النكتة المصرية بين احتلال بغداد والعلوج

الكاتب : المنصوب   المشاهدات : 489   الردود : 0    ‏2003-04-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-15
  1. المنصوب

    المنصوب عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-07-27
    المشاركات:
    587
    الإعجاب :
    0
    السقوط المفاجئ للعاصمة العراقية بغداد في أيدي قوات الاحتلال الأمريكي مثّل صدمة لغالبية الشعب المصري، فشرع كعادته ينفس عن حزنه الممتزج بالغضب بإطلاق العديد من النكات التي طالت كبار القادة العراقيين.

    وانتشرت بسرعة هذه الموجة من النكات المصرية التي اشتهرت بأنها تتضمن نقدًا لاذعًا مبطنًا وتثير الضحك والسخرية في آن واحد.

    ولاحظ مراسل "إسلام أون لاين.نت" أن القسم الأكبر من النكات طال وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف الذي اشتهر باستخدام تعبير "علوج" الغزاة في مؤتمراته الصحفية اليومية قبل احتلال بغداد.

    وتقول إحدى النكات المصرية بأن مصريًّا بحث عن معنى "العلوج" في معجم مختار الصحاح فلم يجدها؛ فأشار عليه صديق بالبحث عنها في "مختار الصحاف".

    وتتحدث نكتة أخرى عن أن الصحاف سألوه بعد القبض عليه عن معنى "علوج" فأجاب: "تعني العفو عند المقدرة".

    وأدلى الكاتب الساخر في جريدة الأخبار المصرية "أحمد رجب" بدلوه أيضا فكتب أنه كان ينقص مشهد احتلال بغداد وإسقاط تمثال للرئيس صدام حسين، ظهور الصحاف على قناة الجزيرة ليقول بأن "العلوج يظنون أن التمثال الذي أسقطوه في ساحة الفردوس ببغداد للقائد المهيب صدام حسين، لكنه في الحقيقة لشبيهه، وهذه خدعة انطلت على العلوج المرتزقة".

    وطالت نكات المصريين أيضا المقربين من صدام حسين ومنهم نجله عدي؛ حيث روي أنه عثر عليه يبحث عن والده في شوارع بغداد، ويغني قائلاً: "بابا فين، بابا هنا، هنا هو، أقول له مين حيضربه"، على نفس إيقاع أغنية الأطفال الشهيرة التي راجت في العالم العربي.

    أما الرئيس العراقي نفسه فيروي المصريون عنه أنه تخفى في مسقط رأسه في تكريت، حيث جلس مع شباب يتعاطون المخدرات سألوه عن مهنته، فأجاب أنه رئيس، فقال له أحدهم: "من أول نفس".

    وبدا واضحًا أن المصريين نفسوا عن همومهم وسخطهم في إبلاغ أقاربهم وأصدقائهم عن آخر نكتة تسخر من الوضع في العراق بعد أن كان الأمر يقتصر على آخر الأخبار.

    ولم يقتصر تداول هذه النكات على المستوى الشعبي بل انتشرت بطرق أخرى من خلال الرسائل المبعوثة على التليفون المحمول أو الرسائل الإلكترونية المرسلة عبر شبكة الإنترنت.

    تراث مصري

    ويرى د. يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة أن السخرية تعد من أهم الموروثات لدى الشعب المصري والتي يجد فيها فرصة لمعارضة الحكام على مر السنين، خصوصًا أن معظم من تولى حكم مصر عبر التاريخ كان بعيدًا عن معاناة الشعب الحقيقية.

    وأضاف أن "المصريين معروف عنهم حب الدعابة والسهر في جماعات أمام المقاهي التي تتحول إلى منتديات سياسية يلتقي فيها الجميع في دوائر مستديرة لمناقشة مختلف القضايا، بدءًا بالسياسية وانتهاء بالأسعار والحوادث والقصص والحكايات المسلية".

    وقال: "لكن بالطبع في أوقات الحروب والأزمات تتراجع كل القضايا أمام القضية التي تفرض نفسها على تلك الجلسات، والتي عادة ما تنتهي بأن يلقي كل من يشارك فيها بما لديه من نكتة أو طرفة".

    وأشار عبد المحسن إلى أن الحرب العدوانية الأخيرة التي تعرض لها الشعب العراقي جذبت المصريين بمختلف أعمارهم لمتابعتها بشكل مباشر، موضحا أنه "عندما سجلت المقاومة العراقية صمودًا بطوليًا في العديد من المدن طيلة الثلاثة أسابيع الأولى للحرب التي بدأت في 20 مارس 2003 ارتفعت معها المعنويات لدى المتابع للحرب إلى الذروة، وعندما بدأت القوات الغازية الاقتراب من بغداد توقع الكثير تكبد هذه القوات خسائر فادحة تجعلهم يفكرون ألف مرة في تكرار نفس السيناريو مع أي عاصمة عربية أخرى".

    وتابع: "لكن صدمة اقتحام الدبابات الأمريكية لشوارع بغداد دون أي مقاومة لا شعبية ولا نظامية تسببت في تعرض المتابع المتحمس لصدمة نفسية شديدة، دخل البعض على أثرها في حالة بكاء هستيري لا شعوري لإحداث نوع من التوازن بين ما كان يأمله وبين الواقع الذي يراه، فيما تعرض البعض الآخر إلى حالة اكتئاب مؤقت، وكان هذا هو الشعور السائد ليس في مصر فقط بل في معظم بلدان العالم الإسلامي".

    وقال عبد المحسن: إن الصدمة تسببت في تعرض بعض الأشخاص لانتكاسة صحية خاصة الذين يعانون من متاعب عضوية في الأساس، موضحًا أن "مثل هذه الظواهر تعد مسألة طبيعية بسبب التطور السريع في وسائل الإعلام التي جسدت المعارك وحولت عملية الغزو الأخيرة إلى ما يشبه مباراة كرة القدم يشاهدها المتلقي على الهواء مباشرة، وهذا أعطى الحرب خصوصية لم يتعود عليها المواطن العادي سواء في مصر أو غيرها".

    غياب الديمقراطية

    من جانبها قالت الدكتورة سامية الساعاتي أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس: إن النكتة والسخرية دائمًا ما تزدهر في الظروف الاستثنائية التي يجد فيها الشعب نفسه محاصرًا بالأكاذيب الإعلامية أو حتى لمجرد الشعور بأن هناك أشياء وحقائق يجري إخفاؤها أو تم التلاعب بمستقبله، مشيرة إلى أن هذا ما حدث بالفعل عام 1967 عندما صور الإعلام الرسمي إسرائيل على أنها لن تصمد سوى دقائق أمام الهجوم المصري.

    وأضافت أن عدم استطاعة المواطن الحصول على معلومات من أي مصدر سوى المصدر الرسمي خاصة في ظل الأوضاع التي يغيب فيها الرأي الآخر دفعت الشعب إلى اللجوء إلى السخرية وتأليف النكات اللاذعة ضد القادة والسياسيين والإعلاميين، موضحة أن "هذه الحالة تعد أمرًا طبيعيًا في ظل غياب منابر الحرية والتعبير".

    وقالت الدكتورة سامية: إن "النكات دائمًا ما تجد المناخ الطبيعي لها في الأنظمة الديكتاتورية وفي ظل أساليب القمع وكبت الحريات"، مضيفة أن "البعض من العلماء يعتبرون أن مراحل ازدهار النكات السياسية بالذات أحد مظاهر غياب الحرية ومؤشر على تراجع الديمقراطية".

    خيانة عربية

    أما الفنان والرسام الكاريكاتيري الشاب عمرو سليم فيقول "إنني خلال أزمة العدوان على العراق وجدت نفسي أتخلى عن الدبلوماسية والأدب، وقدمت رسومات يراها البعض أنها خارجة، ولكن هذا هو الواقع الذي تقع عليّ مسئولية تشخيصه، فمثلا كان لدي إحساس بوجود خيانات عربية للشعب العراقي فرسمت مدفع رشاش ضخمًا يقتل الشعب العراقي ويديره عربي خليجي من الخلف.

    كما رسمت شخصا يقرأ في جريدة ويمر بجواره عربي يحمل أعلامًا بريطانية وأمريكية، والأول يسأل الثاني: هو علوج الصحاف بالقاف ولا بالجيم؟

    وأضاف عمرو أن الفن والكاريكاتير في مقدمته دائمًا يتجه إلى ما هو أفضل وأسمى ويعكس معاناة الرجل العادي وما يطمح إليه ويفكر فيه؛ ولذلك دائمًا الكاريكاتير الناجح هو الذي ينحاز للرأي العام بصرف النظر عن معارضة السلطة، وعادة السخرية تأتي من الأوضاع المقلوبة والأزمات كما هو حادث الآن في العالم العربي.
     

مشاركة هذه الصفحة