حكومة مستقلة لا تسيطر عليها بغداد

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 485   الردود : 0    ‏2003-02-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-02-02
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    القوات تتدفق إلي منطقة الخليج والقواعد العسكرية تقام وأكثر من طرف أصبح علي يقين من أن الضربة الأمريكية علي العراق آتية لا محالة وأن مصلحته تحتم عليه ركوب القطار الأمريكي‏,‏ لأنه سفينة نوح هذا الزمان‏,‏ فركوبه للقطار أفضل من أن يدوسه ذلك القطار والرئيس الأمريكي بوش كان واضحا تماما عندما قال من ليس معنا فهو ضدنا وكل العيون ترقب أرض الرافدين وما يمكن أن يحدث لها من دمار وخراب‏.‏يقفز اسم أكراد العراق إلي مقدمة الصورة علي أساس أن هذا الاسم سيكون عنصرا أساسيا في صنع الأحداث القادمة البعض يري في أكراد العراق حصان طروادة أم كعب أخيل‏,‏ و البعض الآخر يري فيهم تحالفا جديدا للشمال‏,‏ علي غرار تحالف الشمال الأفغاني والذي حسم المعركة ضد قوات طالبان في أفغانستان‏.‏
    فهل حقا يمكن لأكراد العراق أن يكونوا حصان طروادة أو كعب أخيل أم تحالف الشمال؟ الإجابة بالغة الصعوبة‏,‏ لأن في الأمر عناصر عديدة متشابكة فعوامل التاريخ تتداخل مع عوامل الجغرافيا لتزيد من تعقيد الأمر ففي الماضي القريب كانت المسألة الكردية وراء أخطر الأحداث التي مر بها العراق والمنطقة‏,‏ وتأتي في المقدمة منها الحرب العراقية ـ الإيرانية‏,‏ والتي استمرت أكثر من ثماني سنوات‏,‏ أكلت فيها الأخضر واليابس‏,‏ وكما سنتعرض لذلك بالتفصيل والأحداث هي التي وصلت بكردستان العراق إلي حالتها الفريدة الراهنة‏,‏ فهي جزء من العراق طبقا للأعراف والمواثيق الدولية‏,‏ لكنها علي أرض الواقع في شبه استقلال عن العراق‏,‏ لها بدلا من حكومة واحدة حكومتان‏,‏ إحداهما في أربيل وتتبع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة‏(‏ مسعود البارزاني‏)‏ والأخري في السليمانية وتتبع الاتحاد الوطني الكردستاني‏(‏ جلال طالباني‏)‏ ويوجد في المنطقة برلمان ووزارات‏,‏ بل إن العلاقة مع العالم الخارجي تتم بعيدا عن الحكومة المركزية في بغداد‏,‏ وقد زار كردستان العراق كاتب هذه السطور لمرتين في السنوات الأخيرة‏,‏ وتمت هذه الزيارة عبر سوريا وبموافقة سورية وليست عراقية‏.‏
    هؤلاء الأكراد‏..‏ من هم‏..‏؟‏..‏ وماذا يريدون من الدول‏,‏ التي ينتمون إليها‏(‏ تركيا ـ إيران ـ العراق ـ سوريا ـ الاتحاد السوفيتي السابق‏)‏ وما سمات تلك المشكلة المسماة بالمشكلة الكردية وأبعادها؟ أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكون مفيدة وستساعد في مجال الإجابة عن الأسئلة الصعبة‏..‏ أكراد العراق والأحداث القادمة وهل هم حقا حصان طروادة أو كعب أخيل أو تحالف شمال الأيام القادمة؟‏!‏
    تصل مساحة كردستان الكبري إلي حوالي نصف مليون كيلو متر مربع موزعة علي الدول التي قسمت عليها‏(‏ تركيا ـ إيران ـ العراق ـ سوريا ـ الاتحاد السوفيتي السابق‏)‏ وكانت كردستان قد تعرضت إلي التقسيم علي مرتين الأولي في القرن السابع عشر وبموجب اتفاقية أرضروم بين دولة الخلافة العثمانية وإيران‏,‏ وبموجبها احتفظت إيران بالجزء الكردي الموجود ضمن حدودها حتي الآن والتقسيم الثاني تم في بدايات القرن الماضي وبموجب اتفاقية سايكس بيكو‏,‏ والتي قسمت دولة الخلافة العثمانية‏,‏ وقسمت معها الجزء الأكبر من كردستان لتنقسم كردستان علي نفسها‏,‏ وتتبع الدول سابقة الذكر ويقول أحد علماء الاجتماع عن ذلك إن الأمر كان أشبه بالتمثيل بجثة قتيل لأنه لم يؤخذ رأي الأكراد فيما حدث ولا توجد أرقام محددة لعدد الأكراد لأن الدول التي ينتمون إليها لا تعلن عن الأرقام الحقيقية لهم وتعتبر ذلك أحد أسرارها المقدسة‏,‏ لذلك نري تباينا ضخما في تلك الأعداد وحسب المصدر فإن كان المصدر كرديا فإنه يقفز بالعدد إلي أكثر من‏40‏ مليونا وإن كان المصدر تركيا أو إيرانيا أو عراقيا فإنه يهبط بهذا العدد إلي ما دون العشرين مليونا‏,‏ وفي العراق يتجاوز عددهم رقم ستة ملايين‏,‏ في حين أنهم في تركيا يتجاوزون خمسة عشر مليونا‏,‏ أما في إيران فيدور رقمهم حول عشرة ملايين وفي سوريا أكثر من مليونين ونفس الرقم تقريبا في الاتحاد السوفيتي‏.‏
    ويتحدث الأكراد اللغة الكردية بلهجات مختلفة‏,‏ وهي لغة مكتوبة عريقة حافلة بالأمثال والحكم والمواعظ والأساطير والملاحم وتاريخ الأكراد القديم والحديث حافل بالشعر والشعراء الذين لهم مكانة متميزة في المجتمع الكردي ويحفظ الجميع أشعارهم حتي من كان منهم أميا فإنه يحفظ قدرا لا بأس به من الشعر الكردي والأغلبية الساحقة للأكراد تدين بالإسلام وعلي المذهب السني ويعيش معهم علي أرض كردستان طوائف أخري لكل منها لغتها الخاصة وأزياؤها المميزة وعاداتها وتقاليدها ومن هذه الطوائف‏..‏ التركمان‏..‏ الآشوريون‏..‏ الكلدان‏..‏ الأرمن‏..‏ اليزيديون‏..‏ الصابئة‏..‏ المندائيون‏..‏ الشاباك‏...‏ وغيرهم‏.‏
    والأكراد أقوياء يتحملون المشاق أيا كانت انطبعت وعورة الجبال وقساوتها علي نفوسهم فكانوا قساة صبورين يمتلكون النفس الطويل لارتياد هذه الجبال وتسلقها والتوحد مع وديانها ودروبها وللأكراد قول مأثور إنهم عن الجبال يقولون‏:‏لقد تخلي العالم بأسره عنا ولم يبق لنا من صديق سوي الجبل لقد استمدوا صمودهم من جبال كردستان‏,‏ وبقيت حركتهم حية حتي الآن بفضل تلك الجبال‏.‏ وحول خصوصية الأكراد يتذكر المفكر والسياسي القومي جمال الأتاسي هذه الحكاية‏..‏ كان قد شارك مع عدد من رفاقه في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام‏1941‏ وعندما فشلت الثورة هرب إلي بلده سوريا وفي طريق هروبه يقول‏:‏بدلا من إن نتوجه غربا إلي الموصل توجهنا دون أن ندري إلي منطقة أربيل‏,‏ ووجدنا أنفسنا وقد تغيرت علينا معالم الأرض والسكان وملامح القري المتناثرة وأزياء البشر وسحنهم وأحسسنا بأننا أضعنا المسالك وأخذنا نستوقف من نصادفهم كانوا يجيبون عن أسئلتنا ويتحادثون فيما بينهم بلغة لا نفهمها ولا نعرفها كان بعضهم يبتعد عنا في دهشة وكأننا قادمون من فلك آخر‏..‏ بعدها عرفنا أننا مازلنا علي أرض عراقية وفي منطقة تقطنها الأكراد‏..‏ ثم يكمل الأتاسي حديثه بهذه الكلمات عميقة الدلالة‏(‏ ومضت الأيام وبقيت في الذهن صورة راسخة أنه في شمال العراق يوجد شعب آخر غير شعب بغداد والموصل ولكن قضية ذلك الشعب لم تتبلور حينها في الذهن بأكثر من ذلك‏)‏ ولكن القضية تبلورت فيما بعد وبدرجة كبيرة إلي أن وصلت إلي حد تواتر بعض الكلام حول الاستقلال التام والانفصال عن العراق‏.‏ إنه شعب شديد الخصوصية ولابد لمن يتعامل معه أن يضع تلك الخصوصية في الحسبان لأن تجاهلها أدي في الماضي القريب إلي العديد من الكوارث والمآسي والأحزان في كل مناطق كردستان وهو ما يعرف بالمسألة الكردية‏.‏ والمسألة الكردية تتلخص ببساطة في توزيع الأكراد وكردستان علي عدة دول تنكر علي الأكراد بدرجة أو بأخري حقوقهم القومية وما بين إنكار تلك الدول لهذه الحقوق ونضال الأكراد في سبيل تحقيقها يجري الصراع بين حكومات الدول المتعاقبة والحركات الكردية المختلفة‏.‏ والصراع ليس صراعا علي أرض كما هو الحال في فلسطين إذ لا ينازع أحد الأكراد في حقهم في أرضهم كردستان ولكن الصراع هو صراع علي الهوية والاعتراف بتلك الهوية‏.‏

    -------------
    رجائي فايد
     

مشاركة هذه الصفحة