في الفتن تحير العقول وتقصر الأفهام فما العمل ؟.

الكاتب : أبو معاذ   المشاهدات : 525   الردود : 0    ‏2003-01-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-01-16
  1. أبو معاذ

    أبو معاذ عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-29
    المشاركات:
    148
    الإعجاب :
    0
    يعلم الإخوة الأفاضل أن في هذه الأزمان كثرت الفتن ، وقد حكى النبي عن ظهور الفتن في آخر الزمان ، قال صلى الله عليه وسلم ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينذرهم شر ما يعلمه لهم ، و إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ، و سيصيب آخرها بلاء و أمور تنكرونها ، و تجيء فـتـنة ، فيرقق بعضها بعضا ، و تجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ، ثم تنكشف و تجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه هذه ، فمن أحب أن يزحزع عن النار و يدخل الجنة ، فلتأته منيته و هو يؤمن بالله و اليوم الآخر ، و ليــأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه و من بايع إماما فأعطاه صفقة يده ، و ثمرة قلبه ، فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)).

    بل بلغ خطرها أن من الفتن التي تكون آخر الزمان يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافر !!

    ((إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم))

    ويعلم الجميع أن من الفتن ماتذهب بالعقول ولا يعرف أين يكون الحق في خضم الفتنة فيتفرق أهل الحق وهنا ماذا يجب على المسلم أن يفعل ؟؟؟

    هل تجرفه الفتنة ويتبع كل ناعق ؟
    من رحمة الله بنا أن بين لنا نهج السلف كي نقتفي أثرهم ونقف مواقفهم .
    والمتأمل في حال أولئك الأئمة وذاك الجيل الفريد يستخلص منه عدة أمور يجب التمسك بها في وقت الفتن لنعصم أنفسنا بإذن الله من الزلل والإحتراق والضياع في الفتن التي تعمي وتصم .

    منها أولاً :-
    الاعتصام بالكتاب والسنة :
    فإنه لانجاة للأمة من الفتن والشدائد التي حلت بها إلا بالإعتصام بالكتاب والسنة ، يقول الله تعالى: (وِاْعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) .

    ويقول صلى الله عليه وسلم: " إنها ستكون فتنة، قالوا: وما نصنع يا رسول الله، قال: ترجعون إلى أمركم الأول ".

    قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:-
    (( وطريق النجاة من الفتن هو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما رُوي ذلك عن علي مرفوعاً: تكون فتن: قيل: ما المخرج يا رسول الله؟ قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم.))

    وإليك أنموذجاً من سيرة سلفنا الصالح في حرصهم على الاعتصام بالكتاب والسنة عند وقوع الفتن والمحن.

    عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: لما وقع من أمر عثمان ما كان وتكلم الناس في أمره أتيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر ما المخرج ؟ قال: كتاب الله.

    ثانياً :- الإِلتفاف حــول العلـماء :
    وعدم الإلتفات لطلبة العلم حتى بل العلماء الذين من الله عليهم بالحكمة وزكاهم في كتابه وامتدحهم نبيه ،أولئك العلماء الربانيون ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

    " إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر"، فلا بد من الالتفاف حولهم بحضور حِلَقِهِم العلمية وزيارتهم زيارات دورية حتى لا تنقطع علاقاتنا بهم، وقد حدثت في التاريخ الإِسلامي فتن ثّبت الله فيها المسلمين بعلمائهم ومن ذلك ما قاله علي بن المديني رحمه الله:

    " أعز الله الدين بالصديق يوم الردة وبأحمد يوم المحنة ".

    ولذلك كان السلف الصالح عند تغير الأحوال يلتفون حول علمائهم وإليك نماذج من ذلك.

    عن بشير بن عمرو قال: شيَّعنا ابن مسعود حين خرج، فنزل في طريق القادسية فدخل بستاناً فقضى حاجته ثم تؤضأ ومسح على جوربيه ثم خرج وإن لحيته ليقطر منها الماء فقلنا له: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتن ولا ندري هل نلقاك أم لا، قال: اتقوا الله وأصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة.

    عندما دخل أبو موسى الأشعرى المسجد وإذا به يرى أناساً متحلقين في المسجد في كل حلقة واحد يرمون بحصىً معهم كلما رموا بحصاة قالوا: كِّبروا الله مائة، فذهب أبو موسى إلى ابن مسعود: فبماذا أمرتهم ؟ فقال أبو موسى: ما قلت لهم شيئاً انتظار أمرك.


    ثالثاً :- لــزوم الجمــاعة :
    فمن المخارج عند حدوث الفتن والحوادث لزوم جماعة المسلمين ، والجماعة ليست بالكثرة ولكن من كان على منهج أهل السنة والجماعة فهو الجماعة.

    يقول عبد الله بن مسعود : ((الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك ))

    قال حذيفة رضي الله عنه:
    " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير كنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.

    فقلت: يا رسول الله إنَّا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟

    قال: نعم، وفيه دخن.

    قلت: وما دخنه ؟

    قال: قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وتنكر.

    قلت: فهل بعد ذلك هذا الخير من شر؟

    قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.

    قلت: يا رسول الله صفهم لنا.

    قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

    قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟

    قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " .


    رابعاً :- التسلح بالعلم الشرعي :
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه .. " إذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن وحدثت البدع والفجور ووقع الشر بينهم ".

    وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى:
    " فكل أنواع الفتن لا سبيل للتخلص منها والنجاة منها إلا بالتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعرفة منهج سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم من أئمة الإِسلام ودعاة الهدى".


    خامساً :- النظر في عواقب الأمور :
    ففي زمن الفتن ليس كل مقال يبدو لك حسناً تظهره ولا كل فعل يبدو لك حسناً تفعله، لأن القول أو الفعل زمن الفتنة يترتب عليه أمور، فالتأني والرفق والحلم عند الفتن وتغير الأحوال محمود لأنه يُمكِّن المسلم من رؤية الأشياء على حقيقتها وأن يبصر الأمور على ماهي عليه.

    وقد يفهم بعضهم أشياء لا تبلغها عقولهم ويبنون عليها اعتقادات أو أعمالاً أو أقوالاً لا تكون عاقبتها حميدة وسلفنا الصالح أحبوا السلامة في الفتن فسكتوا عن أشياء كثيرة طلباً للسلامة في دينهم وإليك نماذج من سيرتهم العطرة:

    وعندما حوصرعثمان بن عفان رضي الله عنه في زمن الفتنة وقف بعض الصحابة يريدون الدفاع عنه كعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبي هريرة وغيرهم، فقال رضي الله عنه: " أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله" ولو تركهم رضي الله عنه لمنعوه ولدافعوا عنه ولكن نظر إلى عاقبة الأمر وأنه ربما يحصل سفك دماء فاختار أن يكون خيرَ ابنيّ آدم.


    سادساً :- الصبـــــــر :
    وبالصبر يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن والضعف ولذلك وَعَى السلف الصالح أهمية الصبر عند وقوع الفتن والحوادث وإليك نماذج مْن سيرتهم.

    لما كان الصحابة رضي الله عنهم يعذبون ويفُتنون في صدر الإسلام بمكة كان يمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم ويذكرهم بالصبر ومنهم آل ياسر فإذا مر بهم قال: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة.

    عن الزبير بن عدي قال: دخلنا على أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعت هذا من نبيكم.

    قال النعمان بن بشير:" إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتن فأعدوا للبلاء صبراً "
    عندما واجه إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل الفتنة العمياء بخلق القرآن في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد فصبر وتمسك بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم حتى نصره الله وفرَّج عنه الغمة.


    سابعاً :- البعد عن مواطن الفتن :
    وهو مطلب شرعي ..
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن )

    وفي الحديث الآخر الذي يرويه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا : ( خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان فرسه خلف أعداء الله ، يخيفهم ويخيفونه ، أو رجل معتزل في بادية يؤدي حق الله الذي عليه )

    وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
    الله عليه وسلم:" أنها ستكون فتن ألاثمَّ تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي فيها والماشي فيها خير من الساعي إليها".

    قال النووي رحمه الله تعالى:" معناه: بيان عظيم خطرها والحث على تجنبها والهرب منها ومن التشبث في شيء منها وأن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها".

    ولقد حرص سلفنا الصالح عن البعد عن مواطن الفتن وإليك نماذج من ذلك:

    وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: " لا تقربوا الفتنة إذا حميت ولا تعرضوا لها إذا عرضت واضربوا أهلها إذا أقبلت ".

    قال محمد بن الحنفية: اتقوا هذه الفتن فإنها لا يستشرف لها أحد إلا استبقته".

    عن أبي موسى أنه قال : " ...الفتن من أشرف لها أشرفت له ومن ماج لها ماجت له".


    ثامناً :- لزوم الإنصـاف والعـدل في الأمر كله :
    فإن من أقوى أسباب الإختلاف بين العباد وخصوصاً زمن الفتن فقدان العدل والإنصاف ، فإن كثيراً من المشاكل التي تحصل بين المسلمين سواء منها الفردية أوالجماعية ستزول وتحل بإذن الله تعالى.

    حتى مع الكفار فليس معنى ان يكون الرجل كافراً يجوز لك أن تظلمه .
    قال تعالى : (ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)

    وإليك نموذجاُ من نهج سلفنا الصالح في حرصهم على العدل والإنصاف:
    عن عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت: ممن أنت ؟

    فقلت: رجل من أهل مصر.

    فقالت: كيف صاحبكم لكم في غزاتكم ؟

    فقلت: ما نقمنا منه شيء إن كان ليموت للرجل البعير فيعطيه البعير والعبد فيعطيه العبد ويحتاج إلى النفقة فيعطيها النفقة.

    فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أن أخبرك:
    سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا:

    "اللهم من ولى من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عيه، ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به "

    قال النووي رحمة الله معلقاً على هذا الحديث:
    " وفيه أنه ينبغي أن يذكر فضل أهل الفضل ولا يمنع منه سبب عدواة ونحوها ".

    هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
     

مشاركة هذه الصفحة