[ رسالة ( الضوابط الشرعية لموقف المسلم في الفتن ) للشيخ صالح ال الشيخ .. ( كاملة ) ]

الكاتب : أبو معاذ   المشاهدات : 509   الردود : 1    ‏2003-01-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-01-13
  1. أبو معاذ

    أبو معاذ عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-29
    المشاركات:
    148
    الإعجاب :
    0
    الحمد لله ، الحمد لله الذي قال : (( لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدىً مستقيم . وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون . الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون)) .
    والحمد لله الذي قال : (( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد . ومن يهد الله فماله من مضل أليس الله بعزيز ذو انتقام )) .
    وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، شهادة من خالطت كلمة التوحيد قلبه وفؤاده ، فعلم منها ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال .
    وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله ، وصفيه وخليله ، هو البشير النذير ، بشر وأنذر ، وقال وعلم ، فطوبى لمن أخذ بسنته واقتفى أثره واهتدى بهداه ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين . أما بعد :
    فيا أيها الإخوان ‍‍‍‍‍. تعوذوا بالله جل وعلا من الفتن ، تعوذوا بالله جل وعلا من الفتن التي تحرق الدين ، وتحرق العقل ، وتحرق البدن ، وتحرق كل خير ، تعوذوا بالله منها ، فإنه لا خير في فتنة أبداً ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله كثيراً من الفتن ، وكان عليه الصلاة والسلام يحذر من الفتن .
    ولهذا ؛ لما ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه كتاب الفتن ؛ ابتدأه بقوله <<باب : قول الله تعالى : (( واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة )) ، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من الفتن >> .
    وذلك أن الفتن إذا أتت ؛ فإنها لا تصيب الظالم وحده ، وإنما تصيب الجميع ، ولا تبقي ـ إذا أتت ـ لقائل مقالاً ، وأنما يجب علينا أن نحذرها قبل وقوعها ، وأن نباعد أنفسنا حقاً بعداً شديداً عن كل ما يقرب إلى فتنة أو يدني منها ؛ فإن من علامات آخر الزمان كثرة الفتن ؛ كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : << يتقارب الزمان ، ويقل العمل ، ويلقى الشح ، وتكثر ـ أوقال : تظهر ـ الفتن >> .
    وذلك لأن الفتن إذا ظهرت ؛ فإنه سيكون معها من الفساد ما يكون مدنياً لقيام الساعة .
    ومن رحمة نبي الله صلى الله عليه وسلم بنا : أن حذرنا من الفتن كلها .
    والله جل وعلا قد حذرنا بقوله : (( وأتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة )).
    قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية : << هذه الآية ؛ و إن كان المخاطب بها هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنها عامة في كل مسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الفتن >> .
    وقال الألوسي أيضاً في تفسيره عند هذه الآية : << فسرت الفتنة في قوله : ((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)) ؛ فسرت بأشياء : منها : المداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ومنها : التفرق والإختلاف . ومنها : ترك الإنكار على البدع إذا ظهرت ومنها : أشياء غير ذلك >> .
    وقال : <<ولكل معنى بحسب ما يقتضيه الحال>> .
    يعني : أنه إذا كان الزمان زمان تفرق وإختلاف ؛ فليحذر بعضنا بعضاً بقوله : ((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)) ؛ يعني : اتقوا تفرقاً واختلافاً لا يصيب مآله ولا تصيب نتيجته الذين ظلموا منكم خاصة ، وإنما يصيب الجميع ، ولا يخص ذلك الأثر ـ للتفريق والإختلاف مثلاً ـ الظالم وحده .
    ولهذا فإننا في هذا المقام أحببنا أن نذكر بهذا الأمر ؛ لأننا نرى صحوة إسلامية راشدة بإذن الله في هذه البلاد التي هي قائمة بشأن التوحيد ، والقائمة بدعوة التوحيد في هذا الزمان ، الذي لا نرى فيها قائماً بأمر التوحيد جل وعلا .
    فكان لزاماً أن نذكر هؤلاء وأن نذكر أنفسنا جميعاً ، بلزوم الإعتناء بالعلم النافع ، بلزوم الإعتناء بعقيدة السلف الصالح بلزوم الإعتناء بعقيدة أهل السنة والجماعة .
    فإن هذه الصحوة المباركة الصحوة التي نرجوا منها أن تنشر دين الله ، وأن تحبب الشريعة والإستقامة بين الناس ، ونرجو منها أن تكون ثابته ؛ لأن شبابنا اليوم يحرصون على العلم النافع ، يحرصون كثيراً على كلام أهل السنة والجماعة .
    ولهذا أجد لزاماً علي أن أنقل لهم ، وأذكرهم ، وأبين لهم ما أعلمه من كلام أئمتنا ، ومن كلام أهل السنة والجماعة الذي بنوه على مقال المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بل وعلى كلام المولى سبحانه .
    فإن الفتن إذا لم يرع حالها ، ولم ينظر إلى نتائجها ؛ فإنه سيكون الحال حال سوء في المستقبل ، إن لم يكن عند أهل العلم من البصر النافذ والرؤية الحقة ما يجعلهم يتعاملون مع ما يستجد من الأحوال ، أو يظهر من الفتن ؛ على وفق ما أراد الله جل وعلا وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم .
    فالضوابط والقواعد لا بد أن ترعى ؛ فإن الضوابط بها يعصم المرء نفسه من الوقوع في الغلط ، فالضوابط الشرعية والقواعد المرعية إذا أخذنا بها ولزمناها وأقتفونا أثرها ؛ فإنه عند ذلك سيحصل لنا من الخيرات ما لن نندم بعده أبداً بإذن الله .
    فا الضابط في كل أمر لا بد من معرفته ، حتى يتسنى لك ـ أيها المسلم ـ أن تعصم نفسك من أن تنساق أو تسوق نفسك إلى مالم تعلم عا قبته الحميدة ، أو مالم تعلم مايؤول إليه ذلك الأمر من مفسدة أو مصلحة .
    فبهذا ؛ نعلم أنه لا بد من رعاية الضوابط ورعاية القواعد التي بينها أهل السنة والجماعة .
    فما تعريف الضابط والقاعدة ؟ .
    الضابط في المسألة هو ما به نعرف ما تحكم به مسائل الباب الواحد وترجع إليه مسائل الباب الواحد .
    وأما القاعدة فهي أمر كلي ترجع إليه المسائل في أبواب مختلفة .
    ولهذا ؛ كان لزاماً علينا أن نأخذ بتلك الضوابط والقواعد التي كان عليها أهل السنة والجماعة .
    فالنبي صلى الله عليه وسلم قال : << إنه من يعيش منكم ؛ فسيرى أختلافاً كثيراً ؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ >> نعم .
    وقد رأى الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم ، رأوا الاختلاف ، وما نجوا إلا بما تمسكوا به من القواعد الواضحة التي كان عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وكان عليها الخلفاء الراشدون من بعده .
    ـ الفوائد الناجمة عن الأخذ بهذه الضوابط القواعد :
    ـ أول تلك الفوائد : أن رعاية الضوابط ورعاية القواعد تعصم تصور المسلم من أن يقع تصوره فيما لا يقره الشرع ، تعصم ذلك التصور ، وتضبط عقل المسلم في تصوراته .
    ومعلوم أن المسلم إذا تصور مسألة ما دون ضابط ودون قاعدة يرجع إليها ؛ فإنه سيذهب عقله إلى أنحاء شتى في تصرفاته في نفسه أو في أسرته أو في مجتمعه أو في أمته .
    فعند ذلك نعلم أهمية رعاية تلك الضوابط وتلك القواعد ؛ لأنها تضبط العقل ـ عقل المسلم ـ في تصوراته التي ينشأ عنها تصرفه في نفسه أو في أسرته أو في مجتمعة .
    ثانياً : ثم إن لرعاية تلك الضوابط وتلك القواعد فائدة أخرى ، ألا وهي : أنها تعصم المسلم من الخطأ لأنه إذا سار وراء راية فيما يجد أو في الفتن إذا ظهرت ، وحللها بعقله ، ونظر فيها بنفسه ؛ دون رعاية لضوابط وقواعد أهل السنة والجماعة ؛ فإنه لا يأمن أن يقع في الخطأ ، والخطأ إذا وقع فيه ؛ فإن عاقبته ليست بالحميدة ؛ لأنه يتدرج ويتفرع ، وربما زاد وزاد .
    فللضابط وللقاعدة إذا التزمنا بها فائدة أيما فائدة ، وذلك أنها تعصم من الخطأ .
    لماذا ؟ .
    لأن تلك الضوابط وتلك القواعد ؛ من الذي قعدها ؟ ومن الذي ضبطنا بها ؟ هم أهل السنة والجماعة ؛ وفق ما جاء في الأدلة .
    ومن سار خلف الدليل وسار خلف أهل السنة والجماعة ؛ فإنه لن يندم بعد ذلك أبداً .
    ثالثاً : ومن الفوائد للقفو خلف تلك الضوابط والقواعد : أنها تسلم المسلم من الإثم لأنه سار وفق راية ، أو سرت وفق رأيك وما تظنه صواباً ؛ دون رعاية لتلك الضوابط والقواعد فإنك لا تأمن الأثم ؛ لأنك لا تعلم ما سيكون عليه مستقبل الحال في مقالك أو فعلك إذا سرت وراء رأيك أو سرت وفق ما رأيته صواباً .
    وأما إذا أخذت بما دل عليه الدليل من الضوابط والأصول العامة ؛ فإنك ستنجو بإذن الله من الأثم ، والله جل وعلا سيعذرك ؛ لأنك سرت وفق الدليل ، وقد أحسن من انتهى لما قد سمع .
    ولهذا ؛ أيها الإخوان يتبين لنا ـ بتلك القواعد الثلاثة ـ ضرورة الأخذ بتلك الضوابط والقواعد التي سيأتي بيانها .
    وهذه الضوابط والقواعد التي سنبينها مأخذها ودليلها أحد شيئين :
    الأول : التنصيص على تلك القاعدة أو ذلك الضابط في الأدلة الشرعية ـ أما في القرآن أو في السنة ـ ، وأخذ أهل السنة والجماعة بما دلت عليه تلك الأدلة التي في القرآن أو في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
    الشئ الثاني : أن يكون مأخذها من السنة العملية المرعية ، التي عمل بها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بعدهم والأئمة ـ أئمة أهل السنة والجماعة ـ كان لهم سيرة عملية في الفتن إذا ظهرت وفي الأحوال إذا تغيرت رعوها ، وأخذوا فيها بالأدلة ، وطبقوها ، ورعوها عملياً .
    لهذا ؛ لن يزيغ بصرنا ، ولن تزيغ عقولنا ؛ إذا أخذنا بما عملوا به ، وبما أخذوا به من الأدلة ، وبما ساروا فيه بالسيرة العملية .
    وهذا من رحمة الله جل وعلا بنا أنه لم يتركنا دون قدوة نقتدي بها ؛ فالعلماء ـ علماء أهل السنة والجماعة ـ هم الذين يرجع إليهم في فهمهم وفي رأيهم وفي كلامهم ؛ لأنهم علموا من الشرع وعلموا من قواعده الكلية ، ومن ضوابطه المرعية : ما يعصم من الخطأ ، وما يعصم من الانفلات .
    فلهذا ؛ يتبين لك جواب الأخذ بهذه الضوابط والقواعد التي سأذكرها لك الآن ، ويتبين لك أيضاً فائدة الأخذ بها ، ولزوم الأخذ بها ، والمصلحة المترتبة عليها في نفسك وفي مجتمعك إذا أخذت بها وإذا رعيتها .
    ومن سار خلف مهتد ، ووفق ما دلة عليه الأدلة؛ فطوبى له في سيره ، وطوبى له في هداه ؛ فإنه لن يندم بعد ذلك أبداً .

    الضوابط والقواعد الشرعية الواجب إتباعها في الفتن :
    الأول من تلك الضوابط والقواعد :

    فأول تلك الضوابط والقواعد : إنه إذا ظهرت الفتن ، أو تغيرت الأحوال ؛ فعليك بالرفق والتأني والحلم ، ولا تعجل .
    هذه قاعدة مهمة : عليك بالرفق ، وعليك بالتأني ، وعليك بالحلم .
    ثلاثة أمور :
    أما الأمر الأول ـ وهو الرفق ـ ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما ثبت عنه في الصحيح : << ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء ؛ إلا شانه >>.
    قال أهل العلم وقوله : << ما كان في شيء إلا زانه : هذه الكلمة : "شيء" : نكرة أتت في سياق النفي ، والأصول تقتضي بأنها تعم جميع الأشياء ؛ يعني : إن الرفق محمود في الأمر كله وهذا قد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : << إن الله يحب الرفق في الأمر كله >> ؛ قالها عليه الصلاة والسلام لعائشة الصديقة بنت الصديق وبوب عليه البخاري في الصحيح ؛ قال : "باب الرفق في الأمر كله " .
    في كل أمر عليك بالرفق ، وعليك بالتؤدة ، ولا تكن غضوباً ، ولا تكن غير مترفق ؛ فإن الرفق لن تندم بعده أبداً ، ولم يكن الرفق في الشيء إلا زانه ؛ في الأفكار … وفي المواقف … فيما يجد … وفيما تريد أن تحكم عليه وفيما تريد أن تتخذه .
    عليك بالرفق ، ولا تعجل ، و لا تكن مع المتعجلين إذا تعجلوا ، ولا مع المتسرعين إذا تسرعوا ، وإنما عليك بالرفق إمتثالاً لقول نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم : <<إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه >> .
    خذ بالزين ، وخذ بالأمر المزين ، وخذ بالأمر الحسن ، وأياك ثم أياك من الأمر المشين ، وهو أن ينـزع من قولك أو فعلك الترفق بالأمر كله .
    و أما الأمر الثاني ؛ فعليك بالتأني ؛ يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس : << إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة >> .
    والتأني خصلة محمودة ، ولهذا قال جل وعلا : (( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا )) .
    قال أهل العلم : هذا فيه ذم للإنسان ، حيث كان عجولا ؛ لأن هذه الخصلة ؛ من كانت فيه ؛ كان مذموما‌ً بها ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم غير متعجل .
    و أما الأمر الثالث ؛ فهو الحلم ، والحلم في الفتن وعند تقلب الأحوال محمود أيما حمد ، ومثنىً عليه أيما ثناء ؛ لأنه بالحلم يمكن رؤية الأشياء على حقيقتها ، ويمكن بالحلم أن نبصر الأمور على ماهي عليه .
    ثبت في "صحيح مسلم" من حديث الليث بن سعد عن موسى بن علي عن أبيه : أن المستورد القرشي ـ وكان عنده عمرو بن العاص رضي الله عنه ـ ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : << تقوم الساعة والروم أكثر الناس >> . قال عمرو بن العاص له ـ للمستورد القرشي ـ : أبصر ما تقول ‍. قال : ومالي أن لا أقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إن كان كذلك ؛ فلأن في الروم خصالاً أربعاً : الأولى : أنهم أحلم الناس عند الفتنة . الثانية : أنهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة … وعد الخصال الأربع و زاد عليها خامسة .
    قال أهل العلم : هذا الكلام من عمرو بن العاص لا يريد به أن يثني به على الروم والنصارى الكفرة ؛ لا ‍! ولكن ليبين للمسلمين أن بقاء الروم وكونهم أكثر الناس ؛ ففيهم من الحلم ما يجعلهم ينظرون إلى الأمور ويعالجونها ؛ لأجل أن لا تذهب أنفسهم ، ويذهب أصحابهم .
    هذا محصل ما قاله السنوسي والأبي في شرحهما على "صحيح مسلم" .
    وهذا تنبيه لطيف ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أنه لا تقوم الساعة حتى يكون الروم أكثر الناس ؛ لماذا ؟ !
    قال عمرو بن العاص : << لأن فيهم خصالاً أربعاً : الأولى (وهي التي تهمنا من تلك الخصال) : أنهم أحلم الناس عند فتنة >> ؛ يعني : إذا ظهر تغير الحال ، وظهرت الفتن ؛ فإنهم يحلمون ، ولا يعجلون ، ولا يغضبون ؛ ليقوا أصحابهم النصارى القتل ويقوم الفتن ؛ لأنهم يعلمون أن الفتنة إذا ظهرت ؛ فإنها ستأتي عليهم ؛ فلأجل تلك الخصلة فيهم بقوا أكثر الناس إلى قيام الساعة .
    ولهذا ؛ فإننا نعجب أن لا نأخذ بهذه الخصلة التي حمد بها عمرو بن العاص الروم ، وكانت فيهم تلك الخصلة الحميدة ، ونحن أولى بكل خير عند من هم سوانا .
    الحلم محمود في الأمر كله …؛ فإنه يبصر عقل العاقل في الفتنة بحلمه وأناته ورفقه ، فيدل على تعقله وعلى بصره .
    هذا هو الضابط الأول ، وهذه هي القاعدة الأولى التي رعاها أهل السنة والجماعة عند ظهور الفتن ، وعند تقلب الأحوال .
    وهذه الضوابط والقواعد بعضها ضابط وبعضها قاعدة ، دمجتها لأجل اشتراك البعض مع البعض الآخر في المعنى .

    الثاني من تلك الضوابط والقواعد :
    أنه إذا برزت الفتن وتغيرت الأحوال ؛ فلا تحكم على شيء من تلك الفتن أو من تغير الحال إلا بعد تصوره ؛ رعاية للقاعدة : " الحكم على الشيء فرع عن تصوره " .
    وهذه القاعدة رعاها العقلاء جميعاً قبل الإسلام وبعد الإسلام ، ودليلها الشرعي عندنا في كتاب الله جل وعلا : قال الله جل وعلا : (( ولا تقف ماليس لك به علم )) ؛ يعني : أن الأمر الذي لا تعلمه ولا تتصوره ولا تكون على بينه منه ؛ فإياك أن تتكلم فيه ، وأبلغ منه أن تكون فيه قائداً ، أو أن تكون فيه متبعاً ، أو أن تكون فيه حكماً .
    " الحكم على الشيء فرع عن تصوره " .
    وهذه القاعدة أنتم تستعملونها في أموركم العادية ، وفي أحوالكم المختلفة ، العقل لا بد له من رعاية تلك القاعدة ، ولا يصلح تصرف ما ؛ إلا بأن يرعى تلك القاعدة ؛ لأنه إن لم يرع تلك القاعدة ؛ فإنه سيخطيء ولا شك ، والشرع قررها أيما تقرير ، وبين تلك القاعدة أيما بيان .
    أضرب أمثلة لكي تتضح تلك القاعدة :
    ـ فمثلاً : لو سألت واحداً منكم ، وقلت له : ماحكم الإسلام في بيع المرابحة ؟
    قد يأتي قائل ويقول : الربح مطلوب ، الربح لا شيء فيه في الشرع ؛ فلا بأس في بيع المرابحة .
    فيكون حكمه على هذه المسألة غلط صرف ؛ لأنه لم يتصور المراد بقول القائل : ماحكم الإسلام في بيع المرابحة ؟ وظن أن معنى المرابحة : هو الربح في البيع ، ولأجل تصوره الذي غلط فيه أخطأ في الحكم الشرعي .
    و الحكم الشرعي لا بد أن يُبنى على تصور صحيح ، والمرابحة نوع من البيع الذي لا يجوز ، تستعمله بعض البنوك الإسلاميه وغير الإسلامية تحايلاً على الربا ، وصورته أنه مبني على توكيل للغير ، وبعد التوكيل يكون هناك إلزام بالوفاء بالوعد ؛ فالوعد الذي وعده الموكل لوكيله هو ملزم بالوفاء فيه ، وهذا لا يجوز في الشرع ، فكان بيع المرابحة غير جائز .
    ـ مثال آخر يبين لك قاعدة " الحكم على الشيء فرع عن تصوره " : لو سألت واحداً منكم : ما حكمنا على جماعة " شهود يهوه " ماذا سيقول أحدكم ؟
    إن كان مطلعاً ؛ فسيقول : هذه جماعة كيت وكيت ، وحكم الإسلام فيها كذا وكذا .
    وقد يكون قائل يقول : لا أعلم ما هذه الجماعة جماعة شهود يهوه ؟ ولم أسمع بها قبل ؛ فهنا لا تستطيع أن تحكم عليها ، ولا أن تبين حكماً شرعياً فيها ؛ لأنك لم تتصور هذه الجماعة ؛ ماهي ؟ وما هي مبادئها ؟ وهل هي إسلاميه أم نصرانية أو يهودية ؟ فلن تحكم عليها إلا بعد تصورها .
    إذا تبين لك ذلك ؛ فإن الحاكم أو المفتي أو المتكلم بالمسائل الشرعية لا يجوز له أن يتكلم ـ رعاية لحق نفسه ، ورعاية لخلاص نفسه من الإثم ، ثم رعاية لحق المسلمين جميعاً وتبرياً من القول على الله بلا علم ـ ؛ إلا إذا حصل له أمران :
    الأمر الأول : أن يتصور القضية المطروحة تماماً ؛ بحيث لا تلتبس عليه بقضية أخرى ، ولا تشترك في تصوره وفهمه بمسألة أخرى ؛ لأنه أحياناً تشترك بعض المسائل ، وتقترب صورة مسألة من صورة مسألة أخرى ، فينتقل ذهنك إلى مسألة مشابهة ؛ فعند ذلك تقع في الخطأ .
    الأمر الثاني : أن تعلم حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة بعينها ، لا في المسألة التي تشابهها .
    وإذا ثبت ذلك ؛ فها هنا سؤال مهم : يقول أحدكم : كيف يحدث لي هذا التصور؟‍‍ ‍‍‍‍‍‍!
    كيف أتصور هذه المسألة ؟! وممن أتصورها ؟! فإن المسائل مشتبهه ومتشابهه ، وبعضها يشكل وبعضها قد لا أجد من لا يبينها لي ويصوره لي التصوير الصحيح .
    فنقول : التصور الذي ينبني عليه الحكم الشرعي هو ما كان :
    أولاً : من المستفتي : فإن المستفتي هو الواقع في المسألة ؛ فإذا سأل وإذا شرح مسألة ؛ وحصل التصور؛ فالمفتي يبين له ذلك الحكم على وفق إستفتائه .
    ثانياً : يكون التصور بنقل العدول الثقات المسلمين ، الذين لا يشوب نقلهم شائبة تجعلهم يخطئون في النقل ومن ثم نخطئ في الحكم على الشيء ، لا بد من نقل عدل ثقة في المسألة. فعند ظهور الفتن ، وإختلاف الأحوال ؛ لا يجوز أن نعتمد على كلام كافر مثلاً ؛ ذكر تصوره أو ذكر تحليله في إذاعة ما ، أو ذكر تصوره وتحليله في مجلة ما ، أو في تقرير ما .
    هذا لا يجوز شرعاً أن نبني عليه حكماً شرعياً ، و إنما الحكم الشرعي يبنى على نقل المسلم العدل الثقة .
    فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل ممن يأتي بها ؛ إلا إذا كان الإسناد بنقل عدول ضابطين عن مثلهم إلى منتهاه ، إذا كان في الإسناد فاسق ؛ فإنه قد انخرمت مروءته ، و إذا كان في الإسناد من ليس بضابط ، من يأتي بشيء ويخلطه مع شيء آخر ؛ فإنه لا يقبل ، ولا ينبني على ذلك الحديث حكم شرعي .
    ولهذا ؛ فإنه لا بد من رعاية هذه المسألة .
    تلخص من هذا : إن هذه القاعدة : " الحكم على الشيء فرع عن تصوره " : أساسها التصور ، و لايمكن أن يكون صحيحاً في الشرع إلا إذا كان من مسلم عدل ثقة ، أو كان من المستفتي نفسه ، ولو كان فاسقاً .
    الثالث من تلك الضوابط والقواعد :
    أن يلزم المسلم الإنصاف والعدل في أمره كله .
    يقول الله جل وعلا : (( وإذا قلتم فا عدلوا ولو كان ذا قربى )) .
    ويقول جل وعلا : (( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)) .
    وقد بُينت هذه المسألة بياناً شافياً كافياً ؛ من أنه لا بد من العدل في الأقوال ، ولا بد من العدل في الأحكام ، و أن من لم يعدل في قوله ، أو يعدل في حكمه ؛ فإنه لم يتبع الشرع اتباعاً يرجو معه النجاة .
    ما معنى العدل ؟ وما معنى الإنصاف في هذه القاعدة ؟
    معناه : أنك تأتي با لأمور الحسنة وبا لأمور السيئة ، تأتي بهذا الجانب الذي تحبه ، وذلك الجانب الذي لا تحبه ، ثم توازن وتعرض لهما عرضاً واحداً ، وبعد ذلك تحكم ؛ لأنه ـ جزماً ـ يحصل من عرض الجانبين معاً ما يعصم المرة من أن ينسب للشرع أو ينسب إلى الله جل وعلا أو إلى سنة من سننه الكونية ما ليس موافقاً لما أمر الله جل وعلا به .
    فلا بد من عرض الحسن والقبيح ؛ عرضهما على الذهن ، حتى تصل إلى نتيجة شرعية ، وحتى يكون تصورك ويكون قولك أو فهمك أو رأيك في الفتنة منجياً إن شاء الله تعالى .
    وهذه مسألة مهمة ، وقاعدة لا بد من رعايتها ؛ لأنه من لم يرع هذه القاعدة ؛ دخل الهوى إلى قلبه من مصراعيه ، ولم يأمن أن يفتح باب الهوى على غيره ، ومن ثم يكون داخلاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم : << ومن سن سنة سيئة ؛ فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة >> ، وتكون المصيبة أعظم إذا كان الفعل مِمن ينتسب إلى العلم والهدى ؛ لأنه يقتدى بفعله الجاهل ، ويقتدى بفعله نصف المتعلم .
    فإذاً لا بد من أن نرعى هذه القاعدة في أمرنا كله ، ومَن سلم من الهوى ؛ فإن الله جل وعلا سينجيه في الآخرة والأولى .
    الرابع من تلك الضوابط والقواعد :
    ما دل عليه قول الله جل وعلا : (( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا )) .
    وبين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، فقال : << عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة >> .
    وثبت أيضاً في الحديث الذي رواه عبدالله بن أحمد في <<زوائد مسند أبيه >> : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : << الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب >> .
    الفرقة بجميع أنواعها ـ في الأفكار ، أو في الأقوال أو في الأعمال ـ عذاب يعذب الله جل وعلا به من خالف أمره وذهب إلى غير هداه .
    لهذا ؛ من لزم الجماعة ـ جماعة أهل السنة والجماعة ـ واقتدى بأئمتهم وعلمائهم ؛ فإنه قد لزم الجماعة ، ومن تفرق عنهم ؛ فإنه لا يأمن على نفسه أن يكون مِمن ذهب إلى الفرقة وعذب بعذاب من عذاب الله في الحياة الدنيا .
    نسأل الله جل وعلا أن يسلمنا و إخواننا جميعاً من ذلك كله .
    ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :<< الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب >> .
    الجماعة بجميع أنواعها ، وبجميع صفاتها ، إذا كانت على الهدى والحق ؛ فهي رحمة ، يرحم الله جل وعلا بها عباده .
    والفرقة عذاب ؛ لا خير في التفرق ، لا خير فيه أبداً .
    لهذا ؛ بعد أن قال جل وعلا : (( و اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا )) ؛ قال في الآية بعدها : (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون )) ، ثم قال : (( و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و أولئك لهم عذاب عظيم )) .
    نعم ؛ الذين تفرقوا ـ في أقوالهم وفي أعمالهم ـ من بعد ما جاءتهم البينات ، وجاءهم البينات والهدى ؛ أولئك لا يؤمن عليهم الزيغ ، و أولئك لا يؤمن عليهم الاختلاف ، ولا يؤمن عليهم سلوك غير سبيل الهدى .
    لهذا ؛ كان لزاماً أن نلتزم بجماعة أهل السنة والجماعة ، أن نلتزم بأقوالهم ، وأن لا نخرج عن قواعدهم ، ولا عن ضوابطهم ، و لا عما قرره علماؤهم ، لأنهم يعلمون من أصول أهل السنة والجماعة ، ومن الأدلة الشرعية ، ما لا يعلمه كثير من الناس ، وما لا يعلمه كثير من الذين ينتسبون إلى العلم ؛ لأن لهم علماً راسخاً ، ونظراً صائباً ، وقدماً راسخة في العلم .
    انظر إلى ما فعل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ‍‍! أتدري ماذا فعل حين كان في الحج مع عثمان بن عفان رضي الله عنه ؟
    كان عثمان يُتم الصلاة ؛ يصلي في منىً أربع ركعات ، والسنة أن يصلي المصلي في منى ركعتين ؛ قصراً لكل رباعية . عثمان رأى أن يصلي أربع ركعات لتأويل شرعي تأوله ، مع ذلك ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول : سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يصلي في منى ركعتين لا غير لكل صلاة رباعية . قيل له : يا عبدالله بن مسعود ! تقول هذا و أنت تصلي مع عثمان بن عفان أربع ركعات ! لماذا ؟ قال : يا هذا ! الخلاف شر! الخلاف شر ! … رواه أبو داود بإسناد قوي .
    وهذا لأجل فهمهم للقاعدة الصحيحة ، للقاعدة التي من أخذ بخلافها ؛ فإنه لا يأمن على نفسه الفتنة ، ولا على غيره .
    قال ابن مسعود : << الخلاف شر >> .
    الخامس من تلك الضوابط والقواعد :

    أن الرايات التي ترفع في الفتنة ـ سواء رايات الدول أو رايات الدعاة ـ لا بد للمسلم أن يزنها بالميزان الشرعي الصحيح ، ميزان أهل السنة والجماعة ، الذي من وزن به ؛ فإن وزنه سيكون قسطاً غير مجحف في ميزانه ؛ كما قال جل وعلا في ميزانه : (( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً )) .
    فكذلك أهل السنة والجماعة لهم موازين قسط يزنون بها الأمور ، ويزنون بها الأفكار ، ويزنون بها الأحوال ، ويزنون بها الرايات المختلفة عند اختلاف الأحوال ، وتلك الموازين تنقسم عندهم ـ كما بين ذلك أئمة دعوتنا ، وكما بين ذلك أهل السنة والجماعة ـ تنقسم الموازين إلى قسمين : فا سمعهما :
    ـ القسم الأول : موازين يوزن بها الإسلام من عدمه ؛ يعني : يوزن بها صحة دعوى الإسلام من عدم صحة تلك الدعوى .
    الرايات التي ترفع وتنسب إلى الإسلام كثيرة ؛ فلا بد أن تزن تلك الراية ، فإن كانت راية مسلمة ؛ ترتب على ذلك أحكام شرعية لا بد من رعايتها ؛ استجابة لما أمر الله به وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم .
    ـ القسم الثاني : موازين تعرف بها كما الإسلام من عدمه ، والاستقامة الحقة على الإسلام من عدم الإستقامة .
    فإذاً :
    القسم الأول : ينتج منه الكفر والإيمان : هل الراية مسلمة مؤمنة ؟ أو هي غير ذلك ؟
    والقسم الثاني : ينتج منه أن تلك الراية هل هي مستقيمة على الهدى كما يحب الله ويرضى ؟ أم عندها نقص في ذلك ؟
    ثم إذا تبين ذلك ؛ فإنه تترتب الأحكام الشرعية على ذلك الميزان .
     أما القسم الأول الذي يوزن به الإيمان من الكفر ؛ فثلاثة موازين :
    الأول : أن تنظر هل هناك إحقاق لعبادة الله وحده لا شريك له أم لا ؟ لأن أصل دين الأنبياء والمرسلين هو أنهم بعثوا لأن يعبد الله وحده لا شريك له ، التوحيد أساس الأمر ، وأول الأمر ، وآخر الأمر ، فمن رفع راية التوحيد ، و أقر عبادة الله وحده لا شريك له ، ولم يقر عباة غير الله جل وعلا ؛ فالميزان هذا ينتج أنه مسلم ، وأن تلك الراية مسلمة ، مع توفر الميزانين التاليين اللذين سنسمعهما بإذن الله .
    فالميزان الأول إذاً : أن نرى هل الراية التي ترفع الإسلام يطبق أهلها التوحيد أم لا ؟ هل هناك عبادة لغير الله جل وعلا أم أنه لا يعبد تجت تلك الراية إلا الله وحده لا شريك له ، فتتوجه القلوب إلى الله جل وعلا وحده ؟
    قال سبحانه وتعالى : (( ولقد بعثنا في كل امة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)). وقال جل وعلا : (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور )) .
    قال بعض المفسرين : (( وأمروا بالمعروف )) ؛ يعني : بالتوحيد ، ونهوا عن المنكر ؛ يعني : عن الشرك ؛ لأن أعلى المعروف هو التوحيد ، و أبشع المنكر هو الشرك .
    فهذا هو الميزان الأول .
    الميزان الثاني : أن تنظر إلى تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله ، وهذه الشهادة من مقتضياتها أن يحكم بالشريعة التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم .
    قال سبحانه وتعالى : (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً )) .
    وقال جل وعلا : (( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون )) .
    وقال تعالى : (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون )) .
    فإذا رأيت الراية المرفوعة يحكم أهلها بشريعة الله ، وتفصل الشريعة في أقضية الناس ـ إذا اختلف الناس في أمورهم ، فمن الذي يحكم بينهم ؟ يحكم بينهم القاضي الشرعي فيما يختلفون فيه ـ ؛ فعند ذلك تعلم إن الراية مسلمة ؛ لأنه قد حكم أهلها شرع الله جل وعلا ، وأقاموا المحاكم الشرعية التي تحكم بما أنزل الله ، ولا يلزم أحد أن يحكم بغير ما أنزل الله ، أو أن يرضى بحكم غير حكم الله جل وعلا ورسوله .
    والميزان الثالث : أن تنظر : هل هناك استحلال للمحرمات ؟ أم أن هناك إذا فعلت المحرمات بغضاً لها وكراهةً لها وإنكارا لها ؟
    فإن المحرم المجمع على تحريمه إذا ظهر له حالان :
    إما أن يكون مستحلاً : فهذا كفر والعياد بالله .
    وإما إذا كان لا يستباح ، ولكن يوجد ويقر رافعوا الراية بأن ذلك منكر ، و إنه محرم ؛ فتعلم بهذا إن الراية شرعية ، و إن الراية مسلمة .
    هذه ثلاث موازين ، بينها أئمتنا رحمهم الله تعالى .
    هذا هو القسم الأول من الموازين .
     أما القسم الثاني ؛ فهي موازين يعرف بها كمال الإسلام من عدمه .
    والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ بالإسلام كله ، كما جاء من عند الله جل وعلا ، فهو المقتدي الذي يقتدى به ، و أخذ به الخلفاء الراشدون عليهم رضوان الله ، ولم يزل الأمر ينقص شيئاً بعد شيء في تحقيق كمال الإسلام إلى وقتنا هذا ، << ولا يأتي على الناس زمان إلا و الذي بعده شر منه ، حتى تلقوا ربكم >> ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.
    الميزان هذا تنظر فيه ؛ كيف هو في تحقيق الأمور الشرعية ؟ كيف هو في الأمر بالصلوات؟ كيف هو في النهي عن المنكرات؟ كيف هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يتعلق بالفرائض؟ وفيما يتعلق بالنهي عن المحرمات؟ إذا كان ذلك كاملاً ؛ دل على الكمال ، وإن كان ذلك ناقصاً ؛ دل على النقص بحسب ذلك .
    وهذه الموازين مهمة لا بد أن تكون في قلبك وعقلك ، لا تفارقه أبداً ، حتى لا تضل وقت حدوث الالتباس .
    إذا تبين لك ذلك ، وتميزت لك الراية المسلمة من غيرها؛ وجب عليك شرعاً أن توالي الراية المسلمة في الحق والهدى ، توالي الراية المسلمة ؛ لأن الله جل وعلا أمر بموالاة المؤمنين ، وحث على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق :
    ومن أول ذلك : أن يكون ولاؤك لتلك الراية صحيحاً ، أن يكون ولاؤك للراية التي ترفع الإسلام صحيحاً ليس فيه زيغ ، وليس فيه التباس ، وليس فيه تردد ؛ لأنه إما إسلام ، وأما كفر ، فإذا ثبت الإسلام ؛ ترتبت الأحكام الشرعية على ذلك ، ولا يحل لمسلم أن يجعل المعصية مبيحة لأن لا يلتزم بما أمره الله جل وعلا أن يلتزم به ورسوله صلى الله عليه وسلم من الولاء للمؤمنين والولاء للذين يقاتلون في سبيل الله .
    الأمر الثاني : أن تنصح لتلك الراية نصحاً يعلمه الله جل وعلا من قلبك ، وأهل السنة والجماعة فارقوا أهل البدعة الذين يحبون الفرقة ، في أنهم ينصحون من ولاه الله جل وعلا عليهم ، ويكثرون الدعاء ، ولو رأوا ما يكرهون ؛ فإنهم يكثرون الدعاء ، وينصحون نصحاً يعلمه الله جل وعلا من أنفسهم ، أنهم ما أرادوا بذلك جزاءً ولاشكوراً ؛ إلا من عند الله جل وعلا لا من عند غيره ، وهذا إذا ثبت في القلب ؛ كنا حقاً من أهل السنة والجماعة .
    طالعوا كتب عقائد أهل السنة والجماعة ؛ تروا أن فيها أبواباً مختصة بحقوق الإمام على الرعية ، وبحق الرعية على الإمام ؛ لأن ذلك به تحصل الجماعة ، ويحصل به الإلتفاف حول السنة والجماعة .
    وهذا كما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على النصح لأئمة المسلمين ولعامتهم في حديث : << الدين النصيحة >> ، وإذا ثبت أن النصح واجب ، وأنه لا بد للمسلم أن ينصح ؛ فكيف تكون تلك النصيحة ؟ وكيف يكون ذلك البيان؟ على ماجاء في السنة لا من عند أنفسنا .
    ثبت في الحديث الصحيح أن عياض بن غنم قال لهشام بن حكيم رضي الله عنهما وأرضاهما : ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : << من أراد أن ينصح لذي سلطان ؛ فلا يبده علانية ، ولكن ليأخذ بيده ، ثم ليخلُ به ، فإن قبل منه ؛ فذاك ، وإلا ؛ فإنه أدى الذي عليه >> ، رواه ابن أبي عاصم في << السنة >> وغيره وصححه الألباني .
    اسمعوا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وأنتم ولاشك حريصون على السنة ؛ كما أن أهل السنة والجماعة حريصون عليها .
    إذا ترتب على الموازين السابقة الراية المسلمة من غيرها ؛ ترتبت الحقوق الشرعية على تلك الراية ، وعلى بيان أن تلك الراية مسلمة ، وليست براية غير مسلمة .
    من ذلك هذا الأمر المهم الذي أهميته تبرز عند تغير الأحوال وحدوث الفتن .
    قال صلى الله عليه وسلم : << من أراد أن ينصح لذي سلطان ؛ فلا يبده علانية ، ولكن ليأخذ بيده، وليخلُ به، فإن قبل منه ؛ فذاك، وإلا؛ فيكون قد أدى الذي عليه>>.
    فهذا يجعلنا في طمأنينة ، ويجعلنا في اتباع لما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم ، إن أخذنا بذلك ؛ فنحن ناجون بإذن الله ، وإن لم نأخذ به ؛ فسيصيبنا من القصور ومن المخالفة عن طريق أهل السنة والجماعة بقدر ما خالفنا من ذلك .
    وتلك الموازين ، إذا التبس على المسلم أو على طالب العلم : كيف يزن بها؟ فالمرجع العلماء ؛ فإنهم هم الذين يزنون بالموازين الصحيحة ، هم الذين يقيمون بالتقييم الصحيح ، هم الذين يحكمون بالحكم الشرعي الصحيح .
    ولهذا ؛ فإن الحكم بالإسلام من عدمه ، الحكم بالإيمان أو الكفر ، مرجعه إلى علماء أهل السنة والجماعة ، لا إلى غيرهم من المتعلمين الذين ربما علموا بعضاً وجهلوا بعضاً آخر أو ربما عمموا أشياء لا يجوز تعميمها .
    فالحكم في ذلك لمن لم يستطع أن يزن بالميزان الصحيح من أهل العلم هم العلماء ، وبقولهم يجب أن نأخذ ، وبما صاروا إليه ، يجب أن نأخذ في تقييم الإيمان والكفر ، والوزن بتلك الموازين التي ذكرناها لكم .
    مما يترتب على تلك الموازين كما قرر أهل السنة والجماعة : أن الجهاد ماض مع كل إمام أو سلطان ؛ برٍ أو فاجر ، كل إمام أو سلطان ، سواء كان براً أو كان فاجراً ؛ فإن الجهاد ماض معه ، لا يجوز لأحد أن يتخلف عن راية الجهاد لأجل أن السلطان عنده مخالفات شرعية ؛ في أي وقت ، وفي أي زمان .
    وهذا الضابط لا بد لك منه في كل وقت ؛ فربما يحدث في المستقبل في سنوات تستقبلها من عمرك ما لا نعلمه ، فيكون عندك ما تضبط به أمرك ، ويكون عندك ما تزن به أحوالك ، وما تزن به أفكارك .
    ومن ذلك ـ أي : من تلك الحقوق ـ الدعاء لمن ولاه الله جل وعلا الأمر .
    يقول البربهاري رحمه الله ناصر السنة إمام من أئمة أهل السنة والجماعة في كتابه "السنة"، وهو مطبوع موجود ؛ يقول :
    <<إذا رأيت الرجل يدعو للسلطان ؛ فاعلم أنه صاحب سنة ، وإذا رأيته يدعو على السلطان ؛ فاعلم أنه صاحب بدعة >> .
    والفضيل بن عياض كان يدعو كثيراً للسلطان في وقته ، ونحن نعلم ماكان من سلاطين بني العباس في وقتهم من أمور ، كان يدعو لهم كثيراً ؛ قيل له : تدعو لهم أكثر من دعائهم لنفسك ؟! قال : << نعم ؛ لأنني إن صلحت فصلاحي لنفسي ولمن حولي ، وأما صلاح السلطان ؛ فهو لعامة المسلمين >>.
    ولهذا ؛ من أراد صلاحاً عاماً في المسلمين ؛ فليعلم الله من قلبه أنه يدعو مخلصاً في أن يصلح الله جل وعلا من ولاه الله على المسلمين ، من ولاه الله أمر المسلمين ، وأن يوفقه إلى العمل بكتاب الله وبسنة رسوله صلىالله عليه وسلم ؛ فإننا لا نرجوا ولا نطمع في أكثر من أن يكون الهدى والعمل بالكتاب والسنة ، والقلوب بيد الله جل وعلا ، وهو الذي يقلبها .

    السادس من تلك الضوابط والقواعد :
    أن للقول والعمل في الفتن ضوابط ؛ فليس كل مقال يبدو لك حسناً تظهره ، وليس كل فعل يبدو لك حسناً تفعله ؛ لأن الفتنة قولك فيها يترتب عليه أشياء ، ولأن الفتنة عملك فيها يترتب عليه أشياء .
    فلا غرو أن سمعنا أبا هريرة رضي الله عنه يقول : << حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين : أما أحدهما ؛ فبثته ، وأما الآخر؛ فلو بثثته؛ لقطع هذا الحلقوم>>‍‍!. رواه البخاري في "صحيحه" .
    قال أهل العلم : قول أبي هريرة : << لقطع هذا الحلقوم >> ؛ يعني : أنه كتم الأحاديث التي في الفتن ، والأحاديث التي في بني أمية ، ونحو ذلك من الأحاديث ، وهو قال هذا الكلام في زمن معاوية رضي الله عنه ، ومعاوية اجتمع الناس عليه بعد فرقة وقتال، تعلمون ما حصل فيه ، وتعلمون تاريخه ، فأبوهريرة كتم بعض الأحاديث ؛ لماذا وهي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! ليست في الأحكام الشرعية ، وإنما في أمر آخر ، لماذا كتمها ؟! لأجل أن لا يكون هناك فتنة في الناس ، ولم يقل : إن قول الحديث حق ، وإنه لا يجوز أن نكتم العلم ؛ لماذا ؟ لأن كتم العلم في هذا الوقت الذي تكلم فيه أبو هريرة لا بد منه ؛ لكي لا يتفرق الناس بعد أن اجتمعوا في عام الجماعة على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .
    ويقول ابن مسعود فيما رواه مسلم في "صحيحه" : << ما أنت بمحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم ؛ إلا كان لبعضهم فتنة >> .
    الناس لا يتصورون كل كلام يقوله القائل فيما يتحدث به في كل أمر في الفتن ؛ فقد يسمعون منه أشياء لا تبلغها عقولهم، فيفهمون أشياء يبنون عليها اعتقادات ، أو يبنون عليها تصرفات ، أو يبنون عليها أحوالاً وأعمالاً وأقوالاً لا تكون عاقبتها حميدة .
    ولهذا كان السلف يعملون بذلك كثيراً .
    انظر إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى حيث أنكر على أنس بن مالك رضي الله عنه حين حدث الحجاج بن يوسف بحديث قتل النبي صلى الله عليه وسلم للعُرَنيين ؛ قال لأنس وأنكر عليه : لم تحدث الحجاج بهذا الحديث ؟! قاله لأن الحجاج عاث في الدماء ، وسيأخذ هذا الحديث يتأول به صنيعه ، فكان واجباً أن يُكتَم هذا الحديث وهذا العلم عن الحجاج ؛ لكي لا يكون في فهمه وعقله ـ الذي ليس على السواء وليس على الصحة ـ أن هذا الحديث يؤيده ، أو أن هذا الحديث دليل معه ، فيفهمه على غير فهمه .
    فالحسن رحمه الله أنكر على أنس رضي الله عنه ـ وهو الصحابي ـ تحديثه ، وندم أنس رضي الله عنه بعد ذلك على تحديثه الحجاج بحديث العرنيين .
    وحذيفة ـ قبل أبي هريرة ـ كتم أحاديث من أحاديث الفتن ؛ لأنه رأى أن الناس لا يحتاجونها .
    والإمام أحمد كره أيضاً التحديث بالأحاديث التي فيها الخروج على السلطان ، وأمر أن تشطَب من "مسنده" ؛ لأنه قال : << لا خير في الفتنة ، ولا خير في الخروج >> .
    وأبو يوسف كره التحديث بأحاديث الغرائب .
    ومالك رحمه الله كره التحديث بأحاديث فيها ذكر لبعض الصفات .
    المقصود من هذا : أنه في الفتن ليس كل ما يعلم يُقال ، ولا كل ما يُقال يُقال في كل الأحوال .
    لا بد من ضبط للأقوال ؛ لأنك لا تدري ما الذي سيحدثه قولك ؟ وما الذي سيحدثه رأيك ؟ وما الذي سيحدثه فهمك ؟
    والسلف رحمهم الله أحبوا السلامة في الفتن ، فسكتوا عن أشياء كثيرة ؛ طلباً للسلامة في دينهم ، وأن يلقوا الله جلّ وعلا سالمين .
    وقد ثبت أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال لابنه حين حدَّث في القيام ببعض الأمر في الفتنة ؛ قال لابنه : << ياهذا ‍! أتريد أن أكون رأساً في الفتنة؟! لا، لا والله >>.
    فنهى سعد بن أبي وقاص ابنه عن أن يكون سعد أو أن يكون ابنه رأساً في الفتنة ، ولو بمقال أو بفعال ، ولو رآها حسنة صائبة ؛ فإنه لا يأمن أن تكون عاقبتها غير حميدة .
    والناس لا بد أن يزنوا الأمور بميزان شرعي صحيح ، حتى يَسْلَموا ، وحتى لا يقعوا في الخطأ .
    ثم إن للأعمال وللأفعال وللتصرفات ضوابط لا بدَّ من رعايتها ؛ فليس كل فعل يُحمد في حال يُحمد في الفتنة إذا كان سيُفهم منه غير الفهم الذي يُراد أن يُفهم منه .
    فالنبي صلى الله عليه وسلم خشي أن يفهم كفار قريش الذين أسلموا حديثاً من نقضه الكعبة ، ومن بنائه إياها على بناء إبراهيم ، ومن جعله لها بابين : باباً يدخل منه الناس ، وباباً يخرجون منه ؛ خشي أن يفهم منه الناس فهماً غير صائب ، وأن يفهموا أنه يريد الفخر ، أو أنه يريد تسفيه دينهم ـ دين إبراهيم ـ ، أو نحو ذلك ؛ فترك هذا الفعل .
    ولهذا بوَّب البخاري ـ رحمه الله ـ باباً عظيماً استدَّل عليه بهذا الحديث ؛ ماذا قال ؟ قال : "باب : من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر الناس عن فهمه فيقعوا في أشد منه".
    وذكر البخاري تحت هذا الباب هذا الحديث النبوي .
    وعند ذلك نعلم أنه لا بد من العقل ، ولا بد من الفهم ؛ فالسرعة والتعجُّل أمور غير محمودة ، فمَن الذي يلزمك بأن تتكلَّم في كل مجلس أو أن تتكلَّم في كل مجتمع بما تراه حقاً في الفتن ؟
    فالحق يبيِّنه علماء السنة والجماعة ، فإن كان عندك رأي أو فهم ؛ فا عرضه عليهم ، فإن قبلوا ؛ فذاك ، وإلا ؛ فقد برئت ذمتك من إطلاع عامة المسلمين على رأيك .
    السابع من تلك الضوابط والقواعد :

    أن الله أمر بموالاة المؤمنين وخاصة العلماء :
    فالمؤمنون والمؤمنات ـ كما قال جلَّ وعلا ـ : (( بعضهم أولياء بعض )) ؛ كل مؤمن لا بدَّ له وفرض عليه : أن يحب المؤمنين ، وأن ينصرهم وأن يجتنب السخرية بهم ؛ فكيف إذا كان أولئك المؤمنون هم أنصار شرعة الله ، وهم الذين يبيِّينون للناس الحلال والحرام ، وهم الذين يبيِّينون للناس الحق من الباطل ؟!
    فيحرم أن يذكر العلماء إلا بخير .
    والمجالس التي يذكر فيها العلماء بغير خير مجالس سوء .
    لماذا ؟ لأن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورَّثوا العلم ، فمَن أخذه؛ أخذ بحظٍّ وافر .
    فمن احترم العلماء ، وأجلَّ العلماء ، وأخذ بمقال علماء أهل السنة والجماعة ـ أهل التوحيد ـ ؛ فإنه أخذ بميراث النبوة ، ولم يدع ميراث النبوة إلى غيره .
    والعلماء الذين يرجع إلى قولهم ويوالَوْن ويحبون : صفتهم : أنهم :
    أولاً : هم أئمة أهل السنة والجماعة في وقتهم ، وأئمة التوحيد ، والذين يرجع إلى قولهم في التوحيد في وقتهم .
    ثانياً : ثم هم : أهل الشمولية في معرفة الأحكام الشرعية ، فيعلمون الفقه بأبوابه كلها ، ويعلمون قواعد الشرع ، والأصول المرعية ، فلا يكون عندهم التباس ، ولا اختلاف بين المسألة والأخرى ، ولا بين القضايا بعضها مع بعض .
    وعند ذلك ؛ لا بدَّ وأن نذكر مسأله مهمة ، وقع فيها كثيرون ، وهي قول القائل :
    إن علماءنا في هذا الوقت لا يفهمون الواقع !! حتى بلغ من أحدهم أنه قال في مجتمع صغير له مع بعض إخوانه : إنه استفدنا من هذه الأحوال وهذه الحوادث : تميز أناس يفهمون الواقع ويبنون عليه الأحكام الشرعية ، وأناس من العلماء لايفهمون الواقع !!!
    ووالله إنها لمقالة سوء ، تدل على عدم فهم ما تُبنى عليه الأحكام الشرعية ، وما يأخذ به العلماء ، وما يرعونه من الفهم ، وما لا يرعونه .
    فإن الفهم للواقع ـ عند أهل العلم ـ ينقسم إلى قسمين :
    القسم الأول : فهم لواقع ينبني عليه الحكم الشرعي ؛ فهذا لا بد منه ، وفهمه مُتَعيّن ، ومن حكم في مسألة دون أن يفهم واقعها ؛ فقد أخطأ .
    فإذا كان للواقع أثر في الحكم ؛ فلا بدَّ من فهمه .
    القسم الثاني : واقع لا أثر له في الحكم الشرعي ؛ فإنه يكون من الواقع : كيت وكيت ، وكذا وكذا ، وقصصاً طوالاً … ولكن لا أثر لذلك الفهم ، ولذلك القصص ، ولتلك الأحوال ؛ لا أثر لها في الحكم الشرعي أبداً .
    فعند ذلك ؛ العلماء لا يأخذون بها ، وإن فهموها ، وليس معنى ذلك أن كل واقع عُلِم تُبنى عليه الأحكام الشرعية .
    سأضرب أمثلة للأمر الأول ، وأمثلة للأمر الثاني ؛ فكونوا منها على بينة وفهم :
     أما أمثلة الأمر الأول ـ وهو أن فهم الواقع ينبني عليه الحكم الشرعي ـ :
    ـ فمن ذلك مثلاً : مسألة متى يُحكم على الميت بأنه مات ؟ هل هو بموت قلبه ؟ أو هو بموت دماغه ؟
    هذه مسألة حادثة ، لو أتى متكلم فيها ، وتكلم دون أن يعلم واقعها ، ودون أن يعلم أحوالها ؛ لا بدَّ أن يقع في خطإ في الحكم ؛ لأن فهم واقع تلك المسألة وتلك القضية ؛ له أثر في الحكم الشرعي .
    ـ مثال آخر : مثلاً الحكم على الدول ، والحكم على الأوضاع ؛ بأن دولاً ما مسلمة أو غير مسلمة ؛ كيف يتهيأ لي أن أحكم على دولة بأنها مسلمة أو غير مسلمة دون أن أعرف حقيقة أمرها ودون أن أفهم واقعها ؟!
    هذا أمر لا بدَّ أن أفهم الواقع فيه ، حتى يصدر العالم الحكم الشرعي ، فإذا فهم ذلك الواقع . أصدر الحكم الشرعي بناءً على فهمه لذلك الواقع .
    ـ ومن ذلك أيضاً مثلاً : الجماعات الإسلامية الكثيرة ، التي قامت في وقتنا الحاضر مختلفة ، وبعضها يختلف عن بعض ؛ هل يتسنَّى للعالم الشرعي أن يحكم عليها ، أو أن يقيِّمها ؛ دون أن يفهم واقعها ، وما هي عليه من المعتقدات ؟ ومن الأصول ؟ ومن المناهج ؟ ومن الأفكار والرأي ؟ وكيف سبيل دعوتها ؟
    لا يمكن له…
    لا بد إذن من أن يفهم واقعها ؛ لأن فهم الواقع هنا له أثر في الحكم الشرعي ، ومن حكم دون فهم ذلك الواقع ؛ فإن حكمه الشرعي لن يوافق صواباً .
     القسم الثاني : أحوال وقضايا فهم الواقع فيها لا أثر له في الحكم الشرعي :
    فمن ذلك مثلاً : ما يتردَّد بين الخصمين عند القاضي :
    يأتي خصمان عند قاض ، هذا يبدي ما حصل له في المسألة ؛ ما حصل بينه وبين خصمه ، وحصل كذا وكذا بكلام يطول ـ يعلمه القضاة ـ ، لكن كل ذلك الكلام الكثير الذي هو من الواقع لا يثبته القاضي في القضية ؛ لأنه وإن كان واقعاً ؛ فإنه لا أثر له على الحكم، وإنما هو واقع لا يبني عليه الحكم .
    ولذلك يقول المفتي أو يقول القاضي في مثل ذلك : ولو كان كذا ، ولو كان كذا ؛ يعني: أن ما ذكرته من الواقع لا أثر له شرعاً في الحكم الشرعي .
    ـ مثال آخر : مثلاً نرى في وقتنا الحاضر ـ وهذا مثال أقرب به إلى الأذهان هذه المسألة ـ أن كثيراً من الدعاة ـ كبار السن بعض الشيء ـ يخالطون صغار السن ، ويدعونهم ويرشدونهم ويحببون لهم الهدى والصلاح ، إما في المنتديات العامة ، أو في المكتبات ، أو في نحو ذلك .
    ونحن نعلم أنه يحصل من اختلاط الكبار بالصغار مفاسد ـ بل ومحرمات ـ ؛ ونعلم ذلك من بعض الأحوال على وجه التفصيل .
    وفهمنا لذلك الواقع لا يجعلنا نحكم على دعوة الكبار للصغار بأنها لا تجوز .
    وإنما فهم ذلك الواقع السيء لا أثر له في الحكم على الدعوة بأنها غير مشروعة من الكبير للصغير .
    ولكن فهمنا لذلك الواقع فيه عرض لمسألة أخرى ، وهي : أن ينصح ويرشد من وقع في محرم ، أو لبس شيئاً غير شرعي ، أو لا يرضاه الله : أن ننصحه بالتوبة .
    فكان ذلك الواقع فهمه لا أثر له في الحكم الشرعي من الجواز وعدمه ، وإنما له أثر في النصيحة هناك في مَن وقع في ذلك الأمر ، حتى يقوم بالحق دون إتيان بالمنكر ، أو دون غشيان لما لا يحبه الله و رسوله .
    هذه أمثلة لا أطنب فيها ، إنما هي لتقريب الأمر إليكم .
    ـ مثال أيضاً مما ينبغي أن ينبَّه عليه : أن هناك أحكاماً شرعية يعتقد الناس والعامة فيها إعتقاداً غير صحيح ، مثال ذلك : النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح أنه بال واقفاً .
    فالبول واقفاً عند أمن تطاير الرشاش والبول والنجاسة على البدن أو على الثياب جائز ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله .
    ولكن الجهال والعامة يعتقدون فيمن فعل ذلك الفعل أنه وقع في خطإ ، وأنه فعل فعلاً من خوارم المروءة ، وأنه كذا وكذا …
    هذا الإعتقاد منهم ـ إعتقاد الجهال ـ لا يعني أن الحكم غير صحيح ، أو لا يؤخذ به ، وإنما هذا الأمر ـ بجواز البول واقفاً ـ لا شك أنه ثابت وصحيح ، لا مراء في ذلك ، وخطأ الجاهل في إعتقاده ، وخطأ الجاهل في تصوره فيما يتعلق بذلك الحكم الشرعي ـ أو بأي حكم تعلق الجاهل فيه باعتقاد خطإ ـ علاجه بتوعية الجاهل ، ليس علاجه بتغيير مارآه العالم حكماً شرعياً صحيحاً .
    الثامن من تلك الضوابط والقواعد :

    وهو ضابط مهم ، لا بدَّ من أن يكون لك على بال ، هو ضابط التولي للكفار ، وضابط الموالاة للكفار :
    فها هنا عندنا في الشرع ، وعن أئمة التوحيد ، لفظان لهما معنيان ، يلتبس أحدهما بالآخر عند كثيرين :
    الأول : التولي .
    الثاني : الموالاة .
    التولي : مكفر .
    الموالاة : غير جائزة .
    والثالث : الاستعانة بالكافر واستئجاره : جائز بشروطها .
    فهذه ثلاث مسائل .
     أما التولي ؛ فهو الذي نزل فيه قول الله جل وعلا : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )) .
    وضابط التولي : هو نصرة الكافر على المسلم وقت الحرب المسلم والكافر ، قاصداً ظهور الكفار على المسلمين .
    فأصل التولي : المحبة التامة ، أو النصرة للكافر على المسلم ، فمَن أحبَّ الكافر لدينه ؛ فهذا قد تولاَّه تولياً ، وهذا كفر .
     و أما موالاة الكفار ؛ فهي مودتهم ، ومحبتهم لدنياهم ، وتقديمهم ، ورفعهم ، وهي فسق وليست كفراً .
    قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة))… إلى قوله : (( ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل )) .
    قال أهل العلم : ناداهم باسم الإيمان ، وقد دخل في النداء من ألقى المودة للكفار ، فدلَّ على أن فعله ليس كفراً ، بل ضلال عن سواء السبيل .
    وذلك لأنه ألقى المودة ، وأسر لهم ؛ لأجل الدنيا ، لا شكاً في الدين .
    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لِمَن صنع ذلك : << وما حملك على ماصنعت؟>> . قال : والله مابي إلا أن أكون مؤمناً بالله ورسوله ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي … الحديث أخرجاه في "الصحيحين".
    فمن هذا يتبيَّن أن مودة الكافر والميل له لأجل دنياه ليس كفراً إذا كان أصل الإيمان والاطمئنان به حاصلاً لمن كان منه نوع موالاة .
     و أما الاستعانة بالكافر أو استئجاره ؛ فهذا قال أهل العلم بجوازه في أحوال مختلفة ؛ يفتي أهل العلم في كل حال ، وفي كل واقعة ، بما يرونه يصح أن يُفتى به .
    و أما إعطاء الكفار أموالاً صدقة أو للتأليف أو لدفع الشرور ؛ فهذا له مقام آخر ، وهو نوع آخر غير الأقسام الثلاثة .

    و آخر تلك الضوابط والقواعد :

    أن لا تطبق ـ أيها المسلم ـ أحاديث الفتن على الواقع الذي تعيش فيه ؛ فإنه يحلو للناس عند ظهور الفتن مراجعة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن ، ويكثر في مجالسهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا ؛ هذا وقتها ، هذه هي الفتنة ! ونحو ذلك .
    و السلف علَّمونا أن أحاديث الفتن لا تنزَّل على واقع حاضر ، وإنما يظهر صدق النبي صلى الله عليه وسلم بما أخبر به من حدوث الفتن بعد حدوثها وانقضائها ، مع الحذر من الفتن جميعاً .
    فمثلاً : بعضهم فسَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم : << إن الفتنة في آخر الزمان تكون من تحت رجل من أهل بيتي >> ؛ بأنه فلان ابن فلان ، أو أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : << حتى يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع >> ؛ بأن المقصود به فلان ابن فلان ، أو أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : << يكون بينكم وبين الروم صلح آمن …>> إلى آخر الحديث وما يحصل بعد ذلك ؛ أنه في هذا الوقت .
    وهذا التطبيق لأحاديث الفتن على الواقع ، وبث ذلك في المسلمين ، ليس من منهج أهل السنة والجماعة .
    وإنما أهل السنة والجماعة يذكرون الفتن وأحاديث الفتن ؛ محذِّرين منها ، مباعدين للمسلمين عن غشيانها أو عن القرب منها ؛ لأجل أن لا يحصل بالمسلمين فتنة ، ولأجل أن يعتقدوا صحة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم .

    ـــــــ وفي الختام ــــــــــــــــــــ
    اسأل الله جلَّ وعلا أن يرينا الحقَّ حقاً ويزقنا اتِّباعه ، وأن يمنَّ علينا با ئتلاف وقوة في الحق وثبات عليه ، وأن يجعلنا من الذين يلتزمون بمنهج أهل السنة والجماعة وبعقائدهم ؛ من أول عقائدهم إلى آخرها ، لا نفرق بين شيء مما قالوه أو وضعوه أو استدلوا عليه بالأدلة الشرعية .
    اللهم إنا نسألك أن تجنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، و أن ترزق المسلمين صلاحاً في أنفسهم وفي ولاتهم ، وأن تدلَّهم على الرشاد ، وأن تباعد بينهم وبين أهل الزيغ والفساد، يارب العالمين .
    ونسأل الله أن يجعلنا من المرحومين ، وأن يختم لنا بالحسنى ، وأن يجعل هذا الأمر ، وهذه الفتن التي ظهرت عاقبتها حميدة للمسلمين ، و أن يجنبنا سوأها وشرَّها ، وأن يجعل سوأها وشرها على أعداء المسلمين ، يارب العالمين .
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه إلى يوم الدين …

    روجع النقل على الشريط ونقله من الشريط بخطه :
    أكرم بن سردار شيخ

    ــــ الفهرس ــــــــــــــــــــــــــ
    تقديم
    الضوابط والقواعد الشرعية الواجب اتباعها في الفتن :
     الضابط الأول : إذا ظهرت الفتن ؛ فعليك بالرفق والتأنِّي والحلم .
     الضابط الثاني : مراعاة قاعدة " الحكم على الشيء فرع عن تصوره "
     الضابط الثالث : لزوم الإنصاف والعدل في الأمر كله .
     الضابط الرابع : الالتزام والاعتصام بالجماعة وترك الفرقة
     الضابط الخامس: وزن الرايات المرفوعة في الفتنة بالميزان الشرعي
     الضابط السادس : ضبط القول والعمل في الفتن
     الضابط السابع : موالاة المؤمنين وخاصة العلماء
     الضابط الثامن : التفريق بين تولي الكافر وموالاته والاستعانه به
     الضابط الأخير : عدم تطبيق أحاديث الفتن على الواقع الآني

    )))

    انتهى
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-01-13
  3. بدون أسم

    بدون أسم عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-10
    المشاركات:
    57
    الإعجاب :
    0
    أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ ونفع بكم وبعلمكم ,وشكر الله لك النقل الطيب أخانا أبو معاذ
     

مشاركة هذه الصفحة