عشنا وشفنا .. مظاهرة في فنجان

الكاتب : ابـن اليمـن   المشاهدات : 517   الردود : 1    ‏2003-03-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-03-07
  1. ابـن اليمـن

    ابـن اليمـن عضو

    التسجيل :
    ‏2002-08-13
    المشاركات:
    60
    الإعجاب :
    0
    تماماً كما كان يقوم السيد صفوت الشريف وزير الإعلام المصري، باستكتاب الشعراء واستنطاق المطربين والملحنين طوال السنوات الماضية، التي وصفت ـ تندراً ـ بـ "حقبة الأوبريتات"، حيث كان يدشن لكل مناسبة "الأوبريت" اللائق بها، فتارة "أوبريت" للأمن، وأخر "للجيش" وثالث لوزارة الري، ورابع لتجديد البيعة، وخامس لشهر أكتوبر، وسادس لشهر يونيو، وبهذا المنطق "الأوبرالي" أخرج السيد صفوت الشريف "أوبريت" من طراز جديد، في صورة "مسيرة حزبية"، أو "تظاهرة شعبية"، حشد لأجلها كل ألوان الطيف من معارضة مدجنة، هي في مجمل أوضاعها ليست أفضل من السلطة، بل ربما أسوأ كثيراً، وفنانين ومذيعين يدركون حجم المخاطرة التي يمكن أن تترتب على رفض "التكليف"، أبسطها تجاهل الفنان أو المذيع واستبعاده من كل مشروعات "المنظومة" التي باتت تحتكرها وزارة الإعلام المصري في سياق ممارسات "غوبلزية"، أجزم أنه حتى في سنوات الصراخ الثوري، والنعيق القومي في الستينات لم يصل الحال إلى هذا المستوى من السطوة الرسمية، ناهيك عن تطور الامكانيات بشكل هائل تتوارى خجلاً أمامه قدرات الإعلام المتواضعة في تلك الأيام الخوالي، حيث كان الأمر يقتصر على ميكروفون إذاعة "صوت العرب"، وثلاث صحف.
    حشد الشريف كل هذه الجموع، من موظفين وعمال وطلاب ومعارضين "رسميين" وفنانين "رسميين أيضاً"، في ما يمكن وصفه بتعبير "مظاهرة في فنجان"، وصدرت التعليمات رسمياً باعتبار اليوم الذي سيخرج فيه الموظفون في المسيرة مدفوع الأجر، على أساس أن هذه المسيرة "عمل قومي"، لا بأس أن يتحمل كلفته البسطاء ودافعو الضرائب عن طيب خاطر، ناهيك عما سببته هذه "المسيرة" من ارتباك كاد يصيب القاهرة المكدسة أساساً بشلل رباعي.
    أما المثير للسخرية حقاً فهو الإلحاح الإعلامي الفج على بث الأغنيات الوطنية التي ارتبطت في وجدان المستمع العربي بالخديعة الإعلامية الكبرى التي سبقت نكسة حزيران (يونيو) عام 1967، التي لازلنا ندفع ثمنها حتى اليوم، وهو أمر يثير نفس الدهشة لدى الألمان في ما لو افترضنا مثلاً أنهم فوجئوا ذات صباح بإذاعاتهم تبث مارشات النازية واغنياتها الآن، الفارق الوحيد أن الألمان لن يقبلوا هذا العبث، أو على الأقل لن يعلنوا الاستمتاع به كما نفعل نحن الآن شعوباً وحكومات.



    الطريقة الشاذلية
    وللحق فلم يكن الشريف وحده هو المحرك لهذه "المسيرة في فنجان"، بل كان هناك لاعب آخر، له باع ومليون ذراع اسمه كمال الشاذلي، وهو وزير ومسؤول حزبي "حاكم" مزمن في المشهد السياسي المصري، فمنذ أن تفتحت عيني على الدنيا وأنا أراه كما هو "مسؤولاً ضخماً"، تبدلت الأنظمة هنا وهناك، وتغير وجه العالم، وانهار الاتحاد السوفيتي، ووقعت كوارث طبيعية وأخرى مدبرة، والسيد الشاذلي وحده لا يتغير، كان اشتراكياً في زمن الاشتراكية، وتحمس للانفتاح حين أقره السادات، وأصبح وزير للبرلمان في "أزهى عصور الديموقراطية"، وتغيرت معظم قيادات الحزب وحتى اسمه تغير من حزب مصر إلى الوطني، لكن الشاذلي بقي راسخاً كأنه القضاء والقدر، يقف في البرلمان يرد بصوت يسمعه سكان الدار البيضاء على أي محاولة ـ ولو كانت عفوية أو حسنة النية ـ للخروج على النص، أي نص من أي نوع، وفي أي سياق، ولا مانع من التنكيل بصاحب الصوت والسخرية منه.
    وفي الشهور الأخيرة تفاءل بعض الواهمين خيراً بقرب زحزحة الشاذلي، ولو من باب الملل، خاصة بعد تقليص سلطاته وإلقاء القبض على أحد أبرز المحسوبين عليه، وهو المدعو عبد الله طايل رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان المصري الذي يواجه الآن اتهامات قضائية تمس ذمته المالية، وتتجاوز مئات الملايين من الدولارات إبان رئاسته لمجلس إدارة أحد البنوك، لكن خابت كل التوقعات وظل الشاذلي ساخراً من هؤلاء الأغبياء الذين لا يفهمون "قواعد اللعبة".
    ورغم كل ما قيل حينئذ من تقديرات خرافية بأن الشاذلي فقد نحو60 % من قوته لصالح مجموعة تطوير الحزب، فالشئون المالية والإدارية انتقلت لزكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، وتولى رجل الأعمال أحمد عز شئون العضوية، في حين اقتنص علي الدين هلال العائد من دهاليز الناصرية أمانة التدريب والتثقيف، غير أن تجربة "المسيرة الشعبية" الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن كل هؤلاء يمكن تصنيفهم تحت بند "الهواة" قياساً بقدرات السيد الشاذلي الهائلة في "حشد الجماهير"، فللرجل خبرات "تاريخية" في مسائل الانتخابات والتظاهرات والمؤتمرات الشعبية لا ينكرها سوى حاقد أو جاهل، فقد دشن عبر مسيرته الطويلة ما يمكن وصفه بـ "حالة شاذلية"، باتت تتفوق حتى على "الطريقة الشاذلية" الصوفية المعروفة في شتى ربوع العالم الإسلامي، قوامها "وضع الرجل المناسب في المكان المناسب"، فقد تمكن من زرع "شاذلية صغار" في كل نجع وقرية وحي ومدينة، هم بطبيعة الحال منضبطون تماماً على تردد موجة "الشاذلي الكبير"، لا ينتظرون صدور التعليمات، بل يتوقعونها وربما يزايدون عليها، وينفذونها بمنتهى الدقة والإخلاص، ويبلغون بتمام "عمل اللازم" بلغة العيون، ومن دون الاضطرار لاستخدام اللسان أو الرأس، ويعلم تماماً هؤلاء "الشاذلية الصغار" مصير أي متردد أو متخاذل، فضلاً عن متمرد، فقد كان مصير العشرات من هؤلاء هو الاستبعاد أو الإسقاط أو الاغتيال المعنوي بالتجاهل والتجهيل، وربما ما هو أسوأ من كل ذلك، فالأمر مفتوح دائماً على كافة الاحتمالات أو النهايات غير السعيدة.



    رياح التغيير
    وقد يقول البعض، وماذا في خروج مسيرة تعبر عن رأي الشارع والحزب الحاكم في حرب باتت نذرها تخيم على المنطقة، وهذا كلام جيد لكنه لن يرد على تساؤلات مشروعة مثل، متى قام الحزب الحاكم في مصر أو غيرها من دول المنطقة المنكوبة بابنائها، بمسيرات أو تظاهرات، بل حتى متى سمح بها؟، وعموماً فالحمد لله، "عشنا وشفنا" الحزب الحاكم ينظم ويدير ويقود ويتحمل كلفة التظاهرات، بل ويضع لها "كاتالوج"، ويرسم لها "خط سير" ويدشن من أجلها خطة حزبية وأخرى أمنية وثالثة إعلامية ورابعة مالية وهكذا.
    وقد يقال إن الخطر محدق وغير مسبوق، وهنا أجدني متفقاً مع أصحاب هذا الرأي، فالأمر جلل بالفعل، لكن تعالو نتكاشف أكثر، ونتساءل : هل تتحرك هذه الشخصيات الحكومية حقاً من أجل الشعوب والأوطان؟، أم أنها باتت تدرك أن رياح التغيير قد هبت، وبدلاً من اعتماد نظرية "بيدي لا بيد بوش"، يلجؤون إلى آليات "سئ الذكر" الاتحاد الاشتراكي، وهو لمن لا يعرف التنظيم الأوحد في العهد الناصري، الذي كان يحتكر الحياة السياسية، ومن عداه يصنف باعتباره من "أعداء الشعب"، الذين لا حرية لهم، وفقاً لشعارات تلك الأيام البائدة "لا حرية لأعداء الشعب"، والتي أذكر أنني حين كنت تلميذا صغيراً كثيراً ما خرجت مع زملائي وأساتذتي في مسيرات وتظاهرات لم نكن نفهم أساساً سببها ولا مبرراتها، بقدر ما كانت تمثل لنا حينئذ فرصة للهروب من الدراسة، لكن هل مازالت تلك الوسائل صالحة لهذا الزمان الحالي، وذلك الوعي الجديد الذي تشارك في صناعته وسائط إعلامية بالغة الفاعلية مثل شبكة الإنترنت والفضائيات، بعد أن كان الأمر يقتصر في ما مضى على المذيع الأوحد والصحافي الأوحد والرأي الأوحد والحزب الأوحد ؟



    فن الابتذال
    أما المؤسف حقيقة في كل هذه القصة، أن المعارضين المفترضين، ورموز المجتمع المدني باتوا يهرولون للمشاركة في هذا السخف، ويتسابقون على ممارسة ذلك الدجل السياسي، الذي لن يدفع كلفته الحقيقية سوى القاعدة العريضة من بسطاء الناس، إذ أنه من المفهوم أن يقوم مسؤولون حكوميون من طراز الشريف والشاذلي بهذه المهام، دفاعاً عن وجودهم "المؤبد" في مواقع السلطة، ولأن أفقهم السياسي الذي تشكل في عهود الشمولية لا يمكن أن يفرز إبداعاً أفضل من ذلك، لكن ما لا يمكن تفهمه ولا غفرانه أن يشارك حزب مثل (الوفد) الذي يفترض فيه أنه ممثل الليبرالية في مصر، في هكذا مسيرات يعرف القاصي والداني في مصر وخارجها أنها لا تعبر عن الناس، بقدر ما تعبر عن طبقة "متكلسة" من الساسة الذين تجاوزتهم الأحداث، ولا ينوون التزحزح إلا بأمر إلهي.
    كما أنه من المفهوم أن يسعى هؤلاء "المؤبدون" لابتذال كل شئ في حياتنا السياسية، فكما ابتذلوا معنى وقيمة "المعارضة السياسة"، حتى صارت محصورة في أحزاب بلاستيكية بعضها لقراءة الكف وتفسير الأحلام، وأخرى للمتاجرة في تأشيرات الحج والعمرة، وثالثة تقوم بدور "الفزاعة المحلية" لتبرر استمرار الحال على ما هي عليه، ومن المفهوم أيضاً أن يجري ابتذال اليسار واليمين والدين، فيغدو اليساري من علية القوم ولو تحول إلى مهرج في بلاط رجال البيزنس، والليبرالي زاعقاً بلشفي الرؤية، يضيق صدره بأي مخالف في الرأي، والديني ممسكاً بسوط الترهيب، منهمكاً في مسائل مثل "حجاب الفنانات"، وتكريس ذائقة التطرف في المجتمع، حتى بلغ الأمر إلى ابتذال معنى "التظاهر" الذي كنا نحسبه فعلاً شعبياً عفوياً، لم يكن يوماً من أجل الدفاع عن "نظم صدّامية" أضحت "آيلة للسقوط" بعد ان استنفذت الغرض منها.
    السؤال الأخير هو: لمن تتوجه هذه المسيرات أو التظاهرات المدبرة رسمياً؟، هل هي للرأي العام الدولي والأميركي مثلاً ؟، أم أنها للاستهلاك المحلي لقطع الطريق على هذا الحزب أو تلك الجماعة؟، أم ماذا بالضبط ؟.
    فإن كان الاحتمال الأول، فالمؤكد أن الغرب بإعلامه واستخباراته يدرك جيداً أنها "مسيرة مفتعلة مع سبق الإصرار والترصد"، وإن كان الثاني ففضلاً عن إن الناس "عارفة الفولة"، فهي لن تكترث ولن تفكر في منافسة "الحزب الحاكم" ولا حتى "الحزب النائم"، لأنها ببساطة غير معنية بالأمر أساساً، إذن لم يتبق سوى الاحتمال الأخير، وهو : "ماذا بالضبط".
    قصارى القول، نشكر لله تعالى الذي مد في أعمارنا حتى "نعيش ونشوف" مسؤولين في أناقة السيد الشريف، ومن وزن السيد الشاذلي، يسيرون في "مظاهرة شعبية"، إنه على كل شئ قدير.

    نبيل شـرف الدين
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-03-07
  3. سرحان

    سرحان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-19
    المشاركات:
    18,462
    الإعجاب :
    23
    على غرار

    زوبعة في فنجان هههههههههههه

    بيضحكون على أنفسهم
     

مشاركة هذه الصفحة