كيف يتغير ميزان القوي لصالح العرب؟

الكاتب : shaibi   المشاهدات : 471   الردود : 0    ‏2003-05-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-07
  1. shaibi

    shaibi عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-11-30
    المشاركات:
    285
    الإعجاب :
    0
    بقلم‏:‏ عاطف الغمري


    تمتلك الدول العربية مصدر قوة كان دائما محسوبا‏,‏ سببا للقلق في إسرائيل وفي أمريكا‏,‏ وكان توصيفهم له أن من الممكن أن يتغير ميزان القوي بين العرب وإسرائيل‏,‏ والذي كانت كفته دائما راجحة بفعل الثقل الأمريكي لمصلحة إسرائيل‏,‏ وكان من المهم لهم العمل لمنع الأسباب التي تغير الميزان‏,‏ وتحول ما هو ممكن إلي واقع فعلي‏.‏
    في حسابات إسرائيل كان التغيير في ميزان القوي يعني حل النزاع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ من خلال كفتين متساويتين بشروط مقبولة للجانبين‏,‏ وليست مفروضة بقوة ضغط طرف علي آخر‏.‏

    وفي الحسابات الأمريكية‏,‏ فلو حدث هذا فإن العناصر التي غيرت وضع الميزان‏,‏ ستتيح للعرب امتلاك ارادتهم السياسية‏,‏ وأن تكون لهم مواقفهم المستقلة من قضايا السياسة الخارجية‏,‏ وقبلها سياسات الداخل‏,‏ بالنسبة لإقامة مصادر القوة الذاتية في مجالات الزراعة والتصنيع‏.‏
    وعناصر تغيير ميزان القوي طرحت للمناقشة في مراكز بحوث أمريكية‏,‏ وأيضا طرحت علي الجانب الإسرائيلي في كثير من الدراسات والآراء‏,‏ استوقفني منها اثتنان هما‏:‏

    ‏**‏ ما تحدث عنه الاكاديمي الإسرائيلي بجامعة تل أبيب دانييل بارتال في مناظرة نشرت بعد ذلك في المجلة الأمريكية بوليتيكال سايكولوجي في رصده مجموعة من العناصر المهمة التي غيرت المزاج الإسرائيلي‏,‏ خاصة مع فوز اسحق رابين برئاسة الوزراء في يونيو‏1992,‏ في اتجاه قبول السلام بما يعنيه اعادة الأرض المحتلة وقبول الدولة الفلسطينية المستقلة‏,‏ وأن ضمن هذه العناصر وجود امكانات تحول في الموقف الغربي يقلب ميزان القوي مع إسرائيل لمصلحة العرب‏,‏ وأن هذه الامكانات ستتجسد واقعا‏,‏ في حالة توحد الدول العربية في موقف سياسي مشترك‏,‏ وارادة سياسية واحدة‏,‏ واقتحام عالم التنمية الاقتصادية الحقيقية معا‏,‏ استفادة من قدراتهم جميعا‏.‏
    ‏**‏ ما خرج به الكاتب اليهودي ديفيد ماكوفسكي وقت أن كان عضوا في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني‏,‏ وقبلها كان مديرا لتحرير صحيفة جيروزاليم بوست‏,‏ هو خلاصة سلسلة لقاءات وحوارات مع إيهود باراك‏,‏ وهو يتقلد رئاسة الوزراء في إسرائيل عام‏1999,‏ وكان مما قاله ماكوفسكي بالنص‏:‏ باراك يري أن ميزان القوي في الشرق الأوسط‏,‏ لن يظل في مصلحة إسرائيل إلي الأبد‏,‏ وإذا حدث التحول في ميزان القوي دون وصول إسرائيل إلي اتفاق مع الفلسطينيين‏,‏ وعلاقتها معهم غير مستقرة‏,‏ فمن الممكن ان تجد إسرائيل نفسها عندئذ مرغمة علي تقديم تنازلات أسوأ مما كان يمكن لها تقديمه قبل هذا‏.‏

    ‏**‏
    وكانت هذه الامكانية ــ غير المستحيلة ــ ضمن الأسباب التي تدفع باراك إلي التفكير في الحل السلمي من ناحية‏,‏ بينما تجذبه إلي الناحية الأخري قوة ضغط التيار المتطرف‏,‏ خاصة المستوطنين‏,‏ للتحلل من عملية السلام‏,‏ يعزز من حجة هذا التيار أن ما يتخوفون منه عند العرب مازال في عداد الممكن وليس المحقق‏.‏
    كان التخوف الذي يثير قلقهم‏,‏ والذي يمكن أن يغير ميزان القوي‏,‏ ويشتمل علي تفكير العرب في التركيز علي الأبحاث العلمية الحقيقية التي تدخل بهم عصر التنافس الابداعي العلمي مع دول أخري‏.‏

    بدء تنفيذ مشروع قومي يدفع بمعدلات التنمية الاقتصادية‏,‏ وتخرج منه كيانات جديدة زراعية وصناعية تدخل بهم ساحة المنافسة عالميا ـ اطلاق آليات الديمقراطية‏,‏ التي تدفع أفضل العناصر العربية إلي شغل المواقع القادرة علي بعث الصحوة والنهضة‏,‏ وبذلك يكون العرب قد وضعوا أيديهم علي مفاتيح الأمن القومي‏.‏
    ومع وجود التخوف والقلق من تغير ميزان القوي بين العرب وإسرائيل‏,‏ فإن الأمر كان يتعدي الدائرة الضيقة بالعلاقة العربية الإسرائيلية‏,‏ إلي استقلالية القرار السياسي العربي الجماعي‏,‏ وهو ما يخص المدي الأوسع للعلاقة بالعالم الخارجي‏,‏ ولقد كانت هناك فجوة في النظر إلي هذه الاستقلالية‏.‏ بين الذين يتخوفون من التغيير‏,‏ وبين نظرة العرب أنفسهم إليها‏.‏

    فمن الطبيعي ان ينظر العرب إلي انفسهم كدول مستقلة‏,‏ لكن الآخرين يقيسون الاستقلال بكونه كاملا أو استقلالا ناقصا‏,‏ من زاوية النظر إلي قدرة العرب علي ممارسة الارادة السياسية‏,‏ وحشد مقومات القوة والقدرة التي يملكونها وراء تحقيق تقدم فعلي يتماشي مع تحولات العصر‏,‏ صحيح ان الدول العربية‏,‏ تخلصت من سيطرة الانجليز والفرنسيين في اوائل القرن العشرين‏,‏ لكن ما ظل ينقص هذا الاستقلال هو أن آلية الأمن القومي التي تعتمد علي القوة الذاتية العربية ــ استراتيجية مكتملة للتنمية والتقدم الاقتصادي والعلمي والثقافي ــ وممارسة الارادة السياسية دون قيود‏,‏ أو حسابات تنتقص من الاستقلال الحقيقي‏,‏ وحيث كان استقلال‏.‏ الارادة السياسية‏,‏ هو المعادل لاستقلال الدولة فعليا‏.‏
    ولم تكن النظرة إلي العرب من هذه الزاوية آتية من فراغ‏,‏ فقد كان العالم يشهد قفزات نحو التقدم من دول قد لا تملك ما يملكه العرب من أسباب النهضة‏,‏ وتغيير الميزان السياسي لعلاقتهم بالآخرين‏,‏ فالهند وهي من دول العالم الثالث وصلت إلي مرتبة من التقدم في مجالات‏,‏ وضعتها علي مستوي المنافسة مع دول كبري ــ والصين بعدد سكانها الهائل تتحرك بمعدل تنمية يقدر له أن يدفع بها في عام‏2025‏ إلي قرب المنافسة الاقتصادية مع أمريكا‏..‏ وهناك دولة صغيرة جدا في آسيا‏(‏ دون ذكر أسماء‏)‏ بلا موارد‏,‏ لكنها استطاعت باستراتيجية تعرف هدفها ووسائل تشغيلها‏,‏ أن تصل بمجرد الموقع الجغرافي وسط سوق هائلة‏,‏ ان تجعل من نفسها مركزا نشيطا للتصدير‏,‏ وأن ترفع مستوي معيشة شعبها إلي مستوي أكثر الدول الخليجية ثراء‏,‏ واكرر ليس لديها أي موارد‏.‏

    ‏**‏
    لكن ــ لما كان العرب يملكون مصدر قوة يمكن أن يغير من معادلة علاقتهم بالآخرين‏..‏ ولما كان العرب طرفا في صراع مع إسرائيل‏,‏ وهي دولة كل خطوة لها محسوبة وفق استراتيجية وتخطيط‏,‏ وهم أيضا طرف في علاقات مع قوي خارجية‏,‏ وبالتحديد الولايات المتحدة‏,‏ حدثت لسياستها الخارجية تحولات هائلة منذ اعلان استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي في‏20‏ سبتمبر‏2002,‏ فإن الطبيعي ان تحاك للعرب خطط‏,‏ وترتب لهم احداث‏,‏ تستهلكهم وتستنفد طاقتهم‏,‏ وتثير فيما بينهم المخاوف والشكوك والتوترات المزمنة‏,‏ لكيلا يتحول مصدر القوة الذي يملكونه من احتمال ممكن‏,‏ إلي واقع قائم وموجود‏,‏ وأن يكون التركيز علي منع وسائل تحقيق التقدم التي توفر الاعتماد الذاتي زراعيا وصناعيا ــ خاصة في ميادين صناعة معدات الدفاع ــ أو تحقيق القدرة الاقتصادية الحقيقية‏,‏ خاصة أن القدرة علي المنافسة الاقتصادية عالميا‏,‏ قد أصبحت أحد مكونات الأمن القومي للدولة‏,‏ ولأي تكتلات اقليمية تجمعها المصلحة المشتركة‏,‏ ويهددها الخطر المشترك‏.‏
    لقد لاحظنا كيف كان الشارع العربي خلال السنوات الثلاث الأخيرة منذ الضربات التدميرية للمجتمع الفلسطيني‏,‏ إلي احتلال العراق‏,‏ يجمعه سؤال واحد موجع‏:‏ لماذا حالة العجز العربي عن صد الضربات التي تلطمنا واحدة تلو الاخري‏,‏ وكانت وجيعة السؤال لأن من يسأل يعرف عن يقين ان العرب يملكون مصدر القوة‏,‏ التي تصد عنهم الضربات لكن هناك ما ينقصهم‏,‏ أي الاستقلال الناقص‏..‏ وأنه لا يمكن أن يكتمل الاستقلال‏,‏ بتحرك منفرد من دولة أو اثنتين‏,‏ لأن مصادر القوة المؤثرة تؤتي فعلها لو تكاملت عناصرها لدي الكل‏.‏

    والملاحظ انه كانت هناك بدايات تحول في السياسة الاسرائيلية‏,‏ تحسبا لإمتلاك العرب ارادتهم المستقلة والمشتركة‏,‏ بمعناها الكلي الذي يغير ميزان القوي‏,‏ وكان هذا هو نفسه الذي صنع قوة الدفع للسياسة الأمريكية أمام الرئيس بوش الأب في عام‏1991‏ ومن بعده كلينتون في فترة ولايته الأولي‏,‏ التي وضعت هدفا لها السلام الشامل في الشرق الأوسط‏,‏ وقيام الدولة الفلسطينية‏,‏ بحساب ان ذلك يحمي المصالح الحيوية ومصالح الأمن القومي للولايات المتحدة‏,‏ في العالم العربي‏,‏ ثم سرعان ما لحق قوة الدفع الفتور‏,‏ وحيث اظهرت التوقعات ان ما هو ممكن مازال في عداد الاحتمال البعيد‏.‏ وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية‏,‏ فلكل دولة الحق في أن تكون لها استراتيجية تحمي بها أو توسع بها مصالحها في المناطق التي لها فيها مصالح‏,‏ ومن حق العرب ــ بل واجب قومي وطني عليهم ــ أن تكون لهم استرايتجية تصد أو تقيد من شطط استراتيجيات الآخرين في ارضهم‏,‏ التي سوف يدفع إليها غياب أي وجود استراتيجي لهم فوق أرضهم‏.‏
    فالمسألة هي صراع استراتيجيات حتي‏,‏ ولو كان صراعا سلميا‏,‏ أما حين يفتقد العرب هذه الاستراتيجية‏,‏ فالطبيعي أن ينفرد الآخرون بملء ما تركه لهم العرب من فراغ استراتيجي يمرحون فيه حسبما يشاءون‏.‏

    هذه لعبة العلاقات الدولية‏,‏ وهي تجري فوق ملعبنا‏,‏ لكننا ــ كعرب ــ لا ندخل المنازلة‏,‏ تاركين لهم الملعب‏,‏ يكملون اللعبة ثم يبلغوننا بالنتيجة‏.‏
    إن السؤال الموجع في الشارع العربي‏,‏ لم يكن يلح في طلب جواب لما لا يعرفه‏,‏ وإنما كان يطلب عملا يستجيب لمشاعر توحدت وراء السؤال ــ في كل انحاء العالم العربي ــ وتكشف عن أن الهم واحد وجماعي ومشترك‏,‏ وليس هموما فردية أو قطرية‏,‏ تصرخ بها حناجر دون حناجر‏,‏ في بلد دون البلد الآخر‏.‏

    الكل موجع‏,‏ والكل ينتظر أن توضع مصادر قوتهم معا في كفتهم في ميزان القوي مع الآخرين‏.‏ حتي يعتدل الميزان‏,‏ وتتغير النظرة للعرب في العالم‏,‏ بعد الهجمة التي تعرضوا لها في العالم في السنتين الأخيرتين‏,‏ والتي تحاول أن تشوه صورتهم‏,‏ وتاريخهم‏,‏ وديانتهم‏,‏ وحضارتهم‏,‏ والذين يقودون الهجمة لا يفرقون بين عربي وآخر‏,‏ أو بين دولة وأخري‏,‏ فهم في حساباتهم ــ كلهم عرب‏.‏
     

مشاركة هذه الصفحة