حكم زواج المسلم بالكتابية الحلقة (17)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 385   الردود : 0    ‏2002-12-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-17
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    حكم زواج المسلم بالكتابية (17)

    [هذه الحلقات من رسالة طبعت بهذا العنوان، وقد نفدت، ولشدة حاجة المسلمين، ولا سيما في الدول غير الإسلامية فضلت نشرها على حلقات]

    فما حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر مع وجود هذه المفاسد؟

    وإذا كان زواج المسلم بالكتابية مباحاً، والمسلمون إنما تعاطوه في دار الإسلام، ومع ذلك وجد من يرى تحريمه من السلف وعامة أهل العلم كرهوه، وكثير منهم حرموه في دار الحرب، وإذا علمنا تلك المفاسد التي تترتب عليه في دار الكفر فما حكمه؟!.

    إن كثيرا من هذه المفاسد المذكورة آنفاً، ليست مفروضة فرضاً، وإنما هي واقعة مع كثير من المسلمين المقيمين في دار الكفر ممن يتزوجون الكافرات، وقد تكون هناك مفاسد كثيرة يعرفها أولئك المسلمون الذين يقعون في شراك الاستيطان في بلاد الكفر.

    ولو لم يكن من تلك المفاسد إلا خشية وقوع المسلم نفسه في الارتداد عن دينه، أو التخلق بأخلاق الكفار التي لا يقرها الإسلام، وكذلك مفسدة تنشئة نسله على الكفر وعادات الكفار، لو لم يكن من تلك المفاسد كلها إلا هاتان المفسدتان لكانتا كافيتين في القول بتحريم زواج المسلم الكتابية في بلاد الكفر، فكيف بها إذا اجتمعت كلها؟!.

    إذا أفضى المباح إلى محرم صار محرما..

    ومعلوم أن المباح هو ما استوى طرفاه أي: فعله وتركه [ راجع الموافقات للشاطبي(1 / 109) تحقيق عبد الله دراز ] فهو ليس مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك شرعاً من حيث هو مباح، فإذا كان وسيلة إلى مندوب صار مطلوب الفعل ندباً، وإن كان وسيلة إلى مكروه صار مطلوب الترك كراهة، فإذا كان ذريعة إلى محرم صار مطلوب الترك تحريماً، وإن كان وسيلة إلى واجب صار مطلوب الفعل وجوباً.

    ونكاح المسلم الكتابية مباح من حيث هو، فإذا صار ذريعة إلى تلك المفاسد التي كل مفسدة صالحة لتحريمه وحدها، فإنه يصير مطلوب الترك تحريماً لذلك.

    هذا هو الحكم الذي اطمأنت إليه النفس بالنسبة لزواج المسلم بالكتابية في ديار الكفر اليوم، ما دامت تلك المفاسد تترتب عليه.

    فإذا ادَّعَى مدع أن تلك المفاسد لا تترتب على ذلك وأثبت حجة على دعواه فالأمر عندئذ يختلف، وما إخال أحداً يثبت ذلك، اللهم إلا في مسائل فردية نادرة، والعبرة بالغالب وليس بالنادر.

    ولا أظن أن الذي توصلت إليه في هذه المسألة يخالف ما ذهب إليه علماء الإسلام قديماً، فإن تحريم الزواج بالكتابية في دار الكفر في هذه الأيام أكثر شبهاً بدار الحرب في الماضي.


    وقد حرم الزواج بالكتابية في دار الحرب الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما، ورجح ذلك بعض علماء المذهب الحنفي، وكرهه آخرون منهم، كما كرهه كراهة شديدة الإمام مالك، وهو كذلك في المذهب الشافعي، وصرح بتحريمه علماء الحنابلة [ راجع الفصل الثاني من هذا المبحث ] وعللوا ذلك بمسألة ركونه إليها وسكناه في دار الحرب، وتنشئة أولاده على الكفر ومحبة أهله.

    وهذه المفاسد وغيرها موجودة في دار الكفر في هذه الأيام.

    وقد ذكر ابن القيم أن ما يفضي إلى المفسدة أربعة أقسام:

    القسم الأول: وسيلة موضوعة للإضافة إلى مفسدة.

    القسم الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوصل إلى مفسدة.

    القسم الثالث: وسيلة موضوعة للمباح، لم يقصد التوصل بها إلى مفسدة، لكنا مفضية إليها غالباً، ومفسدتها أرجح من مصلحتها.

    القسم الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها.

    ثم قال:(فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم واستحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة، وجاءت بالمنع في القسم الأول، كراهة أو تحريماً بحسب درجاته في المفسدة.

    بقي النظر في القسمين الوسط، هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما، فنقول الدلالة على المنع من وجوه..

    وساق تسعة وتسعين وجهاً مستدلاً بها على المنع [ راجع إعلام الموقعين(3 / 136-159) ].

    ومعنى هذا:
    أن المباح الذي وضع وسيلة ولم يقصد به التوسل إلى مفسدة، لكنه يفضي إليها غالباً، ومفسدته أرجح من مصلحته يكون محرماً، والزواج بالكتابية في ديار الكفر من هذا النوع كما هو واضح.

    ومعلوم أن مدار الشريعة الإسلامية ومبناها على مصالح العباد..

    كما قال ابن القيم رحمه الله:
    "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة". [ نفس المرجع ].

    وهناك قاعدة شرعية عظيمة، وهي:
    أن الدين أصل الضرورات التي يجب حفظها، والزواج بالكتابية في دار الكفر قد يعود على هذه الضرورة بالنقض، إما دين الزوج المسلم وإما دين ذريته، وإما دينه ودين ذريته.. [راجع أول الجزء الثاني من كتاب الموافقات].
     

مشاركة هذه الصفحة