إتحاف العباد ببعض أحكام الجهاد

الكاتب : OSAMABINLADEN   المشاهدات : 478   الردود : 3    ‏2003-05-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-08
  1. OSAMABINLADEN

    OSAMABINLADEN عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-03
    المشاركات:
    51
    الإعجاب :
    0
    إتحاف العباد ببعض أحكام الجهاد

    إتحاف العباد ببعض أحكام الجهاد -1

    هذه المادة مكملة لسلسلة "القواعد الضرورية في النازلة الصليبية " ، وهذه هي "القاعدة السابعة" . ولأنها جائت طويلة ، وهي من الأهمية بمكان ، فقد أفردت لها عنواناً خاصاً ..


    القاعدة السابعة : "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"


    الحمد لله ذو الجلال والإكرام ، والصلاة والسلام على سيّد الأنام محمد بن عبد الله خير من حمل الحسام وجزّ به رؤوس الكفر والظلام ، وعلى آله وأصحابه الكرام ... أما بعد

    فهذه نبذة من النصوص وأقوال أهل العلم في ذروة سنام الإسلام أسوقها للإخوة عسى الله أن ينفع بها قارئها وجامعها يوم يُبعث الأنام ..


    التحريض على القتال

    قال تعالى "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا " (النساء : 84)

    قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية : "هذه الحالة, أفضل أحوال العبد, أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله, من الجهاد وغيره, ويحرض غيره عليه. وقد يعدم في العبد, الأمران أو أحدهما, فلهذا قال لرسوله: " فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ " أي : ليس لك قدرة على غير نفسك, فلن تكلف بفعل غيرك.

    " وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ " على القتال, وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين, وقوة قلوبهم, من تقويتهم, والإخبار بضعف الأعداء, وفشلهم, وبما أُعد للمقاتلين من الثواب, وما على المتخلفين من العقاب. فهذا وأمثاله, كله يدخل في التحريض على القتال.

    " عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا " أي: بقتالكم في سبيل الله, وتحريض بعضكم بعضا.
    " وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا " أي: قوة وعزة " وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا " بالمذنب في نفسه, وتنكيلا لغيره, فلو شاء تعالى, لانتصر من الكفار بقوته, ولم يجعل لهم باقية. ولكن من حكمته يبلو بعض عباده ببعض, ليقوم سوق الجهاد, ويحصل الإيمان النافع, إيمان الاختيار, لا إيمان الاضطرار والقهر, الذي لا يفيد شيئا. (انتهى كلامه رحمه الله) ..

    لم أرى محاولات لتمييع حكم من أحكام الإسلام اليوم كأحكام الجهاد (ومعه أحكام الولاء والبراء) .. كثير من شباب الصحوة تغيب عنه هذه الأحكام . أما العامة فلا يعرفون من الجهاد إلّا إسمه ، وأكثرهم لم يسمع بشيء إسمه "ولاء وبراء" ، وقد تكلمنا عن بعض جوانب "الولاء والبراء" في القاعدة الأولى من هذه السلسلة ، وسوف نتناول في هذه القاعدة بعض أحكام الجهاد التي تقتضيها المرحلة .

    [أعتذر للإطالة ، فالحال تقتضي ذلك ، ولعل في العناوين الفرعية بعض تسلية لأصحاب النفَس القصير ..]


    آيــــة الســــيف ..

    قال تعالى في سورة التوبة :

    "فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (التوبة : 5) ..

    هذه الآية تُسمّى "آية السيف" ، وهي من أواخر آيات الجهاد ، نزلت في أواخر ما نزل من الوحي لتنسخ المراحل الجهادية السابقة ، وتُطلق يد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وتحمل على كواهلهم مهمّة تبليغ الدعوة والرسالة بالسيف ، وليمُنّ الله عليهم بشرف التضحية في سبيله سبحانه ..

    روى الحافظ بن كثير في تفسير الآية عن "الضحاك بن مزاحم" قوله : أنها نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد ومدة " .. وروى أيظا عن "العوفي" عن "ابن عباس" قوله : "لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة " (انتهى كلامه رحمه الله).

    ويقول الحافظ محمد بن أحمد بن محمد جزي الكلي صاحب "تفسير التسهيل لعلوم التنزيل": "ونقد هنا ما جاء من نسخ مسألة الكفار والعفو عنهم والإعراض والصبر على أذاهم بالأمر بقتالهم ليغني ذلك عن تكراره في مواضعه فإنه وقع منه في القرآن مائة وأربع عشرة آية من أربع وخمسين سورة نسخ ذلك كله بقوله "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". (انتهى كلامه رحمه الله).

    وقال الحسين بن فضل ، فيما هي آية السيف "نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء" (انتهى كلامه رحمه الله).

    وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن حزم (الناسخ والمنسوخ : باب الإعراض عن المشركين) "في مائة أربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة نسخ الكل بقوله عز وجل "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (انتهى كلامه رحمه الله).

    ونُقل عن السدي والضحاك قولهما في قوله تعالى " فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ..." (محمد : 4) : إن آية السيف منسوخة بآية (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ) ، وهي أشد على المشركين من آية السيف" (انتهى كلامهما يرحمهما الله)

    قال سيد قطب رحمه الله : وأخيرا فإنه مع هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الأربعة يظل الإسلام على سماحته وجديته وواقعيته كذلك . فهو لا يعلنها حرب إبادة عل كل مشرك كما قلنا. إنما يعلنها حملة هداية كلما أمكن ذلك. فالمشركون الأفراد، الذين لا يجمعهم تجمع جاهلي يتعرض للإسلام ويتصدى له ، يكفل لهم الإسلام، في دار الإسلام – الأمن. ويأمر الله-سبحانه- رسوله-صلى الله عليه وسلم – أن يجيرهم حتى يسمعوا كلام الله ويتم تبليغهم فحوى هذه الدعوة ، ثم أن يحرسهم حتى يبلغوا مأمنهم .. هذا كله وهم مشركون. (سيد قطب : في ظلال القرآن) ..

    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله : "هم [الكفار] إذا جاءت "مسألة الدين" فهم جميعاً على سلبها من المسلمين ، ويريدون أن يمنعوا الدين عن المسلمين ، ويبقوا هكذا : يستعمرونهم في مصالحهم . وقتالهم للمسلمين في الوقت الحاضر ، بالراديوات [جمع راديو وهو المذياع] وبالمجلات ، وبالمدارس ، وغير ذلك . وفي الحقيقة أنه من أعين المتعين قتالهم في الوقت الحاضر لو تيسّر " (فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ : 6\200)


    ما هو الجهاد !!

    جاء في شرح منتهى الإرادات للبهوتي ، كِتَابُ الْجِهَاد :
    هو" مصدر جاهد جهاداً ومُجاهدّة ، مِن جَهِدَ : أي بالغ في قتل عَدوّه ، فهو لغة : بذل الطاقة والوسع ، وشرعاً : (قتال الكفار) خاصة .. (انتهى) .

    وفي كشاف القناع على متن الإقناع للبهوتي ، كِتَابُ الْجِهَادِ : الجهاد مصدر جاهَد جِهاداً ومُجاهدة إذا بالغ في قتل عدوّه ، فهو لغة : بذل الطاقة والوسع ، وشرعاً : (قتال الكفار ) خاصة بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق وغيرهم ، فبينه وبين القتال عموم مطلَق .. (انتهى)

    وفي مطالب أُلي النهى في شرح غاية المنتهى (للرحيباني) ، كِتَابُ الْجِهَادُ : هو مصدر جاهَد جهاداً ومُجاهدة مِن جَهَدَ : إذا بالغ في قتل عدوّه .. (انتهى) .

    وفي البحر الرائق شرح كنز الدقائق (لابن نجيم) ، كِتَابُ السِّيَرِ : والجهاد هو الدعاء إلى الدين الحق ، والقتال مع من امتنع عن القبول بالنفس والمال .. (انتهى) .

    وفي بدائع الصنائع (للكاساني \ كِتَابُ السِّيَرِ) : وأما الجهاد في اللغة : فعبارة عن بذل الجهد بالضمّ وهو الوسع والطاقة ، أو عن المبالغة في العمل من الجَهْد بالفتح ، وفي عُرف الشرع يُستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله – عز وجل – بالنفس والمال واللسان ، أو غير ذلك ، أو المبالغة في ذلك ، والله تعالى أعلم .. (انتهى) .

    وفي سبل السلام شرح بلوغ المرام (للصنعاني) : الجهاد: مصدر جاهدت جهاداً أي بلغت المشقة، هذا معناه لغة. وفي الشرع: بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة.

    وجاء في الموسوعة الفقهية في تعريف الجهاد :

    الجهاد : مصدر جاهد ، وهو من الجهد - بفتح الجيم وضمّها - أي الطّاقة والمشقّة ، وقيل : الجَهد - بفتح الجيم - هو المشقّة ، وبالضّمّ الطّاقة .
    والجهاد القتال مع العدوّ كالمجاهدة ، قال تعالى : " وجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ " .
    وفي الحديث الشّريف : " لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونيّة " . يقال : جاهد العدوّ مجاهدة وجهاداً إذا قاتله .
    وحقيقة الجهاد كما قال الرّاغب : المبالغة واستفراغ الوسع في مدافعة العدوّ باليد أو اللّسان. أو ما أطاق من شيء ، وهو ثلاثة أضرب : مجاهدة العدوّ الظّاهر ، والشّيطان ، والنّفس . وتدخل الثّلاثة في قوله تعالى : "وجَاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ " .
    وقال ابن تيميّة : الجهاد إمّا أن يكون بالقلب كالعزم عليه ، أو بالدّعوة إلى الإسلام وشرائعه ، أو بإقامة الحجّة على المبطل ، أو ببيان الحقّ وإزالة الشّبهة ، أو بالرّأي والتّدبير فيما فيه نفع المسلمين ، أو بالقتال بنفسه . فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه . قال البهوتيّ : ومنه هجو الكفّار . كما كان حسّان رضي الله عنه يهجو أعداء النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
    والجهاد اصطلاحاً : قتال مسلم كافراً غير ذي عهد بعد دعوته للإسلام وإبائه ، إعلاء لكلمة اللّه . (انتهى) ..

    جاء في التاج والإكليل لمختصر خليل " الجهاد إذا أطلق لا يقع إلا على مجاهدة الكفار بالسيف" (انتهى) ..

    نستخلص من جملة هذه التعاريف أن الجهاد بمعناه الخاص الوارد في أكثر نصوص القرآن والسنة هو : قتال الكفار بالسلاح لإعلاء كلمة الله ، ولا ينصرف الجهاد عن هذا المعنى في أي نص من نصوص القرآن والسنة إلا بدليل .. والله أعلم ..


    أنواع الجهاد (الذي هو القتال) :

    من المعلوم لدى العلماء وطلبة العلم الشرعي أن الجهاد نوعان :

    النوع الأول : جهاد طلب ، وهو فرض كفاية .
    النوع الثاني : جهاد دفع ، وهو فرض عين .

    وقبل أن نبدأ بالكلام عن هذين النوعين من الجهاد ، لا بد من معرفة معنى "فرض الكفاية" و "فرض العين" :

    أولاً : فرض الكفاية : هو الفرض الذي إذا قام به البعض سقط عن الآخرين ، وإن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم، فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض العين، ثم يخلتفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له وفرض العين لا يسقط بفعل غيره (المغني لابن قدامة) .. ومثال ذلك : صلاة الجنازة ، فهي فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن باقي المسلمين وإذا لم يقم به أحد أثم المسلمون جميعاً ..

    ثانياً: فرض العين: هو الفرض الذي يجب على كل مسلم أن يفعله بنفسه كالصلاة والصوم ، فلا يجوز لأحد أن يُنيب غيره في القيام بفرض العين ، مثل أن يقول لإنسان : صلي عني الفجر أو العصر ، فهذا لا يجوز أبداً ، بل على الإنسان أن يؤدي بنفسه فرض العين ، فهو متعيّن عليه هو . (انظر المغني لابن قدامة 8/345).


    ما هو جهاد الطلب ، وما حكمه !!

    معنى جهاد الطلب : هو مبادرة الكفار بقتالهم في عقر دارهم - بحيث يكون الكفار في حالة لا يحشدون لقتال المسلمين – بنيّة نشر الدين وتمكينه في الأرض ..

    أقوال أهل العلم في جهاد الطلب :

    قال في ابن قدامة في المغني (كتاب الجهاد) : " ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم ؛ إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك ، أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم ، ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ، ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم . (انتهى) ..

    قال الإمام عبدالعزيز بن باز (رحمه الله وطيّب ثراه) ، بعد أن ذكر بعض آيات وأحاديث الجهاد :

    " وفي هذه الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة الدلالة الظاهرة على وجوب جهاد الكفار والمشركين وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام، وإصرارهم على الكفر حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ويتبعوا ما جاء به، وأنه لا تحرم دماؤهم وأموالهم إلا بذلك ، وهي تعم جهاد الطلب، وجهاد الدفاع، ولا يستثنى من ذلك إلا من التزم بالجزية بشروطها إذا كان من أهلها عملا بقول الله عز وجل: " قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" (التوبة : 29).

    وقال رحمه الله: وقد كان الجهاد في الإسلام على أطوار ثلاثة: [فذكر الطورين : الأول والثاني ، ثم قال في الثالث] : الطور الثالث: جهاد المشركين مطلقا وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ليعم الخير أهل الأرض، وتتسع رقعة الإسلام، ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد، وينعم العباد بحكم الشريعة العادل، وتعاليمها السمحة، وليخرجوا بهذا الدين القويم من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة وأحكامها الرشيدة.(انتهى) [من كتابه : فضل الجهاد والمجاهدين ، وهو كتيّب قيّم ينبغي الإعتناء به] ..

    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه االله : " ثم المعروف أن المشركين يقاتلون لأجل كفرهم ، لا لأجل عدوانهم ، من أدلته حديث " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ...." (متفق عليه) ، ولم يقل : نقاتل من قاتلنا ، ولا من نخشى شرّه !!
    "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله" (التوبة : 29) ، فدل على أن قتالهم بالوصف : "الذين لا يؤمنون" هذا هو العلّة .
    "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (التوبة : 5) يفيد أنهم يُقاتَلون لأجل شركهم ، فإن الإسم إذا كان بصيغة الوصف دل على اعتبار الوصف كقولك : أعط الفقير درهماً .
    "قاتلوا من كفر بالله " (أحمد ومسلم والترمذي وصححه) هذا من البرهان على أن الكفرة يُقاتَلون لأجل كفرهم . والرسول (صلى الله عليه وسلم) أفهم الخلق ، فلو كانوا لا يُقاتَلون إلا لأجل دفع شرّهم لقال : إن قاتَلُوكم . (فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 6\198)

    يقول ابن قدامة رحمه الله عن جهاد الطلب في المغني: وأقل ما يفعل مرة في كل عام ؛ لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام ، وهي بدل عن النصرة ، فكذلك مبدلها وهو الجهاد ، فيجب في كل عام مرة ، إلا من عذر ، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة ، أو يكون ينتظر المدد يستعين به ، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع أو ليس فيها علف أو ماء ، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام ، فيطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم ، ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال ، فيجوز تركه بهدنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح قريشا عشر سنين ، وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده ، وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة . وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب ذلك ؛ لأنه فرض كفاية ، فوجب منه ما دعت الحاجة إليه .." (انتهى) ..

    وفي حاشية ابن عابدين: وأقل فرض الكفاية سد الثغور بالمؤمنين لإرهاب أعداء الله، وإرسال جيش في السنة على الأقل، فعلى الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته، فإن لم يبعث كان الإثم عليه. (انتهى) ..

    وجاء في الفتاوى الهندية (كتاب السير) : " قتال الكفار الذين لم يسلموا ، وهم من مشركي العرب أو لم يسلموا ، ولم يعطوا الجزية من غيرهم واجب ، وإن لم يبدؤنا ، كذا في فتح القدير (انتهى) ..

    وقال الشافعي في الأم : " وأقل ما يجب عليه أن لا يأتي عليه عام إلا وله فيه غزو حتى لا يكون الجهاد معطلا في عام إلا من عذر.." ..(انتهى) ..

    وفي حاشية الشرواني وابن القاسم على تحفة الحتاج على المنهاج: الجهاد دعوة قهرية فتجب إقامته بقدر الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. (انتهى) ..

    وقال في "الجوهرة النيرة" (لأبي بكر العبادي): وقتال الكفار واجب علينا وإن لم يبدءونا . (انتهى) ..

    وفي شرح منتهى الإرادات للبهوتي: ويبعث الإمام في كل سنة جيشاً يُغيرون على العدو في بلادهم. (انتهى) ..

    قال ابن حزم رحمه الله في المحلى " والجهاد فرض على المسلمين فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم ويحمي ثغور المسلمين سقط فرضه عن الباقين وإلا فلا ، قال الله - تعالى - " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم " (انتهى) ..

    وفي الكافي : فرض على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل سنة مرة ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم . وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة . والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة . [وقال] ابن بشير : الجهاد فرض كفاية إذا كان يكفي فيه قيام طائفة من المسلمين ولم يعين الإمام أحدا .. (انتهى ، من التاج والإكليل لمختصر خليل) ..

    قال في المغني (كتاب الجهاد) : والجهاد من فروض الكفايات ، في قول عامة أهل العلم . وحكي عن سعيد بن المسيب ، أنه من فروض الأعيان ؛ لقول الله تعالى " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله " ، ثم قال : " إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما " . وقوله سبحانه : " كتب عليكم القتال " .


    نخرج من هذا بأن جهاد الطلب سببه نشر الإسلام وتمكين حكمه على سائر الأرض عن طريق إزاحة العوائق التي تقف أمامه بالقوة العسكرية ، وهو واجب على إمام المسلمين مرّة أو أكثر كل عام حسب الإستطاعة ، وهو من فروض الكفايات (على قول جمهور أهل العلم) التي إذا تركها المسلمون أثموا جميعاً ، وإذا قام به من فيهم الكفاية من المسلمين سقط عن الباقين وإلا كان فرض عين على من سواهم حتى تحصل الكفاية (وسيأتي بيان هذا إن شاء الله) ..


    جهاد الدفع (دفع الصائل):

    تعريفه: هو مجاهدة العدو إذا دهم بلاد الإسلام أو همّ بمداهمتها لإخراجهم أو صدهم عن بلاد الإسلام. وهو فرض عين ، بل من أهم فروض الأعيان ..

    ويتعين في حالات :

    - أحدها ، إذا التقى الزحفان ، وتقابل الصفان ؛ حرم على من حضر الانصراف ، وتعين عليه المقام ؛ لقول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا " . وقوله " واصبروا إن الله مع الصابرين " . وقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله " ..
    - الثاني ، إذا نزل الكفار ببلد ، تعين على أهله قتالهم ودفعهم .
    - الثالث ، إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه ؛ لقول الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض " . الآية والتي بعدها . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا استنفرتم فانفروا " . (المغني لابن قدامة \ كتاب الجهاد) ..


    حكم جهاد الدفع:

    جاء في الحديث الصحيح: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد " [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي]

    قال الجصاص بعد هذا الحديث: " لا نعلم خلافا أن رجلا لو شهر سيفا على رجل ليقلته بغير حق أن على المسلمين قتله " [أحكام القرآن للجصاص (1/2402)]
    وفي هذه الحالة -الصيال- إذا قتل الصائل فهو في النار ولو كان مسلما ، وإذا قتل العادل فهو شهيد، هذا حكم الصائل المسلم، فكيف إذا صال الكفار على أرض المسلمين حيث يتعرض الدين والعرض والنفس والمال للذهاب والزوال؟ ألا يجب في هذه الحالة على المسلمين دفع الصائل الكافر والدولة الكافرة ؟!

    لقد "اتفق (علماء المسلمين) على أن قتال المشركين ، وأهل الكفر ، ودفعهم عن بيضة أهل الإسلام ، وقراهم ، وحصونهم ، وحريمهم ، إذا نزلوا على المسلمين ، فرض على الأحرار ، البالغين ، المطيقين " (انظر : مراتب الإجماع ص 119 ، وبداية المجتهد 1\368 ، والإستذكار) ..

    قال الجصاص : " ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم ، وأنفسهم ، وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين ، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم" ( أحكام القرآن للجصاص 3/114) .

    قال الشيخ المجاهد عبد الله عزام رحمه الله : "ففي هذه الحالة (إذا هاجم العدو دولة إسلامية) اتفق السلف والخلف وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثون والمفسرون في جميع العصور الإسلامية إطلاقا أن الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين على أهل هذه البلدة -التي هاجمها الكفار- وعلى من قرب منهم، بحيث يخرج الولد دون إذن والده، والزوجة دون إذن زوجها، والمدين دون إذن دائنه، فإن لم يكف أهل تلك البلدة أو قصروا أو تكاسلوا أو قعدوا يتوسع فرض العين على شكل دوائر الأقرب فالأقرب، فإن لم يكفوا أو قصروا فعلى من يليهم ثم على من يليهم حتى يعم فرض العين الأرض كلها " (انتهى)

    وقال القرطبي رحمه الله في تفسيره : " قد تكون حالة يجب فيها نفير الكل ... وذلك إذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فإذا كان ذلك ؛ وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا أو يخرجوا إليه خفافاً وثقالاً ، شباباً وشيوخاً ، كل على قدر طاقته ومن كان له أب بغير إذنه ، ومن لا أب له ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثّر فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ، ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضاً الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو إليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين ... ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضاً الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة ، وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في هذا" (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/97) .

    قال شيخ الإسلام بن تيمية: " وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعا ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط ( كالزاد والراحلة) بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم" (الإختيارات العلمية لابن تيمية ، وهي في الفتاوى الكبرى)


    أقوال المذاهب الأربعة في جهاد الدفع :

    أولاً : فقهاء الحنفية:

    قال ابن عابدين : "وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه، وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج"
    [وبمثل هذا أفتى الكاساني ، وابن نجيم ، وابن الهمام .. انظر : حاشية ابن عابدين (3/238) ، وبدائع الصنائع (7/72) ، والبحر الرائق لابن نجيم (5/191) ، وفتح القدير لابن الهمام (5/191) ]

    ثانيا : عند المالكية:

    جاء في حاشية الدسوقي: "ويتعين الجهاد بفجء العدو، قال الدسوقي: (أي توجه الدفع بفجئ (مفاجأة) على كل أحد وإن امرأة أو عبدا أو صبيا، ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الدين" [حاشية الدسوقي (2/174)]

    وفي التاج والإكليل لمختصر خليل (كتاب الجهاد) : أبو عمر : يتعين على كل أحد إن حل العدو بدار الإسلام محاربا لهم فيخرج إليه أهل تلك الدار خفافا وثقالا شبانا وشيوخا ، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكتر ، وإن عجز أهل تلك البلاد عن القيام بعدوهم كان على من جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة . وكذلك من علم أيضا بضعفهم وأمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج ، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ..... وقال ابن بشير : إذا نزل قوم من العدو بأحد من المسلمين وكانت فيهم قوة على مدافعتهم فإنه يتعين عليهم المدافعة ، فإن عجزوا تعين على من قرب منهم نصرتهم . وتقدم نص المازري : إذا عصى الأقرب وجب على الأبعد . (انتهى) ..

    ثالثا : عند الشافعية:

    جاء في نهاية المحتاج للرملي: " فإن دخلوا بلدة لنا وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم، من فقير وولد وعبد ومدين وامرأة " [نهاية المحتاج (8/58)]

    رابعا : عند الحنابلة:

    جاء في المغني لابن قدامة: ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:
    1- إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان.
    2- إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.
    3- إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير. [المغني (8/345)]

    ويقول ابن تيمية: " إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير اليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا" [الفتاوى الكبرى (4/608)] ..

    وقال أيظاً: [في مجموع الفتاوى (82/358)] : "فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين، كما قال تعالى " وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر" (الأنفال: 72)."

    قال ابن كثير في قول الله تعالى "إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير " (التوبة: 29) :
    "أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وقد بوب البخاري (باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية) وأورد هذه الآية، وكان النفير العام بسبب أنه ترامي إلى أسماع المسلمين أن الروم يتعدون على تخوم الجزيرة لغزو المدينة، فكيف إذا دخل الكفار بلد المسلمين، أفلا يكون النفير أولى؟ قال أبو طلحة رضي الله عنه في معنى قوله تعالى: "خفافا وثقالا " ، كهولا وشبابا ما سمع الله عذر أحد " [مختصر ابن كثير (2/144)] ..

    وقال القرطبي في قول الله تعالى "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " (الأنفال: 40)
    والفتنة هي "الشرك" كما قال ابن عباس والسدي ..(انتهى) [القرطبي (2/253)].
    فعند هجوم الكفار واستيلائهم على الديار فالأمة مهددة في دينها ومعرضة للشك في عقيدتها فيجب القتال لحماية الدين والنفس والعرض والمال ..

    وقال القرطبي أيظا : " كل من علم بضعف المسلمين عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج اليهم " [فتح الباري (6/30)]

    جاء في الفتاوى الهندية (كتاب السير) ما نصه : " وأما حكمه (حكم الجهاد) فسقوط الواجب عن ذمته في الدنيا ونيل المثوبة والسعادة في الآخرة كما في العبادات كذا في محيط السرخسي قال بعضهم : الجهاد قبل النفير تطوع ، وبعد النفير يصير فرض عين وعامة المشايخ رحمهم الله تعالى قالوا الجهاد فرض على كل حال غير أنه قبل النفير فرض كفاية وبعد النفير فرض عين وهو الصحيح ، ومعنى النفير أن يخبر أهل مدينة أن العدو قد جاء يريد أنفسكم وذراريكم وأموالكم فإذا أخبروا على هذا الوجه افترض على كل من قدر على الجهاد من أهل تلك البلدة أن يخرج للجهاد وقبل هذا الخبر كانوا في سعة من أن يخرجوا ، ثم بعد مجيء النفير العام لا يفترض الجهاد على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا فرض عين وإن بلغهم النفير ، وإنما يفرض فرض عين على من كان يقرب من العدو ، وهم يقدرون على الجهاد . أما على من وراءهم ممن يبعد من العدو ، فإنه يفترض فرض كفاية لا فرض عين حتى يسعهم تركه ، فإذا احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو أو تكاسلوا ، ولم يجاهدوا ، فإنه يفترض على من يليهم فرض عين ثم وثم إلى أن يفرض على جميع أهل الأرض شرقا وغربا على هذا الترتيب (اتنهى) ..

    نستخلص من أقوال أهل العلم بأن العدو إذا أراد الإعتداء على دولة مسلمة (فضلاً عن كونه اعتدى عليها فعلاً) أن الجهاد يُصبح فرض عين على من في تلك البلاد من : مسلم ومسلمة ، حر أو عبد ، كهل أو شاب ، آمر أو مأمور ، بلا إذن والدين ولا ولي أمر ولا دائن ولا زوج .. ولا يُشترط التكافؤ ولا الإستعداد ، بل كل شخص يدفع العدو بكل ما يستطيع ، فإن لم يستطيعوا دفع العدو صار فرضاً عينيا على من يليهم ، ويكون آكد على الأقرب فالأقرب حتى تحصل الكفاية ، فإن لم تحصل الكفاية أصبح الجهاد فرض عين على جميع المسلمين في الأرض حتى يحرروا أرض الإسلام من الكفار ، وهذا من أوجب الواجبات في الدين ..

    وهنا لنا وقفة مع شبهة عظيمة وخلط كبير وقع فيه الناس : كثير من الناس يخلط بين أحكام "جهاد الدفع" و "جهاد الطلب" ، فيخلطون النصوص ويضعونها في غير موضعها إما جهلاً ، أو تلبيساً على المسلمين ..

    ولنحاول ذكر بعض الفروق التي تُبين هذا الأمر حتى يكون المسلمون على بينة من أمرهم فلا يقعون في شرَك المخذّلين والمثبّطين والمتقوّلين على الدين :

    جهاد الطلب :

    1- هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن لم يقم به أحد أثم المسلمون جميعاً .
    2- يجب فيه إذن ولي الأمر (إن كان هناك ولي أمر شرعي لا يُعطّل الجهاد) .
    3- يجب فيه إذن الوالدين فإن لم يأذنا تجب طاعتهما (على تفصيل في الأمر تجده في كتب الفقه) . و يجب فيه إذن الدائن والزوج والسيّد .
    4- يُشرع فيه التكافؤ أو أن يكون العدو ضعف المسلمين فإن كان أكثر جاز الإنسحاب (وفيه تفصيل وخلاف) .


    جهاد الدفع :

    1- فرض عين على من استنفره الإمام أو عند التقاء الصفين أو على أهل بلاد داهمها العدو (وإن لم تكن في أهل تلك البلاد كفاية يصبح فرض عين على من يليهم ثم من يليهم حتى تحصل بهم الكفاية التي بها يصدون الكفار عن بلاد المسلمين أو يعم فرض العين جميع المسلمين في الأرض).
    2- لا يُشرع فيه إذن ولي الأمر (وفي زماننا هذا عطّل ولاة الأمور الجهاد بل حاربوا من يُجاهد في سبيل الله ويبتغي عبادة فرضها الله على المسلمين ، ووالوا أعداء الله ، فهؤلاء لا أمر لهم على المسلمين ، فلا يُستأذنون في سُنّة ، فضلاً عن فرض عين)
    3- لا يُشرع فيه إذن دائن ولا سيّد ولا والدَين ولا زوج (وجعل بعض العلماء شروطاً لخروج المرأة).
    4- إذا خاف المسلمون على الدِّين أو العرض أو الذريّة فلا عبرة في التكافؤ بل عليهم دفع العدو بكل ما يستطيعون ، ولا يُعذَرون بالإنسحاب .


    إن العدو إذا احتل دولة مسلمة (كما هو حال أمريكا اليوم في العراق وأفغانستان ، واليهود في فلسطين) فالجهاد هنا يصبح "فرض عين" فلا يُشترط فيه إذن ولي أمر أو والدين أو أي شخص آخر لأن الله أذن بهذا الجهاد بل فرضه على كل مسلم قادر ومسلمة ، ولا يُشترط فيه التكافؤ في القوة العسكرية أو العددية بل يُجاهد المسلمون بكل ما يستطيعون لدفع العدو عن بلاد الإسلام .. وإنما يكون الإذن والتكافؤ معتبراً في "جهاد الطلب" لا "جهاد الدفع" ، فيجب في جهاد الدفع أن يخرج العالم والجاهل والرجل والمرأة (مع مُحرَم إن كانت مسافة قصر) والطبيب والمهندس والجندي وكل المسلمين ، لا يُعذر أحد بعدم الخروج للجهاد ، ويأثم من لم يخرج (إلا من ذكرهم الله في كتابه : كالأعمى والأعرج والمريض والضعيف ومن لا يجد ما ينفق لبلوغ أرض الجهاد ... \ انظر سورة الفتح آية 17 ، وسورة التوبة آية 92) ..

    هذه بعض الأحكام التي يحاول البعض تغييبها عن الناس وتمييعها لترك المجال للكفار يستبيحون بلاد الإسلام دون مقاومة !! ولو أن أهل الإسلام طبقوا حكم الله في دفع العدو الصائل ونفروا للجهاد لما بقي عدو في بلاد المسلمين دقيقة واحدة ، ولراجع أعداء الإسلام أنفسهم مليون مرّة قبل أن يهمّوا بالتفكير في الإغارة على بلاد المسلمين ..

    وللأسف ، يخرج علينا هذه الايام بعض من ينتسب إلى أهل العلم ليُحرّف كلام الله وكلام رسوله ويلوي أعناق النصوص ليصرف الناس عن فرض فرضه الله عليهم فيه عزة الأمة وتمكينها .. وهؤلاء لا حُجّة عندهم إلّا ما أنتجته عقولهم من تقدير المصالح التي افتأتوا على الله بها !! وكيف تكون المصلحة في ترك الجهاد والله سبحانه وتعالى يرى المصلحة في هذا الجهاد الذي فرضه على عباده وحثّ عليه في كتابه وتوعّد من تثاقل عنه بعقابه !!

    لقد أجمعت الأمة على وجوب الجهاد إذا دهم العدو بلاد المسلمين ويأتي اليوم من يقول بتعطيل هذا الجهاد ليُخالف ما تعلّمه المسلمون من أصول وقواعد فقهية وعقدية أجمع العلماء عليها (من لدُن رسول الله إلى يومنا هذا) ، وليُعلن هؤلاء على الناس أنهم يفهمون الشّرع ويُدركون مصالحه أفضل من سائر علماء الأمة ، بل من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، بل من الله عز وجل !!

    نقول لهم ما قاله الإمام الجليل أحمد بن حنبل : إئتونا بآية من كتاب الله أو حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم !!

    ولا والله لن يفعلوا .. وكيف لهم ذلك ونصوص الجهاد تملأ كتاب الله وكُتب سنن رسول الله وآثار الصحابة والكتب الفقيه وكتب التفسير والسيَر !! إن الذي يحاول إخفاء حكم جهاد الأمريكان والبريطانيين واليهود اليوم كمن يحاول إخفاء نور الشمس بيديه !! وعبثاً يحاول ..

    لقد رأينا العجب العُجاب من بعض هؤلاء الذين أصمّوا آذاننا بإدعائهم اتباع المنهج السلفي صبح مساء فإذا بهم يستدلون بآثار موضوعة اشتهرت بين الصوفية ليُدللوا على كلامهم المخالف للنصوص الشرعية الثابتة !! ولو كانت أحاديث ثابتة أو حتى ضعيفة لإشتغلنا بتفنيد آرائهم ، ولكنها آثار مكذوبة مُتقوّلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترقى إلى درجة الضعف ، وهم أعلم الناس بحالها !! فإنا لله وإنا إليه راجعون !!

    ولو أنهم قالوا جهلنا الحكم ، أو عرفناه ولكن جبُنّا عن لقاء أعداءنا وسكتوا لتقبّلنا بعض هذا منهم ، ولكن أن يُخذّلوا ويُثبّطوا الناس ويصرفوهم عن عبادة هي من أهم العبادات الشرعية على الإطلاق ، فهذا لا يمكن السكوت عليه أو إقرارهم به ..



    اللهم لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدُنك رحمة إنك أنت الوهّاب ..

    .. والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

    [سنتحدث - إن شاء الله- في القسم الثاني عن أحكام أخرى في الجهاد تحتاج إلى بيان وتوضيح]




    أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-05-08
  3. آصف بن برخيا

    آصف بن برخيا مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-24
    المشاركات:
    15,668
    الإعجاب :
    0
    لك كل الشكر والعرفان استاذا اسامه على هذا الموضوع الاكثر من رائع في الجهاد
    لقد اصبح الجهاد محرم على المسلمون في سبيل ارضاء اليهود والامريكان عليهم من الله مايستحقون
    نرجوا زياده الجرعه في المجلس اليمني من هذا القبيل لما فيه من فائده كبيره لشباب المسلمين0
    سلام0
    اصف0
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-05-08
  5. عمر الفاروق

    عمر الفاروق عضو

    التسجيل :
    ‏2003-04-21
    المشاركات:
    72
    الإعجاب :
    0
    لا فضّ فوك يا أخي الكريم أسامة !

    الجهاد قائم إلى قيام الساعة.... ومن مصائب هذا الزمن الذي نعيش فيه أن يجتريء بعض المتفيهقة بإصدار فتاوي إسقاط الجهاد...

    هل قرأتم فتوى الشيخ الألباني، الذي يقدّسه الوهابيّة، حول إسقاط الجهاد عن الأمّة ؟؟؟؟!!!!
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-05-09
  7. أبو معاذ

    أبو معاذ عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-29
    المشاركات:
    148
    الإعجاب :
    0
    أتق الله ياأيها الضال المضل المسمى بعمر الفاروق وليتك تتشبه به .

    والله أنك من أجهل الجهلاء الذين رأيتهم في هذه الساحة, لقد قال أهل العلم كلمتهم في هذا الضال المضل الخارجي التكفيري أسامة بن لادن فلقد أضل كثيرا من الشباب المتحمسين والذين تدفعهم عواطفهم وحماسهم بدون علم أو هدى وقد أوردهم المهالك فمن سلم منهم رجع لبلاد المسلمين يكفر الناس والعلماء والحكام وحتى أهله ويقومون بعمليات تخريبية وتفجيرات في بلدانهم أولئك الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا , واليك هذه المقالة التي كتبها أحد طلاب العلم وتناول فيها أفكار التكفيري بن لادن وسوف آتيك بعدها بكلام اهل العلم الكبار في هذا الفتان الضال المضل :

    يقول صاحب الموضوع في الساحة العربية:(( كتب أحد طلبة العلم أوراقاً ، وأنا أضعها كما وصلتني . تأملت كما تأمل كثير غيري الخطاب الذي ألقاه أسامة بن لادن وعرض في قناة الجزيرة بتاريخ 12/10/1422هـ، ولو كنت أعلم أن كلماتي ستصل إليه ـ وما أصعب ذلك ـ لبعثت له هذه الرسالة؛ لكن مع ذلك سأكتبها فعسى ولعل، أو على الأقل ستصل إلى من يرى ما يراه ويقول ما يقوله. وقبل أن أمضي قدما في كتابة ما يجيش في نفسي، هذه مقدمات مهمات : ـ أولاً : الله جل وعز ـ وهو العليم الخبير ـ يعلم أني لم أكتب ما أكتب لقصد سوى النصح، فلست مأجوراً أو مدفوعاً، فليطمئن الأحبة وليحسنوا الظن. ثانياً : كلامي هذا إنما يفهمه أهل النهى والبصائر دون غيرهم. ثالثاً: أني أدين الله تعالى بالبراءة من الكفر والكافرين ومن الطغاة أجمعين، وأسأل الله تعالى أن يعجل بهلاكهم ويجعل دائرة السوء عليهم وأن يشفي منهم صدور المؤمنين لا سيما رأس الكفر في هذا العصر (أمريكا) فاللهم نكس أعلامهم وأخمد نيرانهم والعنهم لعناً كبيراً. رابعاً: إني أدين الله تعالى بالولاء لأهل الإسلام، وأسأله تعالى أن ينجي المستضعفين من المؤمنين، وأن يربط على قلوبهم وينفس كرباتهم. كما أدين الله تعالى بأن محور الحديث (أسامة ابن لادن) مسلم، وله من الولاء ما للمسلمين، وأن له من الجهود إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان ما يذكر فيشكر، وأن له غيرة دينية وحماسة كبيرة، هكذا نحسبه والله حسيبه، ومع ذلك فهو بشر يصيب ويخطيء، فليس معصوماً من الزلل ولا رفيعاً عن النقد. ومن المسلمات أن العمل المقبول شرطه اقتران الإخلاص بالمتابعة. خامساً : قال عليه الصلاة والسلام : (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه)، وما أحوجنا إلى امتثال هذا الهدي النبوي في وقت الفتن المدلهمات، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهذا أوان الشروع في المقصود. الأخ أسامة بن لادن سلام الله عليك وبعد : فبلا مقدمات سألج إلى موضوعي قصداً، وأسأل الله أن يرزقنا الهدى والسداد، وأن تتسع صدورنا لقبول الحق. إن خلاصة خطابك الأخير تدور على مسألتين : 1 ـ الإشادة بأحداث 11 سبتمر وبأصحابها، وأن فعلهم مشروع محمود. 2 ـ الدعوة إلى مواصلة الجهاد ضد أمريكا، وخاصة ضرب المفاصل الاقتصادية منها. هذا ملخص ما جاء في تلك الكلمة التي طير بها كل مطير، وتلقاها كثير من المسلمين بالقبول والابتهاج، وأنا ليس من حقي أن أصادر رأيك أو رأي غيرك، وليس لي قدرة على تغيير أفكارك أو أفكار غيرك، لكنها دعوة لمراجعة الأصل الشرعي والأصل العقلي، فإن ظهر الصواب فالواجب على المسلم الرجوع إليه فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وقبل أن أسترسل في رسالتي إليك فإنني أصارحك بأنني عجبت من موقف لك غريب، وهو أنك قد أصدرت فتاوى في قضايا مصيرية مهمة تتعلق بدماء المسلمين وأرواح شبابهم، وجميع من يعرفك عن قرب يعلم أنك لست من أهل الإفتاء؛ فلست عالماً راسخاً، ولست طالب علم محققاً، فليتك تركت هذا الأمر لأهله، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل واحد مات بسبب فتوى غير متثبتة (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال) فكيف بالفتاوى المصيرية للأمة؟! هذا مجرد تنبيه. يا اسامة … ابتداءً أقول لك : إن عندك مشكلة في التصور لا بد أن أصدقك القول في بيانها، وهي : أنه قد هيمن على فكرك أمر واحد حتى لم تعد ترى سواه؛ ألا وهو أنك أصبحت لا ترى عدواً للمسلمين إلا أمريكا فحسب، فهل نسيت أن أعداء المسلمين خارج بلادهم كثير، وأن أعداءهم من الداخل كثير أيضاً؟.. إن العلة بين الجميع مشتركة: عداء الإسلام والمسلمين، وحتى يتضح ما أريد أقول لك: هبنا ضربنا مركز التجارة العالمي الذي وعدوا بإنشائه أكبر من الأول مرة أخرى، وفجرنا البنتاجون هذه المرة كاملاً، وفجرنا كذلك البيت الأبيض نفسه؛ بل ودمرنا أمريكا تدميراً … فماذا بعد ذلك؟ هل ستتهاوى دول الكفر تلقائياً؟! هل سنلقي السلاح ونخلد إلى الراحة، أم أن هناك عملاً آخر؟ ماذا سنفعل مع روسيا التي كادت المسلمين قديماً وحديثا وسامتهم الويلات؟ وماذا سنفعل مع بريطانيا؟ وفرنسا؟ وألمانيا؟ بل والإتحاد الأوربي كله الذي مكر بالمسلمين مكراً كباراً؟ وذاك المارد الكبير (الصين) ماذا سنصنع معه؟ قل لي.. ماذا سنفعل مع الهند وسيخها؟ وتركيا وعلمانييها؟ وبورما وبوذييها؟ وإيران ورافضتها؟ و و و … هل ستقول : دمروا جل الأرض، وحاربوا أكثر أهلها؟ هل تعقل ما تقول؟ حسناً.. هب أن هؤلاء جميعاً وقفوا يتفرجون علينا ونحن نقود الطائرات لندمر مبانيهم ورؤسهم أيضاً، بل ونضرب بالصواريخ وبالأسلحة النووية بلادهم، وهم لا يحركون ساكناً.. فماذا سنفعل بعد ذلك؟ هل انتهى كل ما هو مطلوب منا؟ لكن ماذا عن الحكام الذين تعرفهم وهم مسلطون عن رقاب المسلمين في العراق، وتونس، ومصر، وليبيا وسوريا، والمغرب، و …، هل سنسكت عنهم أم سنجابههم بما جابهنا به من قبلهم، أنا أجزم أنك تعلم أن بعض أولئك أشد كيداً للإسلام والمسلمين من أعدائهم الخارجيين، فما العمل معهم؟ افرض أنا بادرناهم بالتدمير والتفجير، فماذا بعد ذلك؟ لا شك أنه جاء دور حكم هذه الأرض كلها، وإنشاء الدولة الإسلامية عليها ولكن قبل ذلك لا بد أن أسألك : إنك تبكي وتحترق على (1200) مليون مسلم ينحرون كل يوم ـ كما تقول ـ، لكن لا يخفاك أن هذا العدد يدخل فيه أناس أنت تعلمهم، فثمة بعثية ونصيرية، ودروز، وقاديانية، ورافضة، وهناك بريلوية وتجانية وإباضية وزيدية ونقشبندية وشاذلية وكثير غيرهم ممن هم واقعون في الشرك والكفر الأكبر، أو على الأقل فيما دون ذلك؛ لكنهم على خطر عظيم ويكفي للوقوف على صدق ما أقول أن تحاول أن تدرس أحوال بلاد المسلمين لتعرف كم يمثل أولئك من تعداد السكان، فتأمل : إيران، وباكستان، وأندونيسيا، وتركيا، ونيجيريا، والعراق، وسوريا، ولبنان، والسودان وغيرها من بلاد المسلمين، هل سنستأثر بالحكم وحدنا أم سيشاركوننا فيه؟ أو على الأقل سنسمح لهم بإقامة المشاهد والمزارات والأضرحة والحوزات والخلوات و ….؟ أم سنضرب على أيديهم ونمنعهم؟ ماذا سنفعل مع شريحة كبيرة من الـ (1200) مليون مسلم أسماؤهم مسلمة، وعقولهم غربية، وقلوبهم شيطانية، أهل علمنة واستغراب، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً؟ ماذا سنفعل مع قائمة طويلة من أهل الفجور والشهوات من أهل الفن والإعلام والصحافة، وأصحاب الحانات ورواد المسارح والسينمات، الذي يتقززون من اللحى ويشمئزون من الحجاب؟ ولا تنس أن كل أولئك معدودون من الـ (1200) مليون مسلم، قل لي بربك : هل سيكون أولئك معك أو عليك؟ هل سيستقبلونك وأصحابك استقبال الأبطال المنقذين؟ أم سيكونون أو من يبادر إلى معارضتك ومقاتلتك؟ معذرة يا أسامة على هذا التحليق، لكنها حقائق واقعة لعلها غابت عنك، أحببت أن أذكرك بها. إن واقع أمتك أليم جداً … إن الداء مكين، والجرح النازف قديم، وإنها ـ بعد ـ ليست مؤهلة لتلك الطموحات الرفيعة. إنك يا أسامة ـ وليت صوتي يبلغك ـ قد غفلت عن سنة الله الشرعية وسنته الكونية؛ أما الشرعية فهي أن شرط التمكين في الأرض، تحقيق الإيمان بالله والعمل الصالح، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا). أما سنته الكونية فهي أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فهل وعيت أن إقامة الخلافة الإسلامية وزوال الهوان عن المسلمين ثمرة لتحقيق الإيمان الصحيح والعمل الصالح؟ آمل ذلك. ليتك يا أسامة ـ ولعل الوقت قد فات ـ قد بذلك أموالك وهمتك وحرقتك في إنقاذ كثير من الـ (1200) مليون من براثن الشرك بالله والولوج في مساخطه. ها قد عشت زمناً في السودان ـ البلاد الغنية جداً بالقباب والأضرحة ـ فياليتك عملت على هدم تلك الأضرحة الوثنية ـ بالطريقة الشرعية ـ فتقفوا أثر أبي الأنبياء وإمام الحنفاء عليه السلام. إنني أحسب أن ذلك سيكون أسهل بكثير من تفجير سفارة أو مركز تجاري … لقد أفنيت سنوات في أفغانستان طوالاً : فليتك جندت شبابك دعاة للتوحيد في ربوع تلك البلاد، وزودتهم بالكتب والإمكانات لتحقيق ذاك الهدف… يا أسامة : لو مات موحد تحت حكم إسرائيل أليس بناج عند الله؟ ولو مات عابد القبر والمستجير بالأموات وهو تحت حكم الدولة الإسلامية المنشودة فما مصيره؟ إنني أعظك بواحدة؛ لعلها تكون عبرة تنبيك أن سبيل رفعة هذه الأمة وزوال الهوان عنها: تحقيق توحيدالله، وتحقيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وذاك ما ذا حصل لكثير من المسلمين في أفغانستان بعد سقوط حكم طالبان، كيف كرع كثير منهم في حياض الشهوات كرعاً؟ بل حتى كثير من المجاهدين السابقين كانوا أول من وجه السلاح في نحرك ونحر إخوانك، فما السبب؟ إن الأمة لم تترب بعد. إن السبيل واحدة : أن نضرع إلى الله تعالى أن يفرج الهم ويزيل الكرب، وأن يعيد الأمة إلى دينها، ثم إن يشمر المخلصون عن ساعد الجد في دعوة الناس وتربيتهم، وتصفية عقائدهم وأعمالهم من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، وعندها ـ والله وبالله وتالله ـ لينصرن الله من ينصره، وليمكنن للمسلمين، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، ومن أصدق من الله حديثاً. وقبل أن أنسى فإن لديك مشكلة أخرى : ـ واسمح لي على هذه الصراحة ـ إنك لا تنظر أحياناً إلا إلى ما دون أنفك، وإنك لا تحسن تقدير كثير من الأمور ولا تحسن تصور عواقبها، وإلا فقولك : إن الأمريكان إذا ضربوا في اقتصادهم شغلوا بأنفسهم عن استعباد الشعوب الضعيفة، هل تظن أن أحداً سيصدق هذا الكلام؟ ها قد ضرب الاقتصاد الأمريكي في صميم فؤاده ـ كما تقول ـ فما النتيجة؟ هل شغل العدو الأمريكي بنفسه؟ أم أنه شغل العالم بأسره وازدادت هيمنته عليه، ووجهه حسبما يريد؟ وهل الضربة الثانية والثالثة والعاشرة ستجعله يستكين أم ستجعله أشد شراسة وضراوة؟ ها هي إسرائيل: كلما ازدادت العمليات الفدائية كلما استحر القتل في المسلمين وازداد التضييق والتجويع، فاعتبروا يا أولي الأبصار. إنه ليحزنني كثيراً جهلك بأحكام الشرع ومقاصده، ويزداد حزني أكثر لما أرى أنك جاهل بالعالم حولك، بل وجاهل بواقع أمتك الأليم. وا أسفاه على الحماس بلا ضوابط شرعية، كيف يصبح وبالا على صاحبه ! لكن المشكلة الحقة أن أخطاءك تعدتك ليصل أثرها كثيرا من المسلمين. هل تريد أن تعرف آثار ما أثنيت عليه وفرحت به، وتدعو وتشحذ الهمم إلى مثله؟ لعلي أجمل لك بعضاً من تلك الآثار، فأنت تتكلم هناك … ونحن هنا نذوق الثمار اليانعة ! 1 ـ هل تدري كم مسلم قتل نتيجة تلك التصرفات، في أفغانستان وفي غيرها فمن المتسبب؟ 2 ـ بل كم مسلم قتل في مركز التجارة العالمي نفسه؟ وفي سفارتي نيروبي ودار السلام؟ وفي السنن مرفوعاً (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم). 3 ـ كم مسلم نُكّل به وسجن وعذب وشرد؟ 4 ـ كم رجل حلق لحيته، ومحجبة تركت حجابها خوفاً من وصمة الإرهاب! 5 ـ لقد زالت دولة ناشئة ـ على ما فيها ـ تريد تطبيق الإسلام، وحل محلها ما قد علمت، ولعلك شاهدت صور الناس وهم يحلقون اللحى ويصطفون أمام محلات الفيديو والسينما، والنساء وهن متبرجات؛ بل ومشاركات في الحكومة! ولعلك سمعت عن مناشدة الحكومة الأفغانية الجديدة أمريكا بكف جنودها عن أذية نساء الأفغان! 6 ـ كم تعرقلت جهود دعوية وضعفت في مشارق الأرض ومغاربها، كان يؤمل منها خير كثير. 7 ـ كم معهد شرعي أغلق، ومدرسة وجامعة… 8 ـ كم جمعية خيرية جمدت أرصدتها، وحوربت أنشطتها. 9 ـ كم هدم صرح للولاء والبراء، فأصبحت لا تسمع إلا دعوة للتسامح مع الأديان الأخرى، والمحبة والوئام.. 10 ـ كم صيحة تعالت تنادي بتغيير المقررات الدراسية الدينية، والله أعلم بعاقبة الأمور. 11 ـ كم أولئك الذين هم مشردون عن أوطانهم لجؤوا لبلاد الغرب، فراراً بدينهم حلت بهم النكبات. 12 ـ كم الذين اعتقلوا في بعض البلاد العربية، وحوكموا محاكمات عسكرية جائرة، وصارت فرصة سانحة انتهزها الفجار للتخلص من الشباب المتدين. 13 ـ كم تسلط العلمانيون في وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية على أهل الخير والصلاح. 14 ـ كم تشوهت صورة الإسلام في نفوس كثير من الكفار، وتوقفوا عن الدخول في الإسلام، ووالله لقد سمعت ذلك من بعضهم. 15 ـ كم الخسائر الاقتصادية التي لحقت تجاراً مسلمين في أمريكا وأوروبا والعالم أجمع. 16 ـ كم يكيد الكفار في الخفاء ويمكرون ويخططون ضد الإسلام لسنوات طويلة. نسأل الله أن يرد مكرهم ويوهن كيدهم. هذه بعض الحقائق التي وقعت ولمسها القاصي والداني، والله أعلم بما تحمله الأيام اللواحق. وقبل الختام أجد المقام مناسباً كي أهديك فائدتين علميتين عن ابن تيمية رحمه الله، لأني رأيت أنك تستدل به في بعض مقابلاتك، فيبدو أنك تقدره وتحترم رأيه، فهاك عنه ما يأتي : أولاً : لقد استدللت على جواز العمليات الانتحارية بقصة الغلام والملك، وابن تيمية يقول في توجيه القصة : (وأن الغلام أمر بقتل نفسه لما علم أن ذلك سبب لإيمان الناس إذا رأوا تلك الآية) الاستقامة 2/332. فهذا توجيهه رحمه الله للحديث، وإذا تأملته وجدت أنه بعيد عما تدعو إليه، وأن ما حصل في عملية مركز التجارة والبنتاجون ينفر عن الإسلام وليس يدعو إليه فتأمل! ثانياً : يقول رحمه الله في موضوع مهم بالنسبة لك، وهو قتال الكفار حال ضعف المسلمين ـ كحال المسلمين هذه الأيام ـ : (فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الذين أوتوا الكتاب والمشركين) الصارم المسلول (2/413) هذا كلام أهل العلم الذين نور الله قلوبهم بالعلم، فليتك تلزم غرزهم، ولا تتعدى كلامهم؛ إذن لاسترحت وأرحت. وإلى هنا أكبح جماح القلم عن الاسترسال، وإن كنت لا أدري هل لصوتي الحزين رجع أم لا؟ (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب).)). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة .
     

مشاركة هذه الصفحة