قصة اغتيال ابنة أحد كبار علماء هذا العصر

الكاتب : الصمود   المشاهدات : 475   الردود : 6    ‏2003-04-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-13
  1. الصمود

    الصمود قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-12
    المشاركات:
    3,693
    الإعجاب :
    0
    أهلُ المصائبِ في الدّنيا توحِّدهم ********** أرحامُ خطبٍ على الأحزان ِ متَّحدِ
    وأتعسُ الناس ِ أمٌ غِيلَ واحِدها ********** ووالدٌ ر يعَ فجعاً في ابنهِ الوحدِ

    لولا البنيّاتُ طُفْتُ الأرضَ منتجِعاً ********** أهيمُ من بلدٍ ناءٍ إلى بلدِ

    صبراً أيّها الشيخُ ، وأجملْ الجزعَ ، فإنّ ما تخشاهُ قد وقعَ !! ،

    والله لا عذرَ لعين ٍ لم تفضْ دمعاً على درّتكَ المكنونةِ ، وجوهرتكَ المصونةِ ، ولا عذرَ لساهٍ ، فالدّنيا كلّها قد أنّتَ لبكائكَ ، والدهرُ لبسَ مسوحَ الحزن ِ ، والطيورُ في وكناتها ينحنَ ،

    إنّها بنانُ ، وما أدراكم ما بنانُ ،

    أمّا أبوها فهو علاّمة ُ أوانهِ ، وبديعُ زمانهِ ، الشيخُ الأديبُ الأريبُ : عليٌ الطنطاويُّ – رحمهُ اللهُ تعالى - ، ذلكَ الجبلُ الأشمُّ ، والطرازُ الفريدُ ، ربيبُ العوالي ، وقرينُ المعالي ،

    وأمّا هي فعفيفة ٌ كريمة ٌ ، حسيبة ٌ أديبة ٌ ،

    ربّاها أبوها فأحسنَ تربيتها ، وعالها فأحسنَ عولها ، غذّاها الأدبَ والعلمَ والحكمة َ ، وسقاها الحياءَ والعفافَ والحشمة َ ، فنشأتْ سليلة َ أرومةٍ ، وعقلية َ أشرافٍ ، حتّى إذا شبّت عن الطوق ِ ، وبلغتْ سنَّ النضج ِ ، زوّجها أبوها من أحدِ الدعاةِ وهو الداعية ُ الإسلاميُّ : عصام العطّار ،

    ولظروفٌ جرتْ ، ومقاديرَ سرتْ ، أخرجَ زوجها ، وهي معهُ من بلادِ الشام ِ ، وتغرّبوا في أوروبا ، وصارتْ هي وزوجها محطّ أنظار العدوّ ، حيثُ حاولوا اغتيالها وزوجها ، إذ كانَ زوجها عضواً بارزاً في حركةِ الإخوان ِ المسلمينَ ،

    أصيبَ زوجُها بالشلل ِ ، فكتبتْ لهُ كلماتٍ تسطّر بمدادٍ من ذهبٍ ، تقولُ فيها :

    لا تحزنْ يا عصامُ ، إنّكَ إن عجزتَ عن السير ِ بأقدامنا ، وإن عجزتَ عن الكتابةِ كتبتَ بأيدينا ، تابعْ طريقكَ الإسلاميَّ المستقلَّ المتميّزَ الذي سلكتهُ وآمنتَ بهِ ، فنحنُ معكَ على الدوام ِ ، نأكلُ معكَ – إن اضطررّنا – الخبزَ اليابسَ ، وننامُ معكَ تحتَ خيمةٍ من الخيام ِ ، ولا أحبُّكَ وأعجبُ بكَ يا عصامُ لأنّني أرى من ورائكَ الناسَ ، ولكنْ أحبّكَ وأعجبُ بكَ لأنّكَ تستطيعُ أن تقفَ مع الحقِّ على الدوام ِ ، ولو تخلّى عنكَ – من أجل ِ ذلكَ – أقربُ الناس ِ .

    وكتبتْ مرة ً لزوجها – ونعمَ واللهِ ما كتبتْ - :


    ما سمعتُ بشابٍ من شبابنا استُشهدَ في سبيل ِ اللهِ ، إلا تصوّرتُ أنّني أمّهُ ، وأنّهُ ولدي ، وأحسستُ لفقدهِ بمثل ِ إحساس ِ الأمِّ الرؤوم ِ ، لفقدِ ولدها البار .

    تلكَ هي الزوجة ُ الصالحة ُ بنان ، حيثُ صبرتْ على كربةِ زوجها ، وغربتهِ ، ورافقتهِ شريداً طريداً ، فكانتْ لهُ الأم والأخت والزوجة والطبيبة ،

    وبالرغم ِ من علمها بأنّ زوجها مطاردٌ ، ومطلوبٌ دمه ، ومصابٌ بأنواع ِ الأمراض ِ والعلل ِ ، إلا أنّها صبرتْ معهُ ، ورضيتْ بقدرها ، وشدّتْ من أزرهِ ، وعاونتهُ على مصيبتهِ ، فكانتْ نعمَ الزادُ لزوجها في الحياةِ الدنيا ،

    وفي يوم ٍ عصيبٍ رهيبٍ ، قصدتْ مجموعة ٌ من المجرمينَ من محترفي القتل ِ ، إلى بيتها بحثاً عن زوجها وعنها ، فطرقوا البابَ عليها ، وقد كانَ زوجها غائباً في أحدِ المستشفياتِ للعلاج ِ ،

    ولأنّهم مجرمون وقتلة ٌ ، فقد أخذوا جارتها ووضعوها أمام العين ِ السحريةِ للبابِ ، حتّى إذا نظرتْ للبابِ تراها من خلفهِ فتأنسَ وتفتحَ ، ففتحتْ لها ظنّاً منها أنّها جارتها ، وما إن أكملتْ فتحَ البابِ حتّى بادرها المجرمونَ بإشهار ِ السلاح ِ بوجهها ، فأطلقوا عليها خمسَ رصاصاتٍ : اثنتان ِ في الرأس ِ ، واثنتان ِ في الصدر ِ ، وواحدة تحتَ إبطها ،

    وما كانَ ذلك الجسدُ الغضُّ الطريُّ لينوءَ بحمل ِ رصاصةٍ واحدةٍ ، فكيفَ بخمس ِ رصاصاتٍ ؟ ،

    فسقطتْ شهيدة ً – رحمها اللهُ تعالى - ، وكانَ ذلكَ في مدينةٍ آخن بألمانيا ،

    وأمّا أبوها الشيخُ : علي الطنطاويُّ – رحمهُ اللهُ تعالى – فقد كانَ يحبّها حبّاً جمّاً ، حتّى إنّه ذكرها مرّة ً في أحد حلقاتِ برنامجهِ الشهير : نورٌ وهداية ٌ ، فلم يتمالكْ نفسهُ وبكى بكاءً مرّاً أمامَ ملايين ِ المشاهدينَ ،

    وكانَ يقولُ : واللهِ ما تذكرتُ بنان إلا وتجدّدَ جرحي ، وكأنّها قتلتْ بالأمس ِ ،

    ولو كانَ النساءُ كمن ذكرنا ********** لفضّلتِ النساءْ على الرّجال ِ

    رحمها اللهُ رحمة ً واسعة ً ، وأسكنها الفردوسَ الأعلى ،

    للهِ درّها من امرأةٍ ، فكم هو البونُ الشاسعُ بينَ بنان – رحمها اللهُ – وبينَ نساءِ زماننا ، وكم هي تلكَ الهوّة السحيقةِ في الأوصافِ والأخلاق بين نساءِ هذا الزمان ِ وبين تلكَ المرأةِ الصالحةِ الصابرةِ ،

    بشّروا قاتلَ بنان بالنار ِ مالمْ يتبْ ، قالَ تعالى : (( قُتلَ أصحابُ الأخدودِ ، النار ِ ذاتِ الوقودِ ، إذ هم عليها قعودٌ ، وهم على ما يفعلونَ بالمؤمنينَ شهودٌ ، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللهِ العزيز ِ الحميدِ ، الذي لهُ ملكُ السمواتِ والأرض ِ ، واللهُ على كلِّ شيءٍ شهيدٌ ، إنّ الذينَ فتنوا المؤمنينَ والمؤمناتِ ثمّ لم يتوبوا فلهم عذابُ جهنّمَ ولهم عذابُ الحريق ِ ))


    منقول
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-04-13
  3. الصمود

    الصمود قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-12
    المشاركات:
    3,693
    الإعجاب :
    0
    وهنا انقل لكم قصة اغتيالها علي لسان ابيها
    رحمهما الله.

    " وهذه أول مرةٍ أذكرُ فيها اسمها ، أذكرهُ والدمعُ يملأ عيني ، والخفقانُ يعصفُ بقلبي ، أذكرُ أول مرةٍ بلساني ، وما غابَ عن ذهني لحظةٍ ، ولا صورتها عن جناني ،

    لمّا قضى اللهُ فيها ما قضى ، سألوني في نقلها ، قلتُ : لا ، بل توسّدُ حيثُ أراد اللهُ لها أن تُستشهدَ ، لأنّ نقلَ الميّتِ لا يجوزُ ، وما أحفظُ أنّه روي عن أحدٍ من السلفِ ..... ،

    وقالَ أتبكي كلَّ قبر ٍ رأيتهُ ؟ .......... لقبر ٍ ثوى بين اللوى والدكادكِ

    فقلتُ لهُ إنّ الشجى يبعثُ الشجى .......... فدعني فهذا كلّه قبرُ مالكِ !

    أفكانَ متمّم بن نويرة أشدُ حباً لأخيهِ مالك ، من حبي لبنتي ؟! ،

    وإذا كان يجدُ في كل قبر ٍ يمرُّ بهِ قبرَ مالكٍ ، أفتنكرونَ عليَّ أن أجدَ في كلِّ مأتمٍ مأتمها ؟! ، وفي كل خبر ِ وفاةٍ وفاتها ؟! ، وإذا كان كل شجى يثيرُ شجاه لأخيهِ ، أفلا يثيرُ شجاي لبنتي ؟! ، إن كل أبٍ يحبُ أولادهُ ، ولكن ما رأيتُ – لا واللهِ ما رأيتُ – من يحبُّ بناتهِ مثلَ حبّي بناتي .

    ما صدّقتُ إلى الآن وقد مرّ على استشهادها أربعُ سنواتٍ ونصف السنةِ ، وأنا لا أصدقُ بعقلي الباطن أنّها ماتتْ ، إنّني أغفلُ أحياناً فأظنُّ إنْ رنَّ جرسُ الهاتفِ أنّها ستعلمني على عادتها بأنها بخير ٍ ، لأطمئنَ عليها ، تكلمني مستعجلة ً ترصفُ الكلامَ رصفاً ، مستعجلة ً دائماً ، كأنّ الردى لن يُبطأ عنها ،

    وأنّ هذا المجرمَ ، هذا النذلَ ... هذا الـ ... يا أسفي ! ، فاللغة ُ العربية ُ على سعتها تضيقُ باللفظِ الذي يُطلقُ على مثلهِ ، ذلكَ لأنّها لغة ُ قوم ٍ لا يفقدونَ الشرفَ حتى عند الإجرام ِ ،

    إنّ في العربيةِ كلمات النذالةِ والخسةِ والدناءةِ ، وأمثالها ، ولكنّ هذه كلّها لا تصلُ في الهبوطِ إلى حيثُ نزلَ هذا الذي هدّدَ الجارة بالمسدّس ِ حتى طرقت عليها البابَ لتطمئنَ فتفتحَ لها ، ثم اقتحمَ عليها ، على امرأةٍ وحيدةٍ في دارها ، فضربها ضربَ الجبان ِ ، والجبانُ إذا ضربَ أوجعَ ، أطلقَ عليها خمسَ رصاصاتٍ تلقتها في صدرها وفي وجهها ،

    ما هربتْ حتى تقعَ على ظهرها ، كأنّ فيها بقية ً من أعراق ِ أجدادها الذينَ كانوا يقولونَ :

    ولسنا على الأعقابِ تدمى كلومنا .......... ولكن على أقدامنا تقطرُ الدما

    ثمّ داس الـ .... لا أدري واللهِ بم أصفهُ ؟! ،

    إن قلتُ المجرم ، فمن المجرمينَ من فيهِ بقية َ من مروءةٍ تمنعهُ من أن يدوسَ بقدميهِ النجستين ِ ، على التي قتلها ظلماً ليتوثقَ من موتها ، ربّما كان في المجرم ِ ذرة ٌ من إنسانيةٍ تحجزهُ عن أن يخوضَ في هذه الدماءِ الطاهرةِ التي أراقها ، ولكنّهُ فعلَ ذلك كما أوصاهُ من بعثَ بهِ لاغتيالها ، دعسَ عليها برجليهِ ليتأكدَ من نجاح ِ مهمّتهِ ، قطعَ اللهُ يديهِ ورجليهِ ، لا ! ، بل أدعهُ وأدعُ من بعثَ بهِ للهِ ، لعذابهِ ، لانتقامهِ ، ولعذابُ الآخرةِ أشدُّ من كل عذابٍ يخطرُ على قلوبِ البشر ِ .

    لقد كلمتها قبل الحادثةِ بساعةِ واحدةٍ ، قلتُ : أين عصام ؟ ، قالتْ : خبّروهُ بأنّ المجرمينَ يريدونَ اغتيالهِ وأبعدوهُ عن البيتِ ، قلتُ : كيف تبقينَ لوحدكِ ؟ ، قالتْ : بابا لا تشغل بالك بي ، أنا بخير ٍ ، ثِقْ واللهِ يا بابا أنا بخير ٍ ، إنّ الباب لا يفتحُ إلا إن فتحتهُ أنا ، وأنا لا أفتحُ إلا إن عرفتُ من الطارق وسمعتُ صوتهُ ، إنّ هنا تجهيزاتٍ كهربائية تضمنُ لي السلامة َ ، والمسلِّمُ هو اللهُ .

    ما خطرَ على بالها أنّ هذا الوحشَ ، هذا الشيطانَ ، سيهدّدُ جارتها بمسدسهِ حتى تكلمها هي ، فتطمئنُ ، فتفتحَ لها البابَ ،

    مرّت الساعة ُ فقرع جرسُ الهاتفِ ، وسمعتُ من يقولُ لي : كلّم وزارة الخارجية ، قلتُ : نعم ! ، فكلّمني رجلٌ أحسستُ أنّه يتلعثمُ ويتردّدُ ، كأنّه كلف بما تعجزُ عن الإدلاءِ بهِ بلغاءُ الرجال ِ ، بأن يُخبرني ... كيف يخبرني ؟ ، وتردّدَ ورأيتهُ بعين ِ خيالي ، كأنّهُ يطلبُ منجى من هذا الموقفِ الذي وقفوهُ فيهِ ، ثمّ قالَ : ما عندكْ أحد أكلّمه ؟ ، وكانَ عندي أخي ، فقلتُ لأخي : خذْ اسمع ما يقول ، وسمعَ ما يقولُ ، ورأيتهُ ارتاعَ ممّا سمعَ ، وحارَ ماذا يقولُ لي ، وكأنّي أحسستُ أنّ المخابرة َ من ألمانيا ، وأنّه سيلقي عليَّ خبراً لا يسرّني ، وكنتُ أتوقعُ أن ينالَ عصاماً مكروهٌ ،

    فسألتهُ : هل أصابَ عصاماً شيءٌ ؟ ، قال : لا ، ولكنْ ... ، قلتُ : ولكن ماذا ؟ ، عجّل يا عبده فإنّكَ بهذا التردّدِ كمن يبترُ اليدَ التي تقرّرَ بترها بالتدريج ِ ، قطعة بعد قطعةٍ ، فيكونُ الألمُ مضاعفاً أضعافاً ، فقلي وخلّصني مهما كانَ سوءُ الخبر ِ ،

    قال : بنان ، قلتُ مالها ؟ ، قال ، وبسطَ يديهِ بسطَ اليائس ِ الذي لم يبقَ في يدهِ شيءٌ ، وفهمتُ وأحسستُ كأنّ سكّيناً قد غُرسَ في قلبي ، ولكنّي تجلدتُ ، وقلتُ – هادئاً هدوءاً ظاهريّاً ، والنّارُ تضطرمُ في صدري - : حدّثني بالتفصيل ِ بكل ما سمعتَ ،

    فحدّثني ، وثقوا أنّني لا أستطيعُ مهما أوتيتُ من طلاقةِ اللسان ِ ، ومن نفاذ البيان ِ ، أن أصفَ لكم ماذا فعلَ بي هذا الذي سمعتُ .

    وانتشرَ في الناس ِ الخبرُ ، ولمستُ فيهم العطفَ والحبَّ والمواساة ، من الملكِ – حفظهُ اللهُ ووفقّهُ إلى الخير ِ - ، ومن الأمراءِ ، ومن الأدباءِ والعلماءِ ، ومن سائر ِ الناس ِ ، وقد جمعتُ بعضَ ما وصلَ إليَّ منها ، وتحت يدي الآن أكثرُ من مئتي برقيةٍ تفضّلَ أصحابها فواسوني بها ، وأمامي الآن جرائدُ ومجلاتٍ كتبت عن الحادثةِ كتابة صدق ٍ وكتابة َ عطفٍ ، وفيها تسلية ٌ لو كان مثلي يتسلّى بالمقالاتِ عمّا فقدَ ، حتى الجرائدُ الأجنبيّة ُ ، وهذه ترجمة ُ مثالةٍ نُشرتْ في جريدةٍ لا أعرفها ، لأنّي لا أقرأ الإنجليزية ، جريدة ُ الأوبزيرفر الأسبوعية بتاريخ 22/3/1981 بقلم الكاتب باتريك سيل .

    حتّى الأجانبُ الذين لا يجمعني بهم دينٌ ولا لسانٌ عطفوا عليَّ ، واهتموا بمصابي ، وأنكروا الحادثَ ، وقالوا فيها كلمة الحق ، وممّن تربطني بهم روابطُ الدم ِ واللسان ِ لم يأبهوا لما كانَ ، بل لقد صنعوهُ هم بأيدهم ، إلى الله أشكوهم .

    وصلتْ هذه البرقياتُ ، وجاءتني هذه الصحفُ ، وإنّها لمنّة ممن بعثَ بها وممّن كتبَ ، يعجزُ لسانُ الشكر عن وفاءِ حقها ، ولكنّي سكتُ فلم أشكرها ، ولم أذكرها ، لأنّ المصيبة عقلتْ لساني ، وهدّت أركاني ، وأضاعتْ عليَّ سبيلَ الفكر ِ ، فعذراً وشكراً للملكِ والأمراءِ جزاهم الله خيراً ، ولكل من كتبَ إليَّ ، وأسألُ الله أن لا يبتليَ أحداً بمثل ِ هذا الذي ابتلاني بهِ .

    كنتُ أحسبني جلداً صبوراً ، أثبتُ للأحداثِ ، وأواجهُ المصايبَ ، فرأيتُ أنّي لستُ في شيءٍ من الجلادةِ ولا من الصبر ِ ولا من الثباتِ .

    صحيحٌ أنّه :

    ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ .......... يواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجّعُ

    ولكنْ لا مواساة في الموتِ ،والسلوّ مخدّرٌ أثرهُ سريعُ الزوال ِ ، والتوجّعُ يُشكرُ ولكنّهُ لا ينفعُ شيئاً .

    وأغلقتُ عليَّ بابي ، وكلّما سألوا عنّي ابتغى أهلي المعاذير ، يصرفونهم عن المجيء ، ومجيئهم فضلٌ منهم ، ولكنّي لم أكنْ أستطيعُ أن أتكلّمَ في الموضوع ِ ، لم أردْ أن تكونَ مصيبتي مضغة الأفواهِ ، ولا مجالاً لإظهار ِ البيان ِ ، إنّها مصيبتي وحدي فدعوني أتجرّعها وحدي على مهل ٍ .

    ثمّ فتحتُ بابي ، وجعلتُ أكلّم من جاءني ، جاءني كثيرٌ ممّن أعرفهُ ويعرفني ، وممّن يعرفني ولا أعرفهُ ، وجعلتُ أتكلمُ في كل موضوع ٍ إلا الموضوعَ الذي جاءوا من أجلهِ ، استبقيتُ أحزاني لي ، وحدثتهم كلّ حديثٍ ، حتى لقد أوردتُ نكتاً ونوادرَ ،

    أتحسبونَ ذلكَ من شذوذِ الأدباءِ ؟ ، أم من المخالفاتِ التي يريدُ أصحابها أن يعرفوا بها ؟ ،

    لا واللهِ ، ولكن الأمر ما قلتُ لكم ،

    كنتُ اضحكُ وأُضحكُ القومَ وقلبي وكل خليةٍ في جسدي تبكي ، فما كل ضاحكٍ مسرورٌ :

    لا تحسبوا أنّ رقصي بينكم طرباً .......... فالطيرُ يرقصُ مذبوحاً من الألم ِ

    كنتُ أريدُ أن أصفَ لكم ما بقلبي ، ولكن هل تركَ لي الشعراءُ مجالاً للحديثِ عن قلبي ؟ ، هل غادرَ الشعراءُ من متردّم ِ ، لقد جمعوا في الباطل ، في الخيال ، كل صورةٍ للقلبِ تصنعها الأحزانُ المتخيّلة ُ ، حتى لم يبقَ شيءٌ لمفجوع ٍ صادق ٍ مثلي .

    قالوا : إنّ الحبيبة َ سرقتْ قلبي ، صدّعت قلبي ، أخذت قلبي ، سكنت قلبي ، أبكتْ قلبي ، حتى لقد جعلَ ذلك النحويونَ مجالاً لإثباتِ قواعدهم ، فقالوا في شعرهم السخيفِ :

    يا ساكناً قلبي المعنّى .......... وما لهُ فيهِ قطُّ ثاني

    لأي معنى كسرت قلبي .......... وما التقى فيه ساكنان ِ

    والشعراءُ الذي رثوا أولادهم ، لقد وردوا النبعَ قبلي فاستقوا وملؤوا حياضهم ولم يدعوا لي إلا الثمالة والعكر ، : ابن الرومي في رثاءِ ولده ، والتهامي ، والشاعرة ُ التي لم يقلْ أحدٌ في وصفِ مصابهِ في ولدٍ مثل الذي قالت في بنتها ، عائشة التيموريّة ، أخت العالم الباحث : أحمد تيمور ، اقرؤوا قصيدتها فإنّها على ضعفِ أسلوبها ، قد خرجتْ من القلبِ لتقعَ في القلبِ ، وما أحسبُ أن امرأة استطاعتْ أن تصوغَ عواطفها ألفاظاً ، وأحزانها كلماتٍ ، كما فعلتْ عائشة ُ ،وابنُ الزيّاتِ الوزيرُ وما قال في ولدهِ ، والزياتُ الذي لم يكن وزيراً ، ولكنّهُ كانَ أكبر من وزير ٍ لما رثى ابنه رجاء ،

    والدكتورُ حسين هيكل لمّا شغلَ نفسهُ عن حزنهِ بإنتاج ِ كتابِ ( ولدي ) ، فاقرؤوا كتاب ( ولدي ) ، فإنّه وإن لم يصف لكم مدى أحزانهِ ، فقد كان أثراً من آثار ِ أحزانهِ ، ومالي أضربُ الأمثالَ وأنسى مصابَ سيّدِ الخلق ِ ، وأحبِّ العبادِ إلى اللهِ ، محمّدٍ عليهِ الصلاة ُ والسلامُ حينَ أصيبَ بولدهِ .

    إنّ في السيرةِ يا أيّها الإخوان قصصاً كاملة ، فيها كل ما يشترطُ أهل القصص ِ من العناصر ِ الفنيةِ ، وفيها فوق ذلكَ الصدقُ ، وفيها العبرة ُ ، فاقرؤوا خبرَ ولد بنتهِ عليهِ الصلاة ُ والسلامُ الذي ماتَ أمامهُ ، توفّي بين يديهِ فغسلهُ بدمعهِ ، إنّ دمعة رسول ِ اللهِ عليهِ الصلاة ُ والسلامُ أغلى عندنا من كل ما اشتملتْ عليهِ هذه الأرضُ .

    إنّي لأتصوّرُ الآن حياتها كلّها مرحلة مرحلة ، ويوماً يوماً ، تمرُّ أمامي متعاقبة كأنّها شريطٌ أراهُ بعيني ، لقد ذكرتُ مولدها وكانت ثانية َ بناتي ، ولقد كنتُ أتمنّى أن يكونَ بكري ذكراً ، وقد أعددتُ أخلى الأسماءِ ، ما خطرَ على بالي أن تكونَ أنثى .

    يقولون في أوروبا : حك جلد الروسي يظهر لك من تحته تتري ، ونحنُ مهما صنعنا فإن فينا بقية من جاهليتنا الأولى ، أخفاها الإسلامُ ، ولكن تُظهرُ طرفاً منها مصائبُ الحياةِ ، وكانوا في الجاهليةِ { إذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجههُ مسودّاً وهو كظيمُ يتوارى من القوم ِ من سوءِ ما بشّرَ بهِ : أيمسكهُ على هون ٍ أم يدسّهُ في الترابِ } ، وأنا لم أبلغْ أن أدسَّ بنتي في الترابِ ، ولكنّي أخفيتُ وجهي من الناس ِ ، وكأنّني أحدثتُ حدثاً ، أو اجترحتُ ذنباً .

    اللهمّ ارحم بنان ، وهذه أوّل مرةٍ أو الثانيّة ُ التي أقولُ فيها اللهم ارحمها ، وإنّي لأرجو لها الرحمة َ ، ولكنّي لا استطيعُ أن أتصوّرَ موتها .

    ولمّا صارَ عمرها أربع سنواتٍ ونصف السنةِ أصرّت على أن تذهبَ إلى المدرسةِ مع أختها ، فسعيتُ أن تقبلَ من غير ِ أن تسجلَ رسمياً ، فلمّا كانَ يومُ الامتحان ِ ، ووزّعت الصحفُ والأوراقُ ، جاءتْ بورقةِ الامتحان ِ وقد كتبت لها ظاهرياً لتسرّ بها ولم تسجل عليها .

    قلتُ : هيه ماذا حدث ؟ ، فقفزت مبتهجة ً مسرورة ً ، وقالتْ بلهجتها السريعةِ الكلماتِ المتلاحقةِ الألفاظِ : بابا كلّها أصفار أصفار ! ، تحسبُ الأصفارَ خيرُ ما يُنالُ .

    وماذا يهمُّ الآن بعدما فارقت الدنيا أكانت أصفاراً أم كانت عشراتٍ - والدرجة ُ الكاملة ُ عندنا عشرة ٌ - ؟ ، وماذا ينفعُ المسافرَ الذي ودّعَ بيتهُ إلى غير ِ عودةٍ ، وخلّف متاعهُ وأثاثهُ ، ماذا ينفعُه طرازُ فرش ِ البيتِ ولونهُ وشكلهُ ؟! . "

    تمّت بخير ٍ ، وسبحانكَ اللهمّ وبحمدكَ أشهدُ أن لا إله إلا أنتَ أستغفركَ وأتوبُ إليكَ .

    ==========
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-04-13
  5. ahmadsoroor

    ahmadsoroor عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-12-06
    المشاركات:
    1,288
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيراً أخي الأعمى .
    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين .....
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-04-13
  7. عاشق الابتسامات

    عاشق الابتسامات مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-28
    المشاركات:
    5,630
    الإعجاب :
    8
    جزيت الف خيررررررررر اخونا البصير
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-04-13
  9. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    قرأتها في الماضي وقرأتها عن قرب وها أناذا اعيد قراءتها بكل حروفها ..
    كيف لا وفارسها شيخ جليل وعالم رباني وأديب أريب رحمه الله ورزقه الفردوس الأعلى ..
    هو من الرجال الرجال الذين لهم بصماتهم وخطاهم تركت معالم وأثر ...
    رجل أثرى المكتبة العربية الإسلامية بأروع المؤلفات القيمة و الأدبية ذات الهدف ..

    يكفينا منه أبناء اليمن مؤلفه" معركة القادسية" التي افرد فيها فصولاً للقبائل اليمنية المشاركة ودورها في معركة القادسية وصنع النصر العظيم ...

    وفيما أورده الكثير من المعاني والحكم والأدب الغزير ...
    أسلوب تربوي يربط الأب بأبنائه محبة ورعاية حتى وهم كبار لهم استقلاليتهم ...

    ودرب انشأ عليه جيل يرى التضحية واجبه ويرى فيه دور الفتاة كبير جداً ...
    ما أروعه يربيها على الشجاعة والتضحية والوفاء .....
    وما أجله يرسم للحياة اطار وهدف سام تاهت عنه كثير من الأسر والمجتمعات ..
    وما أبدع ماجاء به من رثاء وحسن تصوير لخطرات الروح البشرية ..

    كل الشكر والتقدير لك بصيرنا الحبيب :)
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-04-13
  11. الصمود

    الصمود قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-12
    المشاركات:
    3,693
    الإعجاب :
    0
    الشكر لله أن جعلنا مسلمين


    ولكم خالص تحياتي وتقديري
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-04-13
  13. عدنيه وبس

    عدنيه وبس مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-23
    المشاركات:
    6,449
    الإعجاب :
    0
    رحمها اللهُ رحمة ً واسعة ً ، وأسكنها الفردوسَ الأعلى

    بارك الله فيك اخي الاعمي (( الله ينور عليك ))

    تحياتي للجميع ..
     

مشاركة هذه الصفحة