أحمد مطر يخترق الحدود

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 679   الردود : 3    ‏2003-02-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-02-01
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    رجـاء النقـاش *


    أحمد مطر .. شاعر بدأ اسمه يلمع منذ سنوات قليلة، وأصبح اليوم واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين، رغم أن صوته الشعري لم يصل إلى مصر حتى الآن، بل لعله لم يصل إلى كثير من العواصم العربية الكبيرة، وذلك لأنه يعيش مغترباً منذ بداية حياته الأدبية، وهو الآن يعيش في لندن، ويعمل محرراً ثقافياً للطبعة الدولية من جريدة " القبس " الكويتية، وعندما فكرت في الكتابة عنه، لم أجد أي معلومات عن حياته، ولم أجد أمامي سوى ديوانه الوحيد ( لافتات )، وبعض قصاصات من قصائده التي تعودت على جمعها من الصحف، منذ أن لفت نظري شعره الجميل، وقد التقيت بالشاعر مرة واحـدة سنة 1984 في الكويت، في بيت أحد الأصـدقاء، وسمعت منه بعض شعره، وكانت قصائده كما أعرفها حادة وغاضبة، أما هو فقد كان شاباً وديعاً بالغ التهذب والحياء ، مما جعلني أزداد يقيناً بأن الأفكار العاصفة والمشاعر العنيفة ليست بحاجة إلى إنسان صاخب شديد الصراخ لكي يعبر عنها، فعواصف الفكر والفن مكانها القلوب والعقول، وليس مكانها تشنجات في الصوت أو في اليد والوجه كما يفعل بعض الأدعياء.
    وكنت قد سمعت من البعض أن الاسم الذي يوقع به الشاعر ( أحمد مطر ) ليس اسماً حقيقياً وإنما هو اسم مستعار، ولم أستطع خلال لقائي السريع الوحيد معه أن أعرف شيئاً واضحاً عنه، ولذلك فقد اتصلت به في لندن بعد أن انتقل إليها من الكويت، وطلبت منه أن يكتب لي شيئاً موجزاً عن حياته، وسرعان ما تلقيت منه رسالة هي قطعة من الأدب الجميل، بالإضافة إلى ما توجزه من المعلومات الخاصة بالشاعر نفسه.
    وفي هذه الرسالة يقول أحمد مطر:
    أخي العزيز .. أبتديك بتحية فيها سلام، معترفاً بجميل فضلك في السؤال عني، بعد مرور وقت طويل على لقائنا الذي لا تزال ذكراه منتصبة في قلب الذاكرة.
    وما بين ذاك اللقاء وهذا اللقاء عالم مضطرب بالحوادث والمتغيرات، التي مست الأوطان والأبدان، لكنها - وهذا هو المهم - لم تمس جوهر الإنسان.
    لقد تركتني وأنا شيطان رجيم في " جهنم اللاهبة " وها أنت تجدني شيطاناً رجيماً في " جهنم الباردة".
    ( ملحوظة: يشير الشاعر هنا إلى انتقاله من حر الخليج إلى برودة لندن )
    أسعدني جداً أن أسمع صوتك، غير أنني لم أُدهش من كيفية عثورك علي، ذلك لأنك ناقد ومهمتك هي العثور على الشاعر بين ملايين وملايين الكلمات .. وكذلك تفعل عندما تبتغي العثور على شاعر بين قارتين !
    أخي الحبيب .. يبدو لي دائما أنني طويل اللسان، لكنني أُفاجأ - دائماً أيضاً - بقلة حيلتي كلما تطلب الأمر مني أن أتحدث عن خصوصياتي الصغيرة.
    ربما مرجع ذلك إلى أننا -نحن الفقراء- ليس في سيرتنا الشخصية أية تفاصيل غير عادية، فسيرة الواحد منا - عادة - تمتد من المهد إلى اللحد، وأعني أنه يخرج رجله من المهد ليضعها في اللحد، هذا إذا كان لائقاً بكرامة اللحد أن يستعار كوصف لحياتنا الخالية من الكرامة.
    لكنني على أية حال، سأبعث إليك قريباً، صفحات كثيرة عن حياتي ، منذ ميلادي حتى وفاتي (!)فسيرتي كما أعتقد ليست خالية تماماً مما يثير الضحك والسخرية .. والإفتخار أحياناً.
    أما الآن، وعلى هذه العجالة، فيمكنني أن اجتزىء ما أعتقد أنه نافع بالنسبة لما أنت في صدده:
    - أول شيء هو أن الكثيرين يعتقدون بأن " أحمد مطر " هو اسم مستعار، وكأنهم يستكثرون على المواطن العربي أن يذكر اسمه الصريح حتى إذا أراد أن يعلن عن شهيقه وزفيره !
    وعليه فإنني أؤكد لك هنا أن " أحمد مطر " هو اسمي القح !
    - الأمر الآخر هو أن الكثيرين ، وخصوصاً ممن كتبوا عن شعري ، لم يتفقوا حتى الآن على جنسيتي، وإن كانوا يتفقون على أنني أستعرض الوجع العربي بشكل عام، وأحرض الموجعين على الإنعتاق.
    ولا تدري كم أنا سعيد بهذا، فجميل جداً أن يكون المرء شاعراً في خدمة أمّـة لا ممثلاً لقبيلة معينة.
    كتبوا أنني كويتي، ولبناني، وفلسطيني، ومصري، وسوري، وسعودي، لكن واحداً فقط، هو الدكتور عبده بدوي، قال إنني عراقي.. وهذا هو الصحيح، من حيث بطاقة الهوية وشهادة الجنسية، أما إذا شئت الدقة حقاً ، فأنا جميع هؤلاء يضاف إليهم العرب الآخرون.
    لك محبتي الخالصة، ولي أمل بأن يجمعنا لقاء قريب هنا أو هناك.
    **
    تلك هي رسالة أحمد مطر الجميلة وفيها كل ما أعرفه عنـه وعن حياته.
    أما عن قصائده، فإن هذه القصائد تقدم إلينا أحمد مطر، شاعراً سياسياً من الدرجة الأولى، وهو يعلن عن ذلك في صراحة ووضوح، عندما يقول:
    فأنا الفن ،
    وأهل الفن ساسـه.
    فلماذا أنا عبـدٌ
    والسياسيون أصحاب قداسه ؟
    وأحمد مطر في هذه الأبيات يذكرنا بأعظم شاعر سياسي في الأدب العربي، وهو أبو الطيب المتنبي، الذي عاش حياته متنقلاً مغترباً ومات قتيلاً، لإصراره على أن الشاعر ينبغي أن يكون مكانه مساوياً لمكان السياسيين وأصحاب السلطة، وفي ذلك يقول المتنبي بيته الشهير :( وفؤادي من الملوكِ وإنْ .... كان لساني يُرى من الشعراء).
    فالفكرة التي يحملها أحمد مطر في قلبه، هي نفسها فكرة المتنبي، وهذه الفكرة هي أن الكلمة ترفع صاحبها إن كان موهوباً إلى مصاف الحكام وأصحاب السلطة والقرار، والكلمة ترفع صاحبها أكثر وأكثر، إذا كان ينطق بالحق ويقول الصدق ويرعى أمانة الضمير.. وندعو الله أن يحفظ أحمد مطر، وألاّ يكون مصيره هو مصير المتنبي، فيطعنه أحد الحاقدين في الظهر أو في الصدر ويقضي عليه !
    وكل شاعر سياسي لابد أن تكون له قضية واضحة محددة، فهذه القضية لو كانت غامضة ومعقدة، فإنها تفقد أهميتها وقيمتها وقدرتها على التأثير، كما أن الشاعر ينتقل بالتعقيد والغموض إلى (متصوف) أو إلى (فيلسوف) أو أي شيء آخر غير أن يكون شاعراً سياسياً له جماهير كبيرة تتأثر به وتنصت إليه، وكل الشعر السياسي في الأدب العربي والأدب العالمي ، هو " شعر القضايا الواضحة المحددة " ، حيث لا يجد القارىء - مع هذا الشعر - صعوبة في فهم القضية أو التعرف على ملامحها المختلفة، وذلك ما نجده في شعراء المقاومة الفلسطينية من أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، وذلك ما نجده عند الشعراء السياسيين في العالم من أمثال " مايكوفسكي " في روسيا و " والت ويتمان " في أمريكا الشمالية، و " بابلو نيرودا " في أمريكا اللاتينية، و "ناظم حكمت " في تركيا، و " أراجون " في فرنسا، وكلهم من الشعراء الذين ترجموا إلى العربية، ويعرفهم القارىء العربي معرفة تسمح لنا بالحديث عنهم والإشارة إليهم .. وهؤلاء جميعاً يكتبون عن قضايا واضحة محددة امتلأ بها وجدانهم وامتلأت بها عقولهم وأرواحهم.
    فما هي قضية أحمد مطـر ؟
    قضيته تلخصها كلمة واحدة (الحرية) .. حرية الإنسان في أن يقول ما يؤمن به، ويعلن ما يراه، دون قيد أو خوف .. وإذا أردنا أن نستخدم المصطلحات السياسية فإننا نقول إن قضية الشاعر هنا هي ( الديموقراطية وحقوق الإنسان) .
    وهذه القضية الرئيسية هي مصدر الإنفجار الشعري عند أحمد مطر .. فلن يكون هناك مجتمع عربي سليم إلا إذا تحققت حرية الإنسان، ولن نتخلص من قيود التخلف والإستعمار بإشكاله المختلفة، ولن نقضي على مرارة الهزائم التي تلاحقنا من ميدان إلى ميدان ومن عصر إلى عصر إلا إذا تحققت هذه الحرية للإنسان العربي، فلا يحس في عقله وقلبه بأن هناك من يهدده أو يخيفه أو يتوعده بأن يدفع ثمن حريته .. إن الشاعر هنا لا يريد أبداً أن يكون الإنسان العربي مجرد صدى لرأي قاهر أو قوة مخيفة يردد ما يقال له ترديداً أعمى، ولا يخرج على نطاق الحدود التي ترسمها له هذه القوة المفروضة عليه.
    إن القضية المحورية في شعر أحمد مطر هي حرية التعبير عن النفس بلا خوف من العقاب.. ولقد تحولت هذه القضية عند الشاعر إلى كابوس عنيف شديد القسوة، فشعره يقوم على رفض كل قيد يعوق استقلال الإنسان العربي وحقه في النقد والإعتراض، والشاعر يدرك أنه لا يستطيع أن يقول شعره داخل العالم العربي بهذه الحدة وهذا العنف، ثم يعيش بعد ذلك آمناً ، ولعل الشاعر هو واحد من المؤمنين بكلمة " جوركي " التي يقول فيها ( لقد جئت إلى العالم .. لأعترض ).
    وهذا الكابوس الذي يحمله أحمد مطر -كالجمرة- في روحه وشعره، هو الذي دفعه إلى كتابة قصيدته " مدخل " التي قدم بها ديوانه الشعري المثير " لافتات " ، وفي هذه القصيدة يقول عن قصائده " السبعين " التي يضمها ديوانه :
    سبعون طعنةً هنا موصولة النزفِ
    تُبـدي ولا تخفي
    تغتال خوف الموت في الخوفِ
    سميتها قصائدي
    وسمها يا قارئي : حتفي
    وسمّني منتحراً بخنجر الحرفِ
    لأنني في زمن الزيفِ
    والعيشِ بالمزمار والدّف
    كشفت صدري دفتراً
    وفوقـهُ ..
    كتبتُ هذا الشعر بالسيفِ !
    والقصيدة كما هو واضح تصور " جواً مأساوياً " ويكفي أن نلتفت إلى " قاموسها اللغوي " لنجدها مليئة بألفاظ مثل : الطعنة، النزف، الخنجر، الإغتيال، الموت، الإنتحار، الخوف، السيف. كل ذلك رغم أن القصيدة لا تزيد على أحد عشر بيتاً .
    وقضية الحرية عند الشاعر تتصل أشد الإتصال بما عاناه العقل العربي والوجدان العربي من شخصية " الرقيب " ، وهو ذلك الكائن المفترس، الذي تعود على أن يحذف كل كلمة تثير الشك أو توحي بالمعاني الحرة التي لا يرضى عنها الرقباء الأشداء، ومن كثرة ما عانى الإنسان العربي من هذا كله أصبح الرقيب كائناً داخلياً، يعيش في عقل الإنسان وقلبه ، ويشاركه في الطعام وغرفة النوم. وهنا نجد تجسيداً فنياً جميلاً لحالة الإنسان الخاضع للرقابة والقهر العقلي والنفسي في قصيدة أحمد مطر التي يقول فيها :
    قالَ ليَ الطبيب
    خُذ نفساً
    فكدت - من فرط اختناقي
    بالأسى والقهر - أستجيب.
    لكنني خشيت أن يلمحني الرقيب
    وقال : ممَ تشتكي ؟
    أردتُ أن أُجيب
    لكنني خشيت أن يسمعني الرقيب
    وعندما حيرته بصمتيَ الرهيب
    وجّه ضوءاً باهراً لمقلتي
    حاولَ رفع هامتي
    لكنني خفضتها
    ولذت بالنحيب
    قلت له : معذرة يا سيدي الطبيب
    أودّ أن أرفعَ رأسي عالياً
    لكنني
    أخافُ أن .. يحذفه الرقيب !
    فالرقيب عند أحمد مطر لا يحذف الكلمات فقط، ولكنه يحذف الرؤوس أيضاً.
    والرقيب ليس شخصاً ولكنه " حالـة " يعيش فيها الإنسان العربي ويئن تحت وطأتها ويعاني منها أشد المعاناة، وهذه الحالة هي بالنسبة للشاعر أحمد مطر موقف ماساوي كامل يشل الإنسان ويحول بينه وبين ممارسة دوره في الحياة، فكيف يمكن لإنسان خائف مشكوك في أمره، مراقب من الداخل والخارج على الدوام، أن ينتج أو يساهم في بناء الحضارة ؟
    وهذه الصوة المأساوية الكابوسية هي التي يصورها أحمد مطر مرة أخرى في قصيدته " صدمـة " حيث يقول :
    شعرتُ هذا اليوم بالصدمه
    فعندما رأيتُ جاري قادماً
    رفعتُ كفي نحوهُ مسلماً
    مكتفياً بالصمت والبسمه
    لأنني أعلم أن الصمت في أوطاننا .. حكمـهْ
    لكنهُ رد عليَّ قائلاً :
    عليكم السلام والرحمـه
    ورغم هذا لم تسجل ضده تهمه .
    الحمد لله على النعمـه
    مـن قال ماتت عنـدنا
    حُريّــة الكلْمـهْ ؟!
    إن الشاعر هنا يعيش في صراع حاد بين إصراره العميق على أن يكون مستقلاً يعبر عن نفسه بحرية وصـدق، ودون أن يشعر أنه مجرد كائن يتلقى أوامر وتعليمات عليه أن ينفذها رغم إرادته ودون تفكير .. يعيش الشاعر في صراع بين هذه الرغبة العميقة في داخله وبين ما يمكن أن نسميه باسم " أدب الدعاية" الذي يتحول فيه الفنان إلى أداة يستخدمها الآخرون ويوجهونها، والشاعر هنا يدرك صدق ما قاله الروائي الإنجليزي " جورج أورويل " من أن كل الدعاية كذب حتى عندما ينطق الداعية بالصدق . وهذا الصراع بين " الأدب الصادق " و "الدعاية " .. هو مشكلة حقيقية يعاني منها الفن العربي المعاصر أشد المعاناة، وهي معاناة ظاهرة يحس بها الجميع ، وليس أحمد مطر في شعره الغاضب المتألم إلا ثمرة حية من ثمار هذه المعاناة. إن الفن العظيم يرفع صاحبه إلى مستوى القيادة، ومن هنا فإن الفنان الحقيقي لا يمكن أن يكون تابعاً على الإطلاق، لأن حالة التبعية هذه تتناقض جوهرياً مع روح الفن .. والفن العظيم المؤثر لا يولد إلا إذا كان الفنان حراً، وكانت حريته هذه عميقة في داخله، بحيث لا يشعر أن أحداً يفرض عليه شيئاً أو يخيفه أو يؤذيه، فلحظة الإبداع الفني هي نفسها لحظة الحرية في داخل الفنان .. وإذا عجزت المجتمعات أو النظم السياسية عن فهم هذه الحقيقة فإن الفن يتدهور وينهار ويضيق أمامه الأفق إلى أبعد الحدود، أما الحضارات التي تقدر هذا المعنى الكبير، وهو أن الفن حرية داخلية عند الفنان، لا تحيط بها قيود أو مخاوف ومحاذير، فأن هذه الحضارات هي التي تنعم بالفن العظيم القادر وحده على التاثير في الإنسان .. ولقد فشلت كل المؤسسات التي حاولت أن تجعل من الفنان أداة تابعة في أن تخلق أدباً رفيعاً له قيمة حقيقية، وقد فشلت هذه المؤسسات في جميع أنحاء العالم، شرقاً وغرباً، سواء كانت هذه المؤسسات جمعيات رسمية أو منظمات سياسية أو أجهزة أمن. فالحرية واستقلال الفنان ثم انتماؤه الإختياري إلى ما يؤمن به من المواقف والقضايا والآراء .. تلك كلها شروط لا يولد بغيرها فن ولا يزدهر أدب أو ثقافة.
    **
    ونواصل رحلتنا بعد ذلك مع أحمد مطر وشعره السياسي، فالشاعر السياسي، إلى جانب قضيته الأساسية، لابد أن تكون له صلة قوية مع جمهور من الناس يخاطبهم ويكتب لهم، بينما نجد الشاعر الذي تشغله أمور الفكر أو الفلسفة أو الحالات النفسية المعقدة، لا يعبأ كثيراً بالجمهور الكبير، وقد لا يحزنه أو يؤذيه أن يرى جمهور شعره قليلاً محدوداً، بل ربما وجد في الجمهور المحدود ميزة وقيمة .. فهو شاعر صفوة " ونخبة وأقلية ذات فكر رفيع وثقافة عالية " .. وعندما نقارن بين شاعر مفكر مثل " إليوت " وشاعر سياسي محرض مثل " مايكوفسكي " نحس بالفرق.. فقد كان " إليوت " في قصائده الكبرى مثل قصيدته " الأرض الخراب " يتوجه إلى الصفوة، لذلك لم يكن يعنيه أو يؤلمه أن تكون دائرة قرائه محدودة وضيقة .. بينما كان " مايكوفسكي " يلقي شعره في الميادين العامة ، يستمع إليه الآلاف من الناس ويتجاوبون معه ومع قصائده بحرارة، ومن هنا كانت علاقة الشاعر السياسي بجمهوره الكبير الواسع أمراً يفرض عليه العناية الشديدة بما أشرنا إليه من الوضوح، فلا يمكن مخاطبة الآلاف من البشر عن طريق الصور الغامضة والأفكار المعقدة .. ومن ناحية أخرى فلا بد للشاعر السياسي مادام يضع في حسابه الجمهور الكبير وضرورة مخاطبته والتأثير عليه أن يستخدم " موسيقى شعرية " ظاهرة، لأن الإيقاع الحاد هو عنصر أساسي من عناصر التأثير في الشعر السياسي ذي الجمهور الواسع العريض .
    وهذه الملامح كلها متوافرة في شخصية أحمد مطر الشعرية . فبالإضافة إلى وضوح شعره فإنه يتميز بالموسيقى الحادة القوية والإهتمام بالقافية القاطعة العنيفة .. إن أحمد مطر لا يلقي شعره في الميادين العامة، ولكنه يفعل شيئاً مشابهاً، فكل أشعاره منشورة في الصفحة الأولى من جريدة صباحية يومية جنباً إلى جنب مع المقال السياسي وافتتاحية الجريدة التي تعلق فيها على الأحداث الجارية.
    وهذا نموذج آخر من شعر أحمد مطر، يكشف لنا إلى جانب النماذج السابقة، ما في هذا الشعر من وضوح وسلاسـة وسهولة وتركيز وموسيقى حادة ظاهرة، ففي قصيدته " قلـم " يقول أحمد مطر :
    جس الطبيب خافقـي
    وقال لي :
    هل هاهُنا الألـم ؟
    قلت له : نعم.
    فشقّ بالمشرط جيب معطفي
    وأخرج القلم !
    هـزّ الطبيبُ رأسهُ .. ومال وابتسم
    وقال لي :
    ليس سوى قلم
    فقلتُ : لا يا سيـدي
    هذا يـدٌ .. وفـم
    رصاصـةٌ .. ودم
    وتهمـةٌ سافرةٌ ..تمشي بلا قـدمْ !
    فالقصيدة هنا واضحة، قصيرة، وشديدة التركيز .. موسيقاها يسيطر عليها الإيقاع العنيف والقافية الحادة، وهذه الخصائص كلها تسهل لهذا الشعر الإنتشار حتى لو تعرض للمصادرة، فمن السهل حفظ هذه القصيدة ونقلها من مكان إلى مكان عن طريق الرواية الشفوية.
    **
    نلتقي بعد ذلك بعنصر أخير هام في شعر أحمد مطر، ذلك هو العنصر الذي يجمع بين السخرية التي تشبه ما نسميه بالكوميديا السوداء، وبين الإدهاش ومفاجأة القارىء بالصور التي تصدمه فتوقظ عقله ووجدانه، وهو يعتمد في ذلك كله على كشف التناقض بين ما هو واقع وبين ما هو قائم في النفس والعقل، فالكرامة عندنا - كما هو مألوف - مقدسة ونبيلة، ولكن الشاعر، يصدمنا ويدهشنا ويجرحنا ويفاجئنا في قصيدته " طبيعة صامتـة " :
    في مقلب القمامـه
    رأيتُ جثـة لها ملامـحُ الأعراب
    تجمعت من حولها " النسور" و " الدِباب"
    وفوقها علامـه
    تقولُ : هذي جيفـةٌ
    كانت تسمى سابقاً .. كرامـه !
    وفي قصيدة أخرى يقول بنفس الأسلوب والتركيز :
    لقد شيّعتُ فاتنـةً
    تسمّى في بلاد العُربِ تخريباً
    وإرهابـاً
    وطعنـاً في القوانين الإلهيـه
    ولكن اسمها
    واللـه
    لكن اسمها في الأصل .. حريه !
    إن أحمد مطر شاعر جديد يلفت الأنظارَ حقـاً، وهو مليء بالغضب الساطع الصادق ضد ما يعانيه الإنسان العربي من قهر وظروف قاسية، فأحمد مطر هو ثمرة الوضع الذي جاع فيه العربي في المخيمات الفلسطينية حتى أكل لحم القطط والكلاب، وأوشك أن يأكل لحم أخيه ميتاً، والشاعر هو ثمرة الإغتيالات التي يتعرض لها المثقفون والمفكرون وأصحاب الراي، منذ أن قتل الفنان غسان كنفاني في انفجار سيارته التي كان يقودها في الطريق إلى عمله، إلى أن قتل الناقد الباحث حسين مروة وهو في السابعة والسبعين من عمره بين أولاده وزوجته، عندما دخل القاتل عليه بيته وأطلق الرصاص على صدره وأهل البيت ينظرون في ذهول إلى ما يجري أمامهم .. .. .. وهو ثمرة هذا العصر الذي يموت فيه الآلاف من العرب - بسبب الجفاف - بحثاً عن قطرة ماء يشربها الظمآن ، وطلباً لقطعة خبز يأكلها الجائع.
    إنه شاعر مأساة حقيقية .. وهو يصرخ بشعره في البرية .. طلباً للكرامة والحرية .. ولعل شعره الصادق الصارخ يكون إنذاراً بوضع حد للمأساة التي يعيشها الإنسان العربي.
    وبعد .. فإن ديوان لافتات لأحمد مطر لم يدخل سوى عاصمتين عربيتين فقط من بين اثنتين وعشرين عاصمة، فقد طبعته الكويت وسمحت له القاهرة بالدخول .. ويوم أن يتاح لمثل هذا الشعر أن يدخل كل العواصم العربية فسوف يكون ذلك إشارة إلى أن عصراً عربياً جديداً قد بدأ .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-02-01
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    هذا مقال رصين لي معه عودة بإذن الله ..

    لك الود أيها الغالي أحمد .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-02-16
  5. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    التهمة كنت أسير مفردا أحمل أفكاري معي، ومنطقي ومسمعي، فازدحمت من حولي الوجوه، قال لهم زعيمهم خذوه، سألتهم ما تهمتي؟ فقيل لي: " تجمع مشبوه".
    زنزانة صدري أنا زنزانة قضبانها ضلوعي، يدهمها المخبر بالهلوع، يقيس فيها نسبة النقاء في الهواء، ونسبة الحمرة في دمائي، وبعدما يرى الدخان ساكنا في رئتي، والدم في قلبي كالدموع، يلومني لأنني مبذر في نعمة الخضوع، شكرا طويل العمر إذ أطلت عمر جوعي، لو لم تمت كل كريات دمي الحمراء، من قلة الغذاء، لانتشل المخبر شيئا من دمي ثم ادعى بأنني شيوعي. كابوس
    الكابوس أمامي قائم
    قمْ من نومكَ
    لست بنائم
    ليس، إذن، كابوساً هذا
    بل أنت ترى وجه الحاكم !



    طاغوتية
    في بلاد المشركين،
    يبصق المرء بوجه الحاكمين،
    فيجازى بالغرامة؛
    ولدينا نحن أصحاب اليمن،
    يبصق المرء دماً تحت أيادي المخبرين،
    ويرى يوم القيامة،
    عندما ينثر ماء الورد
    والهيل بلا إذن على وجه أمير المؤمنين



    وظيفة القلم
    عندي قلم
    ممتلئٌ يبحث عن دفتر
    و الدفتر يبحث عن شعر
    و الشعر بأعماقي مضمر
    و ضميري يبحث عن أمن
    و الأمن مقيم في المخفر
    و المخفر يبحث عن قلم
    عندي قلم
    وقع يا كلب على المحضر !؟
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-02-16
  7. العامر

    العامر عضو

    التسجيل :
    ‏2005-07-05
    المشاركات:
    90
    الإعجاب :
    0
    الغث السمين لا ينظر له

    shapter.assistance towards righteousness and piety
    allah,theexalted,says:
    help you one another in al-birr and at - tagwa
    وقال تعالى ( والعصر ان اللأنسان لفي خسر* الا الذين امنوا وعملوا الصلحت وتواصوا بالحق وتواصو بالصبر ) وقال الشافعي رحمه الله ان الناس في غفله عن تدبر هذه السوره الكريمه . ودمتم
     

مشاركة هذه الصفحة