من أصوات الليل

الكاتب : الجنتل 2001   المشاهدات : 558   الردود : 0    ‏2001-05-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-05-16
  1. الجنتل 2001

    الجنتل 2001 عضو

    التسجيل :
    ‏2001-05-16
    المشاركات:
    47
    الإعجاب :
    0
    يَنبِش بظُفره الرماد الهَشّ عن الجَذَوات، فيعود لها وَهَجها، وتكون بشاير الفجر قد لاحت في الأُفُق، يُنصِت قليلا للغطيط المتواصل يأتي من الحجرتين. إحداهما ينام فيها ابنه وزوجته وحفيده الرضيع، الأخرى بها أحفاده الأربعة. ولدان وبنتان. يتوقّف الغطيط في حجرة ابنه، ويسمع همهمة وسُعالا، ويعلو صراخ حفيده ويسكت فجأة، لا يُسكِته غير ثدي أمه. بعدها يناغيها ويلاعبها. ويأتيه همسها الخافت، ثم زمجرتها لابنه. لا يسمع له صوتا حتى عندما تزجُره في غضب، ولا يحلو له الأمر إلا ساعة الفجر. ويكون على وشك أن يستدير ويعطى وجهه للجدار حين يسمع صرير باب حجرتهما الموارب، تتّسع الفتحة ويرى ذراعَي امرأة ابنه العاريتين تحملان الطفل، ثم يظهر جانب من كتفها بقميصها البفتة، وشعر رأسها المنكوش. تضع الطفل أمام عَتبة الحجرة، ويلتفت الطفل مُناغِيا ثم يسكت حين يُواجَه بالباب وقد أُغلِق. يلبس قميصا قصيرا بدون أكمام لا يغطّي مؤخِّرته العارية، صنعته أمه من جلباب قديم لأبيه، يحبو في اتجاه الحوش كأنما جَذَبه الضوء هناك. يتوقّف لحظة ليَبول ثم يواصل طريقه، يتربّع فى نهاية المدخل المسقوف ويده تعبث بأصابع قدمَيه مُستقبِلا انعكاسات ضوء الفجر. الحوش ساكن. لاشيء يتحرّك داخله. اختفت الفئران والضفادع والحشرات، ورقد الجدي والعنز بين سيقان الحمار. تلك اللحظات عميقة السكون، يراها كل يوم قبل طلعة النهار وهو بين اليقظة والنوم، يستدير الطفل، يحبو قادما نحوه، يدور حول موقد النار ويَندَسّ فى حُضنه. تفوح منه رائحة اللبن الرائب، تجوس يده الصغيرة قليلا في صدره ثم تهدأ حركته ويروح في النوم، ويغفو هو الآخر.
     

مشاركة هذه الصفحة