ربيع بغداد ام خريف العرب(خليل الصغير)

الكاتب : الحــــادي   المشاهدات : 362   الردود : 0    ‏2003-04-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-23
  1. الحــــادي

    الحــــادي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-03-25
    المشاركات:
    95
    الإعجاب :
    0
    ربيع بغداد... أم خريف العرب!



    يُحكى أن قطعانَ "العُلوجِ" و "الطراطيرِ" الخاسئةِ تقاطرَت – رؤوساً بأذيال – واجتاحتِ المدينة، ولم يستطع سُخامُ حُفرِ النفطِ المشتعلةِ أن يوقِف تقدُّمها... فالسخامُ عادةً لا يكفي لدَرءِ اجتياح!!!

    ... ثم إنّ بغدادَ سقطت في يدِ الإحتلال، ودون أن ينتحرَ الغُزاةُ على أسوارِها كما بشّرنا صحّافُ صدّام وكلّ صحّافاتِ الصحافةِ والإعلامِ العربيّ، بفضائيّاتهِ وأرضيّاتهِ وما تحت أرضياتهِ أيضاً...

    ويُحكى أن مُفتيـّاً في أحدِ أمصارِ المسلمينَ أفتَى بالجهاد أمام المراسلينَ الأجانِب وزكّاه الرئيسُ على شجَاعتهِ، وآخرُ دعا إلى شحذِ الهمم للزود عن عاصمةِ الرشيد فارتفعَ التكبيرُ على المآذن طوال بعد الظّهرِ، وأُويخَرٌ وقفَ خطيبَ جُمعةٍ في حشودٍ تزبدُ وترغي وصَبّ جامَ غضبهِ على أمريكا وإسرائيلَ والصليبيينَ والكَفَرةَ وأبناءِ القردةِ والخنازير، ثم ردّد المؤمنونَ من بعدِه "آمين" قبلَ أن ينفضُّوا كلٌّ إلى تجَارتهِ...

    ... ثم إن جوقةً من المُومياءاتِ استفاقت فجأةً تزأرُ وتجأرُ دفاعاً عن شَرفِ وكرَامةِ أُمَّةِ العرب، من تَطْوانَ إلى بغدانَ، فقد "جاوزَ الظالمُونَ المدَى"... كأنّ الذبيحةَ فلسطينَ كانت تنامُ على حريرِ الحرّيةِ والمجدِ والعزّةِ منذ نِصفِ قرن... كأنّ الظالمُونَ هم فقط ذوو العيونِ الزرقِ والألسُنِ الأعجميةِ، أو كأنّ "المدَى" العربيّ مطـّاطٌ إلى ما لا نهايةَ، كحالِ المُروءة العربيةِ، والشهامة، والفخرِ، والبطولةِ، والنشامة العربية التي تربّعَ على عرشِها، على "مدَى" ربعِ قرنٍ، فحلُ العروبةِ وفتاها، صلاحُ دينٍ مستنسخٍ ولاتٌ وعزّى، صدّامُ بغداد!!!

    ويُحكى أنّ رهطاً طويلاً وعريضاً من أصحابِ الياقاتِ المُلوّنةِ، والألسنِ المدرّبةِ، والتحليلات المؤدلجةِ الثاقِبةِ، تداعَوا إلى قاعاتِ فندُقٍ بيروتيّ للتندِيدِ بالعُدوانِ على بلادِ الرافدينِ، وأرسَلت دولٌ وأحزابٌ ومنظّماتٌ مندوبيها "السوبر-فوتوجينيك"، المبجّلينَ بألقابٍ مفخمّة معظّمةٍ تشبه بعضَ أسماءِ الدولِ التي أوفدتهُم، يحُضّون العِراقيينَ على المقاومةِ ضدَّ الإحتلالِ الإمبرياليِّ الغاشم... وكان على بابِ الفندقِ شيخٌ عراقيٌ سحَلَ الرّفاقُ في البصرةِ أبناءهُ الثلاثة قبل نيّفِ وعشرين عاماً بحجّة العمالة لأعداء الوطن من البعثيين السوريين فهشل مع زوجته، التي قضت حسرةً دون شطّ العرب، وصار يمسحُ أحذية السّاسة والمفكرين والمثقفينَ العرب لأنها، كما يهدجُ، أنظفُ من ألسنتهِم وعقُولِهم وضمائِرهم...

    ... ثم إن قطعاناً كانت تهوجُ وتموجُ تحت شرفةٍ ما ملَكَ الرشيدُ لها وصيفاً قبل أن يخرُجَ عليهم من كُتبِ التاريخِ ماردٌ صنديدٌ منفوخٌ بماضٍ ماجدٍ وتلمعُ في حدقتي عينيه رؤياً يغني لها كلَّ صباحٍ تلاميذُ المدارسِ، فزلزلت المدينة "بالروح بالدم نفديك يا..."

    ويُحكى أنّ رجلاً عراقياً وقف أمام فندقِ فلسطينَ في بغدادَ يملأُ ناظِرَيهِ بمشهدٍ سوفَ يطبعُ ذاكرةَ التاريخِ العربيّ إلى الأبد. وحين هوى الصنمُ عن منصّتهِ وانفجرَ المهرجان، هزَّ رأسه بسخرية وقال: "لو انهُم يعرفون أن هذا ليس سوى تمثالُ شبيهِ صدّام وليس تمثالَ صدّام نفسَه!!"

    ثم إن مظاهرةً سيّارة مدوّيةً خرجت في القُرَينِ تحتفلُ بالنّصر المؤزّر للقوّات الأمريكية على العراق، ولوّحت خارج نوافذ السيارات الفارهة أيدٍ، تزيّنها ساعات الروليكس، بالأعلامِ الأمريكية الحريرية الأصليّة، وطالبَ المتظاهرونَ بإكمالِ الزّحفِ "لتحريرِ" دمشقَ وبيروتَ والقاهرةَ من طواغيتها، ثم صلّى الجمعُ ركعتينِ على نيّة البوشّين، الآب والإبن، سيِّديْ رجالِ أهلِ الأرض، فانفَرجَت أسارِيرُ الأمير واطمئَنّ على رعيَّتهِ وعلى مستقبلِ الإمارة...

    ويُحكى أنّ مجموعةً من "المجاهدين" العرب ظلّت تحاربُ الغزاةَ وحدها في أزقة بغداد وكانت مصِرّة على دحرِهم. لكن، بعد أيامٍ قليلةٍ نفذت ذخائرها ووقعت في الأسر. وحين جيءَ بالفتيةِ للتحقيق كان الضابطُ الذي سلّمهم بنادقهم قبل أيامٍ قليلةٍ يعملُ مترجماً لقواتِ الإحتلال...

    ... حينها، سادَ صمتُ القبورِ في أُمةٍ تلعقُ هزائمها واحدةً تلو أُخرى... أمةٌ محكومةٌ بغرائزِها وأحقاد جاهليّتها، تنصُرُ الباطِل وتنأى عن الحق، تقاتلُ بالأسنانِ والأظافرِ ضدّ أبناءِ جِلدتِها وتحني هاماتها صاغرةً أمام جلاديها ومصّاصِي دمها، تعزّ الظالمَ الباغي وتتكالبُ على المظلومِ والمُستضعف...

    إلى متى؟
    إلى متى؟
    إلى متى؟؟؟







    منقوله للفايده... الكاتب :خليل الصغير
     

مشاركة هذه الصفحة