المنبطحون أرضا ً !

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 465   الردود : 0    ‏2003-03-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-22
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    خليق بكل عربي ومسلم أن يشعر بالمهانة والمذلة, وهو يري الحكومات العربية منبطحة أمام الأمريكان, بشكل يدعو للأسى والعار, وهي ذاتها الحكومات التي تفترس شعوبها, حتى يكاد المرء يتصور أنها علي كل شئ قدير, لكنها أمام بوش تبدو ذليلة لا تقوي علي شئ, ولا تملك في مواجهته حولا ولا طولا, ولا تستطيع أن تقل له ولو كلمة: "أف"، حتى أصبح من يحاول ان يدافع عن كرامته او يتحدث عنها, مجنون لا يعرف روح العصر الذي نعيش فيه, و متهور يريد ان يذهب الي حتفه بقدميه, وليس هذا فحسب, وانما يريد ان يؤخذ هؤلاء العقلاء معه في الرجلين!

    حتى اصبح صوت العقل داعيا الي الخنوع ومحرضا علي الانبطاح, ورأينا حكوماتنا الباسلة قد اجتمعت في نفس واحد وبدون خجل او وجل، تدعو الرئيس العراقي الي الاستسلام وترك الحكم والتوقف عن الجنون الذي يتمثل في إعلان المواجهة, والدفاع عن الكرامة, فهذا ليس زمان الكرامة والشجاعة, وانما هو زمن الانبطاح أرضا, والسعي الي جلب الرضا الأمريكي الذي لا يعادله رضا شيء في الأرض ولا في السماء، بما في ذلك رضا الله ورضا الوالدين!

    لقد قررت الولايات المتحدة الأمريكية عبر مجلس الأمن عودة لجان التفتيش بلا قيد او شرط, وعندما تلعثم النظام العراقي وهو يقبلها, وظل في حالة التلعثم هذه بضعة ايام, انطلق عقلاء الأمة ممثلين في حكامها يدعونه الي القبول, حتى يفوت الفرصة علي الأمريكان في شن الحرب علي بلاده, وكان أي معتوه يعلم ان بوش لو قرر ان يحارب فلن يمنعه خضوعا او قبولا لمثل هذا القرار. وقد كان كل امل هؤلاء العقلاء ان يركب صدام حسين رأسه ويرفضه, لانهم وقتها كانوا يعلمون ان الحرب قادمة لا ريب فيها, وإذا قامت وهو رافضا للقرار الدولي, فانهم يكونوا بنصائحهم قد أدوا كل الذي عليهم أمام شعوبهم!

    وسيقولون وقتها: وماذا نفعل لإنسان لم يستمع لصوت العقل, لكن الرئيس العراقي فوت عليهم فرصة إبراء الذمة, واعلن قبوله للمفتشين, الذين أهانوا الأمة بتدنيسهم الأراضي العراقية, وكانوا بدخلوهم كمن ارتكب الفاحشة بكل العرب من المحيط الي الخليج, وانتهك أعراض رجالهم رجلا رجلا.

    لقد دخلوا قصور الرئاسة التي تمثل رمزا للسيادة, واعتبر عقلاء الأمة وفي المقدمة منهم حكامها الأمر بسيط للغاية, ولا يمثل ما يراه مجانيتها الذين يتحدثون عن الكرامة والعزة والكبرياء والشموخ, وكل تلك القيم التي "راحت عليها" وأصبحت موضة قديمة تنتمي الي عصر ما قبل العولمة, وهو عصر التخلف العربي, وهو العصر السابق لهذا العصر الذي أدركتنا فيه يد الحضارة الغربية فأصبحنا متحضرين, نري في الانبطاح عقلا, وفي الخيانة وجهة ونظر!

    لقد دخل المفتشون الأراضي العراقية بدون قيد او شرط اوحتي تململ قد يفهم منه ان العراق يرفض الانصياع, ولم يعثروا هناك علي ما يفيد ولو من بعيد امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل, ومع هذا ظل الرئيس الأمريكي يرغي ويزبد ويهدد ويتوعد ويحشد الحشود ويدق طبول الحرب, بينما جماعتنا في خوف مقيم, لدرجة ان المرء بات علي يقين من انهم قد "قطعوا الخلف" – أي القدرة علي الإنجاب – من الخضة – أي الخوف -, فنادوا صدام بالتنحي لكي يفوت الفرصة علي بوش, وقد بدأت مرحلة البحث عن مكان آمن للاجئ الجديد ليقضي فيه بقية عمره, إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

    لا شك أن هذه الدعوة هي من بنات أفكار الإدارة الأمريكية، وتدخل في باب الحرب النفسية، لكن الذين يروجون لها عندنا انما يفعلون هذا من جراء حالة الفزع التي تعتريهم، وليس لانهم ضالعون في المؤامرة، فحاشا لله ان يكونوا كذلك.

    والذي ينظر الي ما يرددون يتصور ان الدعوة لاقت قبولا لدي الرئيس صدام ولم يبق إلا توفير الملجأ الآمن، الذي يعصمه من البطش ان أرادت به الإدارة الأمريكية سوء، وهي نفس الدعوات التي انطلقت من قبل العقلاء العرب عندما وقعت الواقعة وضربت الولايات المتحدة في عقر دارها وانهار رمز شموخها وكبرياءها، فقد كانت الدعوة في هذه المرة من قبل الكتاب العرب المتأمريكيين الذين عز عليهم ان يروا ولي آمرهم يضرب بهذا الشكل، وكانوا يشاركون في بناء الكبرياء الأمريكي المنهار من جديد، فانطلقوا يطالبون أسامه بن لادن ان يسلم نفسه للأمريكان ليحاكموه او يشنقوه او يضربوه علي قفاه، فهم لهم الاختيار، وهو عليه الانصياع ليكون بين أيديهم كالميت بين يدي مغسله، وذلك – وحسبما قالوا – ليجنب أفغانستان حربا لا تبقي ولاتزر، وكانوا في دعوتهم، يؤكدون علي انه لن يفلت من أيدي الجيش الأمريكي الباسل، وما دام سيتم حمله الي واشنطن بالقوة فليقتصر الوقت وليذهب اليها بمحض إرادته، لانه في جميع الأحوال لن ينجو من العقاب، وبالتالي فعندما يسلم نفسه يكون قد اختار بين أخف الضررين، لانه في حالة التسليم سيكون ضحي بنفسه من اجل حماية الشعب الأفغاني، ما دام في الحالتين ضائعا في الكازوزة!

    والحمد لله ان بن لادن لم يستجب لدعوتهم، فقد قامت الحرب ولم تحقق أهدافها، ومن المعلوم ان أهدافها التي تم إعلانها هي الإتيان باسامه بن لادن حيا او ميتا، وهو الامر الذي لم يحدث، ولا يغرنك ادعاء الإدارة الأمريكية أنها سيطرت علي أفغانستان فهذا امر لم يتحقق، فقرضاي حاكمهم المفدى لم يستطع حتى ان يبسط سيطرته خارج حدود قصره، لدرجة ان سيارته سرقت من أمامه، ولم يتم العثور عليها وكأن الأرض انشقت وابتلعتها، والي درجة انه لم يجد أمامه إلا في كنف القوات الأمريكية حيث استبدل حراسه الأفغان بحراس أمريكان، واذا تجاوزنا عن أشياء كثيرة وعن مفهوم السيادة والسيطرة فإننا سنعتبر ان ما يسيطر عليه قرضاي هو العاصمة "أول عن أخر"، وقد اطلعت علي خبر قبل ان أشرع في كتابة هذه السطور يفيد أن سيادته يسعي لفرض سيطرته خارج كابل!

    وهو خبر يوضح الصورة بدون شرح و بدون الإغراق في استعراض الموقف هناك، وقد أحكمت الإدارة الأمريكية السيطرة علي المشهد الإعلامي، حتى لا تصل الصورة الحقيقية الي الشعب الأمريكي فتحرضه علي حكومته، فقد كرست الإدارة الأمريكية جل جهدها من اجل نسف مواقع حركة طالبان علي الإنترنت لتصبح هي المتحكم الوحيد في المعلومات القادمة من هناك، لكن وعلي اية حال فان هذه السيطرة لم تمنع من تسريب أخبار تؤكد ان الحال هناك ليس كما تروجه ادارة الرئيس بوش.

    وعلي العموم فقد ظل بن لادن يسبب فزعا رهيبا للأمريكان، ويجعل بوش والذين معه يضعون أيديهم علي قلوبهم كلما حلت مناسبة، مخافة ان يقلب فرحهم الي مأتم

    واذا كانت دعوة بن لادن لتسليم نفسه لم تؤتي أوكلها، فان جماعتنا يحاولون ان يصيبوا صدام بالرعب فيضطر الي التخلي عن الحكم والفرار بجلده من البطش الأمريكي، وهم بدعوتهم يسعون الي تكريس القوة الأمريكية الجبارة التي انكشفت في إحداث الهجمات، وتبين ان الحديث عن القوة المطلقة هو من خيال الشعراء، فمجموعة من الحفاة العراة، قادرون علي ان ينالوا من القوة الوحيدة في العالم اذا امتلكوا يقين المؤمن في نصر الله. كما انهم بدعوتهم يريدون ان يبرروا لخوفهم وانصياعهم للولايات المتحدة الأمريكية، لكن صدام حسين رابط الجأش!

    وللمرة الألف أقول: إنني ضد هذا الرجل، ومع كتبته ضده في حجم كتاب من القطع الكبير، لكن "ولا يجرمنكم شنئآن قوم علي ألا تعدلوا" فصاحبنا نجح في ان يبدو بطلا في مواجهة الأمريكان، ولا يمكن لمثلي بأي حال ان يوافق علي حربه المجنونة ضد إيران، تلك الحرب التي استفاد منها أعداء الأمة، أضعفت الثورة الإيرانية رمز شموخ الشعوب الإسلامية وقدرتها علي التصدي لجبروت الحكام المستبدين حتى وان كانوا ينعمون بالحماية الأمريكية كما كان الشاة ينعم. ولا يمكن لمثلي أن يغض الطرف عن اجرام النظام العراقي ضد حقوق الإنسان، لكن يصبح من غير المستساغ التركيز علي هذا، والعدو يقف علي الأبواب، وهو لا يقصد صدام إلا لانه شجاع في مواجهته، و يهدف الي نهب خيرات الأمة والقضاء علي العراق الشعب والتاريخ والجغرافيا والحضارة.

    إن مما يؤسف له إن المنبطحين أرضا في العالم العربي، صوروا الرئيس بوش في مقام من لا يقدر عليه أحد، مع أن تجربة كوريا الشمالية ماثلة أمامنا، وهي التي مسحت بكرامة الصلف الأمريكي البلاط، فقد طردت المفتشين وأقرت بامتلاكها برنامجا للتسليح النووي، وانسحبت من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وعندما أراد بوش أن يتنفس في مواجهتها كان الرد حاسما: إن كوريا الشمالية تعتبر أي عقوبات ضدها إعلان حرب، وأعلن الرئيس الكوري الذي اثبت انه افضل من ألف مما تعدون، انه يحذر من حرب نووية بسبب سياسة واشنطن.

    وأمام هذا الشموخ الكوري لم يجد بوش المرعب إلا أن يعيد ويزيد في انه يريد أن يدخل في حوار دبلوماسي معها وقال وهو مخضوض: "أن بلاده لا تضمر أي نوايا عدائية لكوريا الشمالية" داعيا إلي حل سلمي!

    هذا هو موقف كوريا الشمالية التي لم تكن شيئا مذكورا ونحن نتغنى: أمجاد يا عرب أمجاد، ومع هذا تصمد هذا الصمود وتنتقل من مرحلة الصمود إلى مرحلة التحدي، بينما بوش يتراجع ويسعى إلى حوار دبلوماسي، ونحن أمة العرب الذين نسد عين الشمس، نقف مفزوعين ونطالب صدام حسين بالهروب والتنحي.

    لقد أذل الحرص أعناق الرجال

    ====================

    بقلم : سليم عزوز*
     

مشاركة هذه الصفحة