صيف امريكي ملتهب بالعراق

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 318   الردود : 0    ‏2003-05-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-05-02
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]

    لا نتفق مع الرئيس الامريكي جورج بوش في اعلانه الاخير بأن الحرب في العراق قد انتهت، مثلما لا نعتقد ان الولايات المتحدة قد خرجت منها منتصرة.
    فربما يصح القول ان الحرب التقليدية التي تستخدم فيها القاذفات العملاقة، والصواريخ الموجهة اليكترونيا، قد انتهت بعد دخول قوات المارينز بغداد يوم التاسع من نيسان (ابريل) الماضي، ولكن الحرب الاخري التي هي في نظرنا اكثر اهمية، قد تكون بدأت فعلا وبصورة توحي بأن ايام القوات الامريكية، ليس في العراق فقط، وانما في كل انحاء الوطن العربي، قد لا تكون وردية علي الاطلاق، بل دموية قانية الاحمرار.
    فالمقاومة المسلحة بدأت في العراق بشكل اسرع بكثير مما توقع اكثر المتفائلين، وشاهدنا في الأيام القليلة الماضية هجمات تستهدف جنودا امريكيين في اكثر من مكان، كان اخرها هجوما بالقنابل اليدوية في مدينة الفلوجة اسفر عن اصابة سبعة امريكيين، مضافا الي ذلك مقتل جندي بريطاني في البصرة التي من المفترض ان تكون تحت السيطرة التامة.
    الامريكيون لا يعطون ارقاما دقيقة عن خسائرهم البشرية، ولم نسمع مطلقا ان جنديا امريكيا اصيب في احدي العمليات قد توفي متأثرا بجراحه، ومن المفارقة ان الغالبية الساحقة من الجنود الامريكان الذين قتلوا في افغانستان قتلوا بنيران صديقة وكأن رصاص المجاهدين الافغان محرم عليه قتل الجنود الامريكيين بتوجيهات ربانية لا نعرف كنهها.
    المجلة الطبية البريطانية الشهيرة British Medical Journal نشرت بحثا بعد انتهاء حرب الكويت بخمسة اعوام، خلاصته ان القيادة العسكرية الامريكية لجأت الي اطباء الاسنان وملفاتهم للتعرف علي هوية اكثر من مئتي جندي امريكي قتلوا في تلك الحرب بعد ان تعذر عليها ذلك بالوسائل التقليدية لتفحم جثث بعضهم، وتشوه معالم البعض الاخر. وقال طبيب صديق يحمل درجة الدكتوراه من كلية الطب في جامعة هارفارد الامريكية الشهيرة، ان هذا يعني ان العدد الحقيقي للقتلي الامريكيين ليس مئتي شخص مثلما قالت الاحصاءات الرسمية وربما عشرة اضعاف هذا الرقم.
    ليس من قبيل الصدفة ان يتعرض الامريكيون لهجومين يوم امس احدهما بالقنابل في منطقة الفلوجة غرب العراق، والثاني في قاعدة الجبيل الحصينة شرق المملكة العربية السعودية. بنيما يسقط جندي بريطاني قتيلا في هجوم آخر في مدينة البصرة جنوبا، انها بداية لحرب اخري ربما يستعصي علي صواريخ كروز والقاذفات العملاقة من طراز بي 52 والقنابل الذكية والعنقودية الانتصار فيها.
    عندما تنبأنا بأن شهر العسل الامريكي في العراق سيكون قصيرا ودمويا لم نكن نضرب في الرمل او نقرأ الفنجان، وانما ننطلق من قراءة صحيحة لتطورات المنطقة ودرجة غليان الدماء في عروق ابنائها غضبا من هذا الاذلال الامريكي الذي يتخصص في استهدافهم دون غيرهم من البشر.
    الامريكيون جاءوا الي العراق من اجل النفط، ومن اجل تعزيز العدوان الاسرائيلي، وليس صدفة انهم قرروا الانسحاب من المملكة العربية السعودية وليس هروبا من اتساع دائرة التعاطف مع تنظيم القاعدة والخوف من عملياته ضدهم، وانما لأنهم اعتقدوا خطأ انهم وضعوا يدهم علي النفط العراقي، ويستطيعون اقامة قواعد بديلة علي الأرض العراقية.
    فالقوات الامريكية بصدد الانسحاب من السعودية دون ان تحقق الديمقراطية وحقوق الانسان فيها، وهي قطعا ستغادر العراق هربا مما هو اشد واخطر من تنظيم القاعدة وشيخه اسامة بن لادن، ودون ان تحقق الديمقراطية لأهل العراق.
    واذا كان الوجود الامريكي في المملكة العربية السعودية يشكل خطرا علي النظام فيها مثلما قيل تفسيرا لانهائه، فلماذا نفرتض ان هذا الوجود لا يشكل الخطر نفسه علي اي حكومة ينصبها ويحميها المارينز في بغداد؟ فهل الشعب العراقي اقل وطنية او اقل تطرفا واسلامية من الشعب السعودي؟
    امريكا لم تعد تحتاج قواعد عسكرية وانما اعادة رسم سياستها في المنطقة علي اسس جديدة ووفق مصالحها الحقيقية وليس وفق المصالح الاسرائيلية في العدوان والتوسع. ولكن هذا لن يحدث مطلقا، لان امريكا باتت حاليا مثل طائرة عملاقة مخطوفة من قبل عصابة من اكثر انصار الدولة العبرية تطرفا. فالذي يضع السياسة الامريكية في العالمين العربي والاسلامي هم امثال ريتشارد بيرل وبول وولفوفيتز وجون بولتون، وهؤلاء يؤيدون بالمطلق المجازر التي يرتكبها شارون في حق الشعب الفلسطيني يوميا وكان آخرها يوم امس حيث سقط خمسة عشر شهيدا في الضفة وغزة.
    جندي امريكي سأل رامسفيلد اثناء زيارته لبغداد: اذا كان صدام موجودا في روسيا هل سنقوم بغزوها والقبض عليه؟ لم نعرف اجابة رامسفيلد، ولكننا شاهدنا ابتسامته العريضة، ومشيته كالطاووس في مطار بغداد، ولكن ما نعرفه ان هذه العقلية الدموية المتغطرسة في طريقها لتدمير العالم بأسره.
    اثار صدمة الاحتلال الامريكي للعراق بدأت تزول تدريجيا، وبدأت الثلوج التي غطت النوايا الحقيقية له تذوب بفعل حرارة طقس العراق اللافحة، وما هو مؤكد حتي الان ان صيف القوات الامريكية في بغداد والنجف وكربلاء والفلوجة والموصل سيكون صهدا ولهيبا.

    عبد الباري عطوان
     

مشاركة هذه الصفحة