تحقيقات و استطلاعات

الكاتب : الشيبه   المشاهدات : 739   الردود : 1    ‏2003-01-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-01-10
  1. الشيبه

    الشيبه عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-12-17
    المشاركات:
    1,749
    الإعجاب :
    0
    تحقيقات و استطلاعات

    بعيدا عن السياسة..

    قال لها في الصباح: رشي العطر.. فاليوم ألقى الأحبة في عرس «الإصلاح» وعادت ملابسه في المساء ملطخة بالدم.. و «250» ريالا كانت في جيبه!!

    البدء كنت أظن أنني أكثر من يعرف الجانب الإنساني في الشهيد جار الله لقربي منه ومن أسرته ولكن عندما بدأت بهذا التحقيق عن جار الله الإنسان أدركت بان هذا المعطاء لا تلم فضائله ولا تعد كل من كان قريباً منه في أسرته أو حزبه أو قريته كل من عرفه هنيهة من الزمان كلهم يؤكدون بأنه رجل استثنائي، ولهذا رحل من وطن الظلمات .. وفيما يلي بعض أوجاع هذا الرجل وفضائله التي حملها معه وترك زوجة رباها على الصمود وأبناء عليهم ان يكملوا المسيرة.

    < تحقيق/ رحمة حجيرة

    يقولون مصيبة الموت وحدها التي تبدأ كبيرة ثم تبدأ بالصغر إلا فجيعتنا بجار الله بدأت كبيرة إلى اللامحدود.... في البدء كانت الرصاصات الثلاث قد أصابت حياة الناس جميعهم داخل الوطن وخارجه مرورا بأسرته وحتى المختلفين معه بمقتل وعندما ووري جسده الثرى زاد عدد القتلى بأمنهم ووطنهم وكل يوم تكبر مصيبتنا وفاجعتنا في وطننا وسكينتنا ففي اليوم التالي لاستهدافه زادت الشهية للدم فوقعت حادثة جبلة والبقية تأتي .. فندبنا وارتعدنا خوفا على أنفسنا بأنانية مطلقة كما هي عادتنا، ولم نلتفت إلى المعسكر الذي كان يقود منه جار الله حربه ضد الخفافيش إلى من وزروا وزر أبيهم في الإنارة لطريق التحديث والتقدم في وطن الظلمات فقد كانوا يحملون الشموع خلفه .. ويقاتلون معه .. يسهرون معه ... لطالما شردوا وجوعوا وفجعوا لكن الشموع لم تهتز في أيديهم أبدا ولن تهتز بل انهم لم يسأموا.


    حديث أم قيس
    (اغتالوه .. صارحوني الحقيقة أنا متوقعة ولكن لماذا الآن ؟ وفي عرس كان سعيداً جداً به) هكذا حادثت أم قيس شريكة النضال المرير للفقيد جار الله محدثها من تونس بعد سماعه خبر الفجيعة لم يجرؤ أحد أن يقول لها الحقيقة الكابوس المزعج الذي طالما راودها وحلمه الجميل الذي طالما تمناه .. لكنها قرأت الخبر في الوجوه المصفوعة والأعين الدامعة فلم تلطم خدا كما روى أبناؤها ولم تصرخ ولكنها حمدت الله أن حقق لفقيدها أمنيته ومات شامخاً كالأشجار الباسقة (قالت أنا فخورة به جدا لن أندبه فلم يمت إنما هو جسده الذي أصيب لكن روحه مازالت موجودة عبقه مازال يسكن روحي قبل أنفي .. حبست الدموع فلن تذرف إلا حين أرى القتلة يقتلون حملت أبنائي وذهبت لأرى أبي وأخي وأمي ومن يختزل رجال الارض في عيني .. فتحت الثلاجة فإذا بعبقه يبعثني من جديد ... في الصباح وهو يستعد للعرس بحسب وصفه قال لي أكثري العطر أكثر من أي يوم آخر اليوم ألقى الأحبة ، كل الناس سيحضرون وأكيد سيسلمون عليه فتبعته أرشه بالعطر حتى البوابة رأيته وقبلته وعاهدته على أمرين أن لايذهب دمه سدى فمالي بالحشرة الذي قتلوه بها أريد الجناة الحقيقيين وثانيهما علي أن أكمل المسيرة التي بداها نعم ياجار الله يا آخر الرجال الصادقين سنسير جميعا على نهجك ومشوارك والبقية في (قيس، وأوسان، عبد الغني، بسام، مسار) من يخلف لم يمت وأنت خلفت أكثر من هؤلاء خلفت وطناً ومشروعاً لابد أن يتحقق ..

    ..سألتها هل لك أن تحدثينا عن تفاصيل الليلة الأخيرة للفقيد؟

    أجابت: كعادته يلقى أصدقاءه في ديوان جار الله للحوار يتحدث كثيراً عن الوطن والنهوض به والديمقراطية .. عن ملامح خطواته الجديدة لمواجهة الفساد والإستبداد وبعد أن يتركه الأصدقاء يدخل لسماع الأخبار ثم إلى مكتبته المزدحمة بالكتب والاوراق وتلك على ثرائها بالكتب المتنوعة ما تبقى من مكتبته المنهوبة اثناء الحرب .. تلك الليلة كانت الجمعة وكان مهتماً كثيراً بالكلمة التي سيلقيها في المؤتمر الثالث لحزب الإصلاح فبعد أن خرج المقيلون ذهب إلى مكتبته وذهبت لارتب الديوان ثم تناول عشاءه وكان يحب الزووم والشعير كثيرا ظل يعيد ويراجع في الكلمة ويطبعها حتى الثامنة صباحا خرج أبناؤنا إلى مدارسهم وهم يعلمون بأن أبوهم يعد لكلمة تاريخية سيلقيها لم ينم طيلة الليل لأجلها سوى نصف ساعة غفاها بينما تطبع الكلمة في أحد محلات الكمبيوتر فصما عجلا على أن لايتأخر فقد كان فرحا بهذا المؤتمر كثيرا وبالتغيير في خطاب الإصلاح وكان ينوي الإسهام بهذا الخطاب في كلمته، لذلك بذل فيها جهداً كبيراً وكأنه كان يعلم بأن هذه الكلمة ستصبح من وثائق التاريخ ومنهجاً دراسياً يدرس لأطفال اليمن فلبس اجمل ما عنده وخرج نشيطاً متألقاً أكثر من أي يوم مضى وكأنه يعلم أن هذا آخر يوم يرتدي ملابسه فارتدى أجملها واستخدم أروع عطوره وحسبي من الدنيا تلك الإبتسامة التي ودعني بها ..

    انتظرته كعادتها وأعدت له الطعام والمقيل اشتاقت له ذلك اليوم كثيراً أتصل أصدقاؤه من دول عربية يسألون عنه فهرولت دقات قلبها وبردت أطرافها وتلاحقت أنفاسها فقد حصل ما انتظره عمر.. تقبل الله منه فلم يمت على الفراش بل مات في مواطن الوغى وحدث ما أخبر به أحد أقاربه من أنه يشعر بأنه سيموت قريبا وتمنى ميتة أبطال وخاف من أن يموت بحادث سيارة أو ميتة عادية.

    أما الزوجة المناضلة التي كتبت عليها الأقدار حياة قاسية منذ أن تزوجت الشهيد فمنذ الشهر الأول لزواجهما سافر هرباً من ملاحقة النظام الحاكم في الشمال إلى عدن وترك خلفه أماً هو وحيدها وزوجة مازالت طفلة (14) عاماً ولم تلق العروس عريسها إلا بعد خمس سنوات عندما لحقته إلى عدن بالتهريب كان عليها أن تدرك منذ البداية أن حياتها مع هذا الرجل الذي اعتقل قبل زواجهما ثلاث سنوات ثم لوحق واضطر إلى الانتقال إلى الجنوب بعد زواجهما ظنت بعد سفرها أن الأمور ستختلف كثيرا فقد وجد الوطن الذي كان يبحث عنه لكن الأمر بالنسبة له كان مختلفا فالمشوار بدأ ولم ينته وبدأ الفقيد النضال من أجل الوحدة والتعددية الحزبية وهكذا عاصرت أم قيس الاقتتال الدموي للحزب في 86 م وحرب 94 م وغيرها من الأزمات السياسية التي جعلتها واسرتها على كف عفريت ففي حرب 1994م كانت حاملة بطفلتهما الوحيدة ومع فجائع نشوب الحرب ثم نشوبها وسفرها إلي جيبوتي مع أطفالها في الوقت الذي كان زوجها في حضرموت أنجبت مسار بدون أطراف يدها اليسرى .. انهم ليسوا بعيدون عن أزمات ومصائب الوطن كما يعتقد البعض بل أول ضحاياها وبعد أن هدأت الأمور في الوطن اليمني الواحد كان القلق مازال لابثاً في أسرة الشهيد، كانت تعتقد بأن مشروع جار الله وإصراره على تحقيقه سيكون ثمنه روحه فكان القلق ساكناً معها ولكنها لا تبديه كي لا يعاتبها الشهيد ولا تقلق اطفالها حتى عندما يأويان إلى الفراش لم تكن أم قيس تغفو كانت تراقب النوافذ فقد تاتي الرصاصات منه فتلتصق به أكثر حتى تستطيع تجنيبه اياها وانساها خوفها عليه أن الموت لا يرد ولا تؤمن جوانبه..



    أوسان يتحدث
    حتى أوسان ابنه الثاني (23) عاماً ويدرس في كلية التربية التحق بالتجنيد بناء على إصرار أبيه لأنها خدمة لأجل الوطن بينما زملاؤه من آباؤهم أقل منصبا من ابيه أعفو .. لم يكن أوسان يأمن جوانب الموت وكان يأخذ حيطته عندما يخرج معه فيحمل مسدسه خفية من أبيه الذي كان يكره السلاح وكان يؤنبه كثيرا عندما يراه بحوزته عندما يخرج معه .

    .... سألته لماذا تحمل السلاح ؟

    قال : أنا لا أحمله وأكرهه كثيراً ولكني أستعير مسدس من احد أصدقائي عندما أرافق والدي فأنا أخاف عليه وأعلم أن هناك من لا يعجبه مواقف ابي من الجهل والتخلف والاستبداد والفساد فأحمله كي أبعد عنه الأذى برغم أن أبي دائما ما كان يقول ( السلاح للجبناء والجهلة فقط أما المثقفون فسلاحهم الحق الذي يحملوه).

    .... كيف تلقيت الفاجعة ؟

    عدت من الجامعة مع ابن الأستاذ سيف صائل فقالوا لي أبوك أصيب، تمنيت أن يكون الأمر كذلك وليس أشد منه برغم أن قلبي كان يخبرني بشيء أخر توقعناه كثيرا فأتانا في اليوم الذي أمنا جانبه أخذوني إلى حيث يرقد أعظم رجل عرفته في حياتي وفي الباب خرج أحدهم وأعطاني ماكان في حوزة أبي 250 ريالا فقط ومحفظته وملابس لطخت بالدم .. عاش ومات زاهداً بالمال، اليوم فقط أدركت لماذا كان والدي يكره المال ولا يهتم به ؟ لأنه لا يغني ولا يسمن من جوع ما أنقصه ن شيء هذا المال الذي يركض خلفه العالم بأسره وما حمله معه .. وإنما حمل دعاء الملايين له وحبهم ..

    .... بماذا ألقت عليك الفاجعة غير الحزن والرثاء ؟

    ــ لأن والدي كان يعلم بأنه لا مال ولا أرض يورثه لنا فكان يحثنا على التعليم والقراءة فلن اترك دراستي برغم أني أبحث عن عمل من قبل وفاة والدي، سأعمل وسأساعد في تربية اخوتي وتثقيف نفسي لنكون كما نحب .. لن أترك دم أبي يذهب سدى لابد أن يلاقي القتلة عقوبتهم المنصفة .. برغم فواجع السياسة ومكرها سنسير على هدي والدنا وسنحمل ذات المشروع وإن مات والدي قبل أن يحققه سنسعى نحن لأجل ذلك..

    .... بسام كان حاضراً وهو طالب في الإعدادية تظهر القوة والحزم من عينيه رفض ان يتحدث سوى بكلمات معدودة (والدي لن يموت لن نتخلى عن دمه أو عن مشروعه .. لوطنه سنناضل من اجل اليمن الحديث والديمقراطية وسنواصل الطريق دون شك).


    مسار.. ماذا قالت؟
    حتى الاطفال... مسار أصغر أبناء الشهيد وابنته الوحيدة كانت تسمعنا وهي تضع رأسها على يدها وفجأة تنهدت فشدت انتباهنا سألتها مابك؟

    قالت أبى وحشني كثيرا .. اشتقت له

    .... لماذا أين ذهب ؟

    ـــ ذهب إلى عند الله جالس في جنته لهذا لن ألبس أسود .. وسألاقيه في يوم القيامة إن شاء الله ؟

    .... سالتني هي ؟ تعرفي المجرم الذي قتله ؟

    ـــ شفت صورته في الصحف

    .... أني أكرهه حتى لو مات لأنه قاتل، لا نامت أعين الجبناء، كيف لكم أن تعبثوا ببراءة طفلة ونقائها؟ كيف استطعتم أن تجعلوا طفلة تكره وكيف سولت لكم أنفسكم انتزاع أبيها من حياتها؟ من دنياها أنها تكرهكم لابد ان تحصدوا مازرعتموه من حقد وكراهية في نفوس أطفال ما خلقوا إلا للحب وحده ... مسار قررت أن تنجح في دراستها وتتفوق كما كان يريدها أبوها ولكن هناك ما يجذبها للموت كي تلقى أبيها فقد حول القتلة أحلامها الوردية إلى كوابيس.. مسار تعلن لكم جميعا بأن دم أبيها لن يذهب سدى طال الزمان أم قصر والدتها تخاف عليها كثيراً فهي طفلة ذكية ولماحة لابد انها ستتعب كثيراً ربما لخصوصية علاقتها مع أبيها فقد كانت تتجاوز المحظورات وتدخل مكتبته تقتحم عالمه الخاص لتأخذه إلى عالمها ودائماً ماكان الشهيد رحمة الله عليه يحلق معها في سمائها، كانت الشيء الجميل في وطن الظلمات له وكان الحب والأمن والمستقبل لها فصادروا كل هذا عليها. إن قصص جارالله مع الأطفال كثيرة وكلها تعكس مدى اهتمامه بزرع المستقبل فقد كان يتعامل مع الاطفال باهتمام أكثر مما يوليه للكبار لأنهم المستقبل.


    رحمه الله
    .... عفراء الحبوري كانت واحدة ممن تحمل لجار الله موقفا تحفره في الذاكرة فقد أتى يوما لمدرستها ييزور أطفاله والتف الاطفال حوله فسلم عليهم ولم يلمحها جرحت كرامتها وعادت حزينة إلى البيت تشكو عمو جار الله والدتها حاولت إرضاءها وأخبرت جار الله بذلك فاعتذر للطفلة وحلف لها بأنه لم يراها وقبلت الطفلة الإعتذار واليمين ورضت .. لكنها عادت إلى بيتها في اليوم التالي تطير من شدة الفرح فقد أتى عمو جار الله بكله لزيارة خاصة لها قبلها ورحل .. من مثل جار الله يخلق الحب ويمنحه للجميع دون إستثناء.

    .... وفي إحدى غرف منزل جار الله الذي يؤمه الناس جميعا من سياسيين وفقراء وأهالي قريته جلست مسنة تبكيه وكأنها تبكي أحد أبنائها، قربت منها ربما كانت قريبته وسألتها عنه ، وقالت وما يدريك ما جار الله ؟

    انه رجل لم اقابل بحياتي من هو اكثر إنسانية منه ، ان جار الله الذي تسأليني عنه لن أنسي له موقفا ما حييت وحسنة أخرى لجار الله (بي مرض معدي وأتيت للعلاج فكانوا يقدمون لي الطعام ولا يجلسون معي كي لا أعديهم حتى من كان يزورني يجلس في طرف الغرفة إلا هو رحمه الله وأسكنه جنة الفردوس وأهلك قتلته فقد كان يدخل دائما يقبلني على رأسي ويدي !! ويسأل عن صحتي فهل هناك مثل هذا الرجل لا أظن ؟

    واخيرا أعترف بأنني لم أستطع أن أذكر كل تفاصيل ملف جار الله الإنساني والاخلاقي لأنه يحتاج لمجلدات وكتب فكم من المواقف الإنسانية والإخلاقية لهذا الرجل الاستثنائي .. رحمه الله.

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-01-11
  3. ابو عصام

    ابو عصام قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-21
    المشاركات:
    3,772
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : الشيبه
    هولاء القتلة لايعرفوا الأعراس هم يجيدون ذبح البشر وان شالله يلقون صقر
     

مشاركة هذه الصفحة