بداية النهاية للإمبراطورية الأمريكية

الكاتب : مهندس رامي   المشاهدات : 462   الردود : 0    ‏2003-03-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-19
  1. مهندس رامي

    مهندس رامي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-04-24
    المشاركات:
    549
    الإعجاب :
    0
    علاوة على أن الأسلوب المتعجرف بصورة استعراضية وعلنية وهدف الهيمنة العالمية قد أصبحا في مقدّمة ما يميّز السياسة الأمريكية بعد الحرب الباردة؛ فقد اقترن بهما المنطلق العقائدي العسكري للحكومة الأمريكية الحالية المتمثل في "الصهيونية ذات الديباجة المسيحية"، وازدياد الاستهتار بالنظام العالمي والقانون الدولي، إلا في حدود استخدامهما كأداة للسياسة الأمريكية.

    وهنا يمكن اعتبار قضية العراق مجرد مثال تطبيقي صارخ، وبالتالي يمكن فهم خلفيّة مواقف القوى الدولية الرافضة للحرب الأمريكية، التي لا تنقطع في الوقت نفسه عن تأكيد التقائها مع الهدف "الرسمي" المعلن أمريكيًّا، وهو تجريد العراق من أسلحته، بغض النظر عن مشروعية ذلك أو عدم مشروعيته.

    صدرت المعارضة من جانب ألمانيا أولاً، وامتدت حتى باتت معارضة عالمية رسمية وشعبية واسعة النطاق، نتيجة إدراك المعترضين أن الخطر الأمريكي عليهم خطر كبير. لقد انتشر إدراك ما تنطوي عليه هذه السياسة الأمريكية من خطورة مستقبلية على المستوى العالمي، دون استثناء حليف أو صديق أو تابع أو خصم للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما دفع بلدانًا مثل ألمانيا وفرنسا على وجه التخصيص إلى اختيار التوقيت الراهن -المرتبط تلقائيًّا بقضية العراق لأنها هي القضية الآنية- من أجل الانتقال بالمواجهة مع "القطب الأمريكي الواحد" إلى العلن، عقب مرحلة مخاض بدأت على هذا الصعيد بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة.

    ظاهرة الابتزاز العلني

    بدا الطرف الأمريكي -ربما بسبب تأثره ذاتيًّا بمفعول منطلقاته العقائدية- وكأنه قد فوجئ بانتقال المواجهة مع الأوروبيين الغربيين إلى العلن، وأكثر من ذلك انطلاق الشرارة الأولى من ألمانيا وليس فرنسا مثلاً. وكان من مظاهر المفاجأة بقاء التصريحات الألمانية برفض الحرب الأمريكية ضد العراق لعدة أسابيع دون ردٍّ أمريكي على مستواها، وذلك لتفسيرها بأغراض الحملة الانتخابية بألمانيا آنذاك، حتى إذا ظهر بوضوح أنها سياسة ثابتة وليست "دعاية انتخابية عابرة"، جاء رد الفعل الأمريكي بطريقة توجيه الإهانات، مما لا يفسره خبراء الدبلوماسية الغربية إلا بالعجز عن التعامل الفعَّال مع الطرف الآخر.

    منذ ذلك الحين بدأت تظهر على مسرح السياسات الغربية -ولا سيما من الجانب الأمريكي- مظاهر الهبوط بالعلاقات الدبلوماسية وعقد الصفقات السياسية التقليدية في معالجة الأزمات، وتقدمت إلى مستوى التسابق على ابتزاز الأطراف الأخرى إغراء وترهيبًا، كما تحول هذا الابتزاز من ممارسته -كما مضى- وراء الكواليس إلى العلن؛ وهو ما بلغ ذروته في إطار المناقشات الدائرة بصدد استصدار قرار بالحرب ضد العراق من جانب مجلس الأمن الدولي. ولننظر في بعض الصور الجديدة:

    1 - في فترة ماضية كانت وسائل الإعلام تنشر أحيانًا بعض ما يتسرب إليها حول "اللهجة الأمريكية المتعجرفة" تجاه مسئولين من بلدان أخرى، فيبدو ذلك "فضيحة دبلوماسية". أما الآن فلا نكاد نجد أكثر من "خبر جانبي" يشير مثلاً إلى رفض الرئيس الأمريكي وبأسلوب علني مهين مجرد الالتقاء مع وفد وزاري يمثل "قمة" 22 دولة عربية، منها دول لا تستطيع القوات الأمريكية التحرك الفعَّال دون أرضها ومائها وأجوائها، ولا تستطيع آلة الحرب ولا آلة الاقتصاد الاستغناء عن نفطها.

    2 - في الماضي القريب كانت واشنطن حريصة على التفسير الدبلوماسي لتصريحٍ ما صدر بلهجة مزعجة، من قبيل ما أدلت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أولبرايت بشأن تعيين قيادات جديدة للقوات الأطلسية في الجناح الأوروبي، أما الآن فباتت تتوالى التصريحات الأمريكية على أعلى المستويات عن "أوروبا القديمة"، ووضع ألمانيا في محور واحد مع كوبا وليبيا، وحتى الحليف البريطاني لم يفلت من عجرفة وزير الدفاع الأمريكي وهو يشير إلى إمكانية الاستغناء عن خدماته العسكرية!

    3 - كثيرًا ما اعتُبرت عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لتدبير انقلاب أو اغتيال رئيس دولة جرائم بمفهوم القانون الدولي، فبقيت أسرارًا رسمية -وإن كانت مكشوفة- فإذا ألغي كتمانها رسميًّا اضطرت وزارة الخارجية الأمريكية إلى الاعتذار العلني عن ذلك، كما كان مؤخرًا في قضية الحكم الاستبدادي لبينوشيه في الأرجنتين، أو قضية آلليندي في تشيلي.

    أما الآن فيقف الرئيس الأمريكي نفسه ويتحدث عبر الإذاعة والتلفاز، بشكل سافر عن عزمه على تغيير البنية السياسية الهيكلية في منطقة بكاملها، ويعلن بوضوح أيضًا أنه يريد أن يجعل من صدام حسين درسًا لسواه من حكام الدول العربية!

    4 - عندما دار الحديث حول تنافس أمريكي فرنسي على أصوات الدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي (غينيا، والكاميرون، وأنجولا) بدأت المقارنة بين حجم المساعدات المالية لكل من واشنطن وباريس، كما بدأ التذكير بكلمة السفير الأمريكي لليمن في فترة الإعداد لحرب الخليج الثانية "هذا أغلى قرار اتخذتموه"، وقصد به معارضة اليمن لتلك الحرب، وتلا ذلك قطع المساعدات المالية عن اليمن، فلم تستؤنف إلا بعد أن طوَّع اليمن نفسه لحرب الإرهاب الأمريكية.

    والواقع أنه إلى وقت قريب كانت "الصفقات الدبلوماسية" وما يرتبط بها من مدفوعات مالية، تجري وراء ستار، وإذا انكشف أمر بعضها فغالبًا ما يصدر النفي الرسمي بإصرار مهما كان واهيًا، أما الآن فالحديث علني عن توظيف صَرف المليارات المقررة في الأصل لدعم الاقتصاد التركي من قبل اشتعال قضية العراق، أو عن التهديد بعدم صرفها لابتزاز الموافقة على فتح جبهة عسكرية أمريكية ضد العراق على الأرض التركية. وشبيه بذلك الحديث العلني عن نقل القواعد العسكرية الأمريكية من ألمانيا إلى بلغاريا، مع ربط ذلك بالحديث عن "المليارات" التي ينفقها الجنود الأمريكيون في ألمانيا، وكذلك الحديث عن 70 مليون دولار أمريكي وجنود أمريكيين في الفلبين، وعن توظيف اتفاقات "حرية التجارة" مع المكسيك بموقفها في مجلس الأمن الدولي، وقائمة الأمثلة طويلة.

    مما يستوجب النظر أن بعض التصريحات التي تنطوي على ابتزاز واضح، ولا سيما تجاه الدول أعضاء مجلس الأمن، لم تَعُد تنشر في صيغة تسريب غير مقصود لوسائل الإعلام، أو توصف لاحقًا بزلّة لسان، أو يوكل بها إلى مسئولين حكوميين من الدرجة الثانية والثالثة، بل أصبح من هذه التصريحات ما يعلنه وزير الخارجية الأمريكي بنفسه، وهو سلوك يتناقض مع قواعد التعامل السياسي الدولي سابقًا، فنجد كولن باول يهدّد الدول الصديقة بصورة خاصة أنه لن يكون لها نصيب في "عراق ما بعد صدام" ما لم توافق مسبقًا على الحرب الأمريكية ضده. وهذا ما دفع الاتحاد الأوروبي بعد شيء من "الصبر الدبلوماسي" إلى التصريح رسميًّا بأن الاتحاد الأوروبي لن يشارك في عملية "إعادة إعمار العراق" إذا نشبت حرب تتجاوز مجلس الأمن الدولي؛ وهو ما يعني واقعيًّا التهديد بعدم المشاركة في تغطية النفقات المالية الضخمة التي تفرضها مرحلة رعاية الناجين من دمار الحرب، وتأمين بقاء المشرَّدين على قيد الحياة، ومحاولة إعادة الجهاز الإداري للعمل، وغير ذلك مما تقول دراسة للأمم المتحدة إنه سيتطلب أكثر من 30 مليار دولار سنويًّا ولأعوام عديدة.

    وهم الزعامة الانفرادية

    إذا كان التاريخ الأمريكي قام ابتداء على أساس منطق القوّة وفرض الواقع القائم اعتمادًا عليها.. فإن العنصر العقائدي الحديث نسبيًّا في التوجهات السياسية الأمريكية يلعب أيضًا دورًا حاسمًا في انتشار وهم حكم العالم الحديث بأسلوب الإمبراطوريات القديم..

    وبالمقابل لا ينبغي إغفال تعامل بعض الدول، ولا سيما في المنطقة العربية والإسلامية، مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ كان تعامل التبعية شبه المطلقة بدعوى غياب البديل على المستوى الدولي، وكأن الأصل الطبيعي في السياسات الواقعية الحديثة ليس الاستقلال، وإنما التبعية لطرف دولي ما. هذا التعامل ساهم في تعزيز الوهم الإمبراطوري الأمريكي.

    وبالمقابل نجد أن الدول الأخرى رفضت هذا الأسلوب، بما في ذلك الدول الأوروبية، وهذا في وقت مبكر، كما يشير الإصرار الأوروبي أكثر من مرة على المضي في مشاريع تثبيت دعائم "القانون الدولي" من خلال مزيد من الاتفاقات الدولية العامة الملزمة، ومزيد من المنظمات العالمية، رغم المعارضة الأمريكية المتزايدة، بالضغوط المباشرة تارة، وبالامتناع عن المشاركة تارة أخرى، وبإجراءات مضادّة تارة ثالثة. ومن ذلك اتفاقية نزع الألغام الأرضية المضادّة للأشخاص، ومفاوضات ميثاق دولي حول المناخ العالمي، وتشكيل محكمة جزائية (أو جنائية) دولية. وغير ذلك، مما يمكن القول إنه يمثل قطعًا إضافية في نسيج القانون الدولي والنظام العالمي، وتقابله المعارضة الأمريكية المتزايدة مع التنصّل من مبادئ وقواعد ملزمة سابقة في القانون الدولي، فضلاً عن الانسحاب من منظمات دولية، وأحيانًا التعامل معها بأسلوب أدّى إلى الامتناع عن تكرار انتخابها فيها كما كان مع مفوضية حقوق الإنسان، ومع مجلس التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

    ومع كل خطوة عالمية دون مشاركة أمريكية من هذه الخطوات كان "مستقبل القانون الدولي ومستقبل النظام العالمي" يُطرح أوروبيًّا بمنظور السؤال التقليدي الباقي من حقبة الحرب الباردة: "هل يمكن التحرّك دون أمريكا؟".

    ولا يمكن القول بوجود جواب قاطع في هذه الأثناء، ولكن يمكن القول بوجود جهات عديدة تطرح بالمقابل السؤال: "هل يمكن لأمريكا أن تتحرّك دون بقية العالم؟".

    لقد كشفت التطورات المرافقة للتعامل مع قضية العدوان الأمريكي ضدّ العراق أن سياسة الهيمنة الأمريكية لن تسفر عن نظام عالمي خاضع لقبضتها، ولا عن منظمات دولية خاضعة لها، أو عن قانون دولي تخرقه باستمرار، وإنما ستسفر عن ازدياد حجم العزلة الأمريكية عالميًّا إلى درجة ستؤدي داخل الولايات المتحدة الأمريكية إلى غلبة تيار الاعتدال الأمريكي على التيار المتطرف عقائديًّا أو مصلحيًّا في اتجاه الهيمنة العالمية. وهذا ما يتطلَّع إليه الأوروبيون وسواهم.

    فترة التحول القلق

    وتبدو المرحلة الراهنة ما بين طبول الحرب والقصف الوحشي للجبال في أفغانستان وطبول الحرب والقصف الوحشي المنتظر للمدن الآهلة بالسكان في العراق مرحلةً انتقالية على أكثر من صعيد:

    فبعد الطفرة الكبيرة وراء انتشار تصوّر استقرار الوضع العالمي الجديد على زعامة أمريكية انفرادية، تأتي قبل تحقيق ذلك الاستقرار مرحلة ثانية تتميّز بانشقاق كبير وسط شريحة الحلفاء التقليديين، وكذلك وسط شريحة الدول التي كانت أقرب إلى التبعية تحت عناوين الصداقة والعلاقات الودية.

    ولا يوجد ما يستدعي هنا مناقشةَ تصوّرات غير ناضجة، مؤدّاها مثلاً أن بلغاريا يمكن أن تعوّض ألمانيا في الصيغة السياسية والأمنية الأمريكية المرتكزة على القارة الأوروبية، أو أن قطر يمكن أن تعوّض السعودية فيما كانت تعتمد واشنطن عليه في المنطقة العربية وجوارها.

    إذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أسفرت عن استعداد أوروبا بمجموعها للمضي وراء السياسات الأمريكية، واستعداد العدد الأكبر من الدول العربية للمشاركة في حرب الخليج الثانية بقيادة أمريكية؛ فإن ما تطرحه المرحلة الراهنة -بغضّ النظر عن أن قضية العراق "الآنية" تحتل محورها- إنما هو بداية خسارة "مرتكزات" أمريكية أساسية لا يمكن للهيمنة الأمريكية العالمية أن تتحقق دونها، أو أن تتحقّق بقوّة مماثلة اعتمادًا على مرتكزات أضعف.

    بغض النظر عن وقوع الحرب العدوانية الأمريكية على العراق، أو التراجع أمريكيًّا عنها ممّا يمثل سياسيًّا هزيمة أشبه بهزيمة فيتنام عسكريًّا، أو هزيمة هيروشيما وناجازاكي أخلاقيًّا.. فلن يكون السؤال المطروح في المرحلة المقبلة هو السؤال التقليدي في السنوات الماضية، بصدد زعامة انفرادية أو نظام عالمي متعدّد الأقطاب؛ فقد بات ذلك شبه محسوم في تقدير خبراء السياسات الدولية. إنما السؤال عن السبل الفضلى لمواجهة الهيجان الأمريكي المسلح، بأسلوب يمنعه من تدمير حصيلة التقدّم البشري، والقليل المتحقق على صعيد تثبيت مرجعية -ناهيك عن شرعية- دولية لنظام عالمي، وقد يوصل في نهاية المطاف إلى تحسين النظام العالمي، وإضافة بعض المشروعية عليه بمفهوم الشرعية الدولية القائمة على مبادئ القانون الدولي، وليس على هيمنة القوة والابتزازات المادية على صناعة القرار الدولي.
     

مشاركة هذه الصفحة