السباق إلى العقول الحلقة (45)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 492   الردود : 0    ‏2003-03-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-17
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل الحلقة (45)

    الوسيلة التاسعة : المساجد.

    المساجد بأئمتها وخطبائها منطلقات للسبق بالحق إلى العقول.

    إن المساجد من أعظم المنطلقات للسباق إلى العقول، وهي من أقوى الوسائل وأشملها في ذلك، إذا استغلت استغلالاً شاملاً في كل البلدان الإسلامية.. فهي من حيث البناء توجد في كل مدينة وفي كل قرية، بل في كل حي، يتسابق صالحو المسلمين إلى بنائها وتشييدها..

    وللمساجد حرمتها في نفوس المسلمين، يلتقون فيها لأداء الصلوات الخمس في جماعة، ويصلي بعضهم فيها بعض النوافل كما يصلون فيها التراويح جماعة، وكذلك صلاة العيدين وصلاة الكسوف، وقد يصلون فيها صلاة الاستسقاء.. فهي في الأصل محل لأداء العبادات الجماعية..

    فإذا وجد في كل مسجد إمام كفؤ، يحفظ القرآن الكريم أو كثيراً منه، عنده مقدرة على التأثير في الناس بالخطب والمواعظ، وعنده علم يفيد المتعلم والمستفتي، وعنده اطلاع على قضايا الناس الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أي إنه فقيه بقضايا العصر ومشكلاته، مخلص لله في عمله، محب لقضاء حاجات الناس متودد إليهم مخالط لهم، ساع في جمع كلمتهم وحل مشكلاتهم..

    فإن هذا الإمام سيكون قطب جماعة المسجد ومحور كافة شؤونهم، يلتفون حوله، ويتعلمون العلم على يديه، ويسارعون إلى سماع خطبه ومحاضراته، ويسألونه عما أشكل عليهم، ويستفتونه في الحلال والحرام، ويلجأون إليه للصلح بين المتخاصمين منهم، فهو لهم بمنزلة الأب للأبناء والراعي للرعية.

    يقيم لهم حلقات العلم بحسب فئاتهم وحاجاتهم، يعلمهم فروض العين وفروض الكفاية، ويغرس في نفوسهم الإيمان والأخلاق الفاضلة، ويحبب إليهم العمل الصالح، ويتخرج على يديه طلبة العلم الذين يصبحون مثله ينشرون العلم والخير..

    يكون المسجد به وبهم وبجماعته مثل خلية النحل في تعلم وتعليم، وعبادة وذكر، وسماع أمر بمعروف ونهي عن منكر، وتفسير قرآن وشرح حديث، وفقه أحكام، ورد شبهات، وبالجملة بيان كل ما فيه مصلحة للأمة ودعوة إليه، وتوضيح كل ما فيه ضرر عليها وتنفير منه.

    وهنا يكون السبق الحقيقي للحق إلى العقول، والحماية لها من الباطل والطرد له من أن يصل إلى عقول جماعة المسجد وأسرهم التي ستتأثر بعلمهم وسلوكهم.

    ولا يلزم أن تكون هذه النشاطات كلها صادرة من إمام واحد وخطيب واحد ومعلم واحد، بل يمكن أن يختار للمسجد الواحد عدد من العلماء والخطباء والأئمة، ليتعاونوا على القيام بهذه المهمات..

    وقد يكون لكل نشاط واحدٌ أو أكثرُ، كالخطابة والتعليم والإمامة، بحسب كبر المسجد وصغره وكثرة جماعته وقلتهم وكثرة طلبه العلم فيه وقلتهم كذلك.

    خطب الجمعة ودورها في السبق إلى العقول.

    ومن أهم وظائف أئمة المساجد وخطبائها، خطبة الجمعة التي يحضرها المسلمون كلهم - في الغالب -المكلف منهم بالحضور، وهم الكبار، وغير المكلف وهم الصغار والنساء، والحاكم والمحكوم والخادم والمخدوم..

    وكلهم ينصت لخطبة الجمعة على سبيل العبادة، دون كلام ولا لغط ولا لهو في كل بلدان المسلمين في يوم واحد، ولا توجد خطبة يجب حضورها عيناً على جميع المكلفين - إلا من عذر - غير خطبة الجمعة، ومع حضورها يجب الإنصات لها وعدم التشاغل عنها.

    وبهذا تعتبر خطب الجمعة فرصة يجب أن يغتنمها الخطباء، فيقدموا للناس فيها ما يفيدهم في دنياهم وأخراهم، وينبغي أن يهتم الخطباء بما يكون الناس في حاجة إلى بيانه في هذه الخطبة، مما يمس حياتهم الحاضرة، سواء تعلق بأمور الإيمان - أصوله وفروعه - أو بالأخلاق - بأي جزئية منها - أو بالشؤون الأسرية والاجتماعية، أو السياسية أو العسكرية أو الإعلامية.

    وهذا يقتضي أن يفتش الخطيب عن الأحداث التي تدور في الأسبوع في الحي، أو في القرية، أو في المدينة، أو في القطر، أو في أي بلد من بلدان المسلمين، أو في العالم الرحب الذي يشمل المسلمين وغيرهم..

    ثم يختار الموضوع الذي يراه أولى وأكثر التصاقا بحياة الناس، ويعد خطبة الجمعة فيه إعدادا يجعلها مفيدة للمسلمين في مسجده أو في خارجه - إذا أذيعت في المذياع أو في التلفاز أو سجلت في شريط ووزعت.

    وبهذا يستطيع خطباء المساجد أن يكونوا أكثر سبقاً بالحق إلى عقول الناس - وبخاصة المسلمين -.

    وينبغي أن يتم تنسيق بين أئمة مساجد الأحياء والمدن والقرى، في أخذ كل واحد منهم أو طائفة موضوعاً من الموضوعات، وإعداد الخطبة أو الخطب فيه، وهكذا حتى تطرق في اليوم الواحد وفي المدينة الواحدة وفي القطر الواحد الموضوعات التي تدعو الحاجة إلى طرقها.

    وإذا اقتضى الأمر أن يخصص خطباء المدينة كلهم أو القطر الواحد كله موضوعاً واحداً لخطبهم في يوم واحد، لكونه أهم أحداث الساعة فعلوا ذلك..

    بل لو اقتضى الأمر أن يتفق خطباء المساجد الكبرى في العالم الإسلامي كله، على أن تكون خطب الجمعة كلها في يوم واحد في موضوع واحد، فعلوا ذلك لكون الموضوع يتعلق بقضية عامة يحتاج لبيانها جميع المسلمين.

    وقد أصبح هذا الأمر اليوم ممكناً عن طريق وسائل الاتصال السريعة، وبخاصة الهاتف والفاكس، والإنترنت...

    ومما يحقق هذا التنسيق تكوين رابطة لأئمة المساجد في المدن والقرى في القطر الواحد، ثم في أقطار المسلمين كلها، بحيث يتم عن طريق هذه الرابطة تدارس أحوال المسلمين وحاجاتهم وما ينبغي اتخاذه في كل شأن من شؤونهم.

    إن أئمة المساجد لو فعلوا ذلك كان لهم دور كبير في سبقهم بالحق إلى العقول محلياً وعالمياً، وكان للمساجد دور عظيم في هذا الشأن.

    وهذا كان شأن المساجد وأئمتها وخطبائها في عصور الإسلام المفضلة، ويجب على المسلمين أن يسعوا لإعادة ذلك الشأن لمساجدهم.

    تفاوت المساجد وأثره في السبق إلى العقول.

    وكلما كان المسجد أكثر فضلاً واحتراماً في نفوس الناس،كان أجدر بأئمة وخطباء وعلماء أكثر كفاءة وقدرة على القيام بواجبهم على مستوى ذلك المسجد..

    فلا يستوي بيت الله الحرام وغيره من المساجد، ولا المسجد النبوي وغيره من المساجد الأخرى، وهلم جرا... كبيت المقدس ثم الجامع الأزهر، والجامع الأموي، وجامع الزيتونة وجامع القيروان...

    كما لا تستوي مساجد الأحياء الصغيرة والجامع الكبير في أي مدينة من المدن. ولا يستوي مسجد غالب جماعته مثقفون، وآخر غالب جماعته أميون أو غير مثقفين، فكل مسجد ينبغي أن يوضع فيه الإمام والخطيب والعالم المناسب له.

    إن الإمام الكفء قادر على أن يسبق إلى العقول بالحق سبقاً يعجز أهل الباطل عن أن يسبقوا بباطلهم إلى عقول جماعة مسجده، مع تفوق وسائلهم وإمكاناتهم التي غالباً ما تكون إمكانات دولة بأكملها، كما هو حال الدول العلمانية.

    ذلك أن الإمام الكفء تتفتح لصوته الآذان عبادةً، كما تتدبر ما يقرؤه أو يتكلم به العقول كذلك تعبداً، وتلين لمواعظه وزواجره القلوبُ التي يسرع أهلها إلى طاعة الله رغباً، وينزجرون عن عصيان أوامره وترك نواهيه رهباً..

    وبخاصة أن الإمام يتلو عليهم آيات القرآن في الصلاة الجهرية، فيختار في قراءته من الآيات ما يناسب القضايا النازلة التي تعرض للمسلمين في مدنهم وأحيائهم وبلدانهم..

    فإذا كان المقام مقام اعتداء من أعداء المسلمين على أحد أقطارهم، أكثر من آيات الجهاد والتعاون والتناصر..

    وإن كان المقام مقام ظلم وقهر على شعب من الشعوب الإسلامية أكثر من قراءة آيات العدل والأمر به، والآيات الناهية عن الظلم والعدوان، والمبينة لمصائر الطغاة، كفرعون وهامان وجنودهما..

    وإذا كان الوقت وقت تفسخ وتحلل أخلاقي أكثر من قراءة الآيات التي تدعو إلى الأخلاق الحسنة وتنهي عن الأخلاق السيئة..

    وإذا كان المقام مقام محاربة لتحكيم الشريعة الإسلامية أكثر من قراءة الآيات الإيمانية والآيات الآمرة بتحكيم شرع الله والناهية عن تحكيم الطواغيت..

    وإذا كان المقام مقام خلاف وشقاق بين المسلمين اختار قراءة الآيات الداعية إلى الوحدة الناهية عن التفرق والتنازع..

    وإذا كان المقام مقام ضعف الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والميل إلى موالاة أعداء الله من أهل الكتاب أو المشركين أكثر من قراءة آيات الولاء والبراء..

    وإذا كان المقام مقام تفشي المنكرات والسكوت عنها أكثر من قراءة الآيات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر..

    وإذا كان المقام مقام كوارث وزلازل وحروب ومجاعات يحتاج المصابون بها إلى مد يد العون بالمال والطعام والكساء والإيواء أكثر من قراءة آيات التعاون والإنفاق والصدقة والزكاة..

    وهكذا لا يكاد يوجد باب من أبواب الخير إلا وجد الإمام الكفء من آي القرآن ما يذكر به الناس في صلاتهم للمسارعة إلى عمل الخير في ذلك الباب، ولا باب من أبواب الشر إلا وجد الإمام الكفء في آي القرآن ما يذكر الناس ويحضهم على مقاومته، ويحذرهم من الوقوع فيه.

    والمسلمون في أمس الحاجة إلى من يربط أحوالهم وقضاياهم بالقرآن، وبخاصة في أوقات الصلاة التي يصغون فيها إلى كتاب الله وهو يتلى عليهم في بيوت الله.

    هذا كله يحصل من مجرد قراءة القرآن في الصلاة.

    فإذا ما قام الإمام بعد انتهاء الصلاة، فتلا آية أو آيات مناسبة للمقام، وفسرها تفسيراً موجزاً، وبين مقصدها، وحرك مشاعر المصلين بموضوعها، وأيقظ عقولهم إلى تدبرها، فقد زادهم بذلك نورا على نور.

    وإذا حصل هذا في أغلب مساجد المسلمين، فإنه سيحدث أثره الطيب في جماعة المسجد وأسرهم وجيرانهم ومشار كيهم في أعمالهم الوظيفية وغيرها، وستصبح المساجد مصادر قوة وفقه ووحدة وتعاون وطاعة، وستستعصي عقول الأمة الإسلامية على محاولات أهل الباطل السبق إليها بباطلهم.. بل سيصبح المسلمون هم السباقين إلى عقول الناس بحقهم..

    وستقضي حركة المسجد على كثير من المشكلات التي يشكو منها المسلمون اليوم شعوباً وحكومات، كتعاطي المسكرات والمخدرات، والاعتداء على النفوس والأموال والأعراض وغيرها..

    وستقطع الطريق على أجهزة الإعلام الموجهة عن طريق الأقمار الصناعية لإفساد عقول المسلمين وقلوبهم، لأن التربية الناشئة من المسجد ستكون سداً منيعاً في وجه كل فساد.

    تدريب حفظة القرآن على السبق بالحق إلى العقول.

    إن هذه المعاني يجب أن يُفَقَّهَ بها الناشئون من حفظة كتاب الله وهم كثيرون في العالم الإسلامي، لأن كثيراً منهم يصبحون أئمة وخطباء في مساجد المسلمين الكبيرة والصغير.

    ويجب أن يوضع لهم منهج متدرج يفسر لهم فيه القرآن الكريم تفسيراً موضوعياً مرتبطاً بواقع المسلمين وحاجاتهم وقضاياهم، حتى يكونوا قراء يقتدون بابن عباس، وبالشبيبة الذين كان عمر بن الخطاب يجعلهم في مجلس شوراه تكريماً لهم واستفادة من علمهم.

    ولا ينبغي أن يقتصر حفظة القرآن الكريم على حفظ ألفاظه وتجويدها - وإن كان ذلك عبادة في ذاته -بدون فهم لمعانيه ومقاصده التي لا بد من توعية الناس بها.

    وعلى القائمين على مدارس تحفيظ القرآن الكريم أن يولوا هذا الأمر عنايتهم، ليكون طلابهم أهل القرآن حقاً.. كما كان السلف الصالح..

    وليسوا كما عليه كثير من القراء اليوم الذين يقرؤون القرآن من أجل أخذ أجر عليه في المآتم وأجهزة الإعلام...
     

مشاركة هذه الصفحة