الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز

الكاتب : مرس ة   المشاهدات : 627   الردود : 6    ‏2002-12-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-25
  1. مرس ة

    مرس ة عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-12
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    د :- إشارات ولمحات
    هذه إشارات يسيرة في منهج الشيخ - حفظه الله - حول بعض النواحي العلمية والعملية ، في حياته الزاخرة بالعلم والعمل ، وهذه الإشارات لا تعدو أن تكون رءوس أقلام ، ومنارات صغيرة لذلك المنهج المتميز في كل جوانبه المضيئة وهذه الومضات منار وصوى في طريق البحث والكتابة بالتفصيل والإطناب والإسهاب لمن رام أن يكتب عن منهجه العلمي والعملي في هذه الجوانب والله الموفق .

    1 - الشيخ والفتوى :
    إن الفتوى في حقيقة أمرها هي التبليغ عن الله سبحانه وعن رسوله أحكام الشريعة وإيضاحها وإبرازها للأمة ، ولذا فإن الفتوى منصب جليل القدر ، عظيم المكانة ، كبير الأهمية ، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته ، وأن يتأهب له أهبته ، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره - حرج من قول الحق والصدع به ، فإن الله ناصره وهاديه ، وكيف لا وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ وكفى بما تولاه الله بنفسه . شرقا وجلالة ، إذ يقول سبحانه في كتابه : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ

    وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه ، وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدي الله .

    وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبد الله ورسوله فكانت فتاويه جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب ، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب ، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلا ، وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

    ثم قام بالفتوى من بعده برك الإسلام ، وعسكر القرآن ، وجند الرحمن ، ألين الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأحسنها هديا ، وأقلها تكلفا ، وأوضحها بيانا ، وأصدقها إيمانا ، وأعمها نصيحة ، وأقربها إلى الله وسيلة وكانوا بين مكثر فيها ومقل ومتوسط ؛ ثم صارت الفتوى من بعدهم في - التابعين وتابعي التابعين إلى يومنا هذا .

    وممن - قام بهذا المنصب الكبير ، والعمل الشريف " الإفتاء " في عصرنا الحاضر ، وزماننا الزاهر كوكبة نيرة من الأئمة الأعلام ، الذين حفظوا للأمة معاقد الدين ومعاقله ، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله ، ومن هؤلاء الحملة العدول والعلماء الفحول - بل أبرزهم ورأسهم - الذين عنوا بضبط قواعد الحلال والحرام ، وخصوا باستنباط الأحكام ، فضيلة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز - حفظه الله - فقد كتب كما هائلا من الفتاوى العلمية ، بل إن الفتاوى التي قرئت عليه وشارك في صياغتها مع إخوانه أعضاء اللجنة الدائمة لعلها تبلغها أكثر من عشرين ألف فتوى .

    والشيخ - رعاه الله - مثال يحتذى ، وإمام به يتأسى ، في الفتوى وغيرها من أمور الدين ، فتجده في فتاويه معتمدا على الأدلة من الكتاب والسنة ، وأقوال الأئمة من السلف الصالحين - رحمهم الله - جاعلا نصب عينيه قول الإمام أحمد - رحمه الله - : " إياك أن تتكلم في مسألة إلا ولك فيها إمام " .

    ولهذا من تأمل فتاوى الشيخ - رعاه الله - يجد أنها فتاوى واضحة الدلالة ، بينة المقصود ليس فيها شذوذ ، أو خروج عن سبيل المؤمنين ، وترى فيها دقة النقل ، والإيجاز في الألفاظ ، والوضوح في العبارة ، والقوة في الأسلوب - إذ أسلوبه في الإملاء ينحصر على السهل الممتنع - وهو من أبلغ أساليب الكتابة جمالا ووضوحا .

    والشيخ - رعاه الله - يكره التسرع في الفتيا ، كما هو دأب السلف وديدنهم كما قال ابن أبي ليلى - رحمه الله -

    أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله أراه قال في المسجد ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا

    والشيخ - رعاه الله - لا يتورع عن قول لا أدري ، والله أعلم ، بل هي سلاحه في كثير من الأحايين وهذا نهج علمي دقيق سار عليه سماحته ، بل عددت له في مجلس أكثر من عشر مرات وهو يقول الله أعلم .

    " ومن قال لا أدري فقد أفتى ، ولا أدري نصف العلم ، أوكلنا العلم إلى عالمه ، الله أعلم " هذه جمل مترابطة يذكر الشيخ - رعاه الله - إخوانه وتلامذته ومحبيه ، . ويوصيهم بالتريث والتثبت وعدم الاستعجال وهو الآن - ولله الفضل والمنة - من كبار المفتين في العالم الإسلامي ، لأنه يفتي بالدليل قال الله قال رسوله وقد ذكر عنه أن يرى الأخذ بأصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - ولكنه دائما ما يخرج عن المذهب الحنبلي ، إذا خالف الدليل ، فهو ينشد الأثر ويتمسك به كتابا وسنة وإجماعا ، ومن لاحظ الشيخ - رعاه الله - في فتاويه رأى ذلك جليا واضحا ،

    ومما يميز الشيخ في فتاويه أنه غير متكلف في كلامه وحديثه وفتاويه ، فهو يكره التنطع والتعمق ، وهذا هو المنهج الذي سار عليه العلماء السابقون من سلف هذه الأمة وأئمتها ، فهم لا يتنطعون ولا يتكلفون ، وإنما يرسلون الكلام إرسالا على سجيته ، وهكذا سماحته - حفظه الله - فلذلك جعل الله له ولكلامه ولفتاويه قبولا في قلوب الناس لصدقه وطيب نيته وجميل خلقه غفر الله له ورفع درجته .

    هذه أبرز الملامح العامة لمنهج سماحته - عفا الله عنه - في الفتاوى وهي أمور مهمة ، ولو أفردت في مصنف مستقل من قبل بعض طلبة العلم ، لكان ذلك حسنا والله المعين .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-12-25
  3. مرس ة

    مرس ة عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-12
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    2 - الشيخ والبحث :

    إن منهج الشيخ - رعاه الله - قائم على الاعتدال والإنصاف في كل شيء ، فلا يغلو ولا يجفو ، بل هو عوان بين ذلك وهذه الوسطية الرائعة هي التي ميزته عن كثير من علماء الأمة وفحولها في هذا العصر ، ولا بد أن ندرك جيدا وأن نعلم يقينا أن الشيخ - حفظه الله - منهجه في البحث .

    والاستفادة قائم على التزام النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ، وذلك في كل ما يتصل بهما ، ونجد أن النصوص مع ثبوتها القطعي قد تتفاوت في دلالتها ، فإن للمفتي حق الاجتهاد في فهم الدلالة كما لغيره ذلك ، وهذا منهج لا غبار عليه عند أولي العلم ، بل هو من صميم علمهم ، ومن دقيق فهمهم ، وسماحة شيخنا - رعاه الله - ملتزم بهذا المنهج سائر عليه ، فتجده في المسائل التي يختلف فيها العلماء في قضية فهم النصوص ، وما تومئ إليها من دلالات ومعاني ، واسع الصدر ، لا ينكر على أحد فهم اختاره ، أو أمر سار عليه - معتقدا أنه الحق ، بل إنه يعذره ويرى له في ذلك اجتهادا مخطئا في نظره ، ومما يميز الشيخ - حفظه الله - أنه واسع المعرفة ، يحب الحوار الهادئ ، ولا يغضب من الجدل الحق ، ويرحب بالآراء المدعومة بالدليل ، ويتراجع عن قوله إذا كان فيه خلاف الدليل ويرحب بالأقوال ولا يتعمد التخطئة بل يرى أن المسائل المختلف فيها على قسمين :

    1 - خلاف التضاد 2- خلاف التنوع ، فأما خلاف التنوع فالمسألة سهلة ، وفيها سعة ؛ لأنه خلاف فرعي ، وقد اختلف الأئمة . والشيخ - أطال الله في عمره على طاعته - محب للبحث شغوف به ، لأنه يحرص على إيصال المعلومة الصحيحة إلى طالب العلم ، فإذا شك في مسألة أو حديث ، أمر بتحقيق الأمر ، والنظر في هذه المسألة وفي ذلك الحديث ، حتى يتضح الأمر وتنجلي الحقيقة ، وهذا كله من حب الشيخ - رعاه الله - للبحث ، ودائما تراه يكلف بعض طلبة العلم بذلك ، فإذا انتهى من بحثه ، قرئ على سماحته - حفظه الله - كاملا وعلق عليه بما يرى أنه الحق مبينا لوجه الصواب والخطأ ، أو مقرا للباحث بقوله : هذا البحث حسن أو جيد أو جزاك الله خيرا وغير ذلك من كلمات التشجيع والإطراء . .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-12-25
  5. مرس ة

    مرس ة عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-12
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    3 - الشيخ والشورى :
    وصف الله المؤمنين الصادقين بقوله الحق : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وألزم نبيه وهو المؤيد بوجيه أن لا يفارق الشورى في كل أمر هام ، وشأن عظيم فقال له : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ولقد أخذ سماحته بذلك فهو يشاور طلابه ومحبيه وإخوانه من العلماء فيما يستجد من الأمور وهذا مما يدل على تواضعه ، ومن قربه من القلوب ، فلا يبدأ قضية من القضايا المهمة إلا بالتشاور حولها والدندنة في جوابها أخذا وردا ، وإعمالا للفكر ، وإنعاما للنظر ، فيها حتى إذ استوت على سوقها طرح رأيه الثاقب في القضية ، وإن كان هناك ثمة رأي مخالف للأمر الذي ارتآه نظر إليه بعين الاعتبار والتقدير ، وفحصه بنظرة ثاقبة بصيرة من جميع جوانبه ، ثم يفصل بعد ذلك عازما على رأي واحد متوكلا على الله ، ممضيا له ، وغالبا ما تكون هذه الآراء هي الأسعد بالحق وضيائه .

    والشورى في حياة الشيخ - رعاه الله - في جميع صورها وألوانها : فمع إخوانه أصحاب الفضيلة العلماء سواء كان ذلك في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، أو في هيئة كبار العلماء يراجع هو وإياهم ما استجد من المسائل العلمية والعملية في ضوء الكتاب والسنة ، وأقوال الأئمة ، ويطرحون في تلك المجالس قضايا المسلمين بإنصاف وصدق . وتجرد ، فلهذا نرى أن رأيهم في كثير من القضايا يجد كلمة إجماع من جميع علماء المسلمين في أقطار المعمورة ، وعلى هذا النحو في اجتماعاته في الرابطة في المجلس التأسيسي ، أو في المجمع الفقهي ، أو في المجلس الأعلى للمساجد وغير ذلك .

    وكذلك يشاور أهل بيته في القضايا الخاصة الأسرية التي تتعلق بهم ، ولا يستنكف من أخذ آرائهم إن رأى في ذلك مصلحة عامة للمسلمين ، وهذا أعني به مشاورة أهل البيت - منهج نبوي ، وشرع إسلامي ، ولعل قصة الحديبية مع أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - حينما أشارت إلى النبي بحلق رأسه ونحر هديه ، ثم تطبيق الصحابة لذلك أبلغ مثال ، وأوضح أمر ، في أن هذا المنهج من صميم منهج النبوة والشرع .

    وهكذا يشاور مستشاريه ، ومدراءه فيما يتعلق بالأعمال الوظيفية وغيرها من الأعمال الإدارية وينظر إلى آرائهم بعين الاعتبار والتقدير .

    إن لسماحته نفسا رحبة ، وصدرا متسعا ، وأفقا واسعا ، في كل الأمور ، مما بوأه هذه المكانة العلمية ، والمنزلة السنية رفع الله قدره ، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-12-25
  7. مرس ة

    مرس ة عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-12
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    4 - الشيخ والشجاعة في الحق :
    إن هذا الرجل السهل السمح الحليم محب الفقراء ، والمشفق على المحتاجين والمعوزين ، سرعان ما ينقلب أسدا هصورا لا يرده عن أقدامه شيء ، إذا انتهكت محارم الله ، أو إذا علم بظلم يقع على المسلمين أو عدوان على شريعة الله .

    إن مسلك سماحته - حفظه الله - في هذه الناحية هو مسلك العالم الإسلامي الذي يوقن ملء جوارحه أنه مسئول عن حماية محارم الله ، والدفاع عن حقوق أهل الإسلام بكل ما تملك من طاقة . . . وبدافع من الشعور الكامل بهذه المسئولية يتتبع أحوال العالم الإسلامي ، فلا ينال المسلمين خير إلا فرح به ، ولا يمسهم سواء إلا اضطرب له ، ويرتفع غضبه إلى القمة حين يتعلق الأمر بدين الله ، لذلك تراه أسرع العلماء إلى إنكار البدع ، لأنها بنظره عدوان على حقائق الوحي ، وتغيير لدين الله ، وفي النهاية هي إبعاد للمسلمين عن جادة الحق .

    ولعل شجاعته في قول الحق تتجلى بوضوح وجلاء حينما نفخ الشيطان في خلد أحد الحكام ، فأعلن ترهات وشبهات خبيثة في مقصدها ، ضالة في منطلقها وتوجهاتها ، دائرة في مجمل أمرها على الطعن في كتاب الله وعلى رسوله الكريم ، بأمور تقيأها في مؤتمر عقده في بلاده باسم مؤتمر المعلمين وكان ذلك عام 1394 هـ . فسارعت الجامعة الإسلامية ممثلة بمجلسها الاستشاري إلى إنكار ذلك ، حملت توقيع الأعضاء ومن ضمنهم سماحته ، لكن سماحته لم يكتف بذلك ، فخلا إلى كاتبه يملي عليه مقالا في تفنيد تلك الأباطيل ، وفضح مزاعم الطاغية ، التي تنم عن منتهى الجهل بالإسلام ولغة العرب .

    وقد نشرت الصحف والمجلات ذلك البيان الذي كان قطعة رائعة بارعة من فقه الشيخ وأدبه وغيرته اللاهبة على دين الله .

    ويتلو تلك الهجمة الطائشة عدوان طواغيت الصومال من الشيوعيين على شريعة الإسلام ، إذا ألغوا أحكامها العادلة في موضوع الإرث والحياة الأسرية ؛ ليحلوا مكانها أحكام الجاهلية الماركسية ، ولما أعلن علماء مقديشو حكم الله في عدوانهم هذا ، أخذت الظالمين العزة بالإثم ، فأحرقوا عشرة منهم وهم أحياء ، وزجوا بالعشرات الآخرين في السجون . . . فكان لهذا الطغيان الرهيب أثره العميق في قلب الشيخ ، لم يملك بإزائه سوى القلم الذي حمل إلى البغاة ما يجب أن يتلقوه من مثله .

    وقبل ذلك كان للشيخ صولة في رابطة العالم الإسلامي بمكة ، خرج منها بالقرار التاريخي الذي يدين طغمة الشيوعيين الذين يفرضون وجودهم بقوة الحديد والنار ، وطواغيت موسكو على مسلمي الجنوب العربي ، الذي لم تقف فيه حمامات الدم منذ استيلاء هذه العصابة الحاقدة على الإسلام وعلى زمام السلطة في عدن وحضرموت .

    وعلى هذا المنوال والغرار يمضي الشيخ في مواجهة الأحداث التي تلم بالأحداث في العالم الإسلامي ، ولعل وقوفه مع المسلمين في كشمير وبورما وأريتريا والبوسنة والهرسك وأفغانستان والصومال والشيشان وأخيرا كوسوفا وغيرها أوضح مثال وأبين أمر على شجاعته ووقوفه مع إخوانه في البأساء والضراء .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-12-25
  9. مرس ة

    مرس ة عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-12
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    ابن باز بأقلام معاصريه وطلابه

    1 - كلمة سماحة الشيخ العلامة / عبد الله بن سليمان بن منيع

    - رعاه الله - قاضي التمييز بمكة المكرمة وعضو هيئة كبار العلماء

    إن الحديث عن سماحة شيخنا الجليل تنشرح له الصدور ، وتتفتح له النفوس ، ويحلو بذكره اللسان فقد كان لي مع سماحته أكثر من علاقة أهمها وأحلاها علاقتي به شيخا كريما لقد درست على يد سماحته في المراحل الدراسية الثلاث : الثانوية والجامعية والدراسات العليا في المعهد العالي للقضاء ، فاستفدت من علمه الغزير ، وفقهه الواسع ، وأدبه الجم في التعليم والتعلم ، الشيء الذي أعتز بتحصيله من سماحته .

    وعملت مع سماحته وتحت رئاسته في الرئاسة العامة للإفتاء والبحوث والدعوة والإرشاد ، فكنت نائبا عاما لسماحته في الرئاسة لمدة عامين ، وقد كنت قبل ذلك عضوا في اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء تحت رئاسته ، ثم تشرفت بالعمل مع سماحته في هيئة كبار العلماء فكان ولا يزال - حفظه الله - نعم الشيخ معلما وموجها وناصحا وحريصا على الاهتمام والعناية بطلابه ، فلقد أخذنا عنه - حفظه الله - العناية بالدقة في إصدار القرار الحكيم أو الفتوى أو بالرأي ، وأخذنا عنه المرونة في النقاش ، وتبادل الآراء والوقوف عند الحقيقة والبعد عن التعصب للرأي ، حيث كان - حفظه الله - يقرر " رجوعه إلى رأي الأكثرية من زملائه وإخوانه وأبنائه في بحث أمر يكون له فيه رأي مخالف فيرجع ويقول : - اللهم اهدنا فيمن هديت - وذلك حينما يظهر له رجحان الرأي المخالف له .

    وكان - حفظه الله - نعم الرئيس في العمل نصحا ورأفة ورحمة وتقديرا لزملائه وتابعيه في العمل ، ويرعى حقوقهم ، ويحترم مشاعرهم ، ويقدر جهودهم ، ويكره الحديث فيهم ، وعنهم مما يكرهون ؛ وقد قال لبعض الناس حينما كان يتحدث في حق موظف تابع له : " اتركوا لي عمالي " ولا يألوا جهدا في سبيل تحقيق مصلحة لأحد موظفيه ، إذا كانت لا تتعارض مع المصلحة العامة .

    وكان - حفظه الله - نعم المشارك في المسائل والبحوث العلمية ، فالبرغم من جلالة قدره ، ورفعة مكانته العلمية ، وإقرار الجميع بفضله وفقهه وغزارة حصيلته العلمية ، فهو لا يتعصب لرأي إذا كانت المسألة موضوع البحث مما للاجتهاد فيها مجال ، ويحب أن يسمع الرأي في المسألة من كل مشترك معه في البحث من غير تفريق بين كبير وصغير ، ولكنه حينما يظهر له فيها رأي يعتقده فهو يتمسك به ، ولا يرجع عنه إلا بمبرر شرعي ظاهر .

    وقد ضرب - حفظه الله - رقما قياسيا في كرم النفس وكرم المال لم يجاره في ذلك أحد من العلماء المعاصرين فيما علمنا .

    ولقد ذكر لي أحد المختصين بشئون نفقات بيته ، أن نفقاته اليومية تتجاوز الألفي ريال ولهذا ما من عام ينصرم إلا وعليه ديون ؛ والحكومة - أعزها الله - تدرك ذلك من سماحته فتقوم بسداد ديونه لأنها تعرف أنه وجه مضيء للبلاد في كرمه وخلقه وعلمه ونصحه وتقاه وإجماع الناس على تقديره وحبه .

    وهو - حفظه الله - إنسان يتمتع بصفات الإنسان الفاضل من حيث نظراته إلى بني جنسه ، بغض النظر عن العرق والجنس واللون فهو يحب الإنسان من حيث هو إنسان يرى فيه عوامل إكرام الله إياه ؛ فيأمل من كل إنسان أن يدرك حكمة وجوده في هذه الحياة فيعرف قدر حق ربه عليه ليكون من هذه المعرفة قادرا على تحصيل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة .

    فهو - حفظه الله - لا يألوا جهدا في سبيل مناصحة أي إنسان على أن يسلك الصراط المستقيم ليكون بذلك لبنة صالحة ، لبناء المجتمع الإسلامي النبيل .

    ولقد تقلد القضاء - حفظه الله - في آخر شبابه ومستهل كهولته ، فكان نعم القاضي العادل ، ونعم القاضي العالم ، ونعم القاضي المرضي ، فما من حكم يصدر من سماحته في قضائه إلا هو موضع التسليم والرضى والقناعة من طرفي الخصومة ، لما يتمتع به - حفظه الله - من القبول لدى الجميع والقناعة به من الجميع والاطمئنان إلى ما يحكم به من الجميع .
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-12-25
  11. مرس ة

    مرس ة عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-12
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    2- كلمة سماحة الشيخ / عبد الله بن الرحمن آل بسام

    رئيس محكمة التمييز بمكة سابقا وعضو هيئة كبار العلماء

    شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله تعالى - هو المستحق الآن للقب - شيخ الإسلام والمسلمين - ، لما يبذله من مساع في خدمة الإسلام والمسلمين ، فهو الداعية الكبير وهو المفتي الأول في الداخل والخارج ، وهو الموجه إلى فعل كل خير ، وهو رئيس المجلس التأسيسي في رابطة العالم الإسلامي ، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي ، ورئيس مجلس هيئة كبار العلماء ، وهو المرجع في كل شأن من شئون الإسلام ؛ لما حباه الله تعالى من إخلاص لدينه وأمته ؛ ولما امتاز به من سعة علم وبعد نظر ، وقبول لدى المسلمين ، فهو موزع وقته على خدمة الإسلام ومصالح المسلمين .

    وقد جعل الله تعالى له إجلالا في النفوس ، ومحبة في القلوب ، متع الله تعالى بحياة شيخنا وأبقاه ذخرا للإسلام والمسلمين .

    3 - كلمة فضيلة الشيخ الدكتور / صالح بن عبد الرحمن الأطرم

    - رعاه الله - عضو الإفتاء ، وعضو هيئة كبار العلماء ، والأستاذ بكلية الشريعة بالرياض :
    إن صفات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز واضحة لا تخفى على معاصريه من عالم ومتعلم ، فهو ذو علم جم وخلق فاضل ونظر ثاقب ، وحسن خلق ، وحسن معاملة مع الصغير والكبير ، والعالم والمتعلم ، والعامي والغريب والمعروف ، والقريب والبعيد ، يفيد المتعلم ويرشد الجاهل .

    ونرى سماحته يزداد علوا في العلم والمعرفة وبذل العطاء من المعلومات ، وانتشار علمه في جميع الأقطار وتزداد علاقته بالكتب من شتى الفنون من توحيد وفقه وحديث وتفسير ولغة وأصول فقه في القراءة والكتابة والإفتاء ابتداء وجوابا عليها .

    وكثيرا ما يحضر لدرسه تحضيرا علميا دقيقا بأن يراجع أمهات الكتب ، وكتب الشروح ، وقد يقرأ عليه وهو يتناول الطعام حرصا على إفادة الطلاب ؛ كما هو دأب العلماء السابقين .

    ولسماحة الشيخ عبد العزيز مكانة رفيعة في نفوس القاصي والداني ، وفي الداخل والخارج لعلمه الواسع ، وحب الخير لكل واحد ، وحسن خلقه ، فهذا وذاك غرس الثقة في قلوب الناس ؛ كما دعم ذلك حبه للاستفادة من غيره ، وانشراح صدره لها ، وتراجعه عن المسألة إذا تبين له الراجح بدليله ، وحبه الاستدلال بالكتاب والسنة والقواعد الشرعية .

    وللشيخ أسلوب فاضل في التدريس ، إذ يحضر للدرس ، ويقرأ عليه الكتاب ، ويتكلم عنه بوضوح ويعطي ويأخذ ، ويطرح الاستشكالات ، ويتقبل الجواب من أي طالب كان ، وله منهج في الردود إذ يرد على المغرضين بتشخيص المشكلة وبيان وجه غلطها والاستدلال على بطلانها أو تضعيف أدلة المستدل بأسلوب يفهم القارئ منه حبه ونصحه لمن أثار المشكلة .

    وكل مواقف شيخنا - حفظه الله - طيبة ومؤثرة ، تأثرت بعلمه وأخلاقه وبقبول توجيهه ، وبتواضعه وانشراح صدره وتأثيره على العامة والخاصة والداخل والخارج ، فهو محل ثقة في المعتقدات وفي علم الحلال والحرام والوعظ والإرشاد والترغيب والترهيب ؛ فلا يكاد يقف موقفا ويعدم التأثير .

    ومع كل المناصب التي تولاها بدءا القضاء في محكمة الدلم عام 1359 هـ كان التدريس هو القاسم المشترك في مهامه ؛ وقد كنت أنا أحد الطلاب الذين تلقوا منه علوم التوحيد والفقه في معهد الرياض العلمي وفي كلية الشريعة ، وحتى بعد ما تولى نيابة الرئيس للجامعة الإسلامية استمرت صفة التدريس ملازمة له في مناصبه التي تولاها في هذه الجامعة أو في رئاسة البحوث والإفتاء والدعوة والإرشاد .

    ولا يكاد سماحته يقف موقفا مع فرد أو جماعة أو جهة حكومية إلا ويؤثر فمه ؛ ولا يطلب فرد أو جماعة شفاعة في أمر عام أو خاص إلا شفع فيه وما تكلم بأمر إلا نفع الله به في شتى المجالات ، وليس مجال العمل الرسمي فحسب وكنت أحد طلابه - كما قلت - في معهد الرياض وكلية الشريعة ، ومن يومها لازلت أحضر دروسه في المسجد ما استطعت وأقرأ كتاباته ومقالاته وفتاويه من خلال وسائل الإعلام المختلفة جزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين ونفعنا بعلومه .
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2002-12-25
  13. مرس ة

    مرس ة عضو

    التسجيل :
    ‏2002-11-12
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    4 - كلمة معالي الشيخ د / صالح بن عبد الله بن حميد

    - حفظه الله ورعاه - إمام وخطيب المسجد الحرام ، وعضو مجلس الشورى
    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده : فإن الأجيال في كل عصر بعامة ؛ وفي هذا العصر بخاصة بحاجة ماسة إلى التعرف على الشخصيات البارزة في مجتمعهم ، المعاشة في واقعهم ، الشخصيات التي يقوم عليها - بإذن الله - البناء ، ويرتسم بسيرتها المنهج .

    يحتاج النشء إلى التعرف عن قرب على هؤلاء الرجال الذين يحملون المسئولية بقوة واقتدار ، وكفاءة واصطبار ، يحملون على عواتقهم أمانة الحفاظ على دين الله ، وتربية عباد الله في جمع عجيب بين الحب لهم والغيرة عليهم منطلقهم في ذلك الدين بكل شموله الإيماني والفكري الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي ، دين الدنيا والآخرة جميعا ، الإيمان والعمل الصالح معا ؛ إنهم علماء المساجد والمنابر ، وشيوخ الميادين والعامة .

    وصاحب السماحة الإمام العالم العلامة الحبر والبحر والدنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله وأمد في عمره على طاعته أنموذج من هؤلاء ، علم يتسنم الذروة في الرجال ، ويعلو القمة في الأفذاذ دينا وورعا وعلما وفضلا وكرما وجودا ، ولا أزكي على الله أحدا ، وما شهدنا إلا بما علمنا وعلم البواطن موكول إلى الله وحده فهو أعلم بمن اتقى ، وهو أعلم بمن هو أهدى سبيلا .

    لقد عاش الشيخ حياة علمية دعوية متوازنة يتوافق فيها الفكر مع العمل ، ويقترن فيها العلم بالسلوك ، حياة تجلي في توازنها الفكر الثاقب ، والعطاء النير ، والإسهام العميق ، والمدد الغزير في ميادين الحياة كافة ، امتداد في العلم والدعوة والتربية والتوجيه ، شمل أصقاعا عريضة من العالم الفسيح من خلال أثره الفكري المقروء والمسموع ومشاركاته الميدانية في المؤتمرات والمجامع والحلقات والمنابر والمجالس واللجان ، رئاسة وأستاذية وعضوية ، إنه رجل شاء الله أن يقع على كاهله ، أعباء جسام في الدعوة والإرشاد والبحث العلمي والإفتاء ، وخدمة قضايا المسلمين كافة .

    إن العطاء والتوازن والتثبت في حياة الشيخ وسيرته - علما وتعليما ودعوة - جلي بارز من خلال الرصد للقنوات التي صبغت عطاء الشيخ وأطرت أثره في إطار متميز ، ولعل ذلك يتبين من هذه القنوات الثلاث الكبرى :

    الأولى : الإيمان العميق ، والعقيدة الراسخة في الله ورسوله وكتابه ودين الإسلام ، وأثر ذلك في سيرته ومسيرته ، سلوكا حسنا ، وورعا وزهدا ، وصدقا في اللهجة ، وحبا للناس ، وثقة متبادلة وعطفا ورقة ، وكرما وبذلا .

    الثانية : التأصيل العلمي المبني على أصلي الدين : الكتاب والسنة فالشيخ يحفظ القرآن كله ويتدبره ، ويحفظ الكثير من السنة ويفقهها ، فهو دائم التلاوة للقرآن بتدبر ، قدير في الاستحضار للسنة بتفهم ، سريع الاستشهاد بها ، ملتزم للاسترشاد بنورهما ، مع دعوته الظاهرة في كل مجلس وناد للأخذ بهما والرجوع إليهما والحث على مداومة قراءتهما ومطالعتهما ، وحفظ المتيسر منهما .

    الثالثة : روح الاجتهاد والاستنباط المنبثقة من الفقه المتين والدارسة الواعية والفهم العميق والفكر المستنير مع الإحاطة البينة بمقاصد الشريعة وأصولها وقواعدها وضوابطها . ومن يسبر ذلك ويرصده في حياة هذا الإمام يدرك وضوح الطريق عنده ، وانسجامه مع نفسه ، ومن حوله في توافق سوي وسيرة معتدلة ونهج قويم . هذا هو الشيخ الذي يزكو شكره ، ويعلو عند أهل العصر ذكره ، ويعني الأمة أمره .

    الصنعية عنده واقعة موقعها ، والفضيلة إليه سالكة طريقها ، إن أوجز في الموعظة كان شافيا ، وإن أطنب كان مذكرا ، وإن نبه إلى ملاحظة فهو المؤدب المؤدب ، وإن أسهم في التوجيه فهو المفهم ، واضح البيان ، صادق الخبر ، بحر العلوم ، نزهة المتوسمين ، خصيم الباطل ، نصير الحق ، سراج يستضيء به السالكون ؛ لين العريكة ، أليف مألوف ، يرفق في أعين الناس صغر الدنيا في عينه ، لا يتطلع إلى ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد ، متحكم في سلطان شهوته ، لا تدعوه ريبة ولا يستخفه هوى خارج من سلطان الجهالة ، لا يقدم إلا على غلبة ظن في منفعة ، لا يرى إلا متواضعا ، وإذا جد الجد فهو القوي الغيور ، لا يشارك في مراء ، ولا يلوم إذا وجد للعذر سبيلا ، لم ير متبرما ، ولا متسخطا ولا شاكيا ، ولا متشهيا ، لا يخص نفسه باهتمام دون إخوانه ، واسع الشفاعة ، طويل يد العون .

    هذه إلماحات من سيرته ، وإشارات إلى ظاهر حاله ، والله ربنا وربه ، وهو حسبنا وحسبه . فعليك أيها النبيل بالأخذ بمجامع المحاسن إن أطقت ، إن عجزت ، فأخذ القليل خير من ترك الجميع ؛ ولله الحجة على خلقه أجمعين .

    حفظ الله شيخنا ، وألبسه لباس الصحة والعافية ، وأبقاه ذخرا للإسلام وأهله .
     

مشاركة هذه الصفحة