حرب المصطلحات .. !

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 399   الردود : 0    ‏2003-01-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-01-06
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    لم تعد خافية أهمية ودور وسائل الإعلام بمختلف أنواعها في معركة الصراع الوجودي بين الأمة من جهة، والكيان الصهيوني الوظيفي من جهة أخرى. و إذ يتم من خلال الخطاب الإعلامي التعبير عن الحقوق والمواقف وتسويقها، فإن مفردات ذلك الخطاب بما فيه من مفاهيم ومصطلحات مفتاحية، ومضامين وأفكار مركزية ، تتبوأ أهمية كبيرة ومكانة مؤثرة في صلب الخطاب الإعلامي بما يمكن أن يكون ميداناً لحرب من نوع جديد.
    لقد استنفرت آلة الإعلام الصهيونية مدركة أهمية ما تقدم، فكرست جهودها للسيطرة على معظم وسائل الإعلام العالمية المؤثرة في تشكيل الرأي العام ،ونجحت في تحقيق اختراق للمنظومة الفكرية والثقافية للأمة ، والترويج لذلك إعلاميا من خلال بث مجموعة من المفاهيم والمصطلحات المركزية المحملة بمضامين فكرية وثقافية مستمدة من الأيديولوجيا الصهيونية العنصرية ، وباتت وسائل الإعلام المحلية تتلقف تلك المفاهيم والمصطلحات من مصادرها الغربية المتصهينة دون تمحيص أو نقد ، وتقوم بإعادة بثها ونشرها في أوساطنا الإعلامية والثقافية ثقة منا بموضوعية غربية زائفة ومخاتلة .
    فعلى صعيد اختراق الذاكرة التاريخية والجغرافية تم "تهويد" العديد من الأمكنة والمواقع على أرض فلسطين المحتلة ، فالقدس أصبحت "أورشليم "، وتل الربيع "تل أبيب"، والخالصة "كريات شمونة"، والخليل "حبرون" ، وأهلنا الصامدون داخل الكيان الصهيوني "عرب 48". وعلى صعيد الاختراق الثقافي والسياسي بات مصطلح "الإرهاب" لصيقا بحركات المقاومة الساعية إلى تحرير التراب المحتل ، وأسبغت صفة "الأصولية الإسلامية" على مفهومي الزكاة والجهاد في الإسلام، بوصف الأول تمويلا "للإرهاب" والثاني عملا مجرما في الأعراف الدولية "الغربية"حتى على مستوى القول باللسان ؟! وانتشرت مصطلحات "الهولوكست" و"معاداة السامية" و"الهجرة اليهودية" ليتم بها ممارسة التضليل الإعلامي على المستويين المحلي والعالمي ، والقائمة تطول وتطول ...
    تنبهت بعض الأوساط الإعلامية والثقافية الى تلك "الحديقة الخلفية " لمواجهتنا مع الكيان الصهيوني ـ أقصد ساحة الخطاب الإعلامي ومفرداته ـ لكنها إجمالا بقيت مع الغالبية العظمى تغط في سبات متجاهلة كل ما يجري حولها،قد تكون ضعف الخبرة في هذا المجال سببا في وصولنا الى هذه الحالة المزرية ، ولكن ما عذر الأوساط المتمرسة في هذا الميدان ؟ ولماذا تتجاهل سيل المصطلحات والمفاهيم الغازية ؟ وربما يكون الوهن الحضاري الذي نخر في جسدنا أفرز ما أسماه "مالك بن نبي" بـ"قابلية الاستعمار" أمام طغيان نفوذ حضارة الآخر سببا في ذلك ، ولكن هذا لا يكفي لتفسير هذه الظاهرة في ظل حالة الصحوة والحماسة التي دبت في أوصال الأمة والتي أصبحت الانتفاضة المباركة رافعة لها . يمكننا القول إن وسائل الإعلام قد تعاملت مع الأمر من منطلق براغماتي، فعندما تكون الضغوط الممارسة عليها شديدة ـ سواء كانت داخلية أم خارجية ـ يصبح الحديث عن "التطبيع" ودولة "إسرائيل" الجارة ، و"توغلها" في أراضي السلطة الفلسطينية مشروعا، وعندما تتغير الحال يتم الحديث عن "اجتياح صهيوني" للأراضي العربية المحتلة، مما يشير إلى أن تلك الوسائل والأوساط القائمة عليها لا تزال تتعامل مع القضية الفلسطينية من منظور المصالح الخاصة وبما لا يضرّ بها أو يؤثر عليها على أقل تقدير.
    ولكن من يملك المواجهة والتأثير في المسالة الإعلامية إذا كان الوضع على هذه الحال سوى أصحاب القضية أنفسهم فالمبادرة في نحت المصطلحات والسعي الحثيث لدى أجهزة الإعلام الرسمية العربية لاستخدامها والضغط على وسائل الإعلام الغربية لاستعمال تلك المصطلحات وحده الكفيل بمواجهة العدو على هذا الصعيد وهو الموقف المستمد من الرؤية القرآنية ، فقد دعا القرآن الكريم إلى تمحيص المصطلحات ونقدها أولا عندما حاولت يهود المدينة "شتل" مصطلحاتها بين المسلمين فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم "راعنا" ، ولم يكتف بذلك بل دعا إلى التزام روح المبادرة في نحت المصطلحات والمفاهيم المنسجمة مع المنظومة الفكرية لامتنا فقال "وقولوا: انظرنا". وعلى سبيل المثال: إذا كانت انتفاضة الأقصى الباسلة قد نجحت في نقل الصراع مع العدو من مرحلة "توازن الرعب" إلى مرحلة "توازن الدم"، فإن تلك الانتفاضة ذاتها قد انتقلت بالتعبير عن نفسها من مصطلح "المقاومة" للمحتل إلى ما يمكننا أن نسمّيه بـ"المؤالمة"، فـ"إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون..".
    ــــــ
    * كاتب فلسطيني
     

مشاركة هذه الصفحة