صناعة الكراهية في العلاقات العربية ــ الأميركية

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 541   الردود : 0    ‏2003-01-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-01-19
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]



    المساهمون قدموا وجهة نظر متكاملة فيما جري ويجري بين العرب وأميركا خاصة ما أثير من اتهامات للعرب بأنهم يكنون كراهية للحلم الأميركي.

    ميدل ايست اونلاين
    بقلم: محمد الحمامصي

    قدم المساهمون في هذا الكتاب وجهة نظر متكاملة فيما جري ويجري في الساحة العالمية عامة وصعيد العلاقات العربية الأميركية خاصة، محللين للعديد من القضايا الإستراتيجية بين العرب وأميركا منشأها وتطوراتها وانعكاساتها التي بلغت الذروة بعد أحداث سبتمبر ولا تزال مستمرة، خاصة ما أثير من اتهامات رسمية وغير رسمية للعرب بأنهم يكنون كراهية لكل ما هو أميركي أو بعبارة أخرى للحلم الأميركي، وهي اتهامات يلاحظ أنها آخذة في التصاعد على نحو مقلق ومن ثم فهي في حاجة إلى مواجهة حقيقية وفق منهج سليم.

    ويكاد يجمع المشاركون في الكتاب على نفي وجهة النظر هذه. وليس منبع هذا النفي رغبة في التزلف إلى إدارة بات الجنون يحكم سلوكها تجاه العالم عامة والعرب والمسلمين خاصة وإنما نتيجة طبيعية لتحليل علمي أثبت أنه إن كان ثمة تهمة يمكن أن تلصق بالعرب في علاقتهم بالولايات المتحدة فلن تكون هذه التهمة سوى السذاجة السياسية المفرطة في مواجهة تطورات السياسة الأميركية التي لعبت دوراً أساسياً في تقويض مصالح العرب في تفاعلهم مع القوى الإقليمية والعالمية.

    يبدأ الكتاب بمقدمة طويلة لـ د. أحمد يوسف أحمد ود. ممدوح حمزة كشفا خلالها عن فكرة تأليفه ولجنة الإشراف عليه والرؤية العامة التي ينطلق منها الكتاب. وقد تم تقسيمه إلى ثمانية فصول وفقاً للمشاركين في حيث استقل كل مشارك بدراسته في فصل يحمل عنوان دراسته، والمشاركون هم د. بهجت قرني، أ. جميل مطر، د. حسنين توفيق، د. رؤوف عباس حامد، د. عبد العزيز حموده، أ. محمد سيد أحمد، د. نيفين مسعد، ود. هالة سعودي.

    ويشير المحرران إلى أن الكتاب يكشف أول ما يكشف عن أن الكراهية هي حالة نفسية غاضبة وموجهة سلبياً نحو فكر أو عقيدة أو شخص أو أمة أو ثقافة أو مجتمع. وتشتد هذه الحالة النفسية أو تخفت رداً على تصرفات الآخرين والتي قد تكون نابعة من ذواتهم أو يأتونها متأثرين بمؤثرات خارجية غير متأصلة في طبيعتهم.

    والكراهية إما أن تكون عارضة وإما أن تصبح دائمة، وتتحدد قوتها أو ضعفها حسب معطيات الحاضر بكل تداخلاته وتداعياته.

    والكراهية لم تكن سمة من سمات التعامل العربي مع الولايات المتحدة في أي وقت من الأوقات، بل لعل العكس هو الصحيح، وفي هذا السياق نجد د. رؤوف عباس في الفصل المعنون "الصعود الأميركي في الشئون الدولية في أعقاب الحرب العالمية وردود الفعل العربية" يؤكد أن صورة أميركا في الوطن العربي قد اختلفت عن صورة غيرها من القوى الغربية اختلافاً كبيراًَ منذ القرن الـ 19 وحتى القرن الـ 20 فعلي حين رأى العرب في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإلى حد ما ألمانيا قوى استعمارية مهيمنة ومتسلطة، سلبت البلاد العربية حريتها ونهبت ثرواتها، كانت رؤيتهم لأميركا على نقيض ذلك تماماً، فالعرب لم يعهدوا أميركا قوة استعمارية طامعة في بلادهم تريد اقتناص ثرواتها، بل عهدوها شريكاً تجارياً يتعامل معهم وفق قوانين السوق، ولا يملي عليهم شروطه. وبعد أن يتناول تطورات ومراحل العلاقة العربية – الأميركية وتأثر الانحياز الأميركي للصهيونية والضغط باتجاه إقامة دولة إسرائيل، يخلص د. رؤوف عباس إلى أن المشكلة تكمن في ثقة عربية متأصلة في الولايات المتحدة وليس في كراهية مستحكمة لها.

    غير أن الإدارات الأميركية المتعاقبة بدأت على نحو دؤوب في تقويض هذه الثقة بسياساتها اتجاه الوطن العربي ويقول في ذلك "ولكن صناع القرار في البيت الأبيض أهدروا تلك المعطيات الهامة باتباع سياسة قامت على الإنحياز للصهيونية من جانب، والهيمنة الاستراتيجية في المنطقة كلها من ناحية أخرى، وعلى الرغم مما كان لهذه السياسة من ضرر على المصالح الأميركية في العالم العربي من وجهة نظر الخبراء والدبلوماسيين الأميركيين أنفسهم، فإنها قلبت صورة الولايات المتحدة عند العرب، فرأوا فيها قوة إمبريالية طاغية، تتعامل بعجرفة مع من ينشدون صداقتها ولا تحترم حقوقهم السيادية، وتمعن في إهانتهم في سبيل إملاء سياستها عليهم، فلا غرابة – إذن – عندما يعبر العرب عن مشاعر المرارة عندهم التي غذتها الولايات المتحدة بأفعالها في المنطقة ويعلنون بغضهم للسياسة الأميركية التي تستحوذ على ثروات بلادهم، ولا تقبل التعامل معهم إلا من خلال علاقة المتبوع للتابع التي لا تقبل من جانب العرب إلا بالرفض التام على نحو ما رأينا من ردود الأفعال العربية اتجاه سياسة الهيمنة الأميركية."

    ويظهر الفصل الثاني الذي كتبته د. هالة سعودي بعنوان "السياسة الأميركية تجاه الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية" الجوانب البنيوية في هذه السياسة والتي تكفلت بتقويض الإدراك العربي الإيجابي للدور الأميركي في المنطقة وزرع عوامل الصدام بين أميركا والعرب، ولا شك أن التأييد الأميركي لإسرائيل يأتي على رأس العناصر التي سببت الخلاف والصدام العربي – الأميركي.

    بعبارة أخرى فإنه من المفهوم أن تكون للولايات المتحدة مصالح عالمية مثل احتواء الاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة أو حماية مصالحها البترولية في المنطقة، لكن حماية إسرائيل وتأييدها مثلت بالنسبة للعرب أمراً مختلفاً.

    وتشير د. هالة إلى أن هذه المسألة بقولها: هناك مجموعة من العوامل دفعت في اتجاه جعل ضمان أمن إسرائيل يمثل مصلحة أساسية للولايات المتحدة، فهناك نوع من الارتباط العضوي بين إسرائيل والولايات المتحدة يتمثل في وجود قيم مشتركة وتواصل بين المجتمعين، كذلك فإن الدور الذي تلعبه جماعات المصالح اليهودية في الولايات المتحدة ووسائل الإعلام الأميركية قد خلق بيئة سياسية مؤيدة لإسرائيل ورأي عام معروف بتعاطفه وتأييده القوي لها.. والمشكلة أن البعد الإسرائيلي في السياسة الأميركية تجاه المنطقة بدا مستعصياً على أي تراجع بل على العكس كان من الواضح أن منحنى التأييد الأميركي آخذ في التصاعد دوماً بغض النظر عن شخص القابع في كرسي الرئاسة الأميركية في البيت الأبيض أو انتمائه الحزبي.

    غير أن البعد الإسرائيلي في السياسة الأميركية تجاه المنطقة لم يكن وحده المسئول عن الخلاف والصدام بين السياسة الأميركية والمصالح العربية، فهناك على سبيل المثال مسألة أمن الخليج التي تنطوي الآن على سياسة أميركية غير مبررة من منظور الشرعية أو المنظور الإنساني تجاه العرق، فضلاً عن أنها تفضي إلى وجود عسكري أميركي غير مسبوق على نحو ما توضحه د. هالة سعودي بقولها "ترتب على هذه السياسة وجود عسكري أميركي غير مسبوق في الخليج وصل إلى 25 ألف جندي مع تسهيلات كبيرة للبحرية الأميركية، هذا فضلاً عن صادرات السلاح الأميركي للمنطقة والتي بلغت منذ حرب الخليج 90 مليار دولار ساهمت في انعاش الصناعات العسكرية الأميركية التي كانت قد بدأت تعاني بعد تراجع الطلب عليها في أعقاب الحرب الباردة، وقد أدى الوجود العسكري في الخليج إلى جعل منطقة الخليج منطقة شبه منفصلة عن الأمن القومي العربي .. ومن المعروف أن الولايات المتحدة سعت إلى إجهاض مشروع عربي لبناء أمن عربي يؤكد ترابط أمن منطقة الخليج مع الأمن القومي العربي، وهو المشروع الذي تضمنه إعلان دمشق الذي ضم كل من مصر وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجي، والذي كان في الواقع محصلة لخبرة حرب الخليج التي أظهرت الحاجة لحمايته في إطار عربي، ويعكس موقف الولايات المتحدة من هذا المشروع رغبتها في الانفراد بالهيمنة على الخليج والوجود الدائم فيه واستبعاد أي صيغة يمكن أن تمثل بديلاً محتملاً عن الوجود الأميركي فيه."

    ويقدم د. عبد العزيز حموده في الفصل الثالث من الكتاب والمعنون "التفاعلات العربية – الأميركية غير السياسية" إضافة بالغة الأهمية في الجدل حول الكراهية العربية الأميركية، كونه يجسد موقف مثقف مصري عندما يشير إلى تعامله مع الحلم الأميركي في فترة الانطباع المبكر من حياته، بكل انبهار الشباب بمعطيات ذلك الحلم، ثم تعامله معه مرة أخرى بعد ربع قرن، حينما عمل مستشاراً ثقافياً لمصر في واشنطن، من مسافة نقدية كافية لأن يخلص إلي الحلم الأميركي "لا يمكن أن يكون – كما قد يرى البعض – شراً كله"، كانت هناك كما يعود د. حموده فيؤكد أن درجة انبهار شديدة بذلك الحلم "ولم يكن انبهارنا أقل من انبهار ملايين الشباب العالم بحلم الحياة الأميركية، حيث الحرية والمساواة والنجاح المادي بلا حدود، وفي العالم العربي على وجه التحديد كان لذلك الحلم بريقه الخاص الذي ولده الظرف التاريخي للعالم العربي"، وعلى الرغم مما أسماه د. حموده بفقدان البراءة واصفاً بذلك التحول العربي من الجهل إلى المعرفة بحقيقة الحلم الأميركي على المستوى السياسي، فإنه يلفت النظر إلى حقيقة بالغة الأهمية بالنسبة لموضوع الكتاب وهي ما أسماه بازدواجية المشاعر العربية تجاه أميركا، الازدواجية التي ترفض السياسة الأميركية من ناحية وتحتفظ رغم ذلك بقدر كبير من الانبهار بالحلم الأميركي.

    في الفصل الرابع الذي كتبه د. بهجت قرني بعنوان "العلاقة بين الفكر والسياسة كما تظهر في نظرية صدام الحضارات" يناقش د. بهجت العلاقة بين الفكر والسياسي بصورة عامة مع تقدم عدد من الأمثلة المجسدة لهذه العلاقة بدءاً من ميكافللي الذي جعل من الغاية مبرراً للوسيلة، وانتهاء بجورج كينان منظر سياسة الاحتواء المزدوج التي حكمت السياسة الدولية خلال فترة الحرب الباردة الممتدة من عام 1947 وحتى عام 1991، ثم ينتقل د. بهجت قرني إلى تحليل العلاقة نفسها في فترة ما بعد الحرب الباردة، لكن بالاستشهاد هذه المرة بأفكار فرانسيس فوكاياما صاحب مقولة نهاية التاريخ المستوحاة من الفكر الليبرالي والتي قدمت الأساس النظري المبكر لما صار يعرف لاحقاً بالعولمة، كما يتطرق لوجهة نظر صمويل هنتنجون في أفكار فوكوياما التي تعتبر بمعني معين مناقضة للتوجهات الأساسية لهنتنجون، ليعرض لاحقاً بشكل مفصل لعناصر أطروحة الأخير حول صراع الحضارات، ومفادها أن خطوط التمايز في عالم بعد الحرب الباردة خطوط حضارية أو بتعبير أدق دينية، أن الصدام لا مفر منه بين التمايزين حضارياً بشكل عام بين الحضارتين الإسلامية والغربية بشكل خاص، ويمثل هذا الصراع إحياء لدور العامل الثقافي في توجيه العلاقات الدولية، وفي تفسير النتائج الناجمة عن أزمات الهوية المستحكمة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

    ولعل أخطر ما في بحث د. بهجت قرني إنه يلفت النظر إلى ما يمكن وصفه دون كثير تحامل بأنه تلفيق نظرية صراع الحضارات ، مثل هذا النظرية الملفقة لعبت دوراً مهماً في إعطاء مصداقية لصور نمطية مبسطة ومشوهة لتكون مرجعية مسلماً بها لصانع القرار ليرث الإسلام على حد تعبير د. نفين مسعد في الفصل الخامس من هذا الكتاب "منزلة الشيوعية وليصبح الخطر القادم هو الخطر الأخضر بعد الخطر الأحمر" وهذا أخطر تأثير لنظرية صدام الحضارات القائمة على قراءة مختزلة ومتحيزة للتاريخ الاجتماعي والسياسي وفقاً للدكتور بهجت قرني.

    ومع الفصل الخامس الذي كتبته د. نيفين مسعد بعنوان "السياسة الخارجية الأميركية تجاه الدول العربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر" يبدأ تباين التداعيات الخطيرة لهذه الأحداث على السياسة موضع التحليل، ولعل أهم ما في بحث د. نيفين أنه يبين لنا كيف أن ما يجري أمامنا في هذه اللحظة الراهنة يبدو منطقياً ومتوقعاً في ضوء التحليل البنيوي للسياسة الخارجية الأميركية منذ ما قبل 11 سبتمبر ، وإن كانت أحداث ذلك اليوم قد أفضت دون شك إلى تغير في الدرجة.

    وتقول د. نيفين مسعد في هذا المعنى في مستهل بحثها، وهي الفكرة الرئيسية التي يتبناها هذا الفصل، أن الإدارة الجمهورية لجورج بوش الابن حافظت على المنطلقات الأساسية لسياستها الخارجية، والتي تتفق مع توجهات التيار المحافظ الجديد النافذ فيها، إلا أن أحداث سبتمبر أتاحت الفرصة لهذا التيار لكي يمضي خطوات أبعد في تحقيق أهدافه المتمثلة في بناء الإمبراطورية الأميركية تحت شعار قيادة الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، وبعبارة أخرى يصعب الحديث عن تغير من حيث الجوهر في موقف الإدارة الأميركية من جملة القضايا الإقليمية والدولية موضع اهتمامها بعد 11 سبتمبر عنه قبله، لكن يمكن الحديث عن تغير من حيث الدرجة في موقفها من هذه القضايا ذاتها.

    وعندما تحلل أحداث 11 سبتمبر واستثمار الإدارة الأميركية لها إلى أقصى درجة ممكنة دخلت منها وبها عصر القطب الأوحد ــ الذي تحاكم فيه النوايا والسرائر على حد تعبير د.نيفين ــ كما لم تفعل من قبل انتقلت إلى تحليل السياسة الأميركية تجاه الدول العربية بعد 11 سبتمبر، تقول "ميزت الولايات المتحدة بين الدول العربية من منظور موقفها من الإرهاب معه أو ضده، وبالتالي حكمت سياستها الخارجية حيالها أولويات مختلفة."

    أما الصراع العربي الإسرائيلي بعد أحداث 11 سبتمبر فترصد د. نيفين مسعد عاملين أساسيين أثرا عليه وقاداها إلى التأرجح بين خط عام وحاكم يتمثل في الدعم المطلق للسياسة الإسرائيلية وبين محاولة متواضعة للخروج من هذا الخط والتصرف بمنطق الوسيط، العامل الأول المشابهة المجحفة وغير المتكافئة بأي مقياس بين أعمال المقاومة الوطنية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي وتفجيرات نيويورك وبين ياسر عرفات وبن لادن، وبين دور شارون في مكافحة الإرهاب في فلسطين ومهام رامسفيلد نفسه في أفغانستان، وبالتالي اعتبار ما تقوم به إسرائيل سواء قبل اجتياحها الكبير للأراضي الفلسطينية في 29 مارس 2002 أو بشكل أوضح بعده، بمثابة عودة لمفهوم الحرب بالإنابة من خلال حرب تخوضها إسرائيل نيابة عن الولايات المتحدة، أو ما عبر عنه في حينه بأنه مرحلة ثانية من الحرب ضد الإرهاب. أما العامل الثاني فهو غضب المواطن العادي في العديد من الدول العربية والإسلامية على ازدواجية المعايير الأميركية في مقاربة الملفين العراقي والفلسطيني.

    ويرصد الفصل السابع الذي كتبه د. حسنين توفيق إبراهيم عن تحليل ردود الفعل العربية تجاه أحداث سبتمبر غياب التنسيق بين المواقف العربية كافة علي الصعيدين الرسمي وغير الرسمي، ولذلك انتهى في خلاصة بحثه إلي القول بأن ردود الفعل التي تتناولها الدراسة خاصة على الصعيد الرسمي "جاءت في محصلتها انعكاساً للأزمة البنائية التي يعاني منها النظام العربي سواء على الصعيد الداخلي بالنسبة للغالبية العظمى مع الدول العربية أو على صعيد العلاقات العربية – العربية، ومن هنا فقد غاب التعامل العربي الجماعي مع الأحداث وتداعياتها، كما تباينت الأولويات من دولة إلى أخرى، مما أفسح المجال أمام إسرائيل لتوظيف الأحداث لحساب مصالحها، وتصعيد حربها العدوانية ضد الفلسطينيين، كما أفسح المجال أمام الولايات المتحدة الأميركية لتجعل الحرب ضد الإرهاب، حسبما تتصوره، المعيار الرئيسي لتحديد سياساتها ومواقفها تجاه القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مما ترتب عليه الوصول بدرجة تأييدها لإسرائيل إلى حد التواطؤ، فضلاً عن تصعيد مطالبها تجاه الدول العربية، وتكثيف ضغوطها على العديد من هذه الدول بأساليب متعددة وبشأن قضايا مختلفة، وقد نجم عن ذلك اندلاع موجة من الاحتجاج والغضب الشعبي في معظم الدول العربية ليس ضد السياسات الإسرائيلية والأميركية في المنطقة فحسب، ولكن أيضاً ضد العجز الرسمي العربي في التعامل معها.. ومما لا شك فيه أن ذلك يتضمن مؤشرات على ردود الأفعال الشعبية المحتملة في حالة استمرار النهج الإسرائيلي – الأميركي نفسه في التعامل مع الصراع العربي – الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية، أو في حالة قيام الولايات المتحدة بضرب العراق أو أية دولة عربية أخرى في إطار حملتها ضد الإرهاب، مما ستكون له انعكاساته السلبية على النظم العربية التي تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة من ناحية، وعلى المصالح الأميركية في المنطقة من ناحية أخرى، وهو ما يشكل أحد المنطلقات الأساسية التي تحتم مراجعة العلاقات العربية – الأميركية.

    وفي الفصل الثامن والأخير الذي كتبه أ. محمد سيد أحمد (نحو حوار عربي – أميركي) يرسم المعالم الأساسية لاستراتيجية عربية لمواجهة الموقف الخطير الناشئ على الساحة العالمية في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، على أن تكون أسساً لحوار عربي – أميركي بصفة خاصة، وتشمل عشر نقاط تدعم العلاقات العربية الأميركية والبعد عن توظيف الدولة العظمى للدول الصغرى، والتغلب على التناقضات العربية – العربية، وبناء محور سعودي – مصري لضبط العلاقات العربية – الأميركية، وانعاش المكون السوري في هذا المحور بما يعنيه ذلك من رفض إدراج سوريا على قائمة دور الشر، والمصالحة العربية الشاملة مع العراق، والانفتاح على الجوار الآسيوي والأفريقي والأوروبي والمساهمة في تهدئة خلافاتها وتطوير علاقات العالم مع الدول الكبرى، والاهتمام بقضايا البيئة وضبط التسلح النووي ومكافحة الإرهاب.

    ويختتم أ. محمد سيد أحمد بحثه بخلاصة تجسد رؤيته الصحيحة للموقف الراهن وتداعياته الخطيرة يقول: لقد أصبحت للعبة الموت أسبقية على لعبة الحياة، وبدت البشرية وكأنما باتت تراهن على الهلاك المتبادل، على الاستغناء عن الفرص المتاحة لمواصلة الحياة وزيادتها ازدهاراً، ولو أفنت البشرية نفسها من جراء التمادي في هذا الاتجاه، ستنتهي مسيرة الجنس البشري فوق سطح كوكبنا، وقد تتجدد الحياة فوق كواكب أخرى، ولكن لن يكون ذلك مصير الحياة، ومصير الذكاء البشري فوق كوكبنا، لن تتجدد القدرة على تطويع الكون لمخطط هدفه ازدهار هدفه ازدهار الجنس البشري وزيادة تألقه وتحرره وسيطرته على مقدراته.

    في عصر ما بعد 11 سبتمبر بات الهلاك المتبادل، لا هلاك طرف لحساب آخر، هو البديل عن الثقة المتبادلة، وهذا يتطلب تغييراً في سلوك أقوى دولة فوق سطح الأرض، يستدعي تخليها عن غطرستها التي باتت ترفاً لم تعد تملكه، كما بتنا بحال يتطلب من العرب أن يتغيروا هم أيضاً، وأن يقاوموا حالة اليأس والانهيار التي باتت تستبد بهم، فهل تنتصر قيم الحضارة وتصبح عنواناً للألفية الجديدة أم نستسلم لغرائزنا ويكون مصيرنا هو مصير فناء الديناصورات منذ 65 مليون سنة؟
     

مشاركة هذه الصفحة