بغداد تحترق ولا مغيث (عبد الباري عطوان)

الكاتب : arab   المشاهدات : 568   الردود : 0    ‏2003-03-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-21
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    عندما يشاهد المرء النيران وهي تشتعل في مباني بغداد ومساجدها، وتحرق اطفالها واهلها الابرار، فان الكتابة بلغة التحليل والعقل تصبح نوعاً من التواطؤ، واثماً لا يقل عن اثم التستر علي هذا العدوان، بحجة القاء اللوم علي القيادة العراقية، تهرباً من المسؤولية الاخلاقية في الوقوف الي جانب بلد شقيق يواجه المجازر الاضخم في التاريخ.
    بغداد تحترق، و الاشقاء العرب، ممن يملكون القوة والجيوش يتفرجون، يتنقلون بين شاشات التلفزة العربية والعالمية، بحثاً عن لقطة اكثر فظاعة، واصدق تعبيراً عن هذه الجريمة حتي يشفوا غليلهم، وتطمئن نفوسهم بأن الحرب ستكون سريعة، تنتهي في ايام معدودة، حتي يتبادلوا القبلات مع المحررين الامريكان، ويفرشوا السجاد الاحمر للحلفاء الاسرائيليين الجدد، شركاء المستقبل.
    لا يخامرنا اي شك في القدرة التدميرية الامريكية الهائلة، ولسنا سذجاً حتي نتوقع انتصار القوات العراقية المحاصرة المنهكة علي الامبراطورية الاعظم في العالم، ولكننا نؤمن بان نهاية الاحتلال الامريكي الزاحف ستكون مثل نهاية كل الاحتلالات السابقة، بل ربما اكثر دموية.
    الرئيس العراقي لم يقتل في القصف الصاروخي الامريكي، لان المعلومات التي استندت اليها وزارة الدفاع الامريكية كانت ارتجالية وغير دقيقة، لانها جاءت وببساطة شديدة من قبل مستشارين لا يعرفون العراق، بل ولا يعرفون المنطقة وان كانوا ينتسبون اليها سحنة وتسمية.
    أحد هؤلاء المستشارين العاملين في خدمة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع ويحمل لقب بروفسور قال في مقابلة مع التلفزيون الكويتي، ان النظام العراقي سينهار بعد ساعتين فقط من سقوط اول صاروخ علي بغداد. وكانت نبوءته هذه تنزل برداً وسلاماً علي قلب مضيفه الكويتي ومشاهديه. وها هي اربعون صاروخاً تضرب بغداد في الليلة الاولي، وثلاثة آلاف اخري في الليلة الثانية، وبغداد صامدة والنظام لم ينهر.
    حرب رامسفيلد علي القاعدة وزعيمها الشيخ اسامة بن لادن دخلت شهرها العشرين، وما زالت عاجزة عن تأمين الحماية لكرزاي كابول، تري كم شهراً سيحتاج رامسفيلد للعثور علي الرئيس العراقي، وتوفير الامن لكرزاي العراق الجديد وافراد طاقمه؟
    القوات الامريكية دخلت الاراضي العراقية الطاهرة من الكويت، والاهم من ذلك ان وزارة الدفاع الكويتية قالت ان قواتها اشتبكت مع قوات عراقية، سبحان الله، القوات الكويتية باتت في وضع قتالي ونفسي يؤهلها لمواجهة القوات العراقية. انها من علامات الساعة. بل الساعة نفسها.
    انها الحرب النفسية التي تريد احداث بلبلة وعدم استقرار في صفوف العراقيين مدنيين وعسكريين، بدأت بنشر انباء عن هروب طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي، ثم بمقتل الرئيس العراقي في القصف المفاجيء الليلة قبل الماضية، وعندما ظهر علي شاشة التلفزة قالوا انه البديل ، ووجدوا من يصدقهم في تلفزيونات العرب.
    نفهم ان يكون هناك بديل يملك الملامح نفسها، ولكن ما لا نفهمه كيف يملك هذا البديل الملامح والصوت والحركات نفسها، فهذا تساؤل سيظل يبحث عن اجابة لدي الادارة الامريكية ومخططي حملتها الدعائية النفسية ومستشاريها من المحسوبين علي العرب والاسلام.
    ہہہ
    نسأل عن الجيش المصري البطل، ونتساءل عما يفعله الضباط والجنود السوريون هذه الايام، ونستفسر عن القوات السعودية ومئات المليارات التي انفقت علي تزويدها باحدث الدبابات والطائرات. فاذا كانت هذه الجيوش العربية لا تتحرك الان للدفاع عن بلد شقيق، وشعب يواجه الموت حرقاً فمتي ستتحرك؟
    الصمت تواطؤ، وزيادة الانتاج النفطي لخفض الاسعار هو اخطر من المشاركة العسكرية. فقد رفضوا استخدام سلاح النفط في خدمة القضايا العربية، وقالوا ان النفط سلعة، وعوائده مطلوبة لخدمة خطط التنمية. وها هم يستخدمونه ولكن في خدمة العدوان الامريكي علي العراق.
    اننا لا نطالب مملكة عبد العزيز بوقف تصدير النفط مثلما فعل الملك فيصل تضامناً مع مصر وسورية في حرب عام 1973، وانما نطالبها بعدم زيادة انتاجها النفطي مليونا ومئتي الف برميل مثلما هو حادث حالياً لخفض الاسعار، ودعم العدوان الامريكي.
    نشعر بالالم ونحن نشاهد قوات الامن العربية تستأسد علي المتظاهرين الشرفاء ضد هذا العدوان الغاشم علي العراق، ونشعر بالغصة والزعماء العرب يبررون عجزهم بالقاء اللوم علي القيادة العراقية لانها لم تسلم بلادها لقمة سائغة للغزاة وترحل مكبلة بالاغلال، الي غوانتانامو جديدة.
    ہہہ
    العراق سيتحول الي قاعدة للمقاومة، تماماً مثلما كان عليه الحال في افغانستان وبيروت، والمقاومة المقبلة ستكون اخطر علي الغرب والولايات المتحدة من تنظيم القاعدة او نظام البعث الحاكم.
    اسقاط النظام العراقي لن يكون مقدمة للاستقرار، بل عنوانا لمرحلة جديدة من الفوضي، والتطرف، وقاعدة صلبة للمنظمات الاسلامية الجهادية علي غرار تنظيم القاعدة .
    فعملية غزو العراق وتفكيكه ربما ستكون اسهل بكثير من عملية اعادة بنائه، والسيطرة عليه وتحقيق السلام في ربوعه.
     

مشاركة هذه الصفحة