الجهاد في سبيل الله الحلقة (44)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 402   الردود : 0    ‏2003-02-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-02-17
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته ـ الحلقة (44)

    الثناء على القوم بكثرة شهدائهم

    عن قتادة قال:
    ما نعلم حيّاً من أحياء العرب أكثر شهيداً أغر يوم القيامة من الأنصار، قال: ( وحدّثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون ) [ البخاري رقم 4078، فتح الباري (7/374) ].

    فضل المجاهدين من الملائكة

    عن رافع الزُّرَقي قال:
    جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ ) قال: ( من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها - ) قال: ( وكذلك من شهد بدراً من الملائكة ) [ البخاري رقم 3992، فتح الباري (7/311) ].

    الملائكة الذين اشتركوا في معركة بدر مع المسلمين خيار الملائكة، كما أن الصحابة الذين شهدوا خيار المسلمين كما ورد ذلك صريحاً في بعض الروايات، سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم كيف أهل بدر فيكم؟ قال: ( خيارنا ) قال: ( وكذلك من شهد بدراً من الملائكة هم خيار الملائكة ) [ فتح الباري (7/313) فالمجاهدون من الملائكة أفضل ممَّن سواهم.

    الزمن يسير والأجر كبير

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    ( لَغدوةٌ في سبيل الله أو رواحة خير من الدنيا وما فيها )

    وفي رواية من حديث أبي هريرة:
    ( خير ممَّا تطلع عليه الشمس وتغرب ) [ البخاري رقم 3792، فتح الباري (6/13)، ورقم 2793 أيضاً، ومسلم (3/1499).

    يخرج المجاهد في سبيل الله خَرْجة واحدة في أول النهار، أو خَرْجة واحدة في آخره، فتكون خرجته الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها، أي عمل يعدل هذا العمل؟ وأي نشاط يقوم به الإنسان ينيله هذا الفضل الكبير؟.

    وليس المراد من الحديث المفاضلة بين الدنيا وما فيها وبين الغدوة الواحدة أو الروحة الواحدة في سبيل الله، بمعنى أنهما يشتركان في الخير وتفضل الغدوة أو الروحة على الدنيا في الخير، كما قد يتوهَّم ذلك، لأن الدنيا لا تساوي ذرة من الجنة.

    قال الحافظ:
    ( قال ابن دقيق العيد [ إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (4/504) بحاشية العدّة للأمير الصنعاني، وما نقله الحافظ ليس مطابقاً تماماً لنص ابن دقيق العيد وإن كان المعنى واضحاً فيه ]: يحتمل وجهين:

    أحدهما:
    أن يكون من باب تنزيل المُغَيَّب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس، لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة ).

    والثاني:
    أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها، لأنفقها في طاعة الله تعالى.

    قال- القائل هو ابن حجر - :
    ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد [ الجهاد (1/34) ] من مرسل الحسن، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فيهم عبد الله بن رواحة فتأخَّر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم ).

    والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قَدْرَ سَوْطٍ يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات؟ والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا [ فتح الباري (6/14) ].

    أمن دائم ورزق مدرار وعمل صالح مستمر

    عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    ( رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سَوْط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوْحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها ) [ البخاري رقم 2892، فتح الباري (6/85) ].

    وعن سلمان قال :
    سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأُمن الفتَّان ) [ مسلم (3/1520) ].

    مرابطة المجاهد في ثغر من ثغور المسلمين لحماية البلاد الإسلامية من الأعداء، أو للانقضاض عليهم عند الحاجة؛ لها منزلة عظيمة عند الله تعالى، فهي خير من الدنيا وما عليها يحوزها المؤمن فينفقها في طاعة الله، لا بل إن رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، يضاف إلى ذلك أن رزقه دائم لا ينقطع، وأمنه مستمر، لا يخاف من موت ولا نصب ولا غير ذلك، وهذا جزاء من الله للمجاهد الذي اقتحم المكاره وألقى بنفسه في المخاوف والأتعاب من جوع وعطش وغيرهما.

    قال النووي رحمه الله:
    ( هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجَرَيان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيه أحد، وقد جاء صريحاً غي غير مسلم: ( كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمى له إلى يوم القيامة ) [ شرح النووي على مسلم (13/61) ] وقوله صلى الله عليه وسلم: ( وأجري عليه رزقه ) موافق لقول الله تعالى في الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران: 169 ].

    والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة ) [ شرح النووي على صحيح مسلم (13/16) ].

    وقال ابن قدامة رحمه الله في تفسير معنى الرباط وبيان فضلة:
    ( معنى الرباط، الإقامة بالثغر مقوِّياً للمسلمين على الكفار، والثَّغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم. وأصل الرباط من ربط الخيل، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، كلٌ يُعِدُّ لصاحبه، فسُمِّي المقام بالثغر رباطاً، وإن لم يكن فيه … وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفاً، لأنهم إليه أحوج، ومقامه به أنفع.. ) [ المغني (9/203) وما بعدها ].
     

مشاركة هذه الصفحة