أبن خلدون والأصولية الجديدة

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 538   الردود : 0    ‏2001-06-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-06-08
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    الذي يقرأ لأبن خلدون بتمعن سواء في مقدمته أو في تاريخه أو سيرته الذاتية يعثر على مفاتيح كثيرة و أساسيه تساعده على الكشف عن خفايا العالم العربي راهنا، سواْ على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي . وامكانه ، استنادا" إلى تحاليله ، أن يفهم علاقة الحاكم بالمحكوم في الوقت الحاضر ، وبين الدين والدولة ، وبين المثقفين والسلطة ،أو بين أهل القلم و أهل السيف حسب تعبيره ، وأيضاً أنماط الحكم ، وطبائع الاستبداد الساندة مشرقاً ومغرباً.

    ويبدو الفصل السادس من المقدمة الذي بعنوان "في ان الدعوة الدينية بغير عصبية لا تتم"شديد الانطباع على بعض الحركات الأصولية المتطرفة في العالم الإسلامي راهنا، خصوصاً في أفغانستان والجزائر وحتى في التجمعات الإسلامية الموجودة في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية . ففي هذا الفصل يتعرض ابن خلدون إلى بعض الدعاة الذين أباحوا لأنفسهم في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي، إشاعة الفتنة بين المسلمين، والدعوة إلى القتل والنهب والتمثيل بالناس بدعوى إقامة العدل وإعلاء كلمة الحق . وينعت ابن خلدون هؤلاء "بالمتلبسين بالدعوة في طلب الرئاسة " وهو يعني بذلك أن الهدف الحقيقي لهؤلاء الدعاة ليس تغيير المنكر وإقامة العل بين المسلمين كما هم يدعون وإنما الاستيلاء على السلطة لذا فإن ابن خلدون لا يتردد في القول عن هؤلاء بأنه" أجدر أن تعوقهم العوائق" وان" تنقطع بهم المهالك" لان أمر الله ، كما هو يرى إلي ذلك "لا يتم إلا برضاه وأعانته والإخلاص له والنصيحة للمسلمين ".

    ويتوافق مثل هذا الكلام مع حالة العديد من القادة الأصوليين اليوم ، فهؤلاء يستغلون الدين ، ويحاولون تضليل الناس بالأقوال والخطب الرنانة الداعية إلي إعلاء الحق وإزهاق الباطل ولا هدف لهم من وراء كل هذا إلا الوصول إلى السلطة ،مستعملين من أجل تحقيق هدفهم هذا وسائل تتنافى تماماً مع تعاليم الدين مثل زهق الأرواح البريئة وإفشاء الفتنة والشقاق بين المسلمين . وقد دلت حالات كثيرة سواء في إيران أو في أفغانستان أو في الجزائر أو في السودان أو حتى في لبنان ومصر ،ان الأصوليين ضالعون إلى حد كبير في ما أصاب المسلمين اليوم وفي الأمس القريب من فواجع ونكبات ، وأنهم غالباً ما يكونون اشد عنفاً وقسوة ، وأقل إنسانية وتسامحاً من الأنظمة التي أطاحوا بها ن أو هم يحاولون الإطاحة بها .

    ويرى ابن خلدون أن هناك دعاة كثيرون هم في الحقيقة "موسوسون يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته " . ومرة أخرى نجد ان مثل هذا الكلام ينطبق اليوم تماماً الانطباق على العديد من الدعاة والزعماء الأصوليين الذين ينصبون أنفسهم "أمراء" أو "خلفاء" من دون أن يكون لهم برنامج واضح،سياسياً كان أم اقتصاديا أم اجتماعيا مكتفين بالقول "ان الإسلام هو الحل"

    وفي غياب البرنامج و المشروع ، هم يلجئون إلى الوسائل الغير مشروعة . وهاهم في الجزائر يذبحون الأطفال والنساء والشيوخ والرعاة والمثقفين ، ويحرقون القرى والمداشر ، ويفجرون السيارات المفخخة في المدن الكبيرة لقتل الأبرياء . وفي أفغانستان هم يدمرون الكنوز الغنية ن ويحرمون النساء من التعليم ، ويمنعون على الرجال ارتداء الجوارب البيضاء . وفي السودان ، هم يشعلون الفتن كل يوم ، حارمين الشعب السوداني ، بمسلميه ومسيحيه ن من التمتع بساعة واحدة من السلام والأمن والهدوء . وفي بعض البلدان الأوروبية ، وأيضا في الولايات المتحدة الأمريكية ، هم لا يفعلون شيئا آخر غير الإعداد لعمليات إرهابية لا تجلب للمسلمين سوى المزيد من الذل والعار والتشويه الفظيع لصورتهم ولدينهم .

    وفي النهاية ينصحنا ابن خلدون قائلاً بأن ما يحتاجه في أمر هؤلاء "المتلبسين بالدعوة " هو إما المداواة لو كانوا مجانين ، وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجاً ، وأما إذاعة السخرية منهم وعدهم من جملة الصفاعين . إما نحن فلا نطلب م المتلبسين الجدد بالدعوة إلا كف عن الإيذاء المسلمين ، والعب بالدين لتحقيق أهداف ومطامع شخصية ،أو لإذكاء نار الفتنة التي لا تكون نتيجتها في النهاية غير حرق الأخضر واليابس .

    عن صحيفة الشرق الأوسط
    الكاتب .حسونة المصباحي
     

مشاركة هذه الصفحة