المشهد العراقي ... الدروس والدلالات

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 544   الردود : 0    ‏2003-02-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-02-02
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    حجم العلاقات المتداولة عن الحرب الأمريكية على العراق ضخم ويصيب بالحيرة، وكأن الهدف من الإغراق المعلوماتي حول الحرب هو حيرة المراقبين وتشتيتهم وليس إعلامهم وإحاطتهم وتبصيرهم، ويتجه الإعلام في اللحظة الراهنة لإعطاء الانطباع بأن الحرب ليست وشيكة ولا هي حتمية، وأن التدفق العسكري الهائل الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ - وفق تقديرنا - ليس القصد منه شن الحرب، وإنما الضغط النفسي على صدام لمزيد من الإذعان في اتجاه أن يتحول - كما يقول "البرادعي" - من التعاون السلبي إلى الإيجابي، أي لا يكتفي بتفتيش المفتشين، وإنما يظهر "المخبوء" من أنظمة تسلحه الصاروخي وغير التقليدي.. ذلك لأن الأمريكان يعتقدون جزمًا أن لدى العراق أسلحة غير تقليدية لا يمكن للجان التفتيش الوصول إليها.. لما للنظام العراقي من تاريخ في إخفاء الأسلحة..

    وتشيع أمريكا أن الوصول إلى الأسلحة العراقية مستحيل في ظل وجود صدام، ومن ثم فرحيله وأسرته سيمنع الحرب.. وعلى نطاق واسع بدا خيار رحيل صدام هو طوق النجاة للمنطقة من الحرب الأمريكية التي لن تبقي ولن تذر - على حد قول الرئيس مبارك - وهنا فالغزو الأمريكي غير المسبوق للمنطقة لا يستهدف نظام صدام وحده بقدر ما يستهدف في الوقت نفسه شل قدرة الأنظمة العربية على التفكير أو الفعل الحقيقي الذي يواجه الخطط الأمريكية ولا يكون أداة لتنفيذها أو تحقيقها.. وآخر ما تفاخر به الرئيس المصري قوله "إننا أول من أعلن أن الحرب ليست حتمية"، وأن الاتصالات الهاتفية بينه وبين الرئيس الأمريكي هي التي جعلته ينتزع منه تأجيل خيار الحرب".

    ومن الواضح أن تأجيل خيار الحرب هو جزء من صلب الأهداف الأمريكية التي ترى أن أدواتـها العسكرية لاحتلال العراق بالكامل لم تستكمل، وتشير آخر المعلومات أن القوة العسكرية الأمريكية بحاجة إلى 350 ألف عسكري لتنفيذ العمليات العسكرية الميدانية إبان الحرب وبعدها.. وحتى يجري استكمال الخطط الأمريكية؛ فإن على الدول العربية أن تتحرك باتجاه إقناع صدام بالرحيل، وإذا حدث - فكما يقول المثل المصري "يا دار ما دخلك شر"، وتكون أمريكا قد وفرت على نفسها تجشم خوض حرب يرى أكثر الخبراء المخضرمين على أنـها ستكون محفوفة بالمخاطر - وهنا يكون رحيل صدام قد أعفى أمريكا من الحرب، ويكون التلويح بالقوة قد حقق مقصوده السياسي، وإن لم تنجح محاولات إبعاد صدام فإن الخيار العسكري يكون مقنعًا من الناحية النفسية للقادة العرب.

    ويعد يوم 27 يناير الجاري - حيث سيقدم كبير المفتشين تقريره الرسمي عن وضع التسلح العراقي - بداية لتدشين قرار الحرب الفعلي؛ حيث من المتوقع أن يتضمن التقرير ملاحظات حول ثغرات في المعلومات التي قدمها العراق في ملف تسلحه الضخم، والذي وصل إلى 12 ألف صفحة انتزعته أمريكا من الأمم المتحدة، وبدا أنه عديم القيمة من وجهة النظر الأمريكية والأممية، ومن الواضح أن أمريكا لن تعود من جديد إلى مجلس الأمن للحصول على قرار جديد بشن الحرب التي استطاعت أمريكا أن تعتبرها خيارًا أخيرًا للتخلص من صدام، لكنه ليس خيارًا مستبعدًا حتى لدى الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.. وهناك وعود أمريكية لروسيا وفرنسا والصين بنصيبهم من الكعكة الكبيرة المتمثلة في النفط العراقي والذي يمثل أكبر مخزون نفطي في العالم كله، وفي الواقع فإن تأجيل الحديث عن الحرب لم يكن سببه - كما أوضحنا - عدم استكمال الخطط العسكرية فقط، وإنما سببه أيضًا البحث عن مبرر قانوني وأخلاقي في مواجهة تصاعد الرأي العام الدولي الرسمي والشعبي ضد قرار الحرب، باعتباره يفتقد المبرر القانوني والشرعية الأخلاقية، خاصة وأن الحرب الأمريكية على الإرهاب لا تبرر اعتبار العراق إرهابيًا، ومن ثم شن حرب ضده، كما أن المفتشين أعلنوا أنـهم لم يجدوا أي أسلحة غير تقليدية رغم مرور شهرين من البحث المضني، وجاء تصاعد الأزمة الكورية الشمالية ليطرح التساؤل حول السبب في تبني أمريكا الوسائل الدبلوماسية تجاه كوريا الشمالية، والإصرار على تبني الخيار العسكري ضد العراق رغم أن كوريا لديها فعلاً أسلحة غير تقليدية، وأسلحة صاروخية متقدمة؛ بينما العراق ليس لديه نفس القدرات. كما جاءت أزمة "فنـزويلا" تمثل تـهديدًا حقيقيًا للاندفاعة الأمريكية باتجاه الحرب.. فالآلة العسكرية الأمريكية الضخمة بحاجة إلى تأمين إمدادات النفط من غير حدوث مشاكل إبان الحرب في سوق النفط العالمية، وحتى الوصول إلى آبار البترول العراقية التي تمثل المطمع الأمريكي الأساسي في صفقة الحرب ضد العراق.

    ورغم الحديث عن وجود موجة تتزايد ضد الحرب، لكن التيار اليميني الفاشي الحاكم في أمريكا يصر على الاستمرار في التصعيد باتجاه الحرب، كما أن دول الجوار بنت خططها على أساس الحرب والسيناريوهات الأمريكية لا تقتصر فقط على إدارة العمليات العسكرية إذا وقعت الحرب، وإنما تشمل أيضًا إدارة العراق بعد الحرب بما في ذلك تعيين حاكم عسكري وآخر مدني، بيد أن التقديرات الأمريكية تشير إلى ضرورة احتلال العراق لمدة لا تقل عن سنتين لترتيب أوضاعه من كافة النواحي بما في ذلك الحفاظ على وحدته الجغرافية، وتنظيم عملية إعادة الإعمار والتي تقوم على نـهب بترول العراق، إلى حد أن السيناريوهات الأمريكية تتحدث عن جميع عدادات البترول لتوجيهها نحو دفع تكاليف الحرب الأمريكية التي تقدر بما يزيد على مائتي مليار دولار.. بيد أن الحشود الأمريكية الرهيبة ليست قادمة من أجل الإطاحة بصدام فحسب؛ لكنها تحمل معها أجندة أمريكية للمنطقة كلها تسعى لإعادة رسم الجغرافيا والهوية بما يحقق المصالح الأمريكية والصهيونية، ويقضي على أي روح للمقاومة لدى الأمة الإسلامية التي لا تزال تمثل تحديًا حقيقيًا للحضارة الغربية.. وبينما الحرب على الأبواب - كما أوضحنا - وهي قادمة بجبروت الحرب وغطرسة القوة نجد الحديث الرسمي يركز على المصلحة النظرية لكل دولة، وبدلاً من الوقوف بصلابة لمواجهة لحظة الخطر القادمة بشرف، نجد الجميع يتحسبون للحظة ما بعد الحرب على العراق.. فكل الرسميين لا يريدون أن تصفي أمريكا حسابـها معهم، وكلهم لا يريد أن يكون المحطة القادمة لإظهار العضلات الأمريكية في مواجهة القوى الدولية الأخرى التي تراها أمريكا مناكفة لها أو متحدية لغطرستها.

    الدروس والدلالات :

    1 - الاندفاعة الأمريكية غير المفهومة تجاه تصفية الحسابات وإبراز الهيمنة في المنطقة العربية، لا يمكن تفسيرها إلا عن طريق التأكد الأمريكي أن المنطقة العربية هي الحلقة الأضعف التي يمكن جعلها فضاءً أو ميدانًا لإطلاق النار لتخويف العالم وممارسة البلطجة الأمريكية، والمتابعون للتاريخ الأمريكي يعرفون أن أمريكا لم تستطع الاقتحام العسكري إلا في أضعف المناطق والحلقات، كما في بنما، وفي فيتنام، وفي ليبيا وهذا يفسر التراجع الأمريكي تجاه كوريا الشمالية رغم استخدام الأخيرة لخطاب تصعيدي متحد، كما أن كوريا الشمالية مسنودة بقوى إقليمية حقيقية لها مصلحة، وقادرة على التأثير والتحدي للقرار الأمريكي، وفي كل الأحوال فإن الأمريكان ينظرون للمشكلة الكورية على أنـها مشكلة من آثار تصفية الشيوعية، بينما يعتبرون العراق والعرب جزءاً من الحملة الأمريكية على ما يطلقون عليه الإرهاب.



    2 - الوجود العسكري الأمريكي في كوريا الجنوبية وفي اليابان يمثل قيدًا على السلوك الأمريكي باتجاه التحرك العسكري التصعيدي ضد كوريا الشمالية، بينما الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة العربية هو قوة احتلال حقيقية داعمة لتحقيق المصالح الأمريكية، فالقواعد الأمريكية الخمس في الخليج، والتسهيلات العسكرية الممنوحة لأمريكا في البلدان العربية، هما في الواقع أدوات للضغط على النظم العربية من أجل تحقيق المصالح الأمريكية، وسوف يندهش المرء حين يجد المجال الحيوي لنشاط العمليات، واللوجستي الأمريكي هو في قلب المنطقة العربية، فقناة السويس هي شريان المرور للسفن الحربية الأمريكية، وقاعدة "العديد" في قطر، والقواعد الأمريكية في عمان والبحرين، وثلث الكويت كلها، والقواعد الأمريكية في السعودية هي نقاط الانطلاق الأمريكية للانقضاض على العراق للإجهاز عليه كبلد عربي مسلم بصرف النظر عن نظامه الفاشي.

    3 - العجز عن التحرك تجاه العربدة الإسرائيلية الصهيونية الإجرامية تجاه الانتفاضة الفلسطينية، كان هو القاعدة التي استندت إليها أمريكا والكيان الصهيوني في اعتبار المنطقة العربية بلا إرادة حقيقية للمواجهة، واليوم - للأسف - نرى مشهدين، الأول: الاستعداد الأمريكي لتحطيم العراق واحتلاله، والثاني: الاستعداد الصهيوني للإجهاز على القضية الفلسطينية في ظل غياب كامل للإرادة العربية أو الإسلامية.

    4 - الصمت العربي؛ بل والتعاون مع أمريكا في إطار حملتها المزعومة ضد الإرهاب، وذلك لتحطيم أفغانستان وقتل عشرات الآلاف من الأبرياء، ظناً أن أمريكا متجهة لاستئصال نظام طالبان المتشدد وتشريد تنظيم القاعدة ؛ فإذا بـهذه الحملة تنتقل إلى عقر الدار العربية في فلسطين حيث رفع شارون سلاح مقاومة الإرهاب الفلسطيني - على حد زعمه - وبدعم أمريكي لا محدود، باعتبار أن العمليات الاستشهادية هي أعلى مراحل الإرهاب من وجهة النظر الصهيونية والأمريكية، ثم فرض أجندة الحملة ضد الإرهاب في فلسطين تجاه الانتفاضة التي هي حركة مقاومة في وجه محتل غاصب، لكن القواعد الأمريكية والصهيونية الجديدة لإعادة ترتيب الأوضاع الدولية، ترى أن حركات المقاومة في فلسطين هي تـهديد يبيح للغاصب شن حرب استباق إبادية لضمان أمنه.. واليوم نجد الذعر العربي يدفع كل نظام للتشبث بقطره دون وعي حقيقي لاعتبار أن الأمن القومي العربي كله، هو وحدة لا تتجزأ، وأن التمترس خلف المصلحة القطرية الضيقة هو خيانة حقيقية للأمة هدفها الاستمرار في السلطة لوقت أطول، وهنا نجد عقلية "ملوك الطوائف" هي التي تحكم السلوك العربي الرسمي..

    ما وراء المنظور.. الدروس والعبر:

    الاجتهادات التي نقدمها هي في إطار ما نرى ونسمع ونشاهد، وبالطبع؛ فالصوت الأعلى والبصمة الواضحة هي للقوة الغاشمة سواء أكانت أمريكا أم الكيان الصهيوني.. لكن من وراء الشهود - في تقديرنا - قوى تعمل نحن لا نراها "وما يعلم جنود ربك إلا هو".. وليس ذلك هروباً من الواقع، ولكنه من الناحية العملية خارج مجال ما نرى هناك قوى تؤثر وتعمل، ونحن كمسلمين نعتقد أن القوة "الأكبر" المحركة والمهيمنة على كل شيء هي قوة الله سبحانه وتعالى، وأن ما تفعله أمريكا أو الكيان الصهيوني هو في إطار "قدر الله الكوني" الذي يتم به التدافع الحضاري، "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"..

    ولا تأتي أمريكا كقوة احتلال عسكري، ولكنها قادمة وبيدها خطط صليبية لمحو الإسلام ذاته من وجدان الأمة، ونحن ندرك ونثق أن الله حفظ هذه الأمة بالذكر "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وأن الأمة الإسلامية وجدت لتبقى يجري داخلها التداول والاستبدال، لكنها تبقى ولا يمكن أن تموت.. ولدينا من التاريخ الغربي ذاته الرعب الذي أثاره "هتلر" في نفس العالم الغربي. لكنه هزم..

    الاندفاعة الأمريكية الراهنة المتغطرسة، هي اندفاعة ستواجه بمفآجات ليست في الحسبان، وتشير تقارير صهيونية عبر أدوات استخبار من داخل العراق أن بغداد ومعركتها قد تكون تورطًا أمريكياً لا يقل عن التورط في فيتنام، وأن الحرب محملة بكل الاحتمالات، وحين تكون الاندفاعة الأمريكية - الصهيونية متجهة لاستئصال وجود أمة والقضاء على حيويتها ومراكز المقاومة والفعل فيها.. فليس هناك سبيل أمام شباب هذه الأمة إلا العمليات الاستشهادية، ونحن نثق أن الهجمة الأمريكية الجديدة سوف تفجر طاقات شباب الأمة وكل فئاتـها نحو الالتزام بالإسلام وليس التفريط فيه.. وأفغانستان لم تمت بعد تولية "كرازاي" ولكنها حية تلم شعثها، ويبدو أن خط المواجهة الجديد سيمتد من أفغانستان إلى العراق وفلسطين لوقف الهجمة الإرهابية الصليبية الصهيونية على الإسلام والمسلمين.. ((وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون)) [الأنعام:123] ...


    الإعلام الإسلامي العالمي
     

مشاركة هذه الصفحة