فطوبى للغرباء

الكاتب : ابواسامة السلفي   المشاهدات : 654   الردود : 0    ‏2003-04-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-07
  1. ابواسامة السلفي

    ابواسامة السلفي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-28
    المشاركات:
    371
    الإعجاب :
    3
    الأعمارتطوى والآجال تفنى وما عند الله خير وأبقى واعلموا أن في تعاقب الأزمان معتبر وفي انصرام الأيام مذدجر، دنيا تنتظم أوقاتاً متعاقبة، يوم يمر وآخر ينقضي، دنيا نعيمها ابتلاء وحياتها عناء، سريعة الزوال قريبة الاضملال، لايطمأن لها بال ولايدوم لها حال، ومن عرف الدنيا حق المعرفة لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن على بلوى، وبعد:

    أتكلم عن حديث للنبي عليه الصلاة والسلام كما في رواية مسلم: " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء".
    يقول بن مسعود –رضي الله عنه: " ذهب صفو الدنيا فلم يبق فيها إلا الكدر فالموت اليوم تحفة لكل مسلم.
    وقال الحسن –رحمه الله: مالي لا أرى زماناً إلا بكيت فيه فإذا ذهب بكيت عليه. وهذا بعينه هو قول الشاعر:

    رب يوم بكيت فيه فلما
    صرت في غيره بكيت عليه

    يقول بن بطة العُكبري –رحمه الله: " إخواني فاستمعوا إلى كلام هؤلاء السادة الماضين والأئمة العقلاء من علماء المسلمين والسلف الصالح من الصحابة والتابعين هذه أقوالهم والاسلام في طرافة ومطاوعة وعنفوان قوته واستقامته، والائمة راشدون والأمراء مقسطون فما ظنكم بنا وبزمان أصبحنا فيه وما نعانيه ونقاسيه ولم يبق من الدين إلى العكر ومن العيش إلا الكدر".
    وقال الحسن البصري –رحمه الله: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها ، للناس حال وله حال، الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب".
    وقال بن المبارك –رحمه الله: "إلى الله نشكو وحشتنا وذهاب الخوان وقلة الأعوان وظهور البدع وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب علماء المسلمين وعلماء أهل السنة وظهور أهل البدع وقد أصبحنا في زمان شديد هرج عظيم".
    سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرباء فوصفهم في صفات فقال: " هم أناس صالون في قوم سوء كثير من يعصيهم أكثر من يطيعهم" وفي لفظ " الذين يصلحون إذا فسد الناس" وفي لفظ " الذين يُصلِحون ما أفسد الناس".
    قال بن رجب معلقاً على هذا الحديث: إن الناس كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على ضلالة عمياء كما قال النبي عليه السلام:"إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فلما بُعث النبي ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة وكان المستجيب له خائفاً من عشيرته وقبيلته يؤذى غاية الإيذاء وينال منه وهو صابر على ذلك في الله عز وجل ، وان المسلمون إذ ذاك مستضعفون يشردون كل مشرد ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية كما هاجروا للحبشة مرتين ثم هاجروا إلى المدينة وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل ، فكان الداخلون في الاسلام حينئذٍ غرباء، ثم ظهر الاسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعز وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجاً وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم نعمته وتوفي رسول الله عليه الصلاة والسلام والأمر على ذلك وأهل الإسلام في غاية من الاستقامة في دينهم وهم متعاضدين متناصرين وهكذا فإن الاسلام بدأ في آحاد وقلة ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضاً ما بدأ. انتهى
    قال بن القيم –رحمه الله تعالى: " أهل الإسلام في الناس غرباء والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع غرباء والداعون إليها الصابرون عل أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً فلا غربة عليهم. انتهى
    لك أن تتصور حال الغريب.!!
    الغريب هو الإنسان الذي شطت به الديات فجاء من بلد إلى بلد غير بلده وعاش بين أهلها فكان أهل هذه البلاد متحزبيين عليه ومتعاضدين عليه فينهرونه ويشتدون عليه حتى لا يجد منهم نصيراً ولا عون هذا هو غريب الدنيا.
    أما غريب السنة: فهو الذي يعيش بقلبه وعواطفه وشعوره مع السلف الأولين يقوم معهم حيث قاموا ويجلس معهم حيث جلسوا ، يتبع آثار النبي عليه السلام وأصحابه الكرام وإنه ليعيش في زمن عند أناس يرون هذا باطلاً ويرون الحق ما دعت إليه أهواءهم فكيف حاله؟؟؟!!
    إن هذا لاشك أنه أعظم غربة ولذلك بين ابن القيم أن الغربة درجات فمنها الشديد ومنها السهل وبين أنها كالحلقات المفرغة حلقة تدخل في حلقة أخرى تصقر وتصقر حتى تضيق على أهلها ولذلك أهل السنة هم أغرب الناس، لأنهم يريدون أن يرجعوا الناس إلى الأصل الأول وهو اتباع النبي عليه السلام على فهم السلف. وإن كثيراً من أهل الأهواء لا يريدون هذا ، لأن هذا يعدونه تضييقاً عليهم وإبعاداً لهم عما يريدون من الأهواء التي تدفعهم إلى هذا.
    يقول القاسم بن سلام أبوعبيد –رحمه الل: المتبع للسنة كالقابض على الجمر وهو اليوم عندي أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل الله.
    وقد بين ابن القيم رحمه الله إلى أن الجهاد نوعان: 1- جهاد بالسيف والسنان، وهذا يدخل فيه جميع الناس. 2- جهاد الحجة والبيان، وهذا لايدخل فيه إلا الخاصة فإذا تأملت هذا وجدت أن جهاد أهل العلم هو أعظم من جهاد السيف والسنان.

    قال الحسن البصري –رحمه الله: يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس.
    في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة".
    بعض لطائف الحديث:
    - الطائفة كم ذكر ابن عبدالبر –رحمه الله- من واحد فأكثر، وهذا يدل على أنه قد يكون في زمان من الأزمان أن صاحب السنة الذي يدعو لها واحد ولهذا عرف ابن مسعود الجماعة فقال: هي ما وافق الحق وإن كنت وحدك.هذا يدل على أن العبرة ليست بالكثرة.
    - النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم ، ففي أول الحديث قال: " من يرد الله به خيراً يفقه في الدين: وقال في آخره: " ولاتزال طائفة من أمتي ..الخ" وهذا يدل على أن من صفات هذه الطائفة الغريبة المنصورة الناجية أنهم من أهل العلم، لأنه ربط أول الحديث بآخره وهو عليه الصلاة والسلام قد أوتي جوامع الكلم.
    - قوله ( ظاهرين) تأمل هذه اللفظة لم يقل ( منصورين ) أو ( مؤيدين ) بل قال" ظاهرين" والظهور هو البروز، ولذلك لا ينبغي للسني أن يدخل بين أهل الأهواء والبدع بحجة الاصلاح وبحجة النصيحة، فقوله ظاهرين أي بارزين، فهم يدلون الناس على الطريق الحق، ولاينغمسون بين أهل الأهواء والبدع.
    - أيضا قوله عليه السلام"لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم" كان باستطاعته أن يقول (لأا يضرهم من خالفهم) لكنه خص المخذل المخالف لم؟ لأن المخذل في الظاهر معك ويسير على طريقك ولكن في الصحيح هو ضدك ( لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين).
    فهو في الظاهر معك فإذا قمت بموقف لنصر الاسلام قال لك: هذه شدة، وإذا قمت بنصر السنة وتبيينها قال هذا صعب، وإذا بينت موقف السلف الأوائل قال ولكن المصلحة تقتضي، حتى بطريقته هذه يطمس الحق بالباطل، هذا هو المخذل ، وإذا أمام الناس تريد تبين حال هذا الرجل فإنك تجد صعوبة في تبيين حاله لم؟ لأنه أمام الناس هو منك ولذا قال: " لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ".
    وقد بين شيخ الاسلام في غير موضع من كتبه أن المخذل اشد حالاً من المخال، لأن المخالف تجده أمامك تحاربه ويحاربك وتضربه ويضربك تبين حاله ويبين حالك، ولا يختفي خالكم للناس، إنما ينكشف للناس جميعاً فكشفه سهل، أما المخذل فحاله صعب ولذلك بين أهل العلم أن المنافقين أشد خطراً من اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدخلون بين أهل الاسلام وكانوا يخذلونهم عما يريدونه من نصرة الدين.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    قال يوسف بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة وأغرب منها من يعرفها.
    وقال أيوب السختياني : إن الذي يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
    قال الإمام الهروي: عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي ارجع عن مذهبك ولكن يقال اسكت عمن خالفك.
    وقال الحسن البصري: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي فاصبروا عليها رحمكم الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع اهل الاتراف في اترافهم ومع أهل البدع في بدعهم وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك فكونوا.
    وقال سهل بن عبدالله التستري: عليكم بالأثر والسنة فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ذموه ونفروا عنه وتبرأوا منه وأذلوه وأهانوه.
    وقال بن عباس –رضي الله عنهما-: مايأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن.
    قال عبدالله الديلمي: إن أول ذهاب الدين ترك السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوةً قوةً.
    وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.
    قال أويس القرني: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقاً، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعواناً من الفاسقين وأيم الله لا أدع أن أقوم لله فيهم بحقه.
    وقال أيوب: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد عضواً من أعضائي.
    قال حماد بن زيد: كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيرى ذلك فيه ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فما يرى ذلك فيه.
    قال الثوري: استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء.
    وقال أيضاً: إذا بلغك عن رجلٍ بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما ما أقل أهل السنة والجماعة.
    قال عمر بن عبدالعزيز عن معاناة الغربة: ألا وإني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير وكبر عليه الصغير وفصح عليه الأعجمي وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره.
    وقال سفيان الثوري: اسلكوا سبيل الحق ولا تستوحشوا من قلة أهله.
    قالوا للحسن: ياأباسعيد إن القوم سبقونا على خيل دهم ونحن على حمير معقرة. فقال: إن كنتم على طريقهم فما أسرعكم باللحاق بهم.
    قال العلامة شيخ الاسلام بن القيم رحمه الله:
    " هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء القابضون على الجمر حقاً وأكثر الناس بل كلهم لائمٌ لهم فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم، إن الله بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة وكان الاسلام في أول ظهوره غريباً وكان من أسلم فيهم واستجاب لله ولرسوله غريباً في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته ، وكان المستجيبون لدعوة الاسلام نزاعاً من القبائل بل آحاد منهم، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الاسلام فكانوا هم الغرباء حقاً.
    حتى ظهر الاسلم وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجاً فزالت تلك الغربة، ثم أخذ في الاقتراب والترحل حتى عاد غريباً كما بدأ.
    بل الإسلام الحق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالاسلام الحقيقي غريبٌ جداً وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس، وكيف لا تكون فرقة واحدة بين اثنتين وسبعين فرقة بيت أتباع ورئاسات ومناصب وولايات ، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ماجاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وماهم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم. فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريباً بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه.
    ففي حديث أبي ثعلبة الخشني: " إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبضٍ على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قالوا : يا رسول الله أجر خمسين منهم ؟ قال : لا بل أجر خمسين منكم .
    وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم. فإذا أراد المؤمن الذي قدرزقه الله بصيرة في دينه وفقهاً في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام وفهماً في كتابه، وأراهم الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه وإزرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه، كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم.
    فأما إن دعاهم إلى ذلك وقدح فيما هم عليه فهنالك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله، فهو غريب في دينه لفساد أديانهم ، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وأخراه.
    لا يجد من العامة مساعداً ولا معيناً، فهو عالم بين جهال ، صاحب سنة بين أهل بدع، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاة الأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف" انتهى كلام ابن القيم رحمه الله
     

مشاركة هذه الصفحة