السباق إلى العقول الحلقة (37)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 517   الردود : 1    ‏2002-12-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-12
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل الحلقة (37)


    أنموذجان لجدال إبراهيم قومَه:

    وكذلك جاء أبو الأنبياء الثاني إبراهيم عليه السلام ودعا قومه إلى الحق، وكانت وسيلة الجدال والمناظرة بالحجج والبراهين، من أهم الوسائل التي اتخذها لإبلاغ الحق إلى عقول قومه، فجادلهم حتى أفحمهم، واضطرهم إلى الاستسلام لبراهينه التي لم تقدر عقولهم على إنكارها، فلجأوا إلى القوة والتهديد بها، كما هي عادة الطغاة الذين لا سلاح لهم غير القوة أمام دوامغ الحق العظيمة.

    ولا بأس أن نذكر نموذجين من جدال إبراهيم لقومه، لما لهما من الدلالة الواضحة في هذا الأمر.


    الأنموذج الأول : يتعلق بمعبودات قومه السماوية:
    من الشمس والقمر والكواكب والنجوم، فقد جادلهم مجادلة أقام بها الحجة عليهم، وبين لهم بالبرهان أنها لا تستحق العبادة، وأن الذي يستحق العبادة وحده هو خالقها.

    وقد أثنى الله تعالى على إبراهيم في تلك المناظرة، وامتن عليه بأنه هو الذي وفقه لها حتى غلب الحقُّ الذي جاء به الباطلَ الذي عند قومه.

    قال تعالى: (( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يا قوم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ولا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )) [الأنعام: 83].

    والصواب أن إبراهيم عليه السلام اتخذ هذا الأسلوب لإقامة الحجة على قومه، وليس كما يرى بعضهم أنه كان يبحث عن الحق قبل رسالته والآيات كلها تدل على هذا المعنى الذي هو الصواب..

    ففي أولها قوله تعالى: (( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض )) وفي وسطها: (( وحاجه قومه.. )) وفي آخرها: (( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم.. ))].

    الأنموذج الثاني. يتعلق بمعبود اتهم الأرضية:
    وهي الأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم ويعبدونها من دون الله، وقد كانت حججه قولية وفعلية، وهي واضحة في سياق الآيات الآتية:

    (( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السماوات وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يا إبراهيم (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفلا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ )) [الأنبياء: 51-70]

    فعلى أهل الحق الذين يسابقون بحقهم إلى عقول الناس أن يستعدوا لجدال أهل الباطل المعاندين بالحجج والبراهين..

    ليحققوا بذلك الهدف من الجدال، وهو السيطرة البرهانية على عقول الناس حتى يقبلوا الحق أو يهزموا أمام الحجة والبرهان، فتضطر عقولهم إلى الخضوع والاستسلام، وإن كابروا وعاندوا..

    وبذلك يظهر لأتباع أهل الباطل بطلان ما هم عليه كما يظهر لهم الحق ببراهينه فتقوم بذلك الحجة وتتضح المحجة.


    الوسيلة الخامسة: التعليم.

    وهذه الوسيلة هي أكثر الوسائل تأثيراً وثباتاً ورسوخاً في السباق إلى العقول، لأنها تقوم على أسس مدروسة ومناهج هادفة، ومواد مختارة، وكتب معدة، ومعلمين مدربين، ولأن وقت التعليم طويل يبدأ في سن مبكرة ويستمر إلى الممات عند كثير من المتعلمين..

    والسبق بأي مبدأ إلى عقول الناشئين يملك عقولهم و يأسرها أسراً..

    ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي هريرة -:
    ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ )

    ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:
    (( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا )) الآيَةَ.[الحديث في صحيح البخاري برقم: 1270].

    وذلك إنما يكون بالتعليم الدراسي والأسري.

    فإذا راعى أهل الحق أسس التعليم وأحكموها، كان التعليم من أنجح وسائل السباق إلى العقول بالحق وتثبيته في تلك العقول: عقول الأفراد والأسر والحكام والمربين في كل الأجيال.


    أسس التعليم الناجحة في السباق إلى العقول.

    الأساس الأول: وضوح الغايات.

    أي غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول، وهي:
    1-تبليغ رسالات الله إلى الناس.

    2-إقامة الحجة على الخلق.

    3-إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

    4-تحقيق توحيد الله في الأرض.

    5-غرس الإيمان بالغيب في النفوس.

    6-تحكيم شرع الله في حياة الناس.

    7-غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.

    8-إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله.

    9-الاعتزاز بالله واتخاذ وسائل العزة.

    وقد سبق الكلام عنها، وهي - وإن كانت مطلوبة التحقيق من كل الوسائل - تتحقق بوسيلة التعليم وتثبت وترسخ أكثر من غيرها من الوسائل الأخرى.

    الأساس الثاني: وضع مناهج للتعليم تتحقق بها تلك الغايات.

    بحيث تشمل المناهج كل ما تحتاج إليه الأمة في حياتها، على أساس دينها الذي تضمنه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يحقق لها السيادة التي ترضي ربها في الأرض.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-12-12
  3. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    بارك الله فيك د. عبد الله الآهدل

    وكثر الله من أمثالك
     

مشاركة هذه الصفحة