صدام حسين.. القافز إلى السلطة

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 500   الردود : 0    ‏2003-03-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-09
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    رانية خلاف **



    أعجب علاقات صدام بلا شك هي علاقته برجل مصري بسيط التقاه في الفترة التي قضاها هاربًا بمصر، فقد قادته وحدته إلى قضاء وقت طويل مع حارس العمارة التي كان يعيش فيها في حي "الدقي"، كان الحارس يعامله بشكل طيب وهو ما ترك أثرًا عميقًا على شخصية صدام الذي لم ينس ذلك الرجل أبدًا، ودأب صدام على إرسال الهدايا إليه بشكل منتظم حتى حرب الخليج.
    [​IMG]


    ولد صدام حسين لأسرة فقيرة، وعاش طفولة أقرب إلى البؤس، فمنذ البداية اختير له اسم يتسم بالعنف؛ فالنطق الصحيح لاسمه ليس صدّاما بتشديد الدال ولكن صُدام بضم الصاد، وهو ما يعني التصادم أو إحداث صدمة!

    وينبئنا اسم صدام عن خلفيته الطبقية؛ فأهل العراق من الطبقة الأرستقراطية السنية يطلقون على أبنائهم أسماء رفيعة معظمها قد تم تعريبه خلال فترة الحكم التركي العثماني، أما السنة من الطبقة المتوسطة فهم يبارون الطبقة العليا ويجتنبون الأسماء التي تتضمن معاني عنف، ومعظم أسماء الشيعة لها مرجعية دينية، بينما يتبع الأكراد والأقليات الأخرى تقاليدهم الخاصة، فقط الطبقة الدنيا من المجتمع السني والقبائل البدوية المرتحلة هم الذين يستخدمون أسماء تنبئ عن العنف والقوة.

    اضطراب تاريخ الميلاد.. ماذا يعني؟

    [​IMG]
    ويبدو أن الغموض لا يحيط فقط بشخصية صدام، ولكن بتاريخ ميلاده أيضًا، فطبقًا لما أعلنه صدام ذاته أنه قد ولد في 28 إبريل 1937، وفي 1980 أعلن هذا التاريخ عيدًا رسميًّا في العراق، ولكن الكاتب العراقي الدكتور حامد البياتي قد أظهر شهادة ميلاد موثقة بتاريخ 1 يوليو 1939، ويؤكد ذلك العديد من العراقيين، وربما يفسر ذلك أن القرويين البسطاء غالبًا ما يقومون بتسجيل تاريخ المولود بعدها بشهور ليبدو صغير السن، وربما يكون السبب هو تحرجه من زواجه ممن هي أكبر منه سنا، حيث تزوج من ساجدة التي ولدت عام 1937.

    والدته هي "صبحة طفلح المصلات"، كانت شخصية قوية جدًّا يقول البعض بأنها أقوى كثيرًا من شخصية زوجها، عاشت في تكريت حتى وفاتها عام 1982، وقد بنى لها صدام مقبرة فاخرة وأطلق عليها "أم المجاهدين".

    أما والده حسين الماجد فقد توفي قبل ولادة صدام ببضعة أشهر، وقد تعددت الأقاويل التي فسرت سبب وفاته ما بين وفاة لأسباب طبيعية، أو مقتله على يد قاطع طريق.

    الحياة القاسية التي لا يخفيها صدام

    صدام في عيد ميلاده الستين وسط أسرته

    عاش صدام مع أمه وإخوته في بيت بسيط في قرية الأوجة، يتكون من غرفة واحدة ذات أرض طينية، غير مزودة بالاحتياجات الأولية كالمياه الجارية والكهرباء، وقد حكى صدام لأمير إسكندر كاتب سيرته الذاتية: "لم أشعر أنني طفل أبدًا، كنت أميل للانقباض وغالبًا ما أتجنب مرافقة الآخرين". ولكنه وصف تلك الظروف بأنها منحته الصبر والتحمل والاعتماد على الذات.

    ومن ضمن ما حكاه صدام لإسكندر أنه عاش حياة شقية اندفع إليها بسبب الفقر، كان يبيع البطيخ في القطار الذي كان يتوقف في تكريت في طريقه من الموصل إلى بغداد كي يطعم أسرته، وتروي حكايات أخرى بأنه كان يمسك بعصا حديدية ليقتل الكلاب الضالة في الطريق.

    انتقل صدام للعيش مع خاله خير الله طفلح عام 1947 الذي كان يعمل مدرسًا في قرية الشاويش بالقرب من تكريت، وقد التحق صدام بالمدرسة في سن الثامنة أو العاشرة، وقد سبب ذلك له معاناة شديدة بسسب سخرية رفاقه منه بسبب كبر سنه عنهم، ولكن صدام اشتهر بأن له ذاكرة قوية، وبشكل خاص ذاكرة بصرية.

    وتنبئ صورتان قد بقيتا من هذه المرحلة عن صبي له وجه مستدير، وشعر ناعم مستقيم، وأذنان كبيرتان، وعينان صغيرتان ثاقبتان، وتعبير بائس بعض الشيء على وجهه، وفي سن الخامسة عشرة تحول هذا المظهر لتظهر الصور شابًّا وسيمًا أكثر هدوءاً وسعادة بابتسامة جذابة ووميض في عينيه الصغيرتين، بينما يرتدي رداءً عربيًا تقليديًّا ويغازل الكاميرا.

    حياة العسكر التي عاشها
    وفي بداية الخمسينيات انتقل للعيش مع خاله في بغداد، حيث تعلم الكثير فيما بعد من رفقاء خاله من العسكريين، ثم اندمج صدام فيما بعد في النشاط السياسي، حيث التحق بحزب البعث المعارض آنذاك، وسطع نجم صدام بسرعة في الحزب، وفي عام 1959 ساعد في تدبير محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم الرئيس العسكري للعراق في ذلك الوقت، ثم هرب صدام إلى القاهرة بعد إصابته وقاسم أيضا.

    التحق صدام بمدرسة قصر النيل الثانوية بحي الدقي حيث كان يعيش، ومنذ عام 1959 وحتى تخرجه عام 1961 عاش حياة النفي السياسي، منشغلاً بالأحداث السياسية التي تدور في بلده، وكان يعيش على المرتب البسيط الذي تصرفه له حكومة الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا آنذاك)، حكى عن نفسه أنه "كان يتخذ من عبد الناصر مثلاً أعلى له يحاول تقليده"، ولم يعرف عنه في هذه الفترة ميل لحياة الليل والسهر، كما كان شغوفًا بالقراءة ومولعًا بالشطرنج.

    الارتقاء البعثي.. والحلم بالرئاسة
    التحق صدام بكلية الحقوق لدراسة القانون، ولكن انشغالاته السياسية دفعته لعدم استكمال دراسته، وبهروبه للقاهرة لم يتعرض صدام للمحاكمات العلنية التي أجريت على المشاركين في محاولة اغتيال قاسم، خاصة أن قيادة الثورة بمصر تعاطفت مع هذه المحاولة.

    وبينما كانت تتم تلك المحاكمات كان صدام يعيش في القاهرة في فرصة للتفكير العميق، فحين كان يحتسي الشاي في مقاهي إنديانا وتريومف ظل يفكر في مستقبله السياسي، ويكتب رسائل لأسرته بشكل دائم.

    احتفل صدام عام 1962 بزواجه من ساجدة ابنة خاله التي كانت لا تزال في العراق في ذلك الوقت حيث أقام احتفالاً كبيرًا لرفقائه المنفيين، وقد تم العقد عن طريق المراسلة، في تلك الأثناء كثف نشاطه في مكتب حزب البعث بالقاهرة، وسرعان ما انتخبه النشطاء السياسيون من زملائه، وأغلبهم من الطلبة عضوا في اللجنة القيادية لهذا الفرع.

    كانت المخابرات المصرية تحاول السيطرة على صدام ورفقائه من العراقيين؛ لذا فقد خضعت شقته لتفتيش دقيق عدة مرات، وكان هناك سبب وراء سعي المخابرات المصرية لتفتيشه وهو تأييد قيادة حزب البعث في سوريا لانفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 وربما يكون هناك سبب آخر وهو أنها كانت تبحث في شقته عن أسلحة بعد أن وصلتها معلومات عن اتصالات بين صدام والسفارة الأمريكية بالقاهرة عام 1961.

    وبعد انقلاب 1968، بدا صدام حسين عضو الحزب البعثي ذو الثلاثين عامًا، يمثل أمل الشعب المرتقب في قيادة البلاد.

    خطوة خطوة نحو الهيمنة
    [​IMG]

    كان الجميع في اجتماعات حزب البعث يتذكرون مقولة صدام: "حينما نستولي على الحكومة سأحول هذا الوطن إلى دولة ستالينية"، وبالنسبة لمقاييس الانقلابات العسكرية التي تعتمد كثيرًا على العنف، فإن انقلاب البعث 1968 لم يكن حدثا يُذكر، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن عملاء حزب البعث من القادة العسكريين قد تركوا رئيسهم عبد السلام عارف دون أدنى مساندة.

    ارتدى صدام البدلة العسكرية لملازم أول، واعتلى ظهر إحدى الدبابات لأول مرة في تاريخه -كما ذكر هو فيما بعد- وبمساعدة الحرس الرئاسي المتآمر استطاع البعثيون أن يتحركوا إلى المجمع الرئاسي في الثانية من صباح يوم 17 يوليو، واستطاعوا بسهولة دخول القصر لمواجهة عارف، كان المناخ العام في بغداد ينبئ بحدوث مثل هذا الانقلاب، لقد كان انقلابًا "أبيض" بشكل أو بآخر، وطبقا لقادة الانقلاب فإنه قد تم إطلاق دورتين من النار فقط تهديدًا للرئيس عارف، ولكن لم يحدث أي قتال.


    صدام والبكر.. ابتسامات لم تدم طويلا
    مع تنصيب أحمد حسن البكر رئيسًا للجمهورية بدأ صدام يجمع السلطة في يده بطريقة حثيثة، فحينما كان مسئولاً عن الأمن كان مسئولاً أيضا عن إدارة الفلاحين، وسرعان ما وضع التعليم والدعاية تحت نطاق سيطرته، وما لبث أن تولى صدام رسميًّا منصب السكرتير العام لمجلس قيادة الثورة في يناير 1969، وبعد ذلك بعدة أشهر بدأ وصف صدام باسم السيد النائب.

    وفي ذلك الوقت كان القادة الكبار في حزب البعث سعداء بلعب دور الأب الروحي، وهو ما سمح بأن تُترك كل إدارة المشاكل لصدام وكذلك المسئوليات؛ فقد نُصب صدام رئيسًا رسميًّا لحزب البعث الحاكم، وهو ما تمكن معه في نهاية عام 1970 أن يحتكر السلطة فعليا في العراق.. تمهيدًا للاستيلاء عليها نهائيا في يوليو 1979؛ حيث اضطر البكر إلى الاستقالة وتسليم كل مناصبه لصدام حسين، وقابله صدام بتحديد إقامته في منزله إلى أن توفي في أكتوبر 1982.

    كان صدام يعمل في ذلك الوقت من 14 إلى 16 ساعة يوميا، ومن بين أهم الأعمال التي لاقت ترحيبا من العامة والتي قام بها صدام في بداية توليه السلطة الإفراج عن آلاف المعتقلين، ومن الطريف أنه قال كلمة صاحبت هذا الحدث جاء فيها: "إن القانون فوق الجميع، وإن اعتقال الناس دون إعمال القانون لن يحدث ثانية أبدا"!!

    ليس هذا فحسب بل عمد صدام إلى التقرب للشعب العراقي وللمواطن البسيط حتى وصفه أحد المعارضين الكبار بقوله: "لقد أبدى صدام تفهمًا حقيقيًا لأحوال الناس البسطاء أكثر من أي زعيم آخر في تاريخ العراق".

    والسؤال الآن.. هل يصمد صدام العجوز في التحديات الصعبة التي يواجهها؟ أم تكون هذه لحظة إسدال الستار؟!
     

مشاركة هذه الصفحة