السباق إلى العقول الحلقة (36) الجزء الثاني

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 319   الردود : 0    ‏2002-12-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-10
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل الحلقة (36) الجزء الثاني

    الوسيلة الثانية : تلاوة كتاب الحق على الخلق :

    من أهم الوسائل التي يجب على أهل الحق أن يسابقوا بها إلى العقول، تلاوة كتاب الحق على الخلق، وبيان معانيه لهم، حتى يفهم مراد الله تعالى منهم في أمره ونهيه، وبهذه الوسيلة يتحقق إدراك مراد الله من عباده وتقوم حجته عليهم.

    وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث في هذه الأمة هذا الرسول الكريم ليتلو عليهم آيات كتابه العظيم.

    كما قال تعالى: (( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة )) [البقرة: 129].

    وقد استجاب الله تعالى دعوة إبراهيم، فحقق بعثه هذا الرسول في هذه الأمة يتلو عليهم آيات الله.

    كما قال تعالى: (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته )) [الجمعة: 2].

    وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كتابه - وأمره له أمر لعلماء أمته بعده -

    فقال تعالى: (( اتل ما أوحي إليك من الكتاب )) وقال تعالى: (( واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك )) [العنكبوت: 45].

    وبين تعالى أن الأمم التي تكفر بالرسل في الدنيا، تعترف يوم القيامة بأن أولئك الرسل الذين بعثهم الله إليهم، قد أقاموا عليهم الحجة وبلغوهم رسالات الله بتلاوتهم آيات الله عليهم.

    كما قال تعالى: (( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين )) [الزمر: 71].

    وليس المقصود من التلاوة مجرد قراءة القرآن على الناس دون أن يفهموا معانيه، فالتلاوة وحدها تكون كافية إذا كان المتلو عليه يفقه معاني المتلو، أما إذا كان لا يفهم ذلك، كأن يكون جاهلا من العرب، أو أعجمياً لا يفهم اللغة العربية..

    فلا بد مع تلاوة القرآن عليه من بيان معنى ما يتلى عليه، كل بما يناسبه من اللغة العربية أو بالترجمة إلى لغته، وبدون ذلك لا تقوم الحجة، لأن التكليف مناطه العقول التي وصل إليها ما عقلته، وذلك لا يكون إلا بالبيان..

    كما قال تعالى: (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون )) [النحل: 44].

    ويجب أن يشمل بيان العلماء للناس كل المصالح المعتبرة في شرع الله، وكل المفاسد التي اعتبرها الشرع مفاسد، بلا فرق بين ما تعلق منها بالجانب الإيماني أو الجانب العبادي أو الجانب الفكري، أو الجانب التشريعي، أو الجانب السياسي، أو الجانب الاقتصادي والمالي، أو الجانب الاجتماعي، أو الجانب التعليمي، أو الجانب الإعلامي، أو غير ذلك مما يمس حياتهم، لأن الإسلام شامل لكل ذلك، فلا بد أن يكون البيان شاملا لما يشمله الإسلام [سيأتي مزيد بيان لهذا في موضعه إن شاء الله].

    الوسيلة الثالثة : الموعظة :

    وهي أمر زائد على التلاوة - وإن كان القرآن يشتمل عليها - والبيان، لأن كثيراً من الناس يعلم الحق ولا يتبعه، أو يعلمه ويتهاون به أو ببعضه، فيحتاج إلى تذكيره بالموعظة التي تلفت نظره وترقق قلبه، وتهز عقله للتفكير في مصلحته العاجلة والآجلة، وفيما يلحقه من ضرر عاجلا أو آجلا، إن هو لم يعمل بما علم.

    كما قال تعالى: (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) [النحل: 125].

    والموعظة تشمل الترغيب فيما عند الله من سعادة ونعيم وراحة قلب ورغد عيش في الدنيا، والترهيب مما عنده من عقاب ونكال وشقاء وقلق وتعاسة في الدنيا كذلك، كما تشمل بيان رضاه عن أهل طاعته وإثابتهم في جناته في اليوم الآخر، وبيان سخطه على أهل معصيته وجزائه لهم في نار جهنم في اليوم الآخر كذلك، والتذكير بالموت وبالقبر وما فيه من نعيم أو عذاب.

    ولا بد أن تكون الموعظة ذات عاطفة قوية جياشة، وأن تكون بليغة تجعل من يراد إبلاغ الحق إلى عقله يتفاعل معها ويفكر بعقله في الحق الذي كانت وسيلة له.

    أما إذا كانت الموعظة باهتة غير محركة للعاطفة، أو كان الأسلوب الذي تؤدى به ركيكاً غير بليغ ولا مؤثر، فإنها قد تحدث عكس المقصود منها، وقد تؤثر في قليل من الناس ولا تؤثر في كثير منهم.

    ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعظ المنافقين وعظاً مؤثراً يبلغ مداه في نفوسهم، لأن الموعظة البليغة إذا لم تؤثر في المخاطب تأثير استجابة وقبول، تؤثر فيه تأثير خوف وانهزام نفسي، يجعله جباناً أمام الحق الذي طرقت الموعظة البليغة به سمعه وعقله.

    قال تعالى : (( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً )) [النساء: 63]

    الوسيلة الرابعة: الجدال بالتي هي أحسن :

    وهو مناظرة أهلِ الحق أهلَ الباطل، ومخاصمتهم بالحجج والبراهين التي تقيم عليهم الحجة وتظهر الحق وتزيل الشبهة، وتجعل عقول أهل الباطل مضطرة للتسليم أو الانقطاع عن الجدال، لنصرة باطلهم الذي دحضه برهان الحق فجعله زاهقاً.

    وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجادل أهل الكتاب بالحسنى.

    فقال تعالى: (( وجادلهم بالتي هي أحسن )) [النحل: 125].

    وكان الجدال الذي تقام به الحجة على الناس لإخضاع عقولهم للحق، من وسائل الأنبياء وأساليبهم في دعوتهم قومهم إلى الحق الذي بعثهم الله تعالى به إليهم.

    وكان نبي الله نوح عليه السلام وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كلهم في زمانه، كثيرَ المحاجة والمجادلة لقومه طول مدة رسالته التي استغرقت ألف سنة إلا خمسين عاماً.

    حتى إن قومه الذين أصروا على التمسك بالباطل ونبذ الحق الذي جاءهم به، برموا من جداله وحججه، وطلبوا منه أن يأتيهم بما كان يتوعدهم به من عذاب الله، بدلا من الجدال والمحاجة بالبراهين..

    كما قال تعالى عنهم : (( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين )) [هود: 32].

    فلو كان قوم نوح عندهم مقدرة على الاستمرار في جداله عليه السلام بما يمكن أن يسمى حجة أو برهاناً، لما اضطروا إلى مواجهته بهذا الأسلوب الدال على أن صدورهم قد ضاقت بجداله ومحاجته.
     

مشاركة هذه الصفحة