الإنسان ،،،،، كائن ،،، ثلاثي

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 452   الردود : 0    ‏2003-03-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-16
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    الإنسان ،،،،، كائن ،،، ثلاثي
    ما هو هذا الجزء من الإنسان الذي يسكن في الجسد؟

    أو ما هو تكوين الإنسان الطبيعي كما يحدده الكتاب؟

    من 1 تسالونيكي 23:5 هو: أن الإنسان روح ونفس وجسد كما هو مكتوب «وإله السلام نفسه يقدسكم بالتمام (أي كلاً منكم بجملته). ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة (أي بجملتها) بلا لوم عند (أو إلى) مجيء ربنا يسوع المسيح» والواضح أن الطلبة هي لأجل تقديس الإنسان كله أو بجملته لله. ولتأكيد هذه الكلية يُقسَّم الإنسان إلى أجزائه الثلاثة التي يتكون منها لكي يتضح جلياً أن تقديس الإنسان كله معناه حفظ «الروح والنفس والجسد» بلا لوم أمام الله.

    هذا أمر ينكره بطبيعة الحال أصحاب الاعتقاد أن الجسد هو كل الإنسان، ولكن هناك أيضاً كثيرون ينكرونه ممن هم بعيدون كل البعد عن هذا المعتقد. ومن ثم فلهذا التقسيم أهميته القصوى ولا بد من فحصه بكل دقة وعناية وإثبات صحته بكل ما يمكن من أدلة قبل أن يحق لنا اعتباره حقيقة مقررة.

    إن تفاسير الماديين لهذا النص غامضة متناقضة تدل على ما وراءها من ضلالة لا أساس لها، وكلها ترمي إلى إحلال العقل والحياة والجسد محل الروح والنفس والجسد، وفي سبيل تهربهم من معنى هذه الكلمات الواضح لا يتورعون عن الادعاء - رغم كل مناقضة - أن بعض النُسّاخ قد استبدلوا الكلمات الأصلية بالكلمات الموجودة في النص ومع ذلك فالعقل عندهم كما أسلفنا ليس سوى قوة فطرية طبيعية في الجسد، حتى أنهم يتحدثون عن "الجسد الذي يفكِّر" .. أما الحياة فلا يمكن أن تكون معادلة «للنفس» حيث أن النفس في اعتقادهم ليست الجسد، ولا يمكن أن يكون الجسد هو حياة الجسد!! أما الحقيقة فهي أن النفس حياة الجسد، ولذلك فإن الكتاب يستعملها أحياناً للتعبير عن الحياة بمعنى ثانوي.

    ثم إنهم يُعلِّمون أن الحياة هي ثمرة الحياة في الجسد، وأن نسمة الحياة هي الروح، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون العقل مرادفاً للروح في النص الذي نحن بصدده ما داموا يعتبرون العقل قوة فطرية في الجسد. والرأي عندهم أن اتحاد الجسد بنسمة الحياة (أو الروح) ينتج الحياة (أو النفس) فكيف يطلب الرسول من أجل تقديس هذه الثلاثة أو حفظها بلا لوم؟ أيطلب من أجل تقديس الجسد ونسمة الحياة والحياة الناشئة عنها؟ هذا لا يمكن أن يكون.

    أما البعض الآخر فيفسرون «الروح» هنا بأنها طبيعة جديدة روحية باعتبار أن «المولود من الروح» هو كائن جديد روحي، ومعنى ذلك أن الشخص المولود من الروح يتكون من روح ونفس وجسد. أما أن طبيعة أولاد الله الجديدة هي «روح» كما يقول سيدنا «المولود من الروح هو روح» (يو 6:3) فهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره ولكن الجسد (flesh) الذي لا يمكن أن يخرج منه شيء صالح باعتباره الطبيعة الفاسدة القديمة يُصبح تبعاً لمنطق أصحاب هذه النظرية هو النفس والجسد (body) وكأن الرسول في هذه الحالة يضعه جنباً إلى جنب مع الطبيعة الجديدة ويطلب التقديس لكليهما!! وهنا لا يسعني إلا أن أحيلهم إلى ما يقوله الرسول نفسه في رومية 7:8، 8 حيث يقرر أن «اهتمام الجسد هو عداوة لله، إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله، لأنه أيضاً لا يستطيع» وهذا هو السبب في أن «الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله» حتى أن الذي استطاع في الأصحاح السابع أن يقول: «بذهني أخدم ناموس الله»، أردف ذلك بالقول «لكن بالجسد ناموس الخطية» (ع 25) فإذا كان هذا حال النفس والجسد فقد ضاع الأمل في حفظهما «بلا لوم إلى مجيء ربنا يسوع المسيح»!

    أما الواضح من 1 تسالونيكي 23:5 فهو أن النفس والجسد يعنيان التكوين الطبيعي للإنسان، وينبغي أن يكون واضحاً كذلك أن «الروح» تشير أيضاً إلى هذا التكوين الطبيعي. ولن يجدي القول إن الجسد يحتاج إلى روح ونفس ليصبح قادراً على التقديس لأن هذا يكون معناه أن الجسد هو الجزء الوحيد الذي يمكن تقديسه ولا يكون هناك معنى للتحدث عن تقديس مجرد الأداة التي تحركه أو تحييه. والحق إن النص موضوع تأملنا لا يمكن تفسيره معقولاً بدون الاعتراف بتكوين الإنسان الثلاثي المتميز في عناصره، المتحد في كيانه.

    بقي علينا أن نسأل سؤالاً آخر، وهو السؤال الوحيد الذي يعوزنا أن نسأله قبل أن نترك هذه النقطة. ألا يمكن أن تشير «الروح» هنا إلى الطبيعة الجديدة الروحية التي هي باعتراف الجميع لكل واحد من أولاد الله؟ إذا كان الأمر كذلك، أو إذا كان هناك أي ظل لفكر كهذا، فكيف ساغ للرسول أن يطلب تقديس الروح وهي بطبيعتها طاهرة ولا تحتاج إلى تقديس؟ إن طلبه هذا برهان قاطع على أن الطبيعة الجديدة ليست المقصودة، لأن التعليم الكتابي هو كما أن «المولود من الروح هو روح» كذلك «كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله» (1يو 9:3) ويتضح من هذا بصفة قاطعة أن الروح المطلوب تقديسها في 1 تسالونيكي 23:5 ليست هي الطبيعة الجديدة التي لا تحتاج إلى تقديس. إني أعلم تماماً أنني أمسُّ هنا تعليماً ليس مألوفاً لدى الكثيرين من المسيحيين، ومع ذلك فلضيق المقام ليس في وسعي إلا أن أكتفي بمجرد الإشارة إليه. وإنما أقول فقط إن المولود من الله منظور إليه هنا في صفته كمولود من الله ليس إلا. إن الجسد (flesh) أو الطبيعة القديمة الفاسدة، موجودة فعلاً في المؤمن، ولكن كشيء أجنبي عنه، ولذلك فإن «الخطية الساكنة فيَّ» (رو 17:7) هي من هذه الناحية ليست أنا. إن الطبيعة الجديدة لا تعترف بأية إخوّة لها. والمؤمن كمولود من الله لا يخطئ، بل لا يستطيع أن يخطئ. وهكذا يتضح أن الطبيعة الجديدة باعتبارها صادرة من الله هي بجملتها بحسب الله، ولا يمكن أن يكون فيها جزء شرير يراد تقديسه. فالقول: «المولود من الروح هو روح» معناه الاشتراك في طبيعة ذاك الذي هو مصدرها. فإذا كان الأمر كذلك، فإن الخطية لا يمكن أن تصدر عن الطبيعة الجديدة، لأنها من الله، ونحن كمولودين من الله لا نستطيع أن نخطئ، ولذلك فإنك لا تستطيع أن تتحدث عن تقديس المولود من الله. إنه من الله لذلك هو طاهر كله.

    وليس المقصود بالروح هنا "حركة" النفس لأن النفس مذكورة مستقلة وليس من المعقول التحدث عن تقديس النفس وحركتها، فإنك إن قدستها تقدست حركتها تبعاً لذلك. إذن وإن كان قد أُطلق على الطبيعة الجديدة لفظة «روح» إلا أنها ليست هي «الروح» التي يطلب الرسول من أجل تقديسها، وإنما هو يقصد الروح البشرية التي هي أحد الأجزاء الثلاثة التي يتكون منها الإنسان، في صورته الحاضرة.

    وهنا نعود مقتنعين واثقين إلى النتيجة التي بدأنا بها وهي أن «الروح والنفس والجسد» هي الإنسان بجملته. وسيتجلى واضحاً قوياً الإثبات الكافي لهذه الحقيقة بكل جزء من أجزاء الكتاب كلما تقدمنا في تأملاتنا بالتفصيل في هذه العناصر الثلاثة.
     

مشاركة هذه الصفحة