القانون والقانون هو.



    الإسقاط الرابع
    غلبة الموقف الشخصي
    على التصرفات والعلاقات

    تبني الدول سياساتها الداخلية والخارجية عموما على استراتيجيات وموازنات بين المصالح والمفاسد وعلى تخطيط بعيد المدى، وتتنازل عن كثير من المواقف الشخصية للمسؤولين فيها في سبيل تحقيق الخطط والاستراتيجيات، أما الحال مع آل سعود فالأمر مختلف، فالسياسة العامة للدولة والقرارات الداخلية والخارجية والعلاقات داخل مجتمع الدولة ومع الأمم الأخرى تحددها العوامل الشخصية لصانعي القرار داخل الأسرة، وقد أصبحت هذه الحقيقة سمة واضحة اصطبغت بها سياسة البلاد، ثم تكرست وصارت منهجا متعمدا مع استلام فهد أمور البلاد، ويؤكد هذه الحقيقة أن البلد لا يوجد فيه مركز واحد للتخطيط الاستراتيجي، ناهيك أن يكون هناك مجلس وطني يضع دراسات، أو يتخذ قرارات حول القضايا الكبرى والمصيرية للبلاد.
    قرار تاريخي في بضع دقائق
    ومثّلت أزمة الخليج علامة فارقة على هذا الصعيد، حيث توج هذا النهج بقرار الملك فهد بالموافقة على نزول نصف مليون جندي أمريكي على أرض المملكة، دون أن يكون ذلك القرار مبنيا على أي دراسة استراتيجية تضع لقرار خطير مثل ذلك القرار ضوابط تحول دون سوء استخدامه، بل إن ذلك القرار لم يحتج من فهد لأكثر من بضع دقائق هي مدة لقائه بـ "ديك تشيني" وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، كما يقول مؤلف كتاب "القادة" بوب وودوارد.
    درجة الحرارة في بغداد ممنوعة
    لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذت المملكة موقفا متشنجا مع كل من لم يؤيد قرار الملك فهد باستقدام القوات الأمريكية، حتى ولو كان أدان الاحتلال العراقي للكويت، وقد تجاهلت المملكة بهذه المواقف كل الأبعاد السياسية ومصالح البلاد على المستوى بعيد المدى، وقد كان من نتائج هذه التصرفات التي تنطلق من موقف شخصي، أن خلقت الدولة لنفسها أعداءا يحيطون بها من كل جانب، ليس على مستوى الحكومات فقط، بل على مستوى الشعوب. ووصل العامل الشخصي إلى أقصى مدى له في رسم السياسة حينما توقفت وسائل الإعلام الرسمية عن إذاعة درجة حرارة عواصم الدول العربية "المتهمة" بتأييد العراق!، وصار الملك يبرر تماديه في إطاعة الأوامر الأمريكية في إدارة الأزمة، بتكرار أن صدام كان بمثابة صديق له، لكنه خانه وانقلب عليه!.
    ولم يكن الملك فهد وحده هو الذي يعبر عن هيمنة العامل الشخصي على قرارات الأسرة، فهذا عبدالرحمن نائب وزير الدفاع يقول معبرا عن أسفه لتصرف صدام ومبررا عدم الخروج على الأهداف الأمريكية في تدمير العراق بلدا وشعبا: "أعطينا صدام ضد إيران كل شيء، حتى البيبسي كولا"، أما فيصل بن فهد فقد صب جام غضبه على صديقه عدي صدام حسين، وقال عنه في إحدى المناسبات أن ذوقه في اختيار ألوان السيارات رديء!!
    بوش صديقنا
    في الانتخابات الأمريكية برز العامل الشخصي أيضا وبشكل كبير، حيث اندفعت المملكة بكل قوة وراء جورج بوش، ووضعت ثقلها الاقتصادي وراءه، فأعطت أمريكا نفطا بأسعار رخيصة جدا حتى ينتعش الاقتصاد الأمريكي، وتتحسن فرصة بوش بالفوز بالرئاسة الأمريكية، وأغرقت السوق بفائض نفطي لتنخفض أسعار النفط الأخرى، وليتحسن التبادل التجاري بين أمريكا وحلفائها الغربيين، وتبرعت بجزء كبير من تكاليف حملة الحزب الجمهوري الانتخابية، وكان بندر بن سلطان السفير في واشنطن في مقدمة الحضور في مؤتمر الحزب الجمهوري حتى بدا وكأنه أحد أعضائه المهمين!، على المستوى المحلي تبنت وسائل الإعلام السعودي نشر استطلاعات الرأي التي تبين تقلص الفارق بين بوش وكلينتون، وتجاهلت التحليلات التي تؤكد تفوق فرص كلينتون بالفوز، وظلت السياسة تجاه الانتخابات الأمريكية على هذا النحو إلى آخر لحظة، حتى أن صحافة آل سعود المحلية ذكرت في عناوين كبيرة أن بوش حقق فوزا ساحقا على كلينتون، حيث صادف صدورها في بداية الاقتراع، ولم يكن ذلك الفوز سوى نتائج اقتراع هامشي تم في قرية من قرى ولاية "نيوهامبشر"، ثم توج هذا الهوس بمصير بوش بنقل وقائع الانتخابات حية على الهواء في التلفزيون.
    ولاشك أن هذا التصرف يمثل إلى جانب العامل الشخصي أقصى درجات الغباء السياسي، إذ كان بوسع المملكة أن تدعم بوش على افتراض أن هذا صحيح أو مطلوب، لكن ليس بهذا الشكل المكشوف الذي سيحرجها في المستقبل مع الرئيس الآخر وأقطاب حزبه، خاصة وأن حظ كلينتون كان كبيرا جدا منذ بداية الحملة الانتخابية وإلى آخر أيامها، ولعل هذا الاندفاع وراء بوش يمكن أن نجد له تفسيرا في العقلية التي يفكر بها أفراد الأسرة، حيث اعتقدوا أن القرار في أمريكا مثل القرار في المملكة يقوم على شخص أو على أسرة!، إذ لا يمكن لهم أن يتصوروا وقد عاشوا كل هذه الإسقاطات النفسية أن أمريكا بلد تحكمه المؤسسات، وأن السياسة لا يصنعها فرد يجيء ويذهب كما هو حال السعودية مثلا.
    ولا يبالغ المرء إذا قال إن جل قرارات آل سعود أو كلها مبعثها المواقف الشخصية، فالوزراء يعينون ويقالون لأسباب شخصية تخص الملك أو كبار رجال الأسرة، وبنفس الطريقة يعين أهل الإفتاء والقضاء ووكلاء الوزارات والمدراء العامون، أما تحديد الميزانية وحصص كل مرفق أو وزارة من المال العام فيقوم أيضا على أسباب شخصية وعلى طبيعة العلاقات مع الملك أو مع وزير المالية .
    وعداء الصحوة كذلك
    ومن الغرائب أيضا أن معظم مواقف الملك وإخوانه تجاه المصلحين ذات بواعث شخصية، فالشيخان سلمان وسفر مكروهان لأن لهما من الشعبية والمحبة في قلوب الناس ما يحسدان عليه، بل إن كثيرا من تصرفات "الدولة" تجاه لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية كانت بسبب البواعث الشخصية، وكان الملك مثلا قد تحمل بعضا مما تقوم به "اللجنة" من فضح سوء الإدارة في الدولة والدكتاتورية والتبذير، لكنه استشاط غضبا حين ظهر في مطبوعات اللجنة بعض التفاصيل عن ابنه "وقرة عينه" عبد العزيز وبقية أبنائه، وكذا جن جنون نايف حين فضحت اللجنة تحكم زوجته به وتحكمها بوزارة الداخلية من بعده، وكان قد تحمل قبل ذلك كثيرا من حملات "اللجنة"، بل إن بعض المطلعين يذكر أن قتل الحضيف ليس إلا انتقاما شخصيا من قبل نايف، ذلك أن الحضيف سبق أن أحرجه في لقاء شبه خاص، وأثبت له بالوثائق حماية أجهزة الأمن للفساد والمنكرات وأحرجه أمام بعض جلسائه.
    من أجل قريبة الملك
    ومن قصص "شخصنة" السياسة المخزية يمكن تذكر ما حصل للملك فهد قبل سنوات حين فوجئ الشعب بوزير الإعلام في التلفاز يتلو توجيها من الملك للأطباء الاستشاريين بضرورة التواجد في غرف الإسعاف وتغطية الطوارئ طوال الوقت، وهو أمر شاذ وغير مقبول طبيا ولا إداريا ولا ماليا، وتبين أن السبب هو أن طفلة عزيزة على الملك احتاجت خدمة طبية طارئة وعندما وصلت المستشفى التخصصي لم يحضر الاستشاري، بل باشر علاجها عدد من الأخصائيين، كما هو النظام في كل مستشفيات العالم، لكن الملك "الفهمان" لم يتمكن من استيعاب ذلك النظام، وأصدر توجيهاته "الشريفة" للاستشاريين للقيام بأداء واجبهم "المقدس" في غرف الطوارئ وطوال الوقت ليلا أو نهارا.


    الإسقاط الخامس
    الشعور بالنقص تجاه الغرب
    الكبرياء والتعالي الذان يتعامل بهما آل سعود مع عامة الشعب، ومع صفوته من علماء ومثقفين ومفكرين، يوازيهما صنف آخر من التعامل مع أصحاب الدماء الزرقاء، ففي الوقت الذي يمارس فيه آل سعود العناد والصلف الجاهلي برفضهم إطلاق سراح العلماء إلا باسترحام وكأنهم فراعنة، فإنهم لا يتورعون عن ممارسة كل أشكال العبودية والذل والتبعية للغرب وخاصة الأسياد الأمريكان.
    فهد وإخوانه أكثر
    مظاهر الشعور بالعبودية والدونية تجاه العنصر الأبيض على مستوى الدولة وعلى مستوى أفراد الأسرة من الملك “ودون” كثيرة كثيرة، ولا يكاد المرء يحصيها، ومادام الحديث عن مظاهر نفسية، فإن تلك العبودية تجاوزت التفكير الخارجي، وتحولت إلى اللاشعور خاصة في مدرسة فهد وآل السديرية، وأصبحت هذه المظاهر من المسلمات في اتخاذ القرارات وبناء العلاقات، وأصبح تقديس الغرب وتعظيمه من البديهيات التي لا يمكن التشكيك فيها.
    هيام استراتيجي
    لقد صار من فضول القول الحديث عن دوران الحكم السعودي في الفلك الغربي وخاصة الأمريكي، وتحكم الغرب وخاصة الأمريكان ببرنامج البلد وسياستها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية، ويعتبر آل سعود من خلال إسقاطهم النفسي ومن خلال نظرة التعظيم للأمريكان والغرب أن الاحتماء بالغرب ينبغي الافتخار به، ولذا فقد كان قرار الملك فهد باستدعاء القوات غاية الحكمة والتوفيق!، هذا في المجال العسكري، أما في المجال الاقتصادي فلا يشعر آل سعود بغضاضة أن يضعوا أموال المسلمين الضخمة في أيدي الغرب وأمريكا على وجه الخصوص اعتقادا منهم أن هؤلاء يستحقون تلك الأموال لعظمتهم وجلالهم، والغرب المحترم من حقه أن يمتلك حتى النفط الذي لم يستخرج بعد!.
    في المجال الاجتماعي والتربوي والتنموي فإن الغرب هو "الفهمان"، وهو القدوة وله كل الحق أن يضع خططنا التربوية والاجتماعية، ولعل من المفيد أن يُذكر أن الخطوط العريضة للخطط الخمسية من إعداد جامعة هارفرد في أمريكا. وهذه تبعية طبيعية ذاتية في كل شيء لا تحتاج إلى التكلف.
    المصيبة أن مظاهر الصغار والدونية هذه لا تتوقف على مجرد التبعية، بل تتحول إلى عقدة بالشعور بالنقص تجاه الأبيض ومحاولة إرضاءه بأي ثمن، وينعكس هذا الشعور على تصرف أفراد آل سعود والملك على وجه الخصوص، ويتجلى هذا الشعور بشكل واضح تجاه الدول الغربية بل وحتى تجاه الأفراد الغربيين.
    من البعير إلى الكاديلاك
    يمثل مشروع "الرياض بين الأمس واليوم" الذي أقيم في لندن وعدة عواصم أوروبية وعدة مدن أمريكية، نموذجا صارخا لذلك الإسقاط النفسي، وكان المعرض "الفضيحة" تعبيرا داخليا من قبل فهد وسلمان بالذات عن شعورهم بالنقص تجاه الغرب والسعي لإقناع الغرب أننا والله ثم والله تطورنا من البعير إلى الكاديلاك ومن الخيمة إلى العمارة، وإننا مثلكم أيها الغربيون في المأكل والملبس والمشرب، وهم حين يقومون بهذا العمل لا يعلمون بسبب سذاجتهم وسطحيتهم في التفكير أن الغربي يحتقر من يتصرف بهذا الأسلوب، وينظر إليه نظرة المستميت لتحسين صورته القبيحة.
    إرضاء إمام زمانه
    يمثل سعي الملك فهد شخصيا لتمويل عمليات المخابرات الأمريكية بعد أن عجزت عن تمويلها من داخل أمريكا بسبب منع الكونجرس لذلك نموذجا صارخا آخر على هذه الدونية، فالملك فهد لا يعرف عن "الكونترا" ولا "نيكاراغوا" شيئا، ولا يعلم أين تقع على الخريطة، وربما لا يستطيع حتى لفظ هذه الكلمات، ولكنه يعتقد أنه يبث الفرح والسعادة في قلب ريغان وأوليفرنورث وآخرين إذا قدم تلك الملايين لتمويل تلك العمليات، فالتفسير ليس له علاقة بسياسة دولتين ولا علاقة له إلا بعقدة فهد تجاه "إمام" زمانه ريجان!، وهو كذلك يعكس العامل النفسي في اتخاذ جميع القرارات لدى آل سعود.
    والرواتب كذلك
    شكل آخر من أشكال هذا الإسقاط النفسي هو طريقة التعامل مع المستقدمين للعمل في المملكة، فإذا كان المستقدم من الهند أو من سيريلانكا أو ما شابهها من الدول الفقيرة فهو في رتبة أعلى قليلا من الحيوان، وأما إذا كان من ذوي الدم الأزرق فهو من النبلاء الأشراف، سواء في المعاملة المالية أو في المعاملة القانونية والأخلاقية، والغربي يميز حتى باسم وظيفته، وحتى لو كان حمالا فهو يصبح "خبير أحمال" و"خبير نقل"، وكذا التمييز في الرواتب والمستحقات فلا يمكن بحال أن يحصل الهندي والمصري، بل و"السعودي" على عُشر راتب الأمريكي الذي يحمل نفس المؤهلات والخبرة، ومن المضحكات المبكيات أن سلم الرواتب في الشركات الكبيرة والمستشفيات والمؤسسات التابعة للدولة تذكر فيه هذه الأمور بشكل مكشوف، ففي أحد المستشفيات التخصصية مثلا تجد ترتيب السلم مكتوبا بالشكل التالي:
    أمريكي "الأصل والمنشأ" أعلى الرواتب، ثم دونه الأمريكي من أصل شرقي، ثم دونه الأوروبي، ثم دونه المتجنس بالجنسية الأوروبية، ثم دونه العربي والفلبيني، ثم دونه الهندي والسيريلانكي، وهذه ليست مبالغة أو تكلف في التوصيف، بل هي حقيقة تجدها في الحاسب الآلي لذلك المستشفى. هذا التصنيف الترابي للبشر بناء على لون بشرتهم وجنسهم ومكان ولادتهم لم يعد مقبولاً في عالم اليوم، وهو قبل ذلك مرذول في ديننا الحنيف، غير أن الانبهار والذوبان في الآخر الغربي ليس لهما حدود في مدرسة آل سعود. ومن المفارقات التي يجب أن تكون مخجلة ومخزية لهذه العائلة أن الدول والجنسيات التي تصنف عادة في أدنى سلم "الاحترام والرواتب"، مثل الهند وسيرلانكا وغيرها، هي في وضع تنموي أفضل من السعودية من جهة توافر الخدمات الأساسية لأوسع شريحة ممكنة من السكان، وذلك بحسب تقارير الأمم المتحدة التي أشرنا إليها سابقا.

    من أجل العيون الزرقاء
    يتجلى إسقاط الشعور بالنقص تجاه الغرب في العديد من الأحيان بشكل كاريكاتوري، وذلك حين تطالعك الصحف فجأة بأن الملك يتبرع بتكاليف عملية سرطان ميئوس منها لطفلة في بريطانيا أو أمريكا، ويعتقد "المسكين" أن ذلك العمل هو الذي سيقنع هذا العنصر البشري "الرفيع" بإنسانية فهد وأرومة آل سعود، وعادة ما يضخم الملك مثل هذه القضايا ويجعلها تبرعا رسميا من خلال سفارة خادم الحرمين، ويسخر لإعلانها كل أجهزة الإعلام التي تحت يده لتحقيق مراده في إرضاء الأسياد، غير أن النتيجة هي مزيد من الاحتقار والاستهزاء من قبل العنصر الغربي لهذا المبذر الذي لا يعرف أن يذهب بالمال الفائض، ومن ثم فهو سفيه لا يستحق أن تكون هذه الخيرات بين يديه على حد قول أجهزة الإعلام الغربية، خاصة وأن العمليات الجراحية التي يتبرع في الإنفاق عليها تكون من الحالات غير المرجو شفائها بالمرة، وهي لهذا السبب لا تجد تمويلا حكوميا من قبل وزارات الصحة الغربية، التي تعتقد بأنه من الأولى صرف هذه الكميات من الأموال على جوانب صحية تستفيد منها أعداد كبيرة بدل تبذيرها في عمليات ميئوس منها، ومن هذه النقطة بالذات يأتي الازدراء الشديد "لمكرمات" فهد العربية!!
    تزكية أمريكية
    في بعض الأحيان يتجلى هذا الإسقاط النفسي على شكل اعتراف صريح من قبل أحد المصابين بعقدة النقص هذه، ولو تأملت أحاديث الملك فهد بالذات لرأيت هذه الظاهرة ماثلة، ففي حديث مطول له ألقاه قبل عام تقريبا، تحدث عن الغرب وعن أمريكا بالذات حديث المعظم المقدس، واعتبر زيارة أي رئيس أمريكي للمملكة وله شخصيا أعظم سجل شرف يمكن أن يظفر به، واعتبر ثناء جورج بوش على "الأنظمة الثلاثة" تزكية لا تقدر بثمن لتلك الخطوة التي قدمها.
    في دهاليز القرار
    يبرز هذا الإسقاط في واحدة من أهم تجلياته في موضوع "المستشارين"، حيث نجد هنا أرتالا من الغربيين، الذين تهفو لهم قلوب آل سعود، يتكدسون في دهاليز صناعة القرار السياسي والأمني والعسكري وحتى الإداري والتكنوقراطي، إذ لا يجد آل سعود الراحة والاطمئنان إلا بالإنصات المطبق للاستشارات "القيمة" التي يدلون بها، ويلقون بعرض الحائط دعاوى أهل الخير والإصلاح والمشفقين على البلد من الانهيار التام. يتمدد "المستشارون" الغربيون على مساحة واسعة ويقتحمون إضافة لما ذكرناه ساحة الإعلام والعلاقات العامة والدولية، ويتم ذلك الاختراق بسبب الهشاشة النفسية وعقد النقص التي يعاني منها أمراء وكبراء آل سعود، وبسبب النقص المريع في المناعة الحضارية مما حولهم إلى كائنات مبهورة بهذا الغرب الذي يجري على يديه "السحر"، كيف لا وقد رأوا ما رأوا في حرب الخليج الثانية !!
    العقار
    يحسن أن نشير أيضا إلى مظهر آخر من مظاهر عقدة النقص تجاه الغرب وهي ظاهرة التملك العقاري، وكذا السياحة التي تميز أمراء آل سعود في الغرب، إذ ليس أعذب على مسامع معظمهم من أن يقال إن له قصرا في "جنيف" أو "كان" أو "لندن" أو "لاس فيجاس" أو غيرها، ولعل ملف سياحة وإجازات الأمراء في الغرب وحده تضيق به المجلدات العظام، فالغرب هو مربط الخيل وهو الهوى والملاذ وحيث راحة البال والتخلص من وجع الرأس الذي يسببه "عيال" الشعب المزعجين الذين ليسوا سوى "قرود على حيود" في نظر آل سعود.
    أنا أخدمكم أكثر
    حين تصارعت أجنحة آل سعود طفق كل منهم يسابق الآخر في إقناع الأمريكان أنه الأكثر عبودية، فالملك فهد مثلا يتباكى عند السفير الأمريكي ويقول له بالحرف الواحد: "كل رجائي منكم أيها الأمريكان أن أموت وأنا ملك"، وسلطان يتعهد لهم بجعل ميزانية الدفاع تحت تصرفهم لعشر سنين قادمة، وسلمان يشغل كل عملائه عندهم ليقنعهم أنه هو الذي يناسب سياستهم، وبندر يتعهد لهم بأنه هو الذي يضمن التطبيع مع اليهود، وتصل العبودية والطاعة إلى درجة مكشوفة حين تعمم وزارة الخارجية على الشركات والمؤسسات التجارية وجوب إيقاف مقاطعة إسرائيل من "تاريخ كذا"، لأن الأمريكان حددوا ذلك التاريخ نهاية للمقاطعة.
    وعلى خلاف الإسقاطات الأخرى التي سبق الحديث عنها فإن هذا الإسقاط ليس عاما على كبار آل سعود، بل ربما تميز به فهد وإخوانه أكثر من غيرهم، وتدل الدلائل على أن نماذج أخرى من العائلة من أمثال الملك فيصل لم يكونوا يعانون من هذه الظاهرة، بل كان لديهم من الثقة بالنفس ما أبعدهم عن ذلك الإسقاط النفسي.
    الشعب ليس كذلك
    من ناحية أخرى لا يمكن اعتبار هذه الظاهرة أمتدادا طبيعيا للواقع الانهزامي للمسلمين في هذا العصر، فلقد أثبت أهل الجزيرة خاصة في مطلع تأسيس هذه الدولة أنهم أكثر الناس حذرا في التعامل مع الغربيين، وأشدهم استعدادا لاعتبارهم نموذجا للشرك والكفر الذي يجب أن يعادى، ورغم فقر الناس ومعاناتهم وضعفهم في تلك الأزمنة، فقد كانوا أصحاب أنوف شامخة وعزة سامقة أمام كل الدماء الزرقاء التي جلبها عبدالعزيز لصحراء الجزيرة، والأهم من ذلك أن الأنفة والندية يجب أن تتوفر في القيادة السياسية أيا كانت وخلال تعاملها مع الآخرين، خاصة الذين ينظرون لها ولمجتمعاتها نظرة دونية واحتقار.
    إن الأولى لمن يحب العبودية لنفسه والمذلة والمهانة لشخصيته أن تكتمل فيه صورة العبودية ولن يتمكن آل سعود إلى الأبد من الجمع بين الجبروت والاستعلاء من جهة والصغار والعبودية من جهة أخرى، ولا نحسبهم إلا في طريقهم إلى الصغار والعبودية الكاملة، ولن يمضي زمن حتى يحتقرهم الشعب، ويستخف بهم كما استخف بهم الغرب.

    الإسقاط السادس
    الشك هو الأساس

    من المعلوم تاريخيا أن ما يسمى بالدولة السعودية الثانية التي تكونت في القرن التاسع عشر الهجري شهدت صراعا مريرا بين المتنافسين من آل سعود، تسبب في انهيار الدولة سريعا بعد أن حرمها من الاستقرار.
    تعامل غير بناء
    واليوم يعيش آل عبدالعزيز هاجس هذه الخلافات إلى حد كبير، إلا أن تعاملهم مع هذا الهاجس تعامل غير بناء، إذ لا يبدو أنهم تعلموا الدرس من سقوط دولة أجدادهم الغابرة، ولذلك لا تراهم يسعون لمنع تعاظم الخلاف بين أجنحة العائلة، حتى لو كان سيؤدي إلى انهيار الدولة، إنهم يعيشون الهاجس في حالة من السلبية القاتلة، حتى باتوا يعانون معاناة كبيرة من الشك في بعضهم البعض إلى أن انعدمت الثقة بينهم، ولذلك فهم لا تشغلهم قضية منع تدهور الخلاف، وإنما استحوذ عليهم الاعتقاد بتآمر بعضهم ضد البعض الآخر، والشعور بضرورة أن يقطع كل منهم الطريق على الآخر لإحباط مؤامراته.
    لم تكن هذه الشكوك مجرد خلافات تحصل في العائلة كما حصل في كثير من العوائل الحاكمة في العالم، لكنها تحولت في آل سعود إلى إسقاط نفسي، بمعنى أنها أصبحت تنعكس على تصرفاتهم وقراراتهم بشكل روتيني، فإما أن يترتب عليها تصرف مفتعل بقصد إزالة الشك، أو تصرف مفتعل للتخويف والتنكيل والإحراج، أو تصرف مفتعل آخر للإشعار بالوجود والنفوذ والقدرة على المنافسة.
    تاريخ
    بدأت الخلافات بين آل عبدالعزيز منذ أن توفي والدهم، وتولى سعود الحكم، وتطورت بشكل كبير مع نشاط مجموعة الأمراء الأحرار، ثم وصلت ذروتها في التنافس بين فيصل وسعود إلى أن كسب فيصل الجولة. لكن تلك الخلافات رغم قوتها وخطورتها لم تكن إسقاطا نفسيا، بل كانت واقعا مباشرا ترتبت عليه أحداث مباشرة ونتائج سياسية منظورة، وبعد عزل سعود تمكن فيصل بفضل قوة شخصيته وهيمنته على مقاليد الأمور من تحجيم الآخرين وتحديد دورهم السياسي، وحاول أن يضبط الأسرة بشكل تام في تلك الفترة. بمعنى آخر، كانت الخلافات موجودة، ولكنها لم تكن منظورة ولم تترتب عليها نتائج معينة.
    تكتلات
    وبعد وفاة فيصل تنامى الخلاف وبرزت التكتلات واتضح التنافس على النفوذ داخل الأسرة، وساعد ضعف شخصية فهد وتردده على ترسخ الخلاف واتخاذه وضعا خاصا.
    أول علامات هذا الإسقاط حرص أعضاء الأسرة على تكوين التكتلات التي يظنون أنها تحمي بعضهم من البعض الآخر، فأبناء السديرية حرصوا منذ زمن على التكتل حول بعضهم وحماية بعضهم ضد التكتل الآخر الذي اجتمع منتسبوه حول عبدالله، ويحاول كل من هذين التكتلين استقطاب بقية أعضاء الأسرة والاستئثار بدعمهم، فقد استطاع سلطان كسب خالد الفيصل، واستطاع سلمان كسب آخرين من أطراف الأسرة، بينما نجح تكتل عبدالله في كسب متعب ومشعل وبندر وبقية أبناء فيصل وآخرين من أبناء الأسرة، إلا أن الأمر لا يقتصر على هذين التكتلين، بل قد تتكون تكتلات صغيرة داخل التكتلين الكبيرين لمزيد من الحماية، وفي محاولة يائسة لاستعادة الطمأنينة، فسلطان مثلا يحاول أن يستميل نايف ضد سلمان، وسلمان يستميل الملك ضد نايف وسلطان، وهكذا يعيش الجميع حياة الصراع والمؤامرة بشكل مستمر.
    تجسس
    يتمثل شعور الشك بمظهر آخر غير معروف لدى كثير من الناس، وهو انتشار ظاهرة التجسس بين الإخوة واختراق كل منهم للآخر، حيث يعتقد أن لكل من الملك وعبدالله وسلطان ونايف وسلمان جهاز تجسس مستقل مكلف بالتجسس على الإخوة الآخرين بهدف التأكد من خلو المؤامرات ضد بعضهم، وفي بعض الأحيان بهدف توجيه الطرف الآخر دون شعوره، ويبدو أن أنجح الجميع في ذلك هو سلمان الذي استطاع أن يخترق معظم إخوانه ببعض الشخصيات التي زرعها في أماكن حساسة قريبا منهم، فسلمان له رجاله في الديوان الملكي، وله رجاله في الحرس الوطني، وله رجاله في وزارة الدفاع، وله رجاله في وزارة الداخلية، ولذلك فهو الوحيد القادر على التأثير على الجميع بشكل غير مباشر ودون إدراك منهم، ورغم أن أسماء الشخصيات التي يستخدمها سلمان معروفة، فإنه لا يفضل ذكرها لأن إخوانه يثقون بتلك الشخصيات لدرجة أنهم لن يصدقوا تبعيتهم لسلمان.
    أنا المقصود
    ومن المظاهر الأخرى لهذا الإسقاط - والتي تدل بشكل صارخ على أن تلك المشكلة قد تحولت فعلا إلى مرض نفسي- اعتقاد كل واحد منهم أن أي تصرف يصدر عن منافسه فإنه هو المقصود به، بمعنى أن أي حدث يقصد به أحدهم ولا يعرف فاعله ينسب للطرف الآخر، ولا بأس أن نورد هنا قصة طريفة لسلطان لم تشتهر بين الناس، ومفادها أن سلطان كان متجها إلى مكتبه في الوزارة، وقبل أن يصل المكتب هوجم المكتب من قبل رجل ينتمي لأحد القبائل، علم سلطان بالحادث قبل أن يصل، فلم يكمل طريقه إلى المكتب وتوجه فورا إلى أخيه عبدالله يتهمه بتدبير محاولة لاغتياله، تبين بعد ذلك أن عبدالله لم يكن يعلم شيئا عن القصة، واتضح بعد التحقيق أن المهاجم كان يستهدف أحد أعضاء مكتب سلطان لثأر شخصي بينهما، وتأكد أن هجومه على المكتب لا علاقة له بسلطان.
    ومن الأمثلة على ذلك أيضا أن سلمان حين أرسل ابنه فيصل للدراسة في أمريكا قبل عامين تقريبا، فسر بندر بن سلطان ووالده تلك الخطوة بأن هدفها التجسس على بندر ونشاطاته وجمع المعلومات حول مدى نجاحه في تسويق نفسه ووالده لدى الأمريكان.
    وحديثا حين انتشر شريط الفيديو الذي ظهر فيه الوليد بن طلال في وضع غير جيد، اتهم الوليد سلمان بن عبد العزيز فورا بدبلجة الصور من أجل إسقاط شخصيته، وما ذلك إلا بسبب الخلاف المستعر بينهما.
    التكلف والتمثيل
    يتخذ هذا الإسقاط مظهرا آخر هو المراعاة الزائدة المتكلفة للأطراف الأخرى خوفا من أن تفسر عدم المراعاة بالكيد والترصد، ومن أشكال المراعاة الإغداق في الصرف على التكتلات الأخرى من قبل الملك بطريقة تثير حسد الأطراف القريبة، فالملك مثلا يوجه أوامره إلى وزير المالية بعدم رفض أي طلب من الأمير عبدالله حتى لا يفسر رفض الطلب بكيد لعبدالله، وفي بعض الأحيان يبالغ الملك في إرضاء أحد أعضاء التكتلات الأخرى، فيأمر بترسية مشروع لحسابه أو مناقصة لشركته، فيثور فرع آخر من العائلة غضبا على ذلك فيرضيه بمناقصة أو مشروع، وهكذا، ولا تكاد السلسلة تنتهي، ولا تقتصر المراعاة على النواحي المالية بل تجدها تمارس في النواحي الأخرى، فحق منح الجنسية أو الجواز السعودي يعطى بكرم وتساهل لأطراف خارج تجمع السديرية، وكذا الحال مع توزيع المقاعد في الكليات الأمنية والعسكرية.
    المراعاة
    كما أن تعيينات الوزراء وكبار المسؤولين والقضاة هي الأخرى أشكال من التعبير عن هذا الإسقاط النفسي، فإذا قرر الملك تعيين أي مسؤول فإن الهاجس الأول الذي يعرض له هو كيف يرضي كل أطراف الأسرة في ذلك التعيين، ولذلك فعندما قرر آل سعود أن يمضوا قدما بالتعديل الوزاري الأخير شكلوا لجنة تمثل كل مراكز القوي فيهم حتى لا يقال إن أحدهم قد حظي بفرصة أكثر من الآخر، ويتمثل الإسقاط كذلك بشكل معاكس حيث يتجنب آل سعود طلب عزل أحد من المسؤولين إذا كان محسوبا على أحد التكتلات فضلا عن أن يعزلوا أحدهم، ولذلك لا يجرؤ أحد من آل سعود على إثارة فكرة عزل نايف بن عبدالعزيز بالرغم من فضائحه القبيحة وذلك مراعاة للتوازن في التكتلات الأسرية القائمة، هذا في الوقت الذي استطاعت الأسرة عزل تركي بن عبدالعزيز لأسباب أقل أهمية، وقد فُسر ذلك بأن أزمة تركي حصلت قبل أن تستفحل ظاهرة الإسقاط النفسي في العائلة.
    الشعوذة
    وحديثا انتشرت في العائلة ظاهرة جديدة تدل على مدى معاناة أفرادها ومدى استفحال الشك في بعضهم البعض، وهي ظاهرة استعمال السحرة والمشعوذين، إما لمعرفة ما يكيده هذا الطرف تجاه ذلك، أو للتأثير على طرف ما وإخراجه من حلبة المنافسة على السلطة، وقد استورد آل سعود من أجل ذلك عددا كبيرا من السحرة من شرق وغرب أفريقيا، واستعانوا ببعض ******** للإيقاع والتصيد نظرا لحاجة السحرة في بعض الأحيان لمن يصل إلى جسد الشخص المستهدف، ومن سوى ******** والخادمات والمربيات يحسن تحقيق ذلك؟، حتى يقع السحر وينجز المطلوب.
    ومن المظاهر الأخرى لهذا الإسقاط رصد حركة سفر وتنقل وعلاقات المنافسين والمناوئين, وخاصة إذا كان السفر أو التحرك في أوروبا أو أمريكا، ولذلك يحاول بعضهم أن يخفي خبر سفره عن الآخرين حتى لا تحوم حوله الشبهات، وأكثر من يحسن هذه الحيلة هو سلمان بن عبدالعزيز، الذي كثيرا ما يسافر بأسماء مستعارة إلى أوروبا وأمريكا حيث يقابل شخصيات هامة من الولايات المتحدة ودول أوروبا وإسرائيل وبعض الدول العربية للتنسيق معهم حول وضعه شخصيا ووضع مجموعة السديرية عموما، وقد يتوجه أحدهم إلى إسبانيا أو المغرب بحجة الاصطياف أو السياحة ثم يختفي من هناك في زيارة سرية إلى مكان ما من العالم لإنجاز بعض أعماله الخاصة جدا .
    ولي العهد الأمين
    وأخيرا، من مظاهر هذا الإسقاط التكلف الممجوج من قبل بعضهم في الإكثار من عبارات التمجيد والتعظيم والثناء على الذين ينتمون للتكتلات الأخرى، ولذلك فإن سلطان لا يمكن أن يفوته التأكيد الشديد على ذكر عبارة “ولي العهد الأمين”، والجميع يعلم أنه لا يصدق فيما يقول، بل ما يضمره في نفسه لولي العهد مناقض لما يتفوه به في الأماكن العامة، وينطبق الأمر على الأمراء المنتمين للتكتل الثاني الذين لا يفوتهم ذكر عبارة “سمو النائب الثاني” بمناسبة وبدون مناسبة.
    وتظل الإسقاطات النفسية تحكم تصرفات آل سعود، وتحدد سياستهم لتحل محل الفكر والتخطيط الاستراتيجي والبرمجة بما يناسب الأحوال والظروف والأزمان، وإلى إسقاط آخر من إسقاطات مرضى آل سعود.

    الإسقاط السابع
    الدولار هو الحل
    بعض الإسقاطات والأمراض النفسية متأصلة في الأسرة السعودية الحاكمة، وما لبثت مظاهرها بادية منذ تكوين المملكة، إلا أن ثمة إسقاطات أخرى اقتصرت على الجيل الأخير من الحكام، وهو جيل فهد أو مدرسة السديرية، ومن الإسقاطات التي اختص بها السديريون الشعور بأن المال يتغلب على أكبر المعضلات، ويحل أعقد المشاكل ويذلل أشد الصعاب، ولذا فالسياسة وتصريف شؤون الدولة والنجاح على المستويات الإقليمية والعالمية والسيطرة على الأوضاع المحلية، كل ذلك رهن بتوفر المال، ويعود السبب في تبني فهد وأشقائه لهذه السياسة إلى ظروف نشأتهم المترفة من جهة وإلى تفشي الجبن والخور والميوعة في مجموعة السديرية من جهة أخرى. لم يشهد فهد أيا من المعارك الهامة التي خاضها والده ضمن "مشروعه" لإنشاء المملكة، كما لم يستلم أي منصب أو مسؤولية إلا بعد أن تخطى الأربعين عاما من عمره، وعاش وإخوته في القصور المرفهة بين العبيد والجواري دون أدنى شعور بالمسؤولية.
    المال كثير
    وحين بدأ فهد يستلم بعض المسؤوليات، كان المال وفيرا بين يديه، فلم يخطر بباله أنه سينفد يوما، ولعل ذلك أسهم في الصياغة النهائية للتركيبة العقلية والنفسية لديه، فآمن بأن المال هو الحل لكل مسألة، ورسخ هذا الإحساس اعتقاد آل سعود بأن البلد وما حوت ملك خالص تام لهم، ولا غرابة إذن ألا يكون هناك فرق بين أموال فهد الخاصة وبين ميزانية الدولة، فنظام الحكم لا توجد فيه وسيلة رقابة أو ضبط تمنع فهد من سحب ما يشاء من أموال الدولة ليصرفها فيما يشاء، وقد كان ولا زال ذلك هو ديدن فهد وإخوته حتى نضبت ميزانية الدولة، وتحولت من بلد يتمتع بفائض 150 مليار دولار إلى بلد مدين بما لا يقل عن 150 مليار دولار.
    ولا يملك المتابع للتحول في السياسة بعد موت فيصل إلا أن يلاحظ اعتماد المدرسة الجديدة بالكامل على المال بطريقة مَرَضية كأسوأ ما يمكن أن يصاب به دكتاتور أو طاغية، حتى تحول الشعور بقدرة المال المطلقة على صنع المعجزات وإتيان الأعاجيب إلى إسقاط نفسي، بات آل سعود معه يتوهمون بأنهم ملكوا العالم بدولاراتهم.
    المال والدفاع
    في سياسة الدفاع لم يفهم آل سعود أن قوة البلد مرتهنة بوجود جيش قوي مدرب ومسلح بما يؤهله للدفاع عنها ورد أي اعتداء خارجي عليها، بل فهموا أن المال وحده قادر على ذلك، والمال لا يعني في تصورهم الصرف على التدريب والتسليح، بل يعني إهدار الأموال في مشاريع حرب خاسرة، فقد ظن آل سعود أنهم بالمال المصروف على العراق خلال حربه مع إيران تخلصوا من الخطر الإيراني، كما ظنوا أنهم بالمال الذي أتلفوه على القوات الأمريكية تخلصوا من الخطر العراقي، وبدلا من أن يصرف ولو عشر هذا المال في إعداد جيش منيع، بددت ثروة البلاد على “صديق” المرحلة ضد “عدو” المرحلة، أما الجيش فلا يزال من أضعف جيوش العالم وأفقرها خبرة وأتعسها تدريبا وتسليحا.
    شراء الذمم
    تمضي سياسة الدولار على المستوى المحلي في كل اتجاه إلا اتجاه الإصلاح والبناء، وقد أفرزت هذه السياسة ممارسات لا أخلاقية غدت تقليدا راسخا، من أبرزها تلك العطيات التي أصبحت في رتابتها ودوريتها كالرواتب الشهرية، فالعلماء المتاجرون بعلمهم ودينهم يستلمون أضخم الرواتب، بل قد يحصل بعضهم على بعض العطايا النقدية بالملايين أو العينية كالأراضي الشاسعة جزاءا له على خيانته للدين وللأمة، وبنفس الأسلوب يشترى ولاء كبار رجال القبائل، ويسترق بعض المفتونين من المثقفين، وكل ذلك ضمن سعي آل سعود لإسكات كل شخص متميز في مدينته أو في قريته أو في منطقته أو في قبيلته لجما بالدولار، وقد أمعنوا في ذلك، حتى توهموا أن كل إنسان يباع ويشترى في سوق النخاسة السعودي.
    السياسة الخارجية
    وأما على المستوى الدولي، فلا يخطر ببال آل سعود أن يعتمدوا من خلال النشاط الدبلوماسي على الثقل الاستراتيجي والمكانة الدولية للمملكة، وإنما يعتمدون في سياستهم الخارجية على شيء واحد، ألا وهو الدولار، فإذا كان البلد الذي يتعامل معه آل سعود بلدا دكتاتوريا فرديا يمكن أن يتعامل النظام فيه مع شخص واحد أو عصابة حاكمة، فإن الأموال تغدق على هؤلاء بشكل أو بآخر حتى تشترى ذممهم، أما العلاقة مع الشعوب فغير واردة ولا تخطر على بال آل سعود، وإذا كانت العلاقة مع دول ديمقراطية تراقب شعوبها حكامها فتحاسبهم وتقيلهم أو تستبدلهم إن أساءوا استخدام المال، فإن آل سعود لا يستطيعون استخدام أسلوب الرشوة بشكل مباشر، ولذا تجدهم يرشون جهاز الحكم عبر إبرام الصفقات التجارية والعسكرية، ولآل سعود في ذلك سلم أولويات، فأمريكا - التي تقدر قيمة العقود المبرمة معها منذ نهاية السبعينات بمئات المليارات من الدولارات - تأتي في مقدمة الدول المخدومة، وتعقد معها الصفقات الضخمة لا من باب الحرص على تحقيق نفع للبلاد، بل من باب إشعار تلك الدولة بحاجتها لآل سعود وبقدرتهم على التأثير على وضعها الداخلي، والكلام ذاته ينطبق على العقود الضخمة التي أبرمت وتبرم مع البريطانيين والفرنسيين وغيرهم.
    ومن صور الرشاوي غير المباشرة في العلاقات الخارجية ما حدث أثناء أزمة الخليج حين رفضت روسيا تأييد قرار الأمم المتحدة, فدفعت لها المملكة رشوة على شكل قرض بقيمة أربع مليارات دولار، ورفضت إسرائيل التزام الحياد في حرب الخليج الثانية، فدفعت لها المملكة رشوة غير معلنة هي تكاليف التسليح لما بعد الأزمة، والتي بلغت أكثر من عشرة مليارات دولار.
    وفي هذا النطاق يبرز دور المال في العمل الاستخباراتي، وهنا يتجلى حمق آل سعود الذين لا يفهمون من العمل الاستخباراتي شيئا، فيعوضون عجزهم بالتكفل بدفع تكاليف المشروعات الاستخباراتية الأمريكية مما له علاقة - أوليس له علاقة - بالمملكة، فقد دفع آل سعود مامل تكاليف البرنامج الأمريكي في أفغانستان، كما دفعوا تكاليف البرنامج الأمريكي في إيران وفي القرن الأفريقي وفي منطقة باب المندب، ويبلغ الحمق بآل سعود أن يدعموا العمليات السرية للمخابرات الأمريكية في أماكن ليس لها بالمملكة ناقة ولا جمل مثل أنغولا ونيكاراغوا، ويلخص أحد مدراء المخابرات الأمريكية الموقف السعودي بقوله "لقد أثبت السعوديون أنهم رائعون .. لقد وقفوا بجانبنا كلما لجأنا إليهم"، وكلمة رائعون هي الكلمة التي يريدها الملك فهد والتي دفع مقابلها ملايين الدولارات..
    الإعلام والعلاقات العامة
    كما يتجلى هذا النوع من الإسقاط في السياسة الإعلامية، وخاصة في الساحة الخارجية، وهنا لا مجال أبدا للتخطيط والعمل الاستراتيجي والاستفادة من الخبرات المخلصة، بل يكمن الحل في إغداق الأموال لتحسين صورة آل سعود وذلك عبر شراء الإعلام نفسه أو شراء ذمم القائمين عليه، ومن أجل ذلك اشترى آل سعود كثيرا من الصحف العربية وغير العربية، وإذا عجزوا عن شراء مؤسسة صحفية اشتروا ذمم القائمين عليها، أما المؤسسات التي يعجزون عن شرائها ويعجزون عن رشوة القائمين عليها فيحاولون التأثير عليها بأساليب غير مباشرة، لوكل ذلك بالمال.
    ويدخل في هذا النطاق التعاقد مع أكبر شركتين في العالم للعلاقات العامة ساشي ساشي في بريطانيا وهلين نورتن في أمريكا بما قيمته مليار دولار مع أن المشروع لا يتعدى كونه علاقات عامة لا تقدم ولا تؤخر.
    وحديثا قفز آل سعود قفزة أخرى في مجال حرق المال من أجل الإعلام، وذلك بإنشاء المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي تخدم أغراضهم، وفي مقدمة ذلك محطة MBC التي تبلغ ميزانيتها السنوية أكثر من ثلاثمائة مليون دولار.
    كما اخترق آل سعود المراكز الثقافية والأكاديمية والأنشطة الإسلامية بالمال، فأقاموا الكراسي الدراسية التي دفعوا لأجلها مبالغ طائلة لجامعات أمريكية وأوروبية ونجحوا في التحكم بعدد كبير من القائمين على المراكز الثقافية والإسلامية من خلال المخصصات المالية للمشاريع أو الرواتب الشهرية.
    المال يغطي العيوب
    ومن الإبداعات المضحكة لآل سعود اعتقادهم أن المال هو الذي يغطي فضائح الفقر والعجز الاقتصادي ولذا فقد عملوا ما لم يعمله الأوائل ولا الأواخر، حيث صرفوا عشرات الملايين على برامج إعلامية تدعي أن الاقتصاد السعودي متين، فالمال المهدور الثاني هو الذي يكذب إهدار المال الأول.
    المال والجنس
    يأخذ هذا الإسقاط مظهرا آخر على المستوى الشخصي للملك وإخوانه وهو الاعتقاد بأن المال يصنع كل المعجزات، فهو الذي يأتي بأجمل النساء من أقاصي الكرة الأرضية، ولذلك أصبح من الممارسات الطبيعية إرسال الطائرات الخاصة لجلب الداعرات لشخصيات من الأسرة ودفع الأموال الطائلة لهن، ويتوهم اليائسون من آل سعود بإن المال قادر على استعادة القوة الجنسية بعد فقدانها، فتصرف الملايين على المختصين وعلى المستحضرات الطبية، ولكن أنى يصلح العطار ما أفسد الدهر.
    واعتقد آل سعود أن المال هو الذي يكشف الغيب ويخبر عن المستقبل ويتنبأ بالأسرار، ومن أجل ذلك بحثوا عن أشهر رجال العالم في السحر والشعوذة، ودفعوا لهم الملايين من أجل أن يستقروا عندهم ويتنقلوا معهم في رحلاتهم ليخبروهم بالأخطار المحدقة بهم، والمال هو الطريق إلى السلامة !.
    الخلود
    وأخيراً لا آخراً بلغ الاعتقاد بقوة المال ذروته حتى ظن الملك أن المال هو الذي سيخلده، فأمر بإنشاء وحدة طبية كاملة في المستشفى التخصصي بتكلفة مليار دولار مرتبطة بشبكة الأقمار الصناعية بثلاث جامعات أمريكية، حتى تستخدم في تشخيص وعلاج كل ما يلم به من أمراض، توهما منه أن ذلك سيمنحه مزيدا من طول العمر.
    ماذا سيفعل آل سعود بعد أن بددوا الأموال، ولم يبق في أيديهم ما يكفي لتحقيق الأحلام الوردية؟ ما من شك في أننا بدأنا نرى تحول هذه الأحلام إلى كوابيس، تلك هي النتيجة الطبيعية للسياسات المنحرفة والعقليات المتخلفة والنفوس المريضة.
    “وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال”.

    الإسقاط الثامن
    التناقض بين الشعار والتطبيق

    تطبق كل دول العالم سياسات معلنة يتناغم فيها الشعار مع الممارسة، وحين تخالف بعض الشعارات السياسة الحقيقية للدولة فهي تمثل انحرافاً محدوداً وجانبياً ولا تمثل طابعاً عاماً لتسيير سياسة الدولة. هذا المبدأ ينطبق على الدول الديمقراطية التي تعلن برامج حكوماتها أمام شعوبها، وينطبق كذلك على الدول الدكتاتورية الكثيرة في العالم سواء اليسارية منها أو اليمينية. أما نظام آل سعود، وخاصة بعد نشأة مدرسة فهد، فلقد أصبح الشعار الذي يرفعه في واد والممارسة العملية في واد آخر. فالشعار الذي يرفعه آل سعود هو العمل بالإسلام وتطبيق الشريعة بينما الممارسة الحقيقية أبعد ما تكون عن الإسلام، سواء على مستوى سياسة الدولة أو على مستوى الأفراد الحاكمين. ولقد افرز هذا التناقض مع مرور الزمن إسقاطاً نفسياً خاصاً وتركيبة عقلية وأسلوباً في التفكير لا يوجد في أي نظام آخر في العالم.
    فآل سعود يشعرون في قرارة أنفسهم أن ليس للإسلام من تطبيقهم نصيب، وفي نفس الوقت لا يملكون أن يزيحوا هذه الهوة بين التطبيق والممارسة، ولذلك انعكست هذه التركيبة عليهم على شكل إسقاط نفسي يفسّر كثيراً من أقوالهم وتصرفاتهم.
    رب العزة والجلال
    أولى مظاهر هذا الإسقاط هي كثرة ترديد دعوى تطبيق الشريعة لفظياً بمناسبة وبدون مناسبة، والحرص على الألفاظ ذات الظلال الشرعية مثل لفظة "العقيدة" و "رب العزة والجلال" و "الحرص على رضى الله". ويحرص آل سعود على انضباط ألفاظهم بشكل متكلف حيث يكثرون من استخدام كلمة "ثم" إقناعاً للعلماء أنهم حذرون من الشرك الخفي، ولقد أُحصي للملك فهد مثلاً في أحد خطبه الرنانة أكثر من ثلاثين مرة لفظة "العقيدة".
    وهكذا يحرص سلطان على نعت سامعيه بأنهم إخوته في الله ودائماً يحييهم - كما يقول - بتحية الإسلام. أما نايف فيبالغ في فخره بتطبيق الإسلام حين يصف ممارسة القمع والاضطهاد بأنها هي الإسلام و"من لم يعجبه الشرع فليشرب من ماء البحر". ويتكلف بندر بن سلطان فيصف سجل المملكة لحقوق الإنسان بأنه "أحسن سجل لأنه تطبيق لحقوق الإنسان في الإسلام"، وتصل دعوى التمسح بالإسلام ذروتها عند فيصل بن فهد الشخص الذي تمرغ في الفساد والانحراف، فتجده يجيب على سؤال لأحد الصحفيين عن الهدف من إنشاء إستاد الرياض الكبير فيقول بأن "الهدف هو رضى الله". وعودة الى الملك فهد الذي سئل مرة عن منجم الذهب إن كان هو الكنز الذي تنتظره المملكة فقال لا بل نحن نعتمد على الكنز الذي لا ينضب وهو "العقيدة".. الله أكبر!
    نحترم العلماء
    شكل آخر من أشكال التعبير عن هذا الإسقاط هو تمثيلية احترام العلماء التي يخادع بها آل سعود الناس، فالعلماء الذين يدعي آل سعود احترامهم ليسو إلا فئة مختارة، أما العلماء الحقيقيون الذين تلقتهم الأمة بالقبول وانقادت لهم فكان مصيرهم السجن والتشريد والقتل والإيذاء والفصل والتضييق. وحتى الاحترام المدعى للعلماء الرسميين ليس إلا مسرحية تؤدى بطقوس معينة يهان فيها العلماء وتداس كرامتهم بالتراب، حيث يحضر العلماء وينتظرون ساعات من أجل أن يشرف عليهم فهد بطلعته البهية فيخرج عليهم ليهذي بما لا معنى له ولا قيمة، ثم ينصرف.
    وثمة شكل آخر من أشكال الاحترام المزعوم للعلماء ألا وهو توزيع عطايا الأراضي والعقار - بل وحتى المال - عليهم من أجل كسبهم والفوز بتزكيتهم، وهذا لا يفسره إلا ترسخ الشعور لدى آل سعود بأنهم في الحقيقة كاذبون في دعوى خدمة الإسلام، وأنه لا مجال للتغطية على ذلك إلا بالاحتماء بالعلماء.
    على الهواء مباشرة
    وينعكس هذا الإسقاط على مستوى الإعلام الرسمي بشكل كبير، فبدلاً من أن يقدم هذا الإعلام الرسالة الإسلامية نفسها فإنه يقدم الخراب والدمار مخلوطاً بعبارات تكرر دعوى تطبيق الشريعة وخدمة الحرمين الشريفين والقيام بالواجب تجاه الإسلام والمسلمين. ويحرص الإعلام على خدمة الشكليات مثل نقل شعائر الصلاة في المسجد الحرام أو حركة الحجاج في الوقت الذي يقتل فيه معاني العزة الإيمانية والالتزام بالإسلام.
    أما على مستوى السياسة الخارجية فيأخذ هذا الإسقاط مظاهر عديدة تفسر كثيراً من تصرفات آل سعود تجاه الدول والمراكز والجماعات الإسلامية والناشطين الإسلاميين في العالم.
    الدعم لمن
    ففي تعامله مع المفكرين والعلماء والدعاة المشهورين على مستوى العالم الإسلامي، تجد النظام السعودي انتقائياً، فهو لا يؤوي ولا يدعم ولا يتبنى إلا من يوافق على التسبيح بحمده والتزلف له بتأكيد الدعوى الكاذبة بأنه نظام يقوم على خدمة الإسلام. وتجده في المقابل يحاصر كل داعية مخلص ويضايقه حتى لو كان خارج نفوذه وبعيداً عن حدوده. كما يرفض النظام السعودي دعم أي حركة إسلامية أو جماعة أو حزب مخلص نزيه نظراً لأن برامج هذه الجماعات والأحزاب تكشف زيغ النموذج السعودي للإسلام وتفضح تلبيسه على المسلمين في العالم. ولا يكتفي النظام السعودي بالتخلي عن دعم تلك الحركات بل يسعى جاداً لشقها وتفكيكها ويتعاون مع الحكومات الظالمة في العالم الإسلامي للقضاء عليها.
    لا لدولة إسلامية
    وفي نفس الاتجاه يبذل النظام السعودي كل جهد ضد قيام أي دولة إسلامية في العالم يمكنها أن تكون نموذجاً أصدق من نموذج النظام السعودي وهذا ما يفسر اندفاع المخابرات السعوية في تخريب التجربة الأفغانية ودفعها لتلك النتيجة المحزنة، ويفسر كذلك حماس السعوديين لدعم الحصار على السودان، بل يفسر أمراً آخر يغيب عن كثير من المطلعين وهو دعم النظام السعودي لليمن الجنوبي ضد الشمالي أيام الحرب رغم شيوعية الجنوب تماماً ورغم دعمهم لنظام صدام حسين البعثي. ورغم العلاقات الطيبة لنظام آل سعود مع آل الأحمر في الشمال إلا أن الخوف من تنامي الصحوة الإسلامية في الشمال والإدراك بأن انتصار الشماليين سيقوي كفة الإسلاميين ويقرب فرصة نجاح المشروع الإسلامي في اليمن مما من شأنه أن يكشف زيف التجربة السعودية فقد سارع آل سعود إلى دعم الجنوب بكل ما أوتوا من موارد.
    وتبرز الانتقائية بشكل واضح على مستوى المراكز الإسلامية، حيث يرفض السعوديون دعم أي مركز لا يقر لهم بالولاء ولا ينضوي ضمن الفلك السعودي، وتراهم يحرصون على التحكم الكامل بما تقع عليه أيديهم من المراكز من خلال شراء المسؤولين فيها سواء بالرواتب أو بالأعطيات أو بالدعوة للحج والعمرة على حساب النظام السعودي.
    نعم للنفاق
    ويفسر هذا الإسقاط لِمَ يضخ السعوديون ملايين الدولارات في مشاريع تسمى إسلامية لكن ليس لها من حقيقتها إلا الشعار، مثل بعض المساجد الكبرى في أوروبا التي يكلف بناؤها وتشغيلها من المال ما يكفي لتشغيل مئات المساجد والمدارس في كثير من أنحاء العالم. لكن يتضح جلياً أن المطلوب ليس خدمة الجاليات الإسلامية بقدر ما هو التحكم السعودي بتلك المراكز والمؤسسات وتحسين صورة آل سعود التي قبحت في أعين الداني والقاصي.
    ولا يكتفي السعوديون بالتحكم بالمراكز والجماعات بل امتد نفوذهم ليشمل الجامعات المهتمة بشؤون الإسلام والشرق، فعمدوا إلى شراء الكراسي الجامعية ورشوة الأساتذة والمفكرين من أجل التأكيد على "صدق" النموذج السعودي للإسلام.
    ومع أن الهوة بين التطبيق والممارسة بدأت منذ أيام الملك عبد العزيز لكنها لم تبلغ ما تحولت إليـــه فــي عهـــد فهــد من إسقاط نفسي، فلم يعهد أهل الجزيرة في أيام عبد العزيز أو فيصل كثيراً من تلك المظاهر المستحدثة. ومثل كثير من الإسقاطات النفسية الأخرى لم يتركز هذا الإسقاط إلا أيام فهد، بل من الملاحظ أن مجموعة السديرية داخل الأسرة هي الأكثر معاناة من هذا الإسقاط لما جبلوا عليه من النفاق وما استمرأوه من الكذب وما تعودوه من الغش والخداع، بما ينعكس لا محالة على كل تصرفاتهم الفردية كما تقدم.
    وحري بمثل هؤلاء أن يكون عمر حكمهم قصير، فلا يمكن لدولة أن تدوم معتمدة على ردود الأفعال والانعكاسات النفسية.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-05-10
  3. walid

    walid عضو

    التسجيل :
    ‏2003-02-07
    المشاركات:
    36
    الإعجاب :
    0
    لاحول ولا قوة الا بالله ماله داعي هذا الكلام في هذا الوقت
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-05-11
  5. OSAMABINLADEN

    OSAMABINLADEN عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-03
    المشاركات:
    51
    الإعجاب :
    0
    ليش كلام الحق هذا الزمن ما يعجبك walid



    وبعدين متا نتكلم حبيبي نتكلم في القبور
     

مشاركة هذه الصفحة