فليبارك الله أمريكا وليذهب العالم إلى الجحيم

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 418   الردود : 0    ‏2003-03-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-29
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    فليبارك الله أمريكا وليذهب العالم إلى الجحيم

    2003/03/27
    ميساء شجاع الدين **





    "فليبارك الله أمريكا".. هكذا اختتم الرئيس الأمريكي جورج بوش خطابه الأخير قبل الحرب حين وجه إنذارا للرئيس صدام حسين وأولاده بالرحيل أو الحرب، ولقد بدت هذه الجملة القدسية مثيرة في وسط خطاب يعد بمثابة إعلان حرب .

    لكن هذا الأمر قد لا يبدو مستغربا إذ كثيرا ما لاحظ المراقبون والمحللون كثرة استخدام جورج بوش للمصطلحات الدينية في خطاباته المتعددة التي ترجع لشخصية جورج بوش التي تؤمن بالمسيحية اليمينية الإنجيلية، والتي تعتمد مبادئها بشكل كبير على فكرة نهاية العالم والمعركة الكبرى بين الخير والشر التي سوف تدور في فلسطين، ويعقبها نزول المسيح من جديد، وهو ما لا ينفي مناهضة كثير من المسيحيين المتدينين للحرب، حيث تصل نسبة المنتمين إلى الكنائس المختلفة في الحركة العالمية ضد الحرب إلى الثلث، بما يعني وجود اختلافات عديدة من الواقفين على أرضية دينية واحدة، فلا يمكن التعميم الذي يخل بإمكانية التعاون مع النصراء والمتحالفين مع الحق والعدل من مختلف الشعوب والأديان .

    محور الخير ومحور الشر

    استخدام الرئيس الأمريكي بوش للديباجات والدلالات الدينية ظهر منذ بدء حملته الانتخابية حين أشار إلى أنه يعتبر السيد المسيح عليه السلام فيلسوفه السياسي المفضل، وحين انعقد المؤتمر القومي للحزب الجمهوري لاختيار جورج بوش مرشحا عن الحزب في الحملة الانتخابية، افتتحت الجلسة بنشيد المسيح، ودعا بوش ابن القس جراهام بيل ليبارك الحضور بصلاة البركة.

    كما ذكر أثناء حملته الانتخابية أنه يبدأ يومه بقراءة الكتاب المقدس الذي يشمل الإنجيل والتوراة العبرانية، وأنه معجب بكتاب للقسيس أوزوالد شامبرز الذي توفي في مصر عام 1917 حيث كان يعظ الجنود البريطانيين والأستراليين لمواصلة الزحف نحو القدس لتحريرها من المسلمين.

    ولقد ازدادت حدة المدلولات الدينية في خطاب بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث اعتبر قيادته للبلاد في هذا الوقت أمرا إلهيا واختيارا ربانيا.

    وإذا كان انتخابه اختيارا ربانيا فليس من العجب إذن أن يرد على لسان الرئيس الأمريكي عبارات على شاكلة "محور الخير ومحور الشر"، وانسياقا مع هذا التقسيم المبسط للعالم لطرفي نقيض وأمريكا بالتأكيد تمسك بالطرف الخير، وفيما عدا ذلك فهو شر كما صرح عقب الأحداث مباشرة "من ليس معنا فهو ضدنا" -فالمعركة إذن مقدسة، ولا تحتمل أنصاف الحلول كما تؤكد على ذلك مقولته: "لطالما كانت الحرية والخوف، العدالة والظلم في حالة حرب، والرب لا يقف في الحياد بهذه الحالة". ويدعو جورج بوش الحضور في ذات الخطاب إلى التضرع إلى الله عساه يمنحنا الحكمة الواجبة للقيام بهذه المهمة المقدسة، ولقد تحدث مؤخرا لأحد المذيعين قائلا: "إن الإرهابيين يكرهوننا لأننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة" ليبدو واضحا فيما يقوله البعد الديني لحربه على الإرهاب؛ فالمسألة لا تتوقف عنده على مجرد الأمن الأمريكي بل تتجاوزه لخلاف عقائدي يشمل الجميع.

    وانطلاقا من حب بوش الدائم لإضفاء البعد الديني والأخلاقي على خطاباته يفضل استخدام كلمة الحرية على الديمقراطية خاصة فيما يتعلق بقضية العراق، ولهذه الكلمة مدلول مهم في المسيحية التبشيرية حيث تعني حرية اكتشاف الرب مما يتناسب مع شخصية بوش الذي تصفه مجلة النيوزويك الأمريكية بأنه من المسيحيين الذين ولدوا من جديد، كما يروق التعبير لمؤيدي بوش الإنجيليين الذين لا يخفون رغبتهم بأن تكون الحرب القادمة على العراق فاتحة لنشر المسيحية هناك.

    أمريكيون: الأوروبيون حولوا الكنائس لمقاهٍ





    لطالما كانت الحضارة الغربية بمبادئها العلمانية هي القاسم المشترك الأكبر بين الولايات المتحدة وأوروبا لكن لا يبدو الأمر كذلك الآن كما بدا واضحا عند اختلاف الطرفين حول قضية العراق.

    ففي تقرير خاص نشرته مجلة النيوزويك الأمريكية حول الانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا حول العراق، افتتحت المجلة هذا التقرير بقولها: "إن الهوة التي برزت بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم تتعلق بالقيم والدين والتاريخ بقدر ما تتعلق بالعراق، وهذا ربما يجعل ردمها أكثر صعوبة"، ثم يسير التقرير بذكر الخلافات السياسية بين الطرفين دون نسيان تبطينه بجانب ديني حيث تعرض فيه صور تعلق عليها بأن الأوروبيين مجرد ناس إباحيين يتناسون التضحيات الأمريكية من أجلهم، وتعليق آخر: "الأوروبيون الذين يولدون من أتباع ديانة معينة ولديهم الحرية في التخلي عن هذه الديانة، حولوا الكنائس إلى مقاه". ويشير التقرير في وسطه لإحصائيات تؤكد أن أمريكا على عكس ما هو سائد في العالم؛ حيث إنه كلما ارتفع المستوى الاقتصادي للدول انخفضت فيه نسبة التدين، فالأمريكيون أقرب لتدين الإندونيسيين والهنود والباكستانيين من الأوروبيين واليابانيين وغيرهم من الدول التي تنخفض فيها بشدة نسبة المؤمنين بالله؛ وبذا نقلت الحرب من الساحة الدبلوماسية إلى الجدل الديني.

    ومن المثير أيضا معرفة أن المجلة ألحقت التقرير بمقال عنوانه: "أمة يوحدها الإيمان" تستهله بالقول: "من بين كل سماتها القومية ربما كان تدين أمريكا هو الأكثر مدعاة للحيرة والغضب بالنسبة إلى بقية العالم.. فمن أين يأتي هذا التدين ؟ ولماذا يتصور الأمريكيون أنهم على صواب؟" ويركز الكاتب في المقال على ذكر نماذج التدين الشائعة بين الأمريكيين العاديين وربط تدينهم بمواقفهم المؤيدة للحرب على العراق.

    من المثير للدهشة فعلا في دولة يؤكد دستورها على علمانيتها تذكر فيها المجلة التالي:

    "عندما يتصل الأمر بالصواب والخطأ، يشخص الأمريكيون بأعينهم إلى السماء بطريق تحير عددا كبيرا من بقية العالم، خصوصا الأوروبيين. ويقول معظم الأمريكيين إن الدين يشكل حياتهم، ومن الواضح أنه يشكل السياسة . ويشير استطلاع للرأي إلى أن الذين يذهبون إلى الكنائس يرجحون بشكل كبير التصويت للجمهوريين، ومن المعروف جيدا أن اليمين الديني هو القاعدة السياسية لإدارة بوش . والرئيس نفسه يبدو أحيانا كأنه قائد البلاد من المنبر الديني".

    أوروبا الجاحدة تسخر من أمريكا

    وفي ذات التقرير، تعرج المجلة على ذكر التضحيات الأمريكية في الحرب العالمية من أجل أوروبا قائلة: "تقف الصلبان شاهدا على الحروب التي اندلعت عبر أرجاء أوروبا في القرن الماضي، كما تقف شاهدا على دماء الأمريكيين الذين فقدوا أرواحهم في تلك الحروب". وتضيف بلهجة أشد قسوة: "وفي هذه الأيام يتساءل الناس عن السبب الذي جعل الكثير من الأوروبيين يفقدون ذاكرتهم، فالأمريكيون يشعرون هذه الأيام بأنهم تحت التهديد. فهم على وشك الدخول في حرب ضد نظام صدام حسين الدموي في العراق، وحينما ينظرون إلى حلفائهم القدامى وبالأخص الفرنسيين فإن كل ما يرونه هو مجموعة من الدبلوماسيين الخونة -الذين أطلق عليهم تعبير (محور المكر)- يحاولون التملص من أي التزام محفوف بالمخاطر".

    فإذن ليس من العجب أن تنشر صحيفة النيويورك بوست صورة على صدر صفحتها الأولى تظهر فيها الصلبان الموجودة في المقبرة الحربية الأمريكية، وجاء في العنوان: "التضحية: لقد ماتوا من أجل فرنسا ولكن فرنسا نسيت ذلك".

    وإذا كان هذا هو الحال في الولايات المتحدة فالوضع مختلف عند الجانب الآخر من الأطلنطي؛ فأوروبا لا تكف عن إعلان شعورها بالاحتقار لثقافة الكاوبوي الأمريكية، كما يوضح ذلك وزير خارجية أسبانيا بالرغم من كونها أحد الدول المتحالفة في الحرب الأمريكية، فإن هذا لم يمنعه من القول: "إن زعماء أوروبا يترفعون عن التعامل مع رؤساء الولايات المتحدة خاصة أولئك القادمين من تكساس" في إشارة واضحة لبوش القادم من تكساس.

    وفي مقال نشره موقع الـ"بي بي سي" يتحدث فيه الكاتب عن روتينية أداء الصلاة في الإدارة الأمريكية مما يعد أمرا نادرا في بريطانيا، ويمتد هذا التدين ليشمل جزءا كبيرا من الأمريكيين العاديين الذين يعتقد 86% منهم في الآخرة والله و76% يؤمنون بالشيطان والجحيم. وينعكس هذا الإيمان على نظرتهم للقضايا السياسية وبأنهم يخوضون معركة الخير؛ لذا لا يبدو الوجل نهائيا على بوش كما يبدو على بلير لثقته الكاملة بأنها حرب إلهية سيتحقق النصر فيها لأمريكا بالتأكيد، ويضيف الكاتب متهكما: "كيف تقضي عاملة البريد وقتا طويلا في الصلاة إيمانا منها أن هذا قد يساعد ابنتها على الشفاء؟".

    التوسع الإمبراطوري المقدس

    إضفاء طابع القدسية على القضايا السياسية غريب على أوروبا الهاربة من اضطهاد الكنيسة واعتياديا لأمريكا التي ضمن من أسسوها بعض الهاربين الذين يسعون لممارسة عقائدهم بحرية أكبر، ويشهد على ذلك أحد المداخلات الشهيرة التي تمت أثناء مناقشة الكونجرس لضرورة التوسع الأمريكي إلى ما وراء البحار وذلك في عام 1898، ليخطب ألبرت بيفردج عضو المجلس عن ولاية فرجينييا ورد فيها قوله: "إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها، وأما تلك التي لا تستطيع فإن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا إلى قيادتها إلى النموذج الأمريكي في الحياة لأنه نموذج الحق مع الشرف".

    ويبدو أن الولايات المتحدة اعتادت منذ ذلك الحين على تعبيرات مثل "واجب شرف" و"مهمة مقدسة" و"حتمية ضرورية" تفصل وتطرز كساء لمطالب القوة الأمريكية كما يذكر ذلك المؤرخ جورج كينان.

    وتزايدت حدة هذه التعبيرات مع صعود اليمين المسيحي المتطرف على الحكم، خاصة أنه أصبح معتنقو هذا الاتجاه يمثلون 25% من القاعدة التصويتية في الولايات المتحدة، واشتد الأمر بعد أحداث سبتمبر لتصبح حربهم ضد العراق مقدسة لا بد أن يحالفهم النصر فيها؛ لذا لا مجال للمعارضة والنقاش وليذهب العالم إلى الجحيم؛ فأمريكا يباركها الرب.
     

مشاركة هذه الصفحة