حرب الخليج الثالثة في مرآة المصالح الدولية الكبرى

الكاتب : المنصوب   المشاهدات : 461   الردود : 0    ‏2003-04-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-04-02
  1. المنصوب

    المنصوب عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-07-27
    المشاركات:
    587
    الإعجاب :
    0
    * بقلم/ برهان غليون



    تعتقد الولايات المتحدة التي تعيش منذ زوال الحرب الباردة في حلم القيادة العالمية وتتصرف بمقتضى هذه القيادة الموكلة إليها تلقائيا، أو التي تفكر أنها موكلة إليها بحكم التفوق الساحق في الدور والقوة.. أقول تعتقد أنها لا تقوم -عندما تعد للحرب على العراق- بشيء آخر سوى تنفيذ إستراتيجية تضمن تفوق الغرب وانتصاره في جميع المعارك التي لا يزال يواجهها مع العالم العربي والإسلامي.

    الرؤية الأميركية للحرب

    يعجز الأميركيون عن فهم الموقف الأوروبي والفرنسي بشكل خاص لأنهم يعتقدون أن سياستهم تقوم على خدمة الأهداف الغربية الإستراتيجية، ولهذا يرون الموقف الفرنسي موقف مناكفة وتخريب

    وأولى هذه المعارك التي تعكس التناقض في المصالح هي من دون شك السيطرة على الاحتياطات النفطية التي تقع بالصدفة الجغرافية المحضة في البقاع العربية والخليجية منها بشكل خاص. ومن غير الممكن ولا المقبول -كما يعتقد الأميركيون- ترك هذه المصادر التي تشكل أهم مورد للطاقة العضوية في العقود القادمة تحت تصرف العرب وهم مجتمعات غير صناعية ومتأخرة في الثقافة والعقلية، وأهم من ذلك أنهم معادون للحضارة والثقافة الغربية. بل ولا يسمح لهم بالتحكم في تجارتها واستخدام مكافآتها الإستراتيجية.

    وثانية هذه المعارك وميادين المواجهة القائمة بشكل حاد منذ أكثر من نصف قرن هي المعركة على توطين إسرائيل بصورة شرعية ونهائية، أي -في الواقع وفي المنظورات الغربية- إيجاد حل مقبول وأخلاقي من وجهة نظر الغرب للمسألة اليهودية التي كانت وراء أكبر سقطة أخلاقية عرفتها المجتمعات الغربية الحديثة.

    وثالثة هذه المعارك هي ما أسميه بالحرب الثقافية التي لا تهدف في تصور الغرب إلى شيء آخر في الواقع سوى التغلب النهائي على مشاعر العداء الفكري والروحي المستمر التي يكنها العرب والمسلمون لهم وللحضارة الغربية، وما يفرزه هذا العداء من حركات معارضة واحتجاج تحولت في العقدين الأخيرين إلى حركات "إرهاب" دولية. فالولايات المتحدة مثلها مثل بقية المجتمعات الغربية تعتقد أن الإرهاب الدولي الذي تعرضت له في سبتمبر/ أيلول 2001 ليس إلا تعبيرا عن العداء الثقافي الذي يكنه العرب والمسلمون للغرب، فلم يكن بسبب سياسات الغرب العملية وإنما بسبب طبيعة الثقافة العربية والإسلامية التعصبية الدينية والقروسطوية العدوانية.

    ولعل هذا الاعتقاد القوي بأن الولايات المتحدة لا تقوم في النهاية إلا بخدمة هذه الأهداف الغربية الإستراتيجية هو الذي يفسر عجز الأميركيين عن فهم الموقف الأوروبي والفرنسي بشكل خاص، وهو الذي يدفعهم إلى النظر إليه كما لو كان موقف مناكفة وتخريب لا باعث له سوى حب الزعامة والصدارة الفرنسية. فالأوروبيون لا يدافعون في نظر الأميركيين عن إستراتيجية مختلفة لمواجهة النزاعات المعترف بها، إستراتيجية لها منطقها والحد الأدنى من العقلانية، ولكنهم يسعون فحسب إلى التخريب على الإستراتيجية الأميركية الوحيدة الصحيحة والموجودة، بسبب غرورهم ورفضهم القيادة الأميركية أو بسبب حساسيتهم تجاه الاعتراف بهذه القيادة.

    وعندما يصر الأميركيون على أن الحرب ستقوم بصرف النظر عن قرار مجلس الأمن وسواء وافقت أوروبا أو لا، فهم يعتقدون أيضا أنهم في هذه الدائرة بالذات -أي في دائرة مجلس الأمن- لا تتعلق المسألة بخوض معركة الغرب ضد العالم العربي والإسلامي المتمرد عليه، ولكنهم يخوضون معركة القيادة الأميركية بالمعنى المحدد للكلمة. وهم مستعدون في سبيل تأكيد هذه القيادة لدفع كل الأثمان بما في ذلك تكسير التحالف الغربي أو التهديد بتكسيره وربما تحطيم الحلف الأطلسي نفسه.

    فما الخطأ -كما يعتقد الأميركيون- في انتزاع حق التحكم بمصادر الطاقة الدولية من أيدي الدول العربية، وهي مصادر يتوقف عليها مصير الغرب الصناعي كله في حين لا يحتاجها العرب إلا في سبيل البذخ وتكديس السلاح وتدعيم أنظمة القمع والاضطهاد وفي تمويل الإرهاب العالمي؟

    وما الخطأ في حرب تزيل أكبر الأنظمة السياسية استبدادا وجورا واستبداله بنظام ديمقراطي تحت إشراف الإدارة الأميركية وكذلك في تغيير الأنظمة العربية القروسطوية الأخرى بما ينسجم مع معايير الحياة السياسية العصرية؟

    وما هو الخطأ في أن تعزز الحرب موقف إسرائيل وتضمن تفوقها والحفاظ على أمنها واستقرارها وازدهارها في مواجهة عالم عربي وإسلامي بقي معاديا لها وغير قابل بوجودها على أراضيه بسبب اختلافها في الهوية وارتباطها بالغرب؟

    وما الخطأ في حرب تظهر قوة الغرب وتصميمه وإرادته وتفوقه التقني في وجه عالم عربي وإسلامي لا يكف عن الاعتراض والتشكي والاحتجاج، وبالتالي يتم قطع طريق الإرهاب وتجفيف ينابيعه في مصدره الأصلي؟

    يعتقد الرأي العام الأميركي أن الولايات المتحدة لا تخوض حربا خاصة وإنما هي تقود الحرب المشتركة ضد مصادر الخطر المتعددة التي يواجهها الغرب والدول الصناعية عموما في بداية القرن الثالث. وربما كان العامل الذي فت بشكل أكبر في عضد القرار الأميركي بالحرب وزعزع إرادة الإدارة الأميركية القارعة لطبولها، هو التظاهرات الهائلة التي قامت في الدول الأوروبية وبشكل خاص في تلك الدول التي أعلنت تأييدها للخطط الأميركية في روما ومدريد وبريطانيا.

    فقد جاءت هذه التظاهرات لتصدم الوعي الأميركي الذي كان يعتقد بقوة أنه يعمل لصالح الغرب، وأنه حتى لو وقف بعض القادة الغربيين ضد السياسة الأميركية لمصالح انتهازية سياسية فإن الرأي العام الغربي متطابق تماما مع أهداف الإستراتيجية الأميركية.

    ومما يزيد من صدمة الأميركيين ما بدأت بعض الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن تعلن عنه من احتمال استخدامها لحق النقض من أجل منع الولايات المتحدة من إضفاء الشرعية القانونية على حربها الشرق أوسطية. فلم يكن يخطر للحظة في ذهن القيادة الأميركية مثلا أن من الممكن لدولة غربية -ومن باب أولى لدولة لها حق النقض في مجلس الأمن مثل فرنسا- أن تقف موقفا معارضا لها وأن تهدد أكثر من ذلك باحتمال استخدام هذا الحق لمنعها من تحقيق أهدافها. وهذا هو الوضع الجديد الذي نشأ مع تطور عملية الإعداد السياسي للحرب وأصبح يفرض على الصحافة والمراقبين السياسيين الحديث عن أخطاء ارتكبت من قبل القيادة الأميركية في هذه المسألة.

    لكن التفكير بالأخطاء التي ارتكبت لا يمنع من إظهار الموقف الفرنسي في مرآة الرأي العام الأميركي بمظهر الخيانة للحلف الغربي بأجمعه. وليس هناك أمل للتساهل معه أو صرف النظر عنه. ومنذ الآن يبدو أن فرنسا ذهبت في نظر الأميركيين بعيدا في تحديها للإرادة الأميركية. وما لم تضع باريس حدا لسياساتها التخريبية وترجع إلى الواقع والحقيقة وتمتنع عن استخدام حق النقض، فسيكون عليها أن تدفع الثمن غاليا في جميع الميادين وستكون أوروبا نفسها في دائرة التهديد الأميركي.

    ليس هذا هو منظور الحرب في مرآة الرأي العام الأوروبي الذي تظاهر بقوة وبأعداد غير مسبوقة تعبيرا عن رفضه للحرب والذي تقول استقصاءات الرأي العام أن 80% منه لا يريد الحرب. ولعل أهم ما يثير حساسية الأوروبيين واحتجاجهم هو بالضبط هذا الدور القيادي الذي اختارته الإدارة الأميركية بنفسها لنفسها، والتفسير الخاص جدا لمفهوم هذه القيادة التي تبدو في الممارسة أقرب إلى فرض الأمر الواقع وطلب الإذعان، منه إلى التعبير عن إرادة واعية في بلورة جدول أعمال واحد والقيام بمبادرات مشتركة.

    الرؤية الأوروبية للحرب

    الأوروبيون: الحرب الأميركية الثانية على العراق محاولة للانفراد بالسلطة والسيادة العالمية وفرض نموذج نظام القطبية الأحادية بدل نظام التعددية القطبية

    يرى الأوروبيون في الحرب الأميركية الثانية على العراق محاولة لتأكيد إرادة الانفراد بالسلطة والسيادة العالمية من قبل الولايات المتحدة وبالتالي لفرض نموذج نظام القطبية الأحادية بدل نظام التعددية القطبية، أكثر مما يرون فيها وسيلة لكف يد العرب عن التلاعب بمصادر الطاقة الدولية أو تأمين إسرائيل على سلامتها وحسم المسألة اليهودية أو تغيير المناخ السياسي والعقائدي والديني السائد في المنطقة العربية الإسلامية وإزالة العداء التاريخي المستفحل عند العرب والمسلمين للغرب.

    لا بل إن الأوروبيين يرون أن ما يبدو وكأنه حسم لمعركة النفط لصالح الغرب والدول الصناعية، ليس في الواقع سوى حسم لها لصالح سيطرة الولايات المتحدة المنفرد بأهم مصادر الطاقة العالمية وتحكمها بها لاستخدامها في الضغط على الدول والتكتلات الدولية وإجبارها على تقديم تنازلات تجارية وإستراتيجية لواشنطن.

    وبالمثل فإن حل الصراع العربي الإسرائيلي لصالح إسرائيل كبرى متوسعة جغرافيا ومتفوقة بشكل حاسم عسكريا على جميع دول المنطقة، لا يهدف إلا إلى إلحاق إسرائيل وقوتها العسكرية كليا بالمخططات الأميركية وإلى جعلها أسيرة الإستراتيجيات التي لا تخدم سوى مصالح الإدارات الأميركية.

    أما تغيير الأنظمة السياسية والثقافية والدينية في المنطقة العربية لصالح أنظمة أكثر انسجاما مع حاجات التفاهم مع الغرب والخضوع له، فهو يدل على جهل بالوقائع الشرق أوسطية يدفع الأميركيين إلى التفكير بتعميم نموذج الغرب في البلاد العربية والإسلامية. ولا يمكن لمثل هذا المشروع إلا أن يفشل، ولن تكون له نتائج أخرى غير زعزعة استقرار المنطقة بأكثر مما هي عليه اليوم، وبالتالي زيادة المخاطر التي تتعرض لها وستتعرض لها أوروبا القريبة من الحدود العربية.

    ما هي الرؤية الحقيقية؟

    التفاوت بين مواقف الأوروبيين والأميركان في هذا المجال يشبه تماما التفاوت بين موقف الإسرائيليين العماليين والإسرائيليين الليكوديين في فلسطين

    الحقيقة أن الطرفين على حق تماما، لكن كل من وجهة نظر مصالحه الخاصة. فالولايات المتحدة تهدف من الحرب على العراق إلى تغيير الواقع العربي والإسلامي بما ينسجم مع حاجات وتوقعات الغرب من حيث المصالح الاقتصادية والإستراتيجية والثقافية والسياسية. فإعادة العالم العربي والإسلامي إلى وزنه الحقيقي وتأكيد وضعه الطبيعي كمنطقة نفوذ غربية في مواجهة الأزمة المفتوحة التي يعيشها والتي لا يعرف أحد عما يمكن أن تسفر عنه إذا استمرت من دون حسم، مع تزايد مطالب الاستقلال عن الغرب والتحرر من سطوته الفكرية والسياسية. وهي في ذلك تخدم التحالف الغربي بأكمله ولا تسعى لخدمة المصالح الأميركية المحضة.

    لا بل إن هناك من يعتقد من الأميركيين عن حق أن الولايات المتحدة تأخذ على عاتقها مخاطر كبيرة في هذه الحرب وتسعى فيها إلى تحقيق مصالح غربية أكثر مما يمكن أن تنتزع فيها من مكاسب قومية مادية أو معنوية. وهي تستحق في سبيل ذلك شيئا آخر غير التخريب والانتقاد من قبل الغربيين ومن لف لفهم من أبناء البلاد العربية والإسلامية العقلانيين.

    وأوروبا الاستقلالية على حق أيضا عندما ترى في الإستراتيجية الأميركية المتحمسة لاستخدام القوة -والمستعجلة عليها- وسيلة لانتزاع مصالح إستراتيجية أساسية تتعدى بكثير المخاطر التي تعرض نفسها لها في معرض مواجهتها للعداوات ونزعات التحرر والاستقلال العربية والإسلامية.

    وباستثناء الموقف الألماني الذي كان واضحا في تأكيده رفض الحرب بإطلاق لصالح الحل السياسي، ليس هناك أي اعتراض من قبل أي عاصمة غربية على تحقيق أهداف الإستراتيجية الأميركية ولا حتى على الحرب كوسيلة للحصول عليها. إن الاعتراض الرئيسي يتركز على أسلوب الولايات المتحدة في اتخاذ قرار الحرب والذي لا تراعي فيه سوى مصالح قومية، فهي لا تتشاور مع حلفائها ولا تتعاون معهم ولكنها تملي عليهم قراراتها وتطلب منهم الالتحاق بما قرره مستشارو الأمن القومي الأميركي ودوائره الضيقة.

    وأوروبا الفرنسية تقول نحن مع الولايات المتحدة لكننا لسنا مع أسلوب إدارتها للحرب في جبهاتها المختلفة. ولدينا أفكار حول هذه الإدارة تعكس تجربتنا التاريخية وتضمن بشكل أكبر تحقيق الأهداف المشتركة. فلا يضمن تحطيم النظام العراقي ولا الأنظمة العربية الأخرى السيطرة المطلوبة على احتياطيات النفط، ولكنه يمكن أن يفتح الباب أمام الفوضى والنزاعات التي لا تنتهي ولا يمكن بهذه الطريقة التوصل إلى أي استقرار في المنطقة.

    كما لا يقود تدمير القيادة الفلسطينية وإطلاق يد اليمين القومي الإسرائيلي في فلسطين إلى ضمان الأمن والسلام لإسرائيل وإغلاق ملف المسألة اليهودية، ولكنه يمكن أن يؤدي إلى تفسخ أكبر للموقف يشجع على تغذية حركات التعصب الدينية والإرهابية. ولا يمكن لعملية تغيير الأنظمة العربية بالقوة أن تقود إلى شيء آخر سوى زعزعة الاستقرار وتعريض النفوذ الغربي في المنطقة إلى مخاطر غير منظورة ولا متوقعة.

    باختصار إن الأوروبيين لا يعترضون على التحليل الأميركي ولكن على العلاج الذي يقدمه الأميركيون للمريض. وهم يعتقدون أن الأميركيين غير مؤهلين لمعرفة التعامل مع العرب ولا التفاهم معهم. والواقع أن التفاوت بين مواقف الأوروبيين والأميركيين في هذا المجال يشبه تماما التفاوت بين موقف الإسرائيليين العماليين والإسرائيليين الليكوديين في فلسطين.

    وليس من الصدفة أن يميل الأميركيون مثلهم مثل الليكوديين اليمينيين إلى لغة القوة، فهي الورقة الرابحة في المعادلة الأوروبية الأميركية. وفي موقف استخدام القوة فقط يمكن للأميركيين إظهار تميزهم وقدراتهم الحقيقية النسبية وفرض قيادتهم التاريخية على التحالف الغربي. وبالعكس تماما لا يمكن للأوروبيين أن يراهنوا في هذه المعادلة نفسها لتأكيد وجودهم ومركزهم على شيء آخر سوى معرفتهم الأوثق بالمنطقة وعلاقاتهم التاريخية بها وقربهم منها، أي على ما يملكونه من رصيد علاقات مع النخب السياسية والثقافية والتجارية لربح المناورة السياسية.

    أين العرب من كل ذلك؟

    تفكك العالم العربي يمنعه من بلورة إستراتيجية خاصة، والانفصام بين المجتمع والسلطة يحول دون بناء أي سياسة خارجية

    بقدر ما يفتقر العرب إلى رؤية للمصالح القومية أو المشتركة وإلى سياسة عملية لضمان هذه المصالح، فإنه من الصعب أن ننتظر منهم رد فعل مشتركا أو إستراتيجية عربية تشبه من أي وجه الإستراتيجيات الدولية المتنافسة. وهذا هو الذي يجعلهم موضوع صراع وتنافس بين الأطراف الدولية من دون أن يكونوا هم أنفسهم طرفا ولا فاعلا من أي نوع كان. ومن الوهم أن يتصور الرأي العام العربي الذي يشكو غياب الدول والجامعة العربية في هذه المواجهة التي تضعهم في مركز الأحداث وتهدد مصالحهم الحيوية، إمكانية بلورة مثل هذه الإستراتيجية، في حين أنه لا يوجد في الوقت الراهن أي أساس عملي، أو لم يعمل العرب على إيجاد أي أرضية ناجعة تسمح لهم بأن يتصرفوا كطرف واحد أو كوعي وإرادة مشتركين.

    أما في ما يتعلق بالأطراف العربية القطرية أو الوطنية فالمصالح تتفاوت هنا من الضد إلى الضد، فإذا كانت بعض دول المنطقة تنزع بشكل أكبر لمقاومة نزعة الرضوخ لحاجات الإستراتيجية الأميركية الإقليمية ووضع نفسها بصورة تلقائية في خدمتها، فإن دولا أخرى تعتقد أن وجودها نفسه مرهون بتعلقها بهذه الإستراتيجية وانخراطها فيها. فسلوكهم تجاه إستراتيجيات الدول الكبرى المتنافسة لا يختلف عموما عن سلوك أغلب أفراد الأقلية العربية في إسرائيل تجاه الحزبين الصهيونيين القويين، وهو التردد بين بيع أصواتهم للولايات المتحدة أو للاتحاد الأوروبي.

    لكن لا ينبغي أن نخدع أيضا بالمظاهر وبالخطابات الموجهة للرأي العام، ففي داخل الدول العربية التي تبدو أقل ميلا كما ذكرنا للانصياع للإرادة الأميركية، ينبغي التمييز بين سلوك بعض الأوساط السياسية والإعلامية التي تعيش في فلكها الخاص -مستقلة عن حقائق السلطة الفعلية- وسلوك الأجهزة الأمنية والعسكرية الحاكمة فعلا والتي لا يمنعها الكلام السياسي المختلف من الاستمرار في التنسيق الوثيق مع الإدارة الأميركية.

    ومن هنا، إذا كان تفكك العالم العربي يمنعه من بلورة إستراتيجية خاصة تعدل من أثر الإستراتيجيات الدولية المتنافسة في المنطقة، فإن هشاشة الدول وضعفها وتناقضاتها الداخلية -وبشكل خاص الانفصام الذي يسود فيها بين المجتمع والسلطة- يجعل من المستحيل عليها بناء أي سياسة خارجية مستقلة ومتسقة.

    ولذلك فإنه لم تنجح أي دولة عربية في طرح نفسها كطرف فاعل في الصراع الراهن ولم تعوض بسياستها الوطنية الواضحة والقوية عن انعدام الإستراتيجية العربية الموحدة. وكل ذلك يفسر غياب الموقف العربي غيابا كاملا عن المشهد الراهن عشية حرب سوف تقرر -أكثر من أي حرب أخرى- مصير المنطقة برمتها، كما يفسر أن العالم العربي ينتظر -كشأن أي دولة صغيرة بعيدة- نتائج المواجهة الأوروبية الأميركية على اقتسام موارده وتحديد مناطق النفوذ فيه.

    الحقيقة المرة

    الحرب الراهنة: نشيد الوداع الأليم لأسوأ نظام أو نموذج نظام مجتمعي وسياسي عرفه مجتمع حديث

    لكن الحقيقة المرة التي تكمن وراء هذا العجز العربي الشامل، وفي ما وراء الخلاف الشكلي بين الأميركيين والأوروبيين والتي سيتحتم على العرب تجرعها في الأيام القادمة، هي أن هناك إجماعا غربيا ودوليا أيضا على أن إفلاس النخب العربية في إدارة المنطقة وتسييرها وغياب البدائل المقنعة للنظم الحاكمة، لا يترك للعالم خيارا غير القبول بما سيصبح في القريب فكرة سائدة مقبولة، أي وضع البلدان العربية بصورة أو بأخرى تحت الوصاية الدولية، بل والعودة إلى حكمها بالوسائل الاستعمارية التقليدية.

    فلم يمر تأكيد الأميركيين أكثر من مرة رغبتهم في تعيين حاكم عسكري أميركي للعراق من دون أن يثير أي احتجاج بل استغراب من قبل الأوروبيين بل والعرب أيضا فحسب، ولكن الرأي العام الدولي نظر إليه على أنه تعبير عن جدية الأميركيين والتزامهم الأخلاقي والسياسي بالحفاظ على الأمن والسلام والنظام ووحدة العراق الإقليمية. لقد بدا هذا القرار للجميع باعتباره وعدا من قبل الأميركيين بالاهتمام بالعراق وعدم تركه لمصيره بعد زوال النظام القائم، ولم يلتفت أحد إلى ما ينطوي عليه من عودة سافرة لسياسات القرن التاسع عشر الاستعمارية.

    ليس من المبالغة القول إن هذه الحرب التي تسعى إلى أن تلخص في معركة واحدة حروبا ثلاثة مترابطة وتحسمها معا، ستكون في الأصل أكبر هزة سياسية وفكرية ونفسية يتعرض لها العالم العربي منذ الهزة الاستعمارية الأولى. ولن تكون نتائج هذه الهزة مختلفة كثيرا عن أي هزة أرضية، أي الدمار والموت المعممين لفترة غير محدودة كما هو الحال في فلسطين.

    وسيكون ذلك نشيد الوداع الأليم لأسوأ نظام أو نموذج نظام مجتمعي وسياسي عرفه مجتمع حديث وبيان فساده وعهره وانهياره في الوقت نفسه. وعلى الأجيال الجديدة من السياسيين والمثقفين والأطر التقنية والعلمية، ستقع مهمة إعادة الإعمار الكبيرة في جميع المجالات وفي مقدمها مجال الحياة الوطنية السياسية والمدنية.
    _____________
     

مشاركة هذه الصفحة