مخططات ما بعد السقوط (فهمي هويدي)

الكاتب : أبو لقمان   المشاهدات : 471   الردود : 0    ‏2003-04-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-17
  1. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    بقلم: فهمي هويدي

    إذا كان الذي جرى في العراق قد شابته مفاجآت وألغاز يستعصي فهمها أو تفسيرها، في الوقت الراهن على الأقل، فإن الذي سيجري لم يعد فيه سر. وإنما أصبح أكثره واضحا وضوح الشمس، بعدما ظهرت على المسرح شخوصه، وأعلنت عناوينه على الملأ، وسربت تفاصيله الى وسائل الإعلام بقصد أو بغير قصد.

    (1) استأذن في الرجوع خطوة واحدة الى الوراء، لتصحيح معلومة تتعلق بموعد إعلان الحرب على العراق. ذلك ان تلك الحرب بدأت حقا في العشرين من شهر سبتمبر عام 2001 وليس العشرين من مارس .2003 وهذا التاريخ الأخير الذي مازالت صوره البشعة ماثلة في أذهاننا هو موعد اطلاق الصواريخ صوب بغداد، وليس موعد بدء الحرب.
    هذا الكلام ليس من عندي، ولكني وقعت عليه في ثنايا مقالة مهمة ومثيرة كتبها يوري افنيري، الصحفي الإسرائيلي وداعية السلام المعروف، وقد بثها على موقع «ردرس« بالانترنت في العاشر من شهر ابريل الحالي. فقد ذكر افنيري ان البداية الحقيقية للحرب تمثلت في الخطاب المفتوح الذي وجهه الى الرئيس بوش 41 من أبرز مجموعة المحافظين الجدد (أغلبهم يهود من غلاة الصهاينة) بعد تسعة أيام فقط من الهجوم على مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر.
    وفيه دعوا صراحة الى إزاحة صدام حسين من السلطة وتأديب سوريا وإيران. فالأول «تجرأ« وأطلق صواريخ «سكود« على إسرائيل عام 91، في سابقة هي الأولى من نوعها، أما الدولتان الأخريان فهما تساندان حزب الله الذي ألحق بإسرائيل هزيمة لا تنسى في جنوب لبنان. الخطاب نشر في مجلة «ويكلي ستاندرد« المعبرة عن تيار المحافظين الجدد، التي رصد المليونير اليهودي روبرت ميردوخ عشرة ملايين دولار لدعمها.

    أما الشخصية المحورية في الفكرة فهو ريتشارد بيرل أحد الليكوديين الغلاة، الذي كان مديرا لتحرير صحيفة «جيروزاليم بوست«، الصادرة في اسرائيل، وكان ضمن فريق بنيامين نتنياهو حين تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وأحد الذين كانوا يشيرون عليه في كيفية محاربة العرب، على حد تعبير يوري افنيري. وفي ظل إدارة الرئيس بوش، عين بيرل رئيسا لمجلس السياسة الدفاعية، وقد استقال مؤخرا من الرئاسة لأسباب مالية، وبقي عضوا نشطا في المجلس.

    أما الشخصية الثانية من بين موقعي الخطاب المفتوح فهو بول وولفويتز، الصهيوني المتطرف الذي أصبح نائبا لوزير الدفاع، ويعتبره افنيري أباالحرب الراهنة. الشخصية الثالثة هي دوجلاس فيث الذي كان أحد المتهمين بالتآمر مع «بولارد« اليهودي الأمريكي الذي أدين بتهمة التجسس لحساب اسرائيل وحكم عليه بالسجن مدى الحياة. ولكن فيث لم يحاكم بسبب مركزه القوي في التنسيق بين واشنطون وتل أبيب.

    لا أريد أن أطيل في استعراض الأسماء، لكن القدر المتيقن ان الأغلبية الساحقة من موقعي مذكرة 20 سبتمبر 2001 التي دعت الى إسقاط صدام حسين، كانوا من اليهود الصهاينة القابضين على أهم المناصب الحساسة في وزارة الدفاع الأمريكية. هذه الخلفية التي نبه إليها يوري افنيري أكدها تقرير نشرته صحيفة «هاآرتس« في 4/4 الحالي لمراسلها في واشنطون، تحدث فيه عن دور اليهود في دائرة صنع القرار بالولايات المتحدة، وقال: إن مشروع الحرب على العراق خرج من عباءة «المحافظين الجدد« قبل أكثر من عام واستهدف هيكلة «شرق أوسط جديد« وتغيير الثقافة السياسية للمنطقة كلها.

    ونقل عن بيل كريستول ــ صحفي يهودي من الغلاة ــ قوله: إن الحرب على العراق جاءت «من خلال إدراك أمريكي أن على الولايات المتحدة ان تبادر الى تصميم عالم على صورتها، قبل أن يصممها العالم على صورته«. من الإضافات المهمة في هذا الصدد، ماذكرته «وول ستريت جورنال« في 8/4 من أن فكرة الحرب على العراق عرضها بول وولفويتز نائب وزير الدفاع على الرئيس بوش بعد أربعة أيام فقط من الهجوم على مركز التجارة العالمي.

    وذكرت هذه المعلومة في سياق تقرير كتبه ميخائيل دوبس محرر الواشنطون بوست، الذي أجرى حوارا بخصوصه مع وولفويتز، الأمر الذي يوحي أنه مصدر المعلومة. اعتذر عن الإطالة في هذه الخلفية، لكني حرصت على تسجيلها، لكي تكون بين أيدي الذين روجوا أو صدقوا أكذوبة ان الحرب شنت بهدف «تحرير العراق« وهو الهدف الذي لم يخطر على بال أحد من آباء الحملة ودعاتها.

    (2) باحتلال بغداد تكون قد سقطت أول عاصمة عربية في القرن الحادي والعشرين. ورغم أن القرن الماضي شهد سقوط القدس عام 48 وبيروت عام 82 وكابول عام 2001 فإن ما حدث في حالة بغداد أسوأ بكثير، لأن تلك هي المرة الأولى في التاريخ العربي والإسلامي الذي تسقط فيه عاصمة عربية بترتيب وتعاون مع أطراف عربية عدة محيطة بها. بعد السقوط تردد السؤال في مختلف الأوساط السياسية والإعلامية: من بعد؟

    البعض ألقى السؤال شامتا أو ساعيا الى تصفية الحسابات، وآخرون طرحوه من قبيل التحذير والقلق والدعوة الى تجنب المصير البائس للنظام العراقي ورئيسه. الإسرائيليون ومن لف لفهم على رأس الفريق الأول، إذ منذ السقوط البائس في 9 ابريل والصحف الإسرائيلية تلح على أن الحرب لن تحقق هدفها ما لم يتم تأديب سوريا وإيران. وهي وجهة النظر التي دعا إليها عام 2001 بيان مجموعة المحافظين الأمريكيين الجدد. (ملف سوريا فتح فيما يبدو من خلال الانتقادات والتهديدات الأمريكية التي وجهت في الأسبوع الماضي الى دمشق).

    القلقون والمحذرون ترددت أصواتهم في أغلب العواصم العربية، وكان لسان حالهم يقول: إن التدخل الخارجي بذريعة الدفاع عن الديمقراطية يمكن ان يتكرر في أي بلد آخر، ولذلك فلابد من المسارعة الى إحداث إصلاح سياسي حقيقي، سواء لإحباط محاولات التدخل، أو لامتصاص غضب الجماهير التي خرجت للانتقام من كل رموز السلطة، من الأبنية الحكومية الى بيوت الحكام وصولا الى صور وتماثيل الزعيم الأوحد.
    وكانت رسالة رئيس الوزراء الجزائري الأسبق سيد احمد غزالي الى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، التي نشرتها الصحف في الأسبوع الماضي، تجسيدا لما نقول، إذ في الرسالة قال غزالي: انه ما لم تشهد الجزائر إصلاحا سياسيا وديمقراطيا يرد الى المجتمع اعتباره ويحفظ كرامته، «فإن دور الجزائر سيأتي في الوقت المناسب.. تطبيقا للخطة الأمريكية، خصوصا ان اعادة تشكيل الخريطة العربية بدأ فعليا بالعراق.. من ثم فان الاحتلال يتهددنا بصفتنا أعضاء في المجموعة الدولية، وبصفتنا عربا ومسلمين، ولأن بلدنا الجزائر يملك احتياطيات نفطية مهمة هي محل أطماع كثيرين«.

    (3) في الثالث من ابريل الحالي، نقلت سي.إن.إن من لوس انجلوس ان جيمس وولسي رئيس المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق ألقى محاضرة أمام مجموعة من الدارسين قال فيها: إن الولايات المتحدة تخوض الآن الحرب العالمية الرابعة (بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وكانت الحرب الباردة هي الثالثة)، وهذه الحرب قد تستمر عدة سنوات، والأعداء فيها ثلاثة هم: الملالي الذين يحكمون ايران، و«الفاشيست« في العراق وسوريا، والمتطرفون الإسلاميون من أمثال تنظيم القاعدة. (لاحظ ان ساحة الحرب هي العالم الإسلامي).

    ثم أضاف ان واشنطون في مسيرتها ستدعم الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط، وهذا ينبغي أن يقلق النظامين المصري والسعودي. «هاآرتس« نشرت في 10/4 مقالة لآري شفيت قال فيها: إن سقوط بغداد يعني ولادة شرق أوسط جديد، لا أحد يعرف كيف سيكون شكله، ولكن من المتيقن ان دمشق والرياض والقاهرة على جدول الأعمال. وكان ريتشارد ارميتاج مساعد وزير الخارجية الأمريكي أكثر تحديدا وصراحة فيما نقلته عنه الوكالة الفرنسية من واشنطون في 11/4، حيث قال في خطاب له «أمام المؤسسة الأمريكية للسلام«: ان «حزب الله« اللبناني قد يكون المجموعة رقم واحد في مجال الإرهاب العالمي (تنظيم القاعدة احتل هذه المرتبة أثناء وبعد الحرب على أفغانستان).

    في مقالة يوري افنيري التي سبقت الإشارة إليها ذكر أن الحرب الراهنة لن تقف عند العراق، ولكن ستكون لها أبعاد أخرى عميقة الأثر في مستقبل العالم. من ناحية لأنها فتحت شهية الولايات المتحدة لقصف أي مكان في الكرة الأرضية، مهما بلغ من قوة،انطلاقا من فكرة استباق الخطر وإجهاضه، التي اتبعتها مع العراق، أما الناحية الثانية الأهم والأخطر، فإن الحرب مثلت انتصارا لتحالف المحافظين الصهاينة مع الأصوليين الانجيليين، سوف يقوي من شوكتهم ويمكنهم من السيطرة بلا حدود على القرار السياسي في واشنطون، وهو أمر كارثي بكل المقاييس.
    لأن ذلك التحالف معاد للعرب عموما وللفلسطينيين بوجه أخص، ومعاد لأي حلول سلمية للصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي لن يمكن اسرائيل من أن تنعم بالهدوء أو السلام مع جيرانها. ليس ذلك فحسب، وإنما يذهب الأصوليون الإنجيليون الى أبعد من ذلك بكثير، حيث يعتبرون الحرب على العراق بمثابة حلقة في الصراع بين أبناء النور (الأمريكيين والإسرائيليين) ضد أبناء الظلمات الذين هم العرب والمسلمون.

    (4) رغم تعدد التكهنات بشأن طبيعة وشكل الشرق الأوسط الجديد، فإن حصة اسرائيل منه هي الأكثر وضوحا حتى الآن. وكنت قد ذكرت قبلا بعض التفاصيل عن الدور الإسرائيلي في التعبئة للحرب والتخطيط لها وتنفيذها أيضا، وأشرت الى الوعود الأمريكية، بإعطاء الأولوية لإسرائيل في الحصول على النفط العراقي بسعر رخيص، ثم نشر لاحقا ان ملف مد خط أنابيب النفط من الموصل الى حيفا باسرائيل قد وضع على الطاولة.
    وبمضي الوقت بدأت بقية التفاصيل تتكشف، منها مثلا: { ان الجنرال المتقاعد جاي جارنر الحاكم العسكري الأمريكي الذي نصبته الإدارة الأمريكية ليمسك بزمام الأمور في بغداد، رشحه وزير الدفاع رامسفيلد، وزكاه رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون (الحياة اللندنية 12/4) ــ وبسبب علاقته الخاصة مع المتطرفين في تل أبيب فإن افنيري وصفه بأنه جنرال صهيوني ــ وذكرت «هاآرتس« في 9/4 انه شارك في نصب شبكات الصواريخ بإسرائيل، وفي تطوير صواريخ «الحيتس«.

    وقالت التليجراف البريطانية: إن هذه هي المرة الأولى التي يحكم فيها العراق رجل معترف بإسرائيل. { ان من المرشحين إلى طاقم الإدارة في العراق، اثنين من رؤساء المخابرات المركزية الأمريكية السابقين، أحدهما جيمس وولسي الذي سيكون وزيرا للإعلام (!) وتيموني كرني الذي سيكون وزيرا للصناعة، أما مدير إذاعة «صوت أمريكا« السابق روبرت رايلي فانه سيدير الإذاعة والتليفزيون العراقيين (!) ــ (هاآرتس).
    { ان المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة أقامت علاقات جيدة مع كل عناصر المعارضة العراقية الموجودة بأمريكا. وقد عقدت لقاءات عدة مع أحمد شلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي، المرشح لكي يلعب دورا رئيسيا في المستقبل. وكان رئيس مكتب المؤتمر الوطني في واشنطون انتفاض قنبر قد دعي هذا العام بصورة غير عادية إلى حضور مؤتمر «ايباك« السنوي وهو أهم منظمة متحدثة باسم إسرائيل في واشنطون، ولكنه لم يحضر لأن الأمريكيين طلبوا إليه الذهاب الى الشمال العراقي، وحضر بدلا منه معارض آخر هو كنعان مكية.

    صحيفة هاآرتس نشرت هذه المعلومة في عدد 7/4، وقالت: إن دعوة ممثل المؤتمر الوطني الى اجتماع ايباك قصد به في الظروف الراهنة إعلان العلاقة الخاصة بين المعارضة العراقية واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، بعد ان حرص الجانبان على اخفائها طيلة السنين السابقة. { ان بعض الشركات الإسرائيلية بدأت تخطط منذ الآن لتنظيم الرحلات بين تل أبيب وبغداد، من خلال مد خط الطيران بين البلدين وتنشيط السياحة على الجانبين (معاريف 9/4).

    (5) ثمة فرق لابد من الانتباه إليه بين الأمنيات والمخططات، وبين ما سيحدث بالفعل ويتحقق على أرض الواقع. وفي الحالة العراقية بوجه أخص، فالأمر أعمق وأكثر تعقيدا مما يبدو على السطح. ليس فقط لأن ثمة احتمالا كبيرا بأن يواجه الاحتلال بمقاومة تؤرق راحته، وان يواجه الأمريكيون متاعب من قبيل تلك التي يواجهونها في أفغانستان حتى الآن، الأمر الذي لابد ان يعطل ــ ان لم يبدد ــ تلك المخططات.
    وقد قرأنا في الأسبوع الماضي بيانا عن تشكيل «الجبهة الوطنية لتحرير العراق« دعا الى الكفاح المسلح ضد المحتلين، وعن ظهور تنظيم آخر في الداخل باسم «أحرار العراق«. والذين يعرفون الساحة العراقية جيدا يدركون ان ذلك «أول الغيث«.

    من ناحية أخرى فإن الذين يتحدثون عن تطبيع أو اختراق إسرائيلي للعراق يجهلون حقيقة الشعب العراقي، وعمق انتمائه العربي والإسلامي، وقد ألمح الى هذا البعد كاتب اسرائيلي هو سامي ميخائيل، نشر في «معاريف« (عدد 9/4) مقالة قال فيها: إن سقوط صدام حسين لا يبشر بالضرورة بعهد قرب وود مع إسرائيل.
    ذلك ان القضية الفلسطينية احتلت دائما مكانة خاصة في الوجدان العراقي. وليس مصادفة ان مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني وجد ملاذا دافئا حين لجأ الى العراق في عام .1939 كما ان الانقلاب المتعاطف مع النازية الذي وقع في بغداد عام 1940، نشأ على خلفية التضامن مع الفلسطينيين والكراهية للبريطانيين الذين فتحوا أبواب هجرة اليهود الى فلسطين.

    ثمة سؤال أخير يتعين الوقوف أمامه طويلا ونحن نرصد ما يخططون ويدبرون هو: ماذا نحن فاعلون؟ ليست عندي إجابة محددة الآن، أو قل: إن ثمة إجابات متعددة تحتاج الى مناقشة وبلورة، لكني وقفت عند نقطتين مضيئتين في رسالة السيد غزالي رئيس وزراء الجزائر الأسبق الى الرئيس بوتفليقة. الأولى: تمثلت في دعوته الى تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، والاكتفاء بالحد الأدنى من العلاقات مع حكومات الدول التي شاركت في العدوان، حتى ينتهي الاحتلال ويخرج الغزاة من العراق.

    أما النقطة الثانية فكانت تذكيره بما فعله الرئيس الأسبق هواري بومدين بعد حرب عامي 67 و73، حين قرر قطع العلاقات مع الولايات المتحدة مدة عشر سنوات، ومقاطعتها نفطيا، كما قرر تأميم المصالح الأمريكية النفطية بالجزائر. والنقطتان أسوقهما من باب تنشيط الوعي والذاكرة لا أكثر
    .
    المقال هذا يحتوي على الردود الحاسمة للمتشدقين .. بأن تحرير العراق كان هو الهدف الأوحد
    للجميع تحياتي ..
     

مشاركة هذه الصفحة