{طريق العزة ، والنصر على الأعداء} يا من يريد العزة للإسلام وتمكين لأهله

الكاتب : ابواسامة السلفي   المشاهدات : 616   الردود : 0    ‏2003-04-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-02
  1. ابواسامة السلفي

    ابواسامة السلفي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-28
    المشاركات:
    371
    الإعجاب :
    3
    إنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنسْتَعِنُهُ، وَنَسْتْغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلّ لـَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

    لا يخفى عليكم معاشر الأحبة ؛أن الطعن والإهدار والإسقاط يستطيعه إي إنسان؛ ولم يسلم من الطعن والسب حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولكن المعيار والميزان الذي يجعل هذا الطعن معتبر شرعاً؛ هو إقامة الحجج والبينات على صدق هذه الدعاوى؛ ولله در من قال:
    والدعاوى مالم تقيموا عليها بينات *أبنائها أدعياء.

    وللأسف الشديد لم يقم الغلاة حجة ولادليلاً ولاشبه دليل على ما تلفظت به ألسنتهم من الباطل والبهتان؛
    والمشكلة التي لا يعرفها كثير من الناس إن مجرد الحوار لايكفي لمعرفة الحقيقة عند نزوال الفتن ولقد جادل الناس بالباطل ليدحضوا به الحق جادلوا حتى أنبياء الله وهم أصحاب الحق المحض الخالص الصافي من كل شائبة ومع ذلك جادلوهم وآذوهم وأخرجوهم
    لكن الحوار يفيد أناس فيتقبلونه بل ويحبونه وآخرين يردونه ومنهم من يشمئز منه ويتطير به ويشاتم أهله ويؤذيهم.

    ## إن من أعظم خطر البدع والمبتدعة هو التفرق والاختلاف الذي هو سبب للفشل والانهزام .

    قال تعالى: { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

    وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}.

    وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((الجماعة رحمة والفرقة عذاب)).

    فأهل البدع هم الذين فارقوا الصراط المستقيم واتبعوا السبل فضلوا عن سبيل الله .

    فخطرهم على الأمة عظيم وجسيم .

    وهذا هو الواقع الآن فإن من أعظم أسباب وهن الأمة وضعفها ، وتفرقها وتشتتها هم أهل البدع والضلال ، وأهل التحزب والأهواء .

    فشغلوا الأمة بعضها ببعض ، وأخذوا من وقتها الكثير لبيان حالهم وتحذير الناس من شرهم لعظيم فتكهم بالناس .

    ومن أعظم أهل البدع والانحراف الذي أشاعوا الفرقة والبغضاء بين الناس الشيعة والصوفية والخوارج وحزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين بشتى فروعهم وأشكالهم ، وجماعة التبليغ وجماعة محمد سرور وجماعة القطبية والحدادية ونحوهم من أهل البدع والضلال الذين أشاعوا الفرقة بين الناس .
    من أعظم أسباب الفتن والبلايا التي وقعت بالأمة ، ولا تزال ؛ كيد أعداء الإسلام من يهود ونصارى ووثنيين .

    فمنذ أن أشرقت شمس الإسلام ، وأنارت أرجاء المعمورة ، وأيقن من لم يرد الله هدايته من يهود ونصارى ومجوس ونحوهم عجزَهم عن ستر ضوء الشمس ونور القمر بأيديهم عمدوا إلى الكيد والمكر مستفيدين من خبرة اليهود الطويلة ، وتجاربهم العديدة في الحسد والكيد والمكر لكل صاحب هدى وحق ، فهم قتلة الأنبياء والصالحين ، وهم أعداء ربِّ العالمين ، وهم حُسَّاد أهل الخير والصلاح ، وخبرتُهم في ضرب الخيرِ والكيد له طويلةٌ عبر السنين.

    قال تعالى:{مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ{105}.

    وقال تعالى:{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}.

    وقال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ {87}

    فهذه الآيات وما جاء في معناها تدل على عظم بغي وكيد وعدوان الكفار ، على اختلاف طوائفهم ، ومللهم ، ومسمياتهم ، ومكانهم ، وزمانهم ؛ تدلُّ على شدةِ عداوتهم وحسدهم للإسلام وأهله ، ولا سيما اليهود .

    والمتدبر لحالهم مع الإسلام منذ عصره الأوَّل ، لما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة حتى يومنا هذا ؛ يجد أنَّهم أشد الناس عداوة لنا ، وأجلد أعداء الإسلام على حربه ، وأكثرهم له أذى ، ونحن الآن معهم منذ ما يقارب المائة عام في محنة وبلاء عظيمين ، فقد استطاعوا بكيدهم ودهائهم السيطرَةَ على الدُّولِ العظمى التي أعانتهم على احتلال المسجد الأقصى فحصل بذلك بلاءٌ عظيم للإسلام وأهله ، فهُدِّمت المساجد ، وظهر الفساد ، وأُعْلِنَ بالكفر في المسجد الأقصى مصلى الأنبياء ، وقُتِلَ المسلمون ، وهُجِّروا من بلادهم ، وأهينوا ، ومن بقي ؛ بقي ذليلاً ، ومن خرج ؛ خرجَ طريداً ولا حول ولا قوة إلا بالله .

    ثم تولَّى كِبَرَ العداوةِ اليهودُ فخطَّطُوا لِزَلْزَلَةِ العالم الإسلامي بطريقة ماكرة خبيثة يكون لهم غنمُها وعلى المسلمين غُرمُها ، فبثُّوا بين جهال المسلمين وأغرارهم وسفهائهم ؛ أنَّ الأمة بحاجة إلى الإصلاح وأنَّ خيرات البلاد قد ضاعت ونُهِبَت ، وأنَّ أمراء البلاد وعلى رأسهم الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- هم سبب هذا البلاء ، وأنَّ الإصلاح يجب أن يبدأ بالخليفة ، فاجتمع هؤلاء الجهال السفهاء الأغرار تحت إمرة اليهودي عبد الله بن سبأ .

    وحدث للإسلام وأهله من الفتن والبلايا العظام ما لا يعلمه إلا الله ، كقتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ، وانقسام المسلمين إلى عسكرين كبيرين، واقتتال الصحابة -رضي الله عنهم- ، ولا تزال آثار هذا الكيد في الأمة إلى يومنا هذا متمثلاً في الفرق الإسلامية المتعادية المتناحرة في بلاد العالم الإسلامي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

    وهذا الأمر –أعني: أثر كيد الأعداء في ظهور الفتن- جليُّ واضحٌ كوضوح الشمس في رابعة النهار ، وإنما أردت أن أذكر إشاراتٍ لهذا الكيد ، وأثره على الأمة الإسلامية.
    ###الفصل الثالث: طريق العزة ، والنصر على الأعداء ###
    إن الله -عزَّ وجلَّ- قد بين في كتابه ، وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- الطريق الذي تنجو به الأمة ، ويتحقق لها وعد الله بالنصر والعز والتمكين .
    أولاً: توحيد الله ، وإخلاص العمل لله ، ونبذ الشرك .

    فتوحيد الله هو أصل الأصول ، فتطبيقه ، وتجريده لله هو أساس النصر على جميع الأعداء .
    قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}.

    وقد نجى رسله بإخلاصهم وتوحيدهم لله -عزَّ وجلَّ- .

    فقد أنجى الله موسى –عليه السلام- بإخلاصه قال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً}.

    وفي قراءة : {مخلِصاً} بكسر اللام .

    ونجى الله يوسف –عليهم السلام- بإخلاصه قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}

    قال القرطبي -رحمه الله- : [وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته ، وقد كان يوسف -صلى الله عليه وسلم- بهاتين الصفتين ، لأنه كان مخلِصاً في طاعة الله تعالى ، مستخلصا لرسالة الله تعالى].

    ونجى الله الثلاثة الذي آواهم المبيت إلى غار فأطبقت عليهم صخرة فأخلصوا لله في طلبهم فكشف الله ما بهم وخرجوا من الغار .

    ونجى الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- بإخلاصه وصدق توحيده .

    وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((بشر هذه الأمة بالسناء ، والرفعة ، والنصرة ، والتمكين في الأرض ، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب)) رواه ابن حبان والحاكم وغيرهما.

    فالإخلاص شرط أساسي لحصول السناء والرفعة والعزة والتمكين في الأرض.

    لزوم جماعة المسلمين ، والسمع والطاعة لولاة الأمور ، وعدم نزع اليد من طاعة .
    فالجماعة رحمة والفرقة عذاب.

    قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة)).

    "وهذا الأمر المهمُّ ، وإن كان واجباً على المسلم في جميع أحواله إلا أنه وقتَ الفتنِ آكدُ وألزمُ لما يترتب على ذلك من سلامة فوريَّة للفرد وللأمة من هذه الفتن المضلَّة.

    وهذا الأمر أصلٌ من أصولِ أهل السنة والجماعة المجمع عليها .

    قال الطحاوي -رحمه الله- : "ونرى الجماعة حقاً وصواباً ، والفرقة زيغاً وضلالاً".

    وقال -رحمه الله-: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ، ولا ندعوا عليهم ، ولا نَنْزِعُ يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله –عزَّ وجلَّ- فريضة ، ما لم يأمروا بمعصية ، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة"ا.هـ.

    فهذه كلمات جامعة مانعة في تفسير هذا الأصل العظيم ، وبيان الواجب فيه على مذهب السلف -رحمهم الله- لا على المذاهب المخالفة الشاذةِ عن الجماعة.

    وقد بيَّن العلماء -رحمهم الله- معنى الجماعة بياناً شافياً .

    قال الطبري -رحمه الله- : "والصواب أن المراد في الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره ، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة" .

    قال الطبري: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام ، فافترق الناس أحزاباً ، فلا يتبع أحداً في الفرقة ، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك ، خشية من الوقوع في الشر".

    ويمكن أن يقال-والله أعلم-: إن النصوصَ الشرعيةَ قد دلَّت على أن الجماعة جماعتان لا تضاد بينهما :

    الأولى: الجماعة العلمية: وهم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    فالواجب على المسلم أن يلزمَ مذهبهم ، ويتقيَّدَ بفهمهم ، ولا يخالفهم في شيء من أمور الدين أبداً .

    قال ابن أبي العز -رحمه الله-: "السنة طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، والجماعة جماعة المسلمين ، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين ، فاتباعهم هدى ، وخلافهم ضلال".

    الثانية: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أميرٍ وجبَ عليهم طاعته ، وحرًمَ عليهم معصيته ، ووجب عليهم الالتزامُ بهذه الجماعة ، وعدم الخروج عنها لما في ذلك من الأمن والسلامة للفرد والأمة.

    والأدلة على وجوب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم كثيرة من الكتاب والسنة .

    قال تعالى: { واعتصموا بحبل لله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} يعني بذلك جل ثناؤه : وتعلقوا بأسباب الله جميعاً ، يريد بذلك تعالى ذكره وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به ، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم ، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق ، والتسليم لأمر الله . ثم ساق بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً} قال: الجماعة.

    ثم قال أبو جعفر: "وقوله :{ولا تفرقوا} يعني جل ثناؤه : ولا تتفرقوا عن دين الله ، وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف ، والاجتماع على طاعته ، وطاعة رسوله ، والانتهاء إلى أمره.

    ثم ساق بسنده عن قتادة قال: إنَّ الله عز وجل قد كره لكم الفرقة ، وقدَّم إليكم فيها ، وحذركموها ، ونهاكم عنها ، ورضي لكم السمع والطاعة ، والألفة والجماعة ، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم ، ولا قوة إلا بالله .
    وبسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يا أيها الناس ، عليكم بالطاعة والجماعة ، فإنهما حبل الله الذي أمر به ، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة ، هو خير مما تستحبون في الفرقة".


    وقال تعالى آمراً بالجماعة ، وناهياً عن الفرقة ، ومبيناً سوء عاقبتها على أهلها في الدنيا والآخرة : {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه}الآية.

    قال ابن كثير -رحمه الله-: "ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين ؛ في افتراقهم ، واختلافهم ، وتركهم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، مع قيام الحجة عليهم .

    ثم ذكر حديث معاوية في الافتراق وفيه: ((وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة))

    ثم قال: "وقوله: {يوم تبيض وجوه وتسوَدّ وجوه} يعني: يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة ، قاله ابن عباس -رضي الله عنهما-".

    والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وقد دلت السنَّة كذلك على ما دلَّ عليه القرآن ؛ من لزومِ الجماعةِ ، والتحذيرِ من الفرقة ، وبيان سوء عاقبتها على أهلها في الدنيا والآخرة.

    وأشهر ما يروى في ذلك حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- ، قال -رضي الله عنه-: "كان الناس يسألون رسول الله عن الخير ، وكنت أسأله عن الشرِّ مخافةَ أن يدركني ، فقلت: يا رسول الله ، إنَّا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)) قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم ، وفيه دخن)) قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يهدون بغير هديي ، تعرف منهم ، وتنكر)) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم ، دعاة على أبواب جهنم ، مَنْ أجابهم إليها قذفوه فيها)) قلت: يا رسول الله ، صفهم لنا. قال: ((هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا)) قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ، ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)).

    وفي لفظ آخر عند مسلم : ((يكون بعدي أئمة ، لا يهتدون بهداي ، ولا يستنون بسنتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس )) قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: ((تسمع ، وتطيع للأمير ، وإن ضرب ظهرك ، وأخذ مالك ، فاسمع ، وأطع)).

    فهذا الحديث العظيم –كما ترى- نصٌّ واضح في وجوب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، ولا سيما وقتَ ظهور دعاة الفتن ، فإن في الالتزام بذلك نجاة من هؤلاء الدعاة ، حتى لو كان الأئمة عندهم نقصٌ في التمسكِ بالدين .

    وفيه –كذلك- ردٌّ عظيمٌ على مَن زعمَ أنَّ مفارقة جماعة المسلمين وإمامهم وقت الفتنِ وسيلةٌ لإصلاح الأمة ، وهذا فهمٌ معكوسٌ ، منكوسٌ ، بعيدٌ كلَّ البعدِ عن مرادِ الله ورسوله ، من الحرص على جماعة المسلمين .

    قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: "قال ابن بطَّال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين ، وترك الخروج على أئمة الجور ، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنَّهم دعاة على أبواب جهنم ، ولم يقل فيهم: تعرف وتنكر ، كما قال في الأولين ، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير الحق ، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة"

    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ، ويكره ثلاثاً ، فرضي لكم أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، ويكره لكم : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال))

    قال ابن عبد البر -رحمه الله- : "وفيه الحض على الاعتصام والتمسك بحبل الله في حال اجتماع وائتلاف .

    وحبل الله في هذا الموضع ، فيه قولان:
    أحدهما : كتاب الله .
    والآخر: الجماعة ، ولا جماعة إلا بإمام .

    وهو عندي معنى متداخل متقارب ، لأنَّ كتاب الله يأمر بالألفة ، وينهى عن الفرقة ...

    غير أن هذا الحديث المراد به -والله أعلم- الجماعة على إمام يسمع له ويطاع ، فيكون ولي من لا ولي له في النكاح ، وتقديم القضاة للعقد على الأيتام ، وسائر الأحكام ، ويقيم الأعياد والجمعات ، وتؤمن به السبل ، وينتصف به المظلوم ، ويجاهد عن الأمة عدوها ، ويقسم بينها فيئها ،لأن الاختلاف والفرقة هلكة ، والجماعة نجاة .

    قال ابن المبارك -رحمه الله-:

    منه بعروته الوثقى لمن دانا ######## إن الجماعة حبلُ الله فاعتصموا

    في ديننا رحمة منه ودنيانا ######## كم يرفع الله بالسلطان مظلمة

    وكان أضعفنا نهبا لأقوانا ######## لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل

    قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده ، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة ...

    وأما الحقوق العامة ، فالناس نوعان: رعاة ، ورعية .

    فحقوق الرعاة مناصحتهم ، وحقوق الرعية لزوم جماعتهم ، فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم ، وهم لا يجتمعون على ضلالة ، بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم، واعتصامهم بحبل الله جميعاً ، فهذه الخصال تجمع أصول الدين"
    ###########################

    السادس : التمسك بغرز العلماء والالتفاف حولهم ، وعدم الخروج عن قولهم.


    العلماء هم ورثة الأنبياء وفضلهم معروف ، والآيات والأحاديث في فضلهم لا تحصى .

    كقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب}.

    وقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.

    وقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} فأوجب الرجوع إليهم للسؤال.

    وكقوله –صلى الله عليه وسلم-: ((فضل العالم على العابد فضل القمر على سائر الكواكب)) وفي لفظ: ((كفضلي على أدناكم)).

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين..)) الحديث .

    والطائفة المنصورة الناجية لابد من وجود علماء يوجهون أفرادها ويرشدونهم .

    ## والواجب على المسلمين أن يحترموا العلماء ويعرفوا لهم حقوقهم فالعلماء بمنزلة ولاة الأمر .

    وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.

    وأولوا الأمر هم العلماء والأمراء على قول جمع من العلماء.

    فإن السلاطين المسلمين يجب توليتهم ليقيموا الحدود ويحفظوا للناس أموالهم ودمائهم وأعراضهم ، ولحماية بيضة المسلمين.

    وكذلك العلماء وجودهم ضروري لتعليم الناس الدين ، وللأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولإظهار السنة ، وقمع البدعة.

    فالواجب احترام السلاطين المسلمين والعلماء السنيين وعدم الطعن فيهم والتشهير بأخطائهم حتى يحافظ على دين الإسلام ودماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.

    قال الإمام الطحاوي: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر ، وأهل الفقه والنظر : لا يذكرون إلا بالجميل. ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل]

    قال التابعي الجليل طاووس بن كيسان -رحمه الله-: [ من السنة أن يوقر أربعة: العالم ، وذو الشيبة ، والسلطان ، والوالد] رواه معمر في جامعه"11/137" بسند صحيح

    والواجب أن تبقى منْزلة السلاطين المسلمين والعلماء الربانيين في قلوب الناس محفوظة.

    لأن منْزلة السلاطين لو ذهبت من قلوب الناس : اختل الأمن ، وكثر الفساد ، وعطلت الحدود ، وانتهكت الأعراض ، وسفكت الدماء ، وأخذت الأموال.

    كذلك العلماء إذا ذهب احترامهم من قلوب الناس هان عليهم فتواهم ، واتبع الناس هواهم !

    ولأصبح الناس فوضى لا سراة لهم .

    وهذا حال كثير من الشباب الحماسيين الذين استبدلوا العلماء بالجهال!

    واستبدلوا الحق بالباطل. والله المستعان.

    وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.

    قال ابن كثير -رحمه الله- :" في هذه الآية إنكارٌ على من يبادر إلى الأمور قبل تحقُّقِها فيخبر بها ، ويفشيها ، وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة".

    فهذه الآية توجبُ التثبُّتَ والتبيُّنَ عند سماعِ الأخبار ، وتُنكِر –كما ذكر ابن كثير- على من بَادَرُ وسارَعَ في نقلها ونشرها قبل أن يتحققَ من صحتها ، وأرشدت كذلك إلى أمر آخر مهم ؛ وهو أن الأخبار إنما تنقل إلى أولي الأمر من العلماءِ والأمراءِ ، ولا تنقَلُ إلى عامَّةِ الناس لأن النقلَ إلى عامة الناس لا فائدة فيه ، وإنما الفائدة في نقله إلى أهل الحلِّ والعقدِ الذين يحسنون فهم الأمور ،واستنباط المصالح منها ، ولديهم القدرة على درء المفاسد.

    واعلم أخي في الله أن العلماء على قسمين: علماء هدى وسنة ، وعلماء ضلال وبدعة .

    فعلماء السنة هم من كانوا على ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من التمسك بالوحي ، وإخلاص العمل لله ، والبعد عن كل ما يغضب الله .

    وعلماء السنة هم الذين يجتنبون الأهواء ولا يخافون في الله لومة لائم .

    وعلماء السنة هم الذين ينشرون بين الناس السنة ويحذرونهم من البدعة .

    وعلماء السنة هم من يتمسك بالكتاب والسنة في مظهره ومدخله ومخرجه.

    وعلماء السنة يتوافق ظاهرهم مع باطنهم ، ويعملون بعلمهم.

    وعلماء السنة هم الذين يبنون فتاواهم على الكتاب والسنة وما أجمع عليه العلماء وما اقتضاه القياس الصحيح.

    وعلماء السنة هم الذين لا تتقلب فتاواهم على ما يشتهيه الناس ويرغبونه!

    وعلماء السنة هم الذين شهد لهم غيرهم من علماء أهل السنة بالعلم والهدى والسير على الصراط المستقيم.

    وعكسهم علماء البدعة والضلال .

    فعلماء الضلال والهوى: هم الذين يقدمون العقل على الكتاب والسنة .

    وعلماء الضلال هم من لا يتمسك بالكتاب والسنة في مظهره ومدخله ومخرجه.

    وعلماء الضلال هم من خالف ما كان عليه السلف الصالح في عقائدهم وأعمالهم .

    وعلماء الضلال هم الذين ينشرون البدعة بين الناس .

    وعلماء الضلال هم الذين يغررون بالشباب المسلم ويزينون لهم حضارة الغرب ، ويسعون للحوق بركب الغربيين!

    وعلماء الضلال هم الذين يتكلمون في دين الله بما لا يعلمون بل بما تسحسنه عقولهم وأهواؤهم.

    وعلماء الضلال هم الذين يبتعدون عن الكلام في العقيدة الصحيحة ويصدون الناس عن تعلم العقيدة السلفية .

    وعلماء الضلال هم الذين لا يعملون بعلمهم .

    قال ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد(ص/61) : [علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم ، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا ، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم ، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له .

    فهم في الصورة أدلاء ، وفي الحقيقة قطاع الطرق .] انتهى كلامه.

    وعلماء الضلال هم الذين ينشرون بين الناس الطرق البدعية كالطرق الصوفية.

    وعلماء الضلال هم الذين يؤيدون الأحزاب العلمانية والاشتراكية والتحريرية ويجيزون التعاون معها تعاوناً مطلقاً .

    وعلماء الضلال هم الذين يسعون في نشر رخص العلماء وإظهار ذلك للناس بمظهر الاقتداء بالعلماء!

    كم يدعو إلى "فقه التيسير" وهو في الحقيقة "فقه التسييب"!

    إلى غير ذلك من صفات علماء الضلال.
     

مشاركة هذه الصفحة