الصمت في القصيدة الحديثة

الكاتب : LOW 80   المشاهدات : 912   الردود : 2    ‏2003-04-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-29
  1. LOW 80

    LOW 80 عضو

    التسجيل :
    ‏2003-04-24
    المشاركات:
    26
    الإعجاب :
    0
    تسنى للتجربة الشعرية الحديثة أن تخوض ألواناً من التجريب الفني في المضمون و الشكل ، و أن تجنح – لأسباب كثيرة – إلى المغامرة الواعية حينا ، و غير الواعية و لا المنطقية في أحيان أخرى ...

    و إن مما يلفت النظر في التجارب الشعرية الحديثة ميل كثير من الشعراء إلى توظيف ما أسميه ( البيت الصامت ) في بناء القصيدة و دلالاتها .. و هذا اللون ذو جذور في التاريخ الشعري و لكن عبر مسيرته الطويلة عاد لونا آخر ذا سمات خاصة ، تجعله جديرا بأن بنسب إلى الجماليات المعاصرة .

    و لعل أهم دواعي توظيف البيت الصامت في القصيدة كونها أصبحت تتميز " بدرجة قصوى من الاقتصاد ، إذا لا يوظف الشاعر فيها سوى عدد محدود من الكلمات المقطرة ، لكنه يقيم بها كونا شعريا صغيراً .. يشكل بنية تعبيرية " * صلاح فضل

    و هذا الميل إلى التكثيف ظاهر عند من يؤثرون القصيدة العمودية ، لكنه أظهر عند من مزجوا في إبداعهم بين الشعر العمودي و الشعر الحر .

    ففي قول السياب :

    سأهواكِ حتى .. نداءٌ بعيد
    تلاشت على قهقهات الزمان

    بقاياه ، في ظلمة في مكان
    و ظل الصدى في خيالي يعيد :

    سأهواكِ حتى سأهوى .. نواح !
    كما أعولت في الظلام الرياح

    سأهواكِ حتى .. سـ ياللصدى !
    أصيخي إلى الساعة النائية

    سأهواكِ حتى ... بقايا رنين
    تحدين دقاتها العاتيـة

    تحدين حتى الغدا ..
    سأهواكِ .. ما أكذب العاشقين !
    سأهوا .. نعم، تصدقين !!

    فيه نوع من الصمت ، البتر ، و لكن تقنية الصمت في هذا التكرار اللا شعوري أخفقت في مؤازرة الحالة النفسية ، إذ إن السياق الذي وضع فيه بدر تكراره اللا شعوري مفتعل قليلاً ، و التركيز ينقصه ، فالشاعر يملك من الوعي ما يجعله يرد على العبارة و يناقشها .

    و غالبا ما يقع الإخفاق في توظيف الصمت / البتر فينما يحاول الشاعر استثمار الصدى بجعله جزءا من بنية النص ، فيقول البردوني :

    نسيت الكتابة ، اهدئي يا رياح
    نسيت الكتاب الكتاب الكتا ..

    و يقول عبد الرزاق عبد الواحد :

    من يكونان ؟ همسة أرجف الليل
    صداها ، و أنساب في الظلماء

    فترامت في كل فج تهاديل
    سؤال مبحوحة الأصداء :

    من يكونان ؟ من يكو .. من يـ
    و اصطكت شفاه على بقايا النداء

    في هذين النصين حاول الشاعران توظيف البتر من خلال التكرار الذي يمثل الأصداء و من طبيعة الصدى أن يتردد الجزء الأخير منه و حسب ، لا الجزء الأول ، و لهذا صار البتر هنا غير مسوغ نفسياً .

    و من نماذج الصمت / البتر ، قول بلند الحيدري :

    أنا لا أنـ ... نحن لا نذكر إن كنا التقينا !

    و هو هنا لا يريد بالصمت إلا أنه انقطاع و تلعثم ، أو أنه إضراب عن ضمير المفرد إلى ضمير الجمع .

    و قد قال قبله :

    كان صمتٌ بيننا يسخر منا
    كان ودّ ميت بين يدينا
    لم نقل إنا ......
    و لكنا انتهينا !
    و افترقنا
    أنا لا .. نحن لا نذكر إن كنا انتهينا

    فأنت تراه جاء بكلمة ( صمت ) صريحة ، ثم نحاها و رمز إليها مرتين ، فتناسق البناء اللفظي مع الدلالة المعنوية ، و يرفع من قيمة الصمت أيضا قوله ( ود ميت ) .


    بالإضافة إلى ما سبق ، قول حسين العروي :

    دعيني أسافر ، إن للصبر غاية
    تكلمتُ حتى .. ، و للحديث شجون !


    لاحظ أنه وفق في تركيب البيت و تضمين هذا البتر و هو يشبه هنا ما يسميه البلاغيون الاكتفاء ، و كأنه يريد أن يقول تكلمت حتى مللت أو سئمت ، و لكن الصمت أبلغ من كل كلام ، و بخاصه إن أحوجه إلى الإطالة التي لم تجده ، بدليل قوله في بدايته ( دعيني أسافر ) .

    أما الصمت في الشعر الحر فهو أرحب و أوعى للمشاعر ، و هو يشكل فيه جزءا من السطر الشعري و حينا يكون سطراً أو بضعه أسطر .

    يقول حكمت صالح :

    سيدي ...
    إن جبين العصر
    واراه دخان الحرب و التضليل
    دماه انفجارٌ نووي

    فالتنقيط بعد كلمة سيدي لا معنى له ، و مثله قول حسين علي محمد :

    و اتشحت بالحزن
    فأين ورودك ؟

    ...
    صمتت
    ...

    قولي لفظة شهدٍ .. فالأيام مريرة !

    فكان الأولى به أن يلغي قوله ( صمتت ) / لدلالة البيتين الصامتين عليه ، أو أن يبقيه و يلغي النقاط .

    و من أجل تمادي بعض الشعراء في حشو قصائدهم بالنقاط بلا داعٍ وقف النقاد موقف السخرية من هذه الظاهرة ، و عرض لقولِ أحدهم :

    صار دمي قراحاً ...
    تركضين كظبية ...

    و علقه عليه قائلاً " ألنا أن نقول : إن وضع النقاط بعد هذه العبارات مؤذن بتقدير ما يكمل هذا البناء أو يصلحه و يردم من فساده ؟ "

    إن لجوء الشاعر إلى الصمت أو البتر يأتي استجابة لأغراض و مهام فنية تعطي لغة الشعر كثافة و تركيز في الدلالة ، و من الاستخدامات الجيدة لهذا الأسلوب ما ورد في قصيدة للسياب :

    عصافير بل صبية تمرح
    و أعمارهم في صد الطاغية
    و ألحانها الحلوة الصافية
    تغلغل فيها نداء بعيد
    حديد عتـ ........يق
    رصا ...........ص
    حديـ ............د

    و قد مهد الشاعر لهذا الأسلوب بقوله " تغلغل فيها نداء بعيد " .

    يقول سعدي يوسف :

    الشجرة
    عارية إلا من بعض وريقات تسقط
    و تويجات ميتة
    و الشجرة
    سوداء تمر بها الريح
    ولا همس من الريح
    أو الشجرة
    لكن العصفور الأول يأتي
    فالعصفور الثاني
    فالعصفور الثالث
    و إذا الشجرة

    ......
    ......

    كم أحلم أن أطبق هدبيّ !

    إن حبل الكلمات يمتد بعد قوله ( و إذا بالشجرة ) من حنجرة القارئ حتى يملأ فراغ النص ، و كل سيقرأ على هواه ، سيقول أحدهم : و إذا بالشجرة تجف بالزقزقات ، و يقول آخر : و إذا بالشجرة أرملة تفقد جلال الصمت ، و يقول ثالث و رابع ..

    إن ذلك الصمت رسالة من الشاعر إلى القارئ ، يقول أحدهم :

    من أي بركان صبغت دمي
    بألوان التشوق ...
    و التوجع
    و التشهي

    إن هذا الصمت الذي يلي كلمتي التشوق و التوجع يومئ إلى أنهما معوزتان ، و أن لهما امتدادات دلالية ، و على القارئ أن يذهب في التصوير ليدرك بعض المراد .

    و من التوظيف الجيد للصمت يقول سعدي يوسف :

    الذين يمرون بي عابرين
    سوف أذكرهم
    و الذين يجيئون مثقلين
    سوف أنساهم

    .........
    .............
    .................

    هكذا :
    حين تندلع الريح بين الجبال
    نصف الريح دوماً
    و ننسى الحجر !


    إن الصمت هنا إمهال للقارئ حتى يبحث عن تسويغ أو مثال للحكم الذي أطلقه الشاعر ، و بعد أن يأخذ القارئ حقه في التفكير يورد الشاعر ذلك المثال المقنع .

    يقول حسين علي محمد :

    وعدتني تجيء
    كي يبرأ العليل
    و تحمل القنديل
    و تطرد الأحزان و الظلام
    و قلت لي عن حلمك الخبيء
    و عاصف البروق و الأحلام

    .....

    و مرّ نحو عام !


    و قد بين الشاعر أن في ذلك الصمت ما ينبئ عن الكلام الكثير الذي قاله المحبوب للحبيب و لم يشأ الاستطراد فيه .

    يقول بلند الحيدري :

    ناولني قرصا .. سأنام
    قرصاً لأنام
    ....
    و ينام الشارع
    شيء رائع .. رائع ..
    أقراص للنوم !

    إن الشاعر هنا يتأرجح بين النوم و اليقظة فهو في حالة تهويم ناسبها أن يتقطع الصوت .

    و من قوله :



    " .... و خرجت الليلة
    كانت في جيبي عشر هويات تسمح لي
    أن أخرج هذي الليلة "

    فالصمت في مطلع القصيدة هنا خروج من فكرة باطنة لم ينبس بها الشاعر .

    و يقول سعدي يوسف :

    لم أقل : عز الصديق
    إن كل الشرفاء
    أصدقائي
    إنما .. آه لأقمار الطفولة
    ....
    ....
    ....
    عندما تنهمر العتمة في بيتي و يأتي المطر !

    قال عبده بدوي : و يمكن أن نقرأ بعد كلمة إنما أشياء كثيرة ، تتصل بعوالم السياسة و بقضية الصراع في الوطن ، ثم نرى الشاعر بعد أن يستوثق من قراءتنا لمساحة الفراغ بعد ( إنما ) يتكلم بلغة سردية في عدد من السطور كأنه يقول شيئا لا يستطيع أن يبوح به ، كأنه يطلب من قارئه أن يشاركه في إكمال القصيدة باللغة السرية .

    و يعلق الناقد نفسه على قول أحمد عبد المعطي حجازي :

    أنا و الثورة العربية
    نبحث عن عمل في شوارع باريس
    نبحث عن غرفة
    نتسكع في شمس إبريل
    ....
    إني زمانا مضى
    و زمانا يجيء
    قلت للثورة العربية :
    لا بد أن ترجعي أنتِ
    أما أنا فأنا هالكٌ
    تحت هذا الرذاذ الدفيء .

    فيقول : إن القصيدة قالت الكثير حتى بالنقاط التي تؤكد أن الرحلة كانت فاشلة و أن لابد من الفراق .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-04-29
  3. moataz

    moataz عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-01-07
    المشاركات:
    368
    الإعجاب :
    0
    موضوع جيد..

    السلام عليكم..
    طرح هذا الموضو ع على هذه الصفحة شيء جميل,
    لكن حبذا لويتناوله الأخوة بالنقاش,والدراسة الجادة,
    ... أخي واصل هذه الطروحات..
    معتز
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-04-30
  5. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    مرحبا بك ناقدا ..

    أخي العزيز / LOW 80 ..

    نحن هنا في المجلس في حاجة للناقد الموضوعي

    ومن خلال موضوعك القيم نستبشر بقدوم ناقد متمكن

    فأهلا ومرحبا بك بين إخوانك وأخوتك في مجلسنا الموقر الذي يُسر بكل مبدع ..

    حللت أهلا ونزلت سهلا .
     

مشاركة هذه الصفحة