حتى لا تغرق السفينة**** اقرأ بهدوء جداً***

الكاتب : الشنيني   المشاهدات : 465   الردود : 0    ‏2003-03-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-17
  1. الشنيني

    الشنيني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-10-05
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    حتى لا تغرق السفينة



    د.محمد إياد العكاري



    وقفتُ مع بداية العام الثَّالثِ من الألفيَّةِ الثَّالثة أستجلي الخطى، وأتأمَّلُ الطَّريق، وأستقرئ الواقع وأرقب الموقف

    وقفتُ على وهدة الواقع أرقبُ الأحداثَ وأتأمَّلُ ما فيها بعد أربعين وخمسٍ طحنتها السُّنون وأمضَّتها الأعوام، وهذَّبتها التجربة، هكذا أظنُّ !! ... وأعوذ بالله من شر نفسي.

    وقفتُ وفي حلقي غصَّة، وفي قلبي حسرة، وفي صدري ألم، فكلُّ ما حولي سقم، فوجدت نفسي على أرض أفزعني ما حولها، وهالني ما يحيقُ بها، وأرَّقني ما يدور في جَنَبَاتها !!. . .

    قد غصَّت بالمصائب، وأُتخمت بالنَّكبات... الرَّدى يقبل عليها، والنَّدى يُدبر عنها

    الشَّرُ كشَّر عن نابه، والكفر أسفر عن حاله... العُهرُ يغزو والحُثَالة، والطُّهر يشكو والأصالة.

    في فلسطين الاحتلال الغاصب بأبشع صُوَرِهِ وأشنع خبره، هدمٌ وتنكيلٌ بلا إنكار، وتشريدٌ وتقتيلٌ بلا استنكار، الأرضُ ترتجُّ، والجبال تميد، والسَّماء تكادُ تُطبق.

    أفريقيا تحتضر، آسيا في خَطَر، في البرازيل رُغمَ خيرها فقرٌ ومجاعة، وفي فنزويلا رغم نفطها تصارعٌ ولعاعة

    في أفغانستان مأساةٌ داهية، وكل ما حولها أعاصيرُ عاتية

    في العراق خطبٌ جلل، ووضع الأمم المتحدة خَبَلٌ ودجل

    الخيرات تذهب للشَّمال، والأحوال يرثيها المآل

    ماذا يدور حولَنَا ؟! ماذا يُراد لنا ؟! ماذا يحيقُ بنا ؟!

    الأمم من حولنا مستنفرة، وأمتنا حسبي الله ترتقب المجزرة

    القطب تكبَّر، والفسق تجبَّر، فعلهُ غطرسة، وقولهُ عترسة، حشودهُ خطرة، وناره مستعرة

    قد فغرت فاها وأوقدت لظاها.

    آه آه .... أكاد أحترق مما أقول، فكيف بالبوارج والأساطيل التي حولنا تصول وتجول

    فألجمتُ نفسي عن التَّفكير وأخمدتُ حسِّي عن التَّأثير مخافة أن يقالَ ما يقال في هذا العصر الخطير وأغمضت عينيَّ وأرحت جفنيَّ إلا أن سمعي المرهف لم يدع لي مجالاً للرَّاحة حتى ولم يبعدني عن السَّاحة.

    وإذا بي كأنِّي أستمعُ لصَخَبٍ وضجيجٍ قد اختلطت فيه الأصوات، وعلت فيه الصَّيحات، من الهمهمة للحمحمة، مروراً بالغثاء إلى الرُّغاء، حتى النَّهيق إلى النَّعيق.

    أصواتٌ تعلو تضجُّ في المكان، وجَلَبَةٌ تشكو تصمُّ الآذان

    البهائمُ تصيح والحيوانات تنوحُ كأنَّها تستشعر أن كارثةً ستحلُّ أو أن بركاناً سيطلُّ أو أن مأساةً ستحدث أو أن مصيبةً ستمكث ،فاستعذت بالله من شرِّ كل شيطانٍ وهامَّة وقلت يا الله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

    البهائمُ تستنفر وتصيح أجل البهائم أجلَّكُم الله تلك التي منحها الله أحاسيسَ تفزعُ منها مطلقةً صيحاتها عند حدوث عوارضٍ طبيعية كالزَّلازل والبراكين حيث تتجلَّى ظاهرةُ الهداية عند الحيوانات بأروع صورها وأجلى عبرها.

    وكدت أسترسل مرهفاً سمعي مصيخاً بأُذُني لولا أن هاتفاً بداخلي صاح بي مستنكراً عليَّ استغراقي في التفكير قائلاً:

    دعْ عنك هذه الأصوات المنكرة، والتفتْ إلى هذه الحياة الحاضرة، هيَّا هيا ما هذه السَّوداوية؟! والأحاديث الضَّبابية ؟!

    ألم تردِّد دائماً قصيدة ايليا أبو ماضي مستمتعاً بها ومدندناً بأبياتها



    هشَّت لك الدُّنيا فمالك واجمٌ وتبسَّـمت فعــلام لا تتبسَّمُ

    انظرْ فما زالتْ تطلُّ من الثَّرى صـورٌ تكـادُ لحسـنها تتكلَّمُ



    أجل أجل دعك من هذا الذي تقول وابتعدْ عن الحيثيَّات والفُضُول

    دعْكَ من الاستغراق في التَّفكير، واستلقِ على الإستبرقِ الوثير

    واستمتع بالاستجمام تحت أشعَّةِ الشَّمسِ الذهبيَّة، عساك تحلم بأنك على شواطئ البندقيَّة

    هيه هيه دون أن تفكِّرَ بالبندقيِّة ؟!

    وإلا أصبحت تُرمى بأشنعِ التُّهَم العصريَّة ..

    فاستلقيتُ بعد أن دارت الدُّنيا برأسي، مريحاَ نفسي، وملغياً حسي، ومخفتاً همسي، بعد تعبٍ وضنك وريبةٍ وشك،وما إن وضعتُ رأسي على الوسادة حتى استسلمت للنَّومِ واستغرقت في سباتٍ عميقٍ

    لا حسَّ فيه للزَّفير أو الشهيق



    وإذ بي على أرضٍ بلاقع ... دهماء ما فيها مراتع ..

    والنَّقعُ فيها والمقالع .. بَلْهَ النَّوازع والزَّوابع .. ... !؟ .. !؟



    فنظرتُ في جميع الاتجاهات لعلي أجد ما تأنسُ به نفسي وتسكن إليه روحي فلم أجد شيئاً ألوذُ به ودارت الدُّنيا برأسي وتنازعت رجلاي حسِّي وكدتُ أموتُ من الفزع فسقطت مغشيَّاً عليَّ.

    وإذ بي أصحو من حُلُمي فزعاً، كأني من غرق أفقت جَزِعَاً.

    فحمدت الله على سلامتي وألقيتُ هلعاً عنِّي وسادتي، بعد كابوس مقيت، مِتُّ فيه وحييت

    أعاذنا الله وإياكم من شر الأحلام المتعبة والكوابيس المرعبة

    بالله عليكم ماذا أفعل ؟ .. وكيف أعمل في هذا الوضع الرَّهيب ففي حالي نَزَق، وفي صحوي قَلَق وفي نومي أَرَق، وفي حُلُمي رَهَق، ماذا أفعل أجيبوني أجيبوني ؟؟؟.

    فتذكرت ما كنت فيه من حوارٍ بين نفسي وحسِّي وحاولت أن أحسم الأمر كي أنعم براحة البال واستمتع بحسن المآل.

    مبتعداً عن سوء التَّفكير وبواطن الأمور

    إلى حسن التَّدبير وظواهر الشُّعور

    فجلت بنظري في الأفق البعيد، نائياً بنفسي عن واقعي البليد.



    وتأمَّلت في الآفاق، مبتعداً عن التُّرَّهات والأنفاق، ونظرت إلى السَّماء وما فيها من ظلالٍ وجلال، وروعةٍ وجمال، يا الله ما أعظمها وما أجملها سبحان من رفعها بلا عمد، وجلَّ من مسكها بلا سند.

    الألوانُ دُرِّيـَّـةٌ، والآفاقُ خمريَّةٌ.. زُرْقَتُها صفاء، وحُلَّتُها بهاء.. نهارُها ضياء، وليلُها سناء..

    تذكرت قوله سبحانه :



    ((أأنتم أشدُّ خلقاً أم السَّماءُ بناها رَفَعَ سَمْكَها فسوَّاها وأغطَشَ ليلَهَا وأخرجَ ضُحَاها))النازعات(27-29)



    آياته جليَّةٌ في كلِّ شيء، وإبداعه ظاهرٌ على كلِّ حي

    هذا إن تفكُّرنا وتدبَّرنا... آهٍ آهٍ يا هذا عدت.. عُدت إلى التَّفكير والتَّدبُّرِ في الأمور فهممتُ أن أُجيب ولكن خِفْتُ من الرَّقيب وإذ بصرخةٍ تدوِّي بداخلي وتُرعِدُ بأعماقي

    يا هذا ما بك تريد أن تعطِّل عقلكَ وتبلِّد حسَّك ؟!

    معاذ الله.. إذن ماذا ؟؟! .. آهٍ .. آه



    تذكرت عندها قول المتنبي:



    ذو العقلِ يشقى في النَّعيمِ بعقلهِ وأخو الجَهَالةِ في الشَّقاوَةِ يَنْعُمُ



    أي والله صدق بما قال فاستَرسَلتُ في تأمُّلي في السَّماء وآياتهِ الباهرةِ وتذكَّرت قولَهُ سبحانه :



    (( والسَّماءَ بنيناها بأيدٍ وإنَّا لموسِعُون والأرضَ فَرَشْنَاها فَنْعِمَ المَاهِدُون ومِن كلِّ شيءٍ خلقنا زوجينِ لعلَّكم تذكَّرون فَفِرُّوا إلى الله إنِّي لكمْ مِنْهُ نذيرٌ مبين ولا تجعلوا مع الله إِلهاً آخر إِنِّي لكم منه نذيرٌ مُبين))الذاريات(47-51)



    أجل أجل الفرارَ إلى الله وإلى الظَّفَرِ بعبوديته ففيها الفوزُ والنَّجاة، والعِزُّ والحياة، لأن التَّحررَ الحقيقيَّ للإنسان إنما هو باستسلامهِ لربِّهِ الأوحدِ وخالقهِ الصمد.



    أجل العبودية لله تعالى تعني التَّحررَ من العبودية لغير الله سواء كان ذاك الهوى أو الشيطان، بله الطاغوت والطُّغيان فقفز بذهني ولمع بفكري ما قاله الصَّحابيُّ الجَليلُ ربعي بن عامر لرستمَ قائدِ جيشِ الفرس في القادسيَّةِ معرِّفاً برسالة الإسلام الخالدة:



    ((جئنا لنخرجكم من عبادةِ العباد إلى عبادةِ ربِّ العباد ومن ضيقِ الدُّنيا إلى سَعَةِ الدُّنيا والآخرة ومن جورِ الأديانِ إلى عدلِ الإسلام))



    واستغرقت في تفكيري وتماديت في تأمُّلي في الأفقِ البعيد

    الله .. الله .. ما أحلاها من سُحُبٍ تتهادى في السَّماء، وتتراقصُ في بهاءٍ لتطلَّ علينا مقبلةً بوجهها

    تُرى ما الذي تحملُهُ لنا هذه السُّحبُ المقبِلة؟؟ وأيُّ شيءٍ تُبديهِ غَمائِمُها الوَجِلة؟؟

    أتَزُفُّ لنا البشرى بأقواسِ القُزَح التي تتراقصُ ألوانُها من خلالِ الغيوم الرَّبيعيةِ المبتهجةِ بأشعَّةِ الشَّمسِ الذهبيَّةِ والتي تتلاقى بعد رؤيتها لها بحبٍ وودٍ لترسلَ قطرها وخيرها بإذنِ ربِّها؟؟

    أو أنَّها ... ماذا ماذا ؟؟.. آهٍ منك.. يا هذا ما بك؟!.. دعني وشأني

    أو أنَّها الغيوم الدَّاكنة المكفهِّرَّةُ التي تأتي إلينا بالعذاب، وتلوِّحُ لنا بالعقاب

    يا ربِّ حَوَالينا ولا علينا، ربَّنا لا تُؤاخذْنَا بما فعلَ السُّفَهَاءُ منَّا، فخرجتْ من صَدري زَفرة، ونبتت من قلبي حسرة، حيث عُدْتُ إلى واقعنا، وما هو واقعٌ بنا، وماذا يدور حولنا، وذاك الذي يحيق بنا

    حالُنا فيه خَلَلْ، ووضعُنَا فيه دَخَلْ، وفعلُنا فيهِ شَلَلْ..

    الخطوبُ من حولنا مُحدقةٌ والدَّواهي عَلينا مُطْبِقَة

    الأُمَمُ من حَولنا مُسْتَنفرة، ونحنُ يا للأسفِ نرتَقِبُ المجزرة . . . .

    والأمرُ كلُّهُ أولاً وآخراً خدعةٌ مدبَّرة . . .



    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . . فكادت الأرض تميدُ بي وتنزلقُ من تحتي عندها ألقيت مرساة سفينتي في بحر الإيمان، على شطِّ آياتٍ عظيمةٍ من القرآن رأيت الأنس فيها، والاطمئنان بمناراتها، والزَّادَ بتدبُّرها، والسكينة بتلاوتها والنُّورَ في تَأمُّلها.



    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    (( ما أَصَابَ من مصيبةٍ في الأرضِ ولا في أَنْفُسِكُمْ إلا في كِتابٍ من قبلِ أن نبرَأَها إنَّ ذلكَ على الله يسير لكي لا تأسوْا على ما فَاتَكُمْ ولا تَفرحوا بما آتاكم والله لا يحبُّ كلَّ مختالٍ فَخُور )) الحديد (22-23)



    لنواجهَ الوَاقِعَ بفاعليةٍ وتفاعل، وإيجابيةٍ وتفاؤل، وصدقٍ ويقين، وعزمٍ ويمين قبلَ أن تَغرَقَ السَّفينةُ فلا ملجأَ لنا إلا إلى الله، ولا مَلاذَ لنا إلا به، ولا عزَّةَ لأمَّتنا إلا بالتَّمَسُّكِ بِدينه الذي ارتضاه.



    (( ولَيَنْصُرَنَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُه إِنَّ اللهَ لَقَويٌ عَزيز )) الحج (40)



    المرجع:http://www.palestine-info.info/arabic/palestoday/readers/recentpoem/safeenah.htm
     

مشاركة هذه الصفحة