السباق إلى العقول الحلقة (39) الجزء الأول

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 438   الردود : 1    ‏2002-12-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-16
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل (39) الجزء الأول

    سبب التخصيص. [تخصيص الجامعات الإسلامية].

    إن تخصيص الجامعات الإسلامية في هذا السياق، إنما هو من باب مسايرة الواقع الذي فُرِض على الأمة الإسلامية فرضاً، بسبب العلمنة التي سيطرت على الحكومات في الشعوب الإسلامية، بعد الجهل الذي خيم على المسلمين والاستعمار الذي كرس جهوده في زيادة جهلهم بدينهم..

    وبعد التمزق الذي أصاب الأمة الإسلامية في أعقاب سقوط ما كان يربطهم، وهو آخر رمز للخلافة الإسلامية - في دولة بني عثمان - حيث تم الفصل بين الدين والدولة، وتم بناء على ذلك الفصل بين ما سمي بالجامعات المدنية والجامعات الدينية.

    وأصبح طلاب الجامعات المدنية التي خلت في الغالب من الدارسات الإسلامية هم قادة الشعوب الإسلامية [ بل تجاوز الأمر المدنيين إلى أن تولى أزمّة الأمور في كثير من بلدان المسلمين العسكر ] والمدبرين لشؤونها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها، لأن مناهج جامعاتهم أعدت لتؤهلهم لذلك.

    أما طلاب الجامعات الدينية، فقد وضعت لهم مناهج قصد منها حصر نشاطهم في المساجد - أئمة وخطباء ومؤذنين - مقيداً بما يأذن لهم من تربع على كراسي الحكم من طلاب الجامعات المدنية، وفي تدريس المواد الدينية حسب المنهج الذي تضعه الزمرة الحاكمة، ولا زال هذا الفصل مستمراً إلى الآن.

    وكان الجفاء والنفرة على أشدهما بين أساتذة الجامعات المدنية وطلابها، وبين أساتذة الجامعات الإسلامية وطلابها، حتى أصبحوا - وهم إخوة في بلد إسلامي واحد - كأن بعضهم أجنبي عن الآخر..!!

    ولكن بحمد الله وتوفيقه ثم بفضل جهود دعاة الإسلام في نشر المعاني الإسلامية والدعوة إلى الرجوع إلى هذا الدين والتفقه فيه وحمله، أن أقبل طلاب الجامعات المدنية إلى هذا الدين وتمسكوا به حتى فاق كثير منهم في الالتزام به بعضَ طلاب الجامعات الإسلامية..!!

    حتى ضاقت بذلك صدور العلمانيين في البلدان الإسلامية، وأساتذتهم في بلدان الغرب ذرعا بهذه الظاهرة، وأصبحوا يحاربون هذا الصنف من الملتزمين أكثر من حربهم للملتزمين بالإسلام من طلاب الجامعات الإسلامية..

    حتى الطلاب الذين درسوا في الجامعات الغربية معقل العلمانية، رجع كثير منهم وهم يحملون الدعوة إلى الإسلام مع تخصصاتهم المسماة بالمدنية والعسكرية، فكان فيهم شبه بتربية موسى في قصر فرعون، وعلى أهلها تدور الدوائر..!

    هذا هو سبب تخصيص الجامعات الإسلامية، وإلا فالأصل أن تكون الجامعات في البلدان الإسلامية كلها جامعات إسلامية، بدون حاجة أن توصف بأنها إسلامية..

    على أن تضم الجامعة الواحدة جميع الكليات والأقسام التخصصية، فتكون في الجامعة كليات الطب والهندسة والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والشريعة واللغة وغيرها، وتكون الدارسات الإسلامية مقررة في كل الكليات بالقدر المناسب، مع ما فيها من تخصصات..

    حتى يكون المتخرجون منها كلهم ذوي كفاءات ومؤهلات متخصصة، مع معرفة القدر الكافي من العلوم الإسلامية، وبذلك يقضى على الازدواجية الموجودة الآن في البلدان الإسلامية.

    أقسام العلم في الشريعة الإسلامية.

    إن العلم في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما هو فرض عين على كل مسلم.
    وهو ما لا يسع أحداً من المسلمين جهلُه، لتعلقه بعينه وعدم سقوطه عنه - ما دام قادراً عليه - بفعل غيره، وذلك مثل العلم بالقدر الضروري من أصول الإيمان، والعلم الضروري بأصول الإسلام، وكل ما هو فرض على الأعيان، فإن الواجب على كل مسلم أن يعلم ما وجب عليه عيناً بحسب ما هو مطلوب منه شرعاً.

    القسم الثاني: ما هو فرض كفاية من علوم الشريعة.
    وهو ما لا يجب على أحد بعينه من المسلمين، وإنما يجب على الأمة أن يوجد فيها من يقوم به قياماً كافياً، فإذا قام به واحد منها وكان كافياً للأمة سقط عن باقي الأمة، وإن لم يكف الواحد وجب أن يوجد العدد الكافي للأمة بحسب حاجتها..

    وذلك مثل الفتوى والقضاء والسياسة الشرعية والمواريث والمعاملات والعقوبات - الحدود والقصاص والتعزير - وغير ذلك من علوم الشريعة الإسلامية..

    فيجب أن يوجد القضاة الذين تحتاج إليهم الأمة مهما كان عددهم، وهكذا المُفْتُون، وفقهاء السياسة الشرعية وخبراء الجهاد والاقتصاد الإسلامي وغيرهم..

    هذان القسمان - كما هو واضح - من علوم الشريعة التي تستفاد من القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الوحي الذي جاء به، من عند الله يشملهما، ويدخل في ذلك ما أخذ منهما بطرق الاستنباط والاستدلال المعروفة عند العلماء، وما دلا عليه من مقاصد الشريعة الإسلامية.

    [الأصل في التقسيم أن العلم قسمان:

    فرض عين، وهو ما تعلق بذات كل فرد من أفراد المسلمين، بحيث لا يغني عنه غيره في القيام به…

    وفرض كفاية، وهو ما لم يتعلق بذات الأفراد، وإنما يتعلق بوجود الفرض نفسه، بحيث يغني في القيام به عن الأمة من يقوم به عنها قياماً كافياً..

    وهذا الفرض قسمان:
    قسم يتعلق بالمصالح الدينية تعلقاً مباشراً، كالجهاد في سبيل الله، والقضاء والفتوى…
    وقسم يتعلق بمصالح الدنيا، كالصناعة والتجارة…

    وقد فضلت إفراد هذا القسم وجعله ثالثاً، لأنه - مع إثم المسلمين بتركه كالقسم الذي قبله - من الأمور التي يشترك المسلمون وغيرهم في ضرورة القيام بها لأن حياتهم لا تقوم بدونها. ولا مشاحة في الاصطلاحات.].

    القسم الثالث: ما يتعلق بمصالح الدنيا.
    مما يرشد إليه الوحي أو العقل أو التجربة أو اللغة، وهي العلوم التي يحتاج إليها المسلمون وغيرهم، وإذا خلا منها بلد تعرض أهله للهلاك أو الانحطاط والتأخر والضعف.

    مثل علم الطب والرياضيات والهندسة بأنواعها، وكذلك المهن الأخرى كالصناعة والزراعة والخياطة والحياكة والخبازة وغيرها، فهذه العلوم والمهن من فروض الكفاية.

    وفرض الكفاية بقسميه، الشرعي والعادي تأثم الأمة كلها إذا لم يوجد من يقوم به قياماً كافياً.

    وكلاهما - فرض العين وفرض الكفاية بقسميه - يثاب فاعله - إذا قصد به وجه الله - ويعاقب تاركه القادر عليه..

    وكلها تدخل تحت الأحكام التكليفية الخمسة، وهي: الواجب والمندوب والمباح والمحرم والمكروه.

    وبهذا يعلم أن المسلم مكلف شرعاً بجميع العلوم: الشرعي منها والعادي، إلا أن منها ما يكون فرض عين ومنها ما يكون فرض كفاية.. [راجع إحياء علوم الدين (1/16) للغزالي. ومجموع الفتاوى لابن تيمية (28/79-80)].

    وهذا يدل على ارتباط شؤون الدنيا بشؤون الدين، وأن الفصل بينهما فصلاً يعزل الدين عن توجيه الأمة في حياتها الدينية والدنيوية، منكر في الإسلام لا يجوز إقراره، وهو الذي دمر حياة المسلمين في هذا العصر..

    حيث صار لشؤون الدنيا سلطة زمنية مستقلة، ولشؤون الدين زعامات تقيدها سلطة الشؤون المدنية بما تهوى، ولو ألغي بذلك تطبيق الإسلام..

    اتباعاً لما سار عليه العلمانيون في الغرب من إقصاء الدين النصراني الكنسي المحرف عن التدخل في الشؤون الدنيوية، مع أن الفرق الكبير بين الدين الكنسي الذي تَحَكَّم في حياة الناس باسم الله، فأحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله بدون إذن من الله، وليس فيه منهج صالح لحياة البشر الشاملة..

    بخلاف الإسلام الذي لم يدع شاردة ولا واردة في حياة البشر إلا شرع لها فيه ما يحقق لهم مصالحهم ويدفع عنهم المفاسد، إما بالنصوص الصريحة والظاهرة، وإما بالاستنباط والقياس، وإما بما وضعه من مقاصد يندرج تحتها ما لا يحصى من المسائل.

    فالأصل – إذاً - أن يكون التعليم ومناهجه ومدارسه وجامعاته على أساس الإسلام، وأن يكون العلماء الذين يتخرجون من تلك المدارس والجامعات كلهم متعاونين - مع تنوع تخصصاتهم - على إقامة دين الله في الأرض، يحكمهم جميعاً شرع الله ويسيرون جميعاً على نهج الإسلام.

    ويظهر من ذلك أن الأوضاع الموجودة الآن في مؤسسات التعليم ومناهجه ونتائجه، التي أوجدت فئة علماء دين هم المسؤولون عن الشؤون الدينية في حدود ما يأذن لهم به الحكام، وفئة يدعون بالمثقفين الذين مكنتهم تخصصاتهم من قيادة الأمة غير متقيدين بشرع الله - إن هذه الأوضاع تعتبر شاذة يجب السعي لإزالتها وإعادة الأمور إلى أصلها كما هو واضح فيما ذكرنا.

    ولست بهذا أرى منع جامعات أو كليات أو معاهد متخصصة في بعض العلوم قائمة بنفسها مستقلة عن غيرها، ولا أوجب أن تكون كل الكليات الشرعية وما تسمى بالمدنية في جامعة واحدة، وإن كنت أحبذ ذلك للقضاء على الوضع الراهن الشاذ..

    وإنما أردت بهذا أن لا توجد جامعات يقال لها مدنية، وأخرى يقال لها دينية، وتكون تلك غير مقيد طلابها بالإسلام في وظائفهم، وهذه غير مأذون لطلابها بالاشتراك في قيادة الأمة وإدارة شؤونها على أساس منهج الله..

    بل يجب أن يكون الجميع سائرين على هذا النهج الواجب شرعاً، بل إن العلماء الذين تخصصوا في علم الشريعة هم الذين يحكمون على التصرفات والنظم، ما هو مشروع وما هو غير مشروع على ضوء فقههم في الدين وتصورهم لما يحكمون عليه.

    وقد نص على ذلك العلماء، حتى قال الرازي رحمه الله:
    " والعلماء في الحقيقة هم أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى".. [التفسير الكبير (10/144-146)].

    وقال ابن العربي رحمه الله:
    "والصحيح عندي أنهم - يعني أولي الأمر - الأمراء والعلماء جميعاً، أما الأمراء فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم، وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق وجوابهم لازم وامتثال فتواهم واجب...".

    إلى أن قال:
    "والأمر كله يرجع إلى العلماء لأن الأمر قد أفضى إلى الجهال وتعين عليهم سؤال العلماء..". [أحكام القرآن (2/210-211)].

    وقال ابن القيم رحمه الله:
    "والتحقيق أن الأمراء يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء...". [أعلام الموقعين عن رب العالمين (1/10)].

    ولو أن التعليم في البلدان الإسلامية سار على هذا النهج، لما سبق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول أبناء المسلمين، ولكان السبق لعلماء المسلمين بالحق إلى عقول هؤلاء الأبناء.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-12-16
  3. أبوخطاب العوضي

    أبوخطاب العوضي عضو

    التسجيل :
    ‏2002-12-02
    المشاركات:
    120
    الإعجاب :
    0
    احسنت يا دكتور
     

مشاركة هذه الصفحة